الحقوق و العلوم القانونية‎

الرئيسية لوحة التحكم مشاركات اليوم اتصل بنا الارشيف

عودة   الحقوق و العلوم القانونية > القسم البيداغوجي > منتدى السنة الثانية LMD > القانون الجنائي

ملاحظات

المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية كلية الحقوق و العلوم السياسية مشروع بحث حول المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي من تقديم الطلبة:

إضافة رد
المشاهدات 1390 التعليقات 1
 
أدوات الموضوع طريقة العرض
boubakar_
قديم 12-01-2016 ~ 05:41
boubakar_ غير متصل
افتراضي المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي
  مشاركة رقم 1
 
عضو جديد
تاريخ الانتساب : Nov 2014
boubakar_ سيحقق الشهرة بما فيه الكفاية قريباً


الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية

كلية الحقوق و العلوم السياسية

مشروع بحث حول المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي







من تقديم الطلبة: تحت إشراف الأستاذ الفاضل: بيوض
-
-


السنة الجامعية: 2015-2016



خطة البحث
مقدمة
1) المبحث الأول: ماهية المسؤولية الجنائية
 المطلب الأول: تعريف المسؤولية الجنائية
- المفهوم المجرد
- المفهوم الواقعي
 المطلب الثاني: شروط المسؤولية الجنائية
أ‌- شروطها:
- الإدراك
- الإرادة
 المطلب الثالث: تاريخ المسؤولية الجنائية و تطورها
- في القوانين الوضعية
- في الشريعة الإسلامية



2) المبحث الثاني: المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي
 المطلب الأول: تعريف الشخص المعنوي
 المطلب الثاني: الخلاف الفقهي حول إقرار المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي
- الموقف المعارض لإقرار المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي
- الموقف المؤيد لإقرار المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي
 المطلب الثالث: موقف المشرع الجزائري من المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي


مقدمة
يعتبر موضوع الطبيعة القانونية للشخص المعنوي ومسؤوليته الجنائية من المشكلات القانونية التي ثار الجدل حولها وتشعبت الآراء بشأنها في الفقه والتشريع والقضاء على السواء وذلك طوال العصور التاريخية المتعاقبة.
ففي القانون الروماني يتقاسم الفقه في هذا الصدد مذهبان، حيث يذهب فريق إلى القول بأن هذا القانون قد عرف الشخصية المعنوية وأقر مسؤوليتها، وفي هذا الصدد يؤكد الباحثون أنه كانت هناك نصوص واضحة في هذا الشأن ويوردون من أعمال أنه لأجل مساءلة الشخص المعنوي جنائيا فلابد أن يكون الفعل محل المساءلة صادرا عن غالبية الأعضاء، أما الفعل الذي يرتكبه المديرون فلم يكن يسأل عنه الشخص المعنوي عدا حالات استثنائية تعتبر من قبيل المسؤولية عن فعل الغير. في حين أن الفريق الأخر يعتنق فكرة أن القانون الروماني لم يعرف الشخصية المعنوية إلا على سبيل الفرض والمجاز، وكذلك المسؤولية الجنائية لهذه الأشخاص ويتزعم هذا المذهب الفقيهان جيرك وسافييني
وتتضح أهمية موضوع المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية سواء من الناحية النظرية أو العلمية، في كونه طرح للمناقشة في بعض المؤتمرات الدولية، ففي أكتوبر سنة 1929 بحثه المؤتمر الدولي الثاني لقانون العقوبات في بوخاريست، فقد أشار المؤتمر إلى التزايد المستمر في عدد وأهمية الأشخاص المعنوية وما تمثله من قوة اجتماعية ضخمة في العصر الحديث، وأن أنشطتها التي تخالف أحكام قانون العقوبات يمكن أن تلحق بالمجتمع أضرارا بالغة الخطورة، وخلص إلى التوصية بأن يتضمن قانون العقوبات الداخلي التدابير الفعالة للدفاع الاجتماعي ضد الأشخاص المعنوية بالنسبة للجرائم التي ترتكب لمصلحتها أو بوسائلها وبالتالي تتحمل مسؤوليتها، وأن تطبيق هذه التدابير يجب أن لا يحول دون معاقبة الأشخاص الطبيعيين الذين يتولون إدارة الشخص المعنوي، كما ناقشه أيضا المؤتمر الدولي السابع لقانون العقوبات الذي عقد في أثينا سنة 1957 بصدد بحثه " الاتجاهات الحديثة في تعريف الفاعل والشريك في الجريمة " وأوصى بأنه " لا يسأل الشخص المعنوي عن الجريمة إلا في الأحوال التي يحددها القانون، وعندئذ يكون الجزاء الطبيعي هو الغرامة، وهو جزاء مستقل عن التدابير الأخرى كالحل والوقف وتعيين حارس، على أن يظل ممثل الشخص المعنوي مسئولا شخصيا عن الجريمة التي ارتكبها و من هنا سنعالج الإشكالية الاعتراف بالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي و سنرى موقف الفقهاء من هذا الشأن و الرأي الذي أحذ به المشرع الجزائري و لكن قبل ذلك سنتطرق إلى تعريف المسؤولية الجنائية و نبذة عنها تتمثل في أسسها و تاريخها باختصار.


المبحث الأول: ماهية المسؤولية الجنائية
I. المطلب الأول: تعريف المسؤولية الجنائية:
المسؤولية الجنائية هي الالتزام بتحمل النتائج القانونية المترتبة على إتيان الشخص لفعل يحظره القانون الجنائي ويعاقب عليه . وعلى هذا الأساس فإن هذه المسؤولية تمثل رد الفعل الاجتماعي على المخالفات التي تنتهك حرمة العلاقات الاجتماعية. والجاني بمقتضى هذه المسؤولية يتحمل الجزاء الذي ترتبه القواعد القانونية كأثر للفعل الذي يرتكبه هذا الأخير خروجا على أحكامها.
وللمسؤولية الجنائية مفهومان الأول مجرد والثاني واقعي..
- المفهوم المجرد: و يراد به صلاحية الشخص لأن يتحمل تبعة سلوكه, وهنا نجد المسؤولية صفة في الشخص أو حالة تلازمه سواء وقع منه ما يقتضي المساءلة أو لم يقع منه شيء.
- المفهوم الواقعي: يراد به تحميل الشخص تبعة سلوك صدر منه حقيقة، و هنا المسؤولية ليست مجرد صفة أو حالة قائمة بالشخص، بل هي جزاء أيضا و هذا المفهوم يحتوي المفهوم المجرد لأنه لا يتصور تحميل شخص تبعة سلوكه إلا إذا كان أهلا لتحمل هذه التبعة.


II. المطلب الثاني: شروط المسؤولية الجنائية

- شروط المسؤولية الجنائية:
أ‌. الوعي أو الإدراك:
يقصد به التمييز، أي المقدرة على فهم ماهية الفعل و طبيعته و توقع الآثار التي من شأنه إحداثها وعلى التفريق بين المحرم و المباح.
و فكرة الإدراك الإدراك تتعلق بميدان علم النفس، حيث تعبر عن العملية العقلية التي نتعرف بواسطتها على الوسط الخارجي للفرد، و تؤدي دورا هاماً في إحداث التفاعل و التوافق بين الفرد و البيئة التي يعيش بها. إذ يدخل فيها الشعور و التخيل و التذكر و العلم، كما أنها تتأثر بعادات الفرد و اتجاهاته و خبراته فهي العملية التي يصبح الفرد فيها عالماً بالموضوعات الخارجية بما فيها من علاقات، فالإدراك عبارة عن إحساس مضافا إليه معاني المحسوسات.
و تمر عملية الإدراك من الوجهة النفسية لدى الإنسان بثلاث مراحل:
- المرحلة الأولى:
هي ما تسمى بالمستوى الطبيعي، و يغلب على هذه المرحلة طابع الإحساس أكثر من الإدراك بمفهومه الدقيق، و قوام هذه المرحلة هو العالم الخارجي، و ما يصدر عنه من مؤثرات تتصل بحواس الإنسان. و لحدوث الإدراك على هذا المستوى يتعين وجود المثير الخارجي من جهة و اتصاله بعضو الإحساس سواء من جهة مباشرة أو غير مباشرة، فإذا وجد الحائل بينهما، فلا يتحقق الإدراك على هذا المستوى.
- المرحلة الثانية:
هي مرحلة الإدراك الحسي، أو ما يطلق عليها المرحلة العصبية أو الفيسيولوجية، و تبدأ هذه المرحلة عند استقبال عضو الإحساس لدى الإنسان للمؤثر الخارجي، ثم نقله إلى مراكز الإحساس بالمخ بواسطة الجهاز العصبي، والذي بدوره يقوم بتوصيل المؤثرات الحسية إلى المخ بواسطة الألياف العصبية الموردة، و بعدها تصدر تنبيهات أخرى تنقلها ألياف عصبية يطلق عليها "الألياف المصدرة للتنبيه الحركي" حيث تتحرك العضلات بناءً على هذه التنبيهات.
- المرحلة الثالثة:
مرحلة الإدراك العقلي، و هي عملية ذهنية أو عقلية خالصة، تعبر عن الإدراك أو القدرة على الفهم بمعناه الدقيق، حيث تتحول الإحساسات من أمور مادية حسية إلى معني و مفاهيم ذهنية لها دلالاتها، و يلزم لتوافر الإدراك على هذا المستوى، سلامة القوى العقلية لهذا الشخص و انتفاء الأمراض العقلية و النفسية التي تؤثر في قواه الذهنية سواء ما يشمل منها كل قوة ذهنية كالجنون التام و ما يقتصر على إفساد كل هذه القوى كالجنون الجزئي.

وعليه فإن التحديد السابق لفكرة الإدراك لها أهمية في مجال المسؤولية الجنائية، فهي تؤكد الصلة الدقيقة بين الإدراك كعنصر للمسؤولية الجنائية – وبين الحالة العقلية و النفسية للجاني وقت ارتكاب الفعل أو الامتناع عن الفعل المكون للجريمة-. كما يبين مدى تأثر الإدراك بما يصيب الشخص من أمراض عقلية أو نفسية، مما يبين دور الخبرة العقلية و النفسية في إثبات عناصر المسؤولية الجنائية، كما تبدو أهمية هذا العنصر في إبراز الأسباب التي تؤدي إلى انتفاء المسؤولية أو انتقاصها.

ب‌- الإرادة:
تمثل الإرادة العنصر الثاني للمسؤولية الجنائية، و يعبر عنها بالقدرة على السيطرة على الفعل و بالاختيار، وهي تعني التصميم الواعي للشخص على تنفيذ فعل أو أفعال معينة، و بالتالي فهي ظاهرة نفسية أيضا، و قوة يستعن بها الإنسان للتأثير على ما يحيط به من أشياء و أشخاص. و تصدر الإرادة "كنشاط نفسي واع متجه إلى تحقيق غرض معين عن طريق وسيلة معينة" عن طريق العديد من العوامل النفسية، وتتمثل هذه العوامل في "تصور الغرض الذي يريد الشخص بلوغه، ثم تصور الوسيلة التي تفي على بلوغ هذا الغرض. و الإرادة بهذا المدلول و كظاهرة نفسية كما تصدق على الأفعال المشروعة تصدق على الأفعال غير المشروعة، لأن اختلاف التكييف القانوني للفعل لا يغير من طبيعته.
و ليس ثمة شك في أن الدور الذي تقوم به الإرادة في البناء القانوني لأركان الجريمة سواء في ذلك الركن المادي أو المعنوي، إلا إن أهمية هذا العنصر تبدو كعنصر لبناء المسؤولية الجنائية، فالإرادة تعبير على قدرة الفرد في السيطرة على أفعاله و قدرته في الاختيار بين البواعث المختلفة التي تدفعه إلى ارتكاب الفعل و تلك التي تدفعه إلى الامتناع عنه في ضوء إدراك طبيعة الفعل و ماهيته. فهي تعبير "عن الحالة العقلية و النفسية الساكنة للشخص وقت ارتكاب الفعل أو الامتناع المكون للجريمة" و لا تتوافر الإرادة بهذا المدلول للشخص منذ ولادته، و إنما تنموا و تتطور بتطور الجهاز العصبي و ارتقاء المدارك الخلقية التي تساعد الشخص على التحكم في أفعاله و السيطرة عليها كما أنها تتأثر بما يصيب الشخص من أمراض نفسية و عصبية، سواء أدت تلك الأمراض إلى انتفاء قدرته على التحكم الذاتي في أفعاله أو اقتصرت على الانتقاص من هذه القدرة.
ولعل هذا المدلول للإرادة هو ما قصده المشر الفرنسي في قانون العقوبات الجديد عندما اشترط في نص المادة 122/1 في فقرتها الأولى : "انعدام التمييز أو قدرة الشخص على التحكم في أفعاله بسبب اضطراب عقلي أو عصبي لا تجعله مسؤول جنائياً"
N'est pas pénalement responsable la personne qui était atteinte, au moment des faits,
d'un trouble psychique ou neuropsychique ayant aboli son discernement ou le contrôle de ses actes



III. المطلب الثالث: تاريخ المسؤولية الجنائية و تطورها

1- في القوانين الوضعية:
كانت القوانين الوضعية في العصور الوسطى وإلى ما قبل الثورة الفرنسية تجعل الإنسان والحيوان بل الجماد محلا للمسؤولية الجنائية، وكان الجماد يعاقب كالحيوان على ما نسب إليه من أفعال ضارة، كما يعاقب الإنسان على ما ينسب إليه من أفعال محرمة، وكانت العقوبة تصيب الأموات كما تصيب الأحياء، ولم يكن الموت من الأسباب التي تعفي الميت من المحاكمة والعقاب، ولم يكن الإنسان مسؤولا جنائيا عن أعماله فقط، وإنما كان يسأل عن عمل غيره ولو لم يكن عالما بعمل هذا الغير، ولو لم يكن له سلطان فعلي على الغير فكانت العقوبة تتعدى المجرم إلى أهله وأصدقائه، وتصيبهم كما تصيبه وهو وحده الجاني وهم البراءة من جنايته.
وكان الإنسان يعتبر مسؤولا جنائيا عن عمله، سواء كان رجلا أو طفلا مميزا أو غير مميز، وسواء كان مدركا أو فاقد الإدراك. وكانت الأفعال المجرمة لا تعين قبل تحريمها، ولا يعلم بها الناس قبل مؤاخذتهم عليها، وكانت العقوبات التي توقع غير معينة في الغالب، يترك للقضاة اختيارها وتقديرها، فكان الشخص بآتي الفعل لم يجرم من قبل، فيعاقب عليه إذا رأى صاحب السلطان أن فعله يستحق العقاب، ولو لم يكن عوقب أحد من قبل، وكانت العقوبات على الفعل الواحد تختلف اختلافا ظاهرا، لأن اختيار نوعها وتقدير كمها متروك للقاضي فله أن يعاقب بما شاء وكما يشاء دون قيد ولا شرط.
هذه هي بعض المبادئ البالية التي كانت القوانين الوضعية تقوم عليها، وهي مبادئ ترجع في أساسها إلى نظرية المسؤولية المادية التي كانت تسيطر على القوانين وغيره من أهله والمتصلين به، ولا تحسب حسابا لملكات الجاني الذهنية، وقدرته على التفكير والتمييز والاختيار، وتوجيه إرادته للفعل ومدى اتصال ذلك كله بالفعل المحرم وأثره عليه.
وقد ظلت هذه المبادئ سائدة في القوانين الوضعية حتى جاءت الثورة الفرنسية فزعزعت هذه الأوضاع الجائرة، وأخذت تحل محلها من ذلك الحين مبادئ جديدة، تقوم على أساس العدالة وعلى جعل الإدراك والاختيار أساسا للمسؤولية فأصبح الإنسان الحي وحده هو محل المسؤولية الجنائية، وأصبحت العقوبة شخصية لا تصيب إلا من أجرم ولا تتعداه إلى غيره، ورفعت المسؤولية عن الأطفال الذين لم يميزوا، ووضعت عقوبات للأطفال المميزين، وارتفعت المسؤولية عن المكره وفاقد الإدراك، وأصبح من المبادئ الأساسية في القوانين أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون وأن لا عقوبة إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القوانين وقيد حرية القضاة في اختيار العقوبة وتقديرها.

2- في الشريعة الإسلامية:
من يعرف شيئا قليلا عن الشريعة الإسلامية يستطيع أن يقول وهو آمن من الخطأ، إن كانت هذه المبادئ الحديثة التي لم تعرفها القوانين الوضعية إلا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، قد عرفتها الشريعة من يوم وجودها، وإنها من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الشريعة الإسلامية.
فالشريعة لا تعرف محلا للمسؤولية إلا الإنسان الحي المكلف، فإن مات سقطت عنه التكاليف ولم يعد محلا للمسؤولية. والشريعة تعفي الأطفال إلا إذا بلغوا الحلم مما يعفى منه الرجال لقوله تعالى: "إذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم" سورة النور الآية 59 ولقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يصحو، وعن المجنون حتى يفيق".
والشريعة لا تؤاخذ المكره ولا فاقد الإدراك لقوله تعالى: "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" سورة النحل الآية 106 وقوله تعالى "فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفو رحيم" سورة البقرة الآية 173 ولقول الرسول عليه الصلاة والسلام "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
ومن القواعد الأساسية في الشريعة الإسلامية " أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى" سورة النجم الآيات 38-39 فلا يسأل الإنسان إلا عن جنايته، ولا يؤخذ بجناية غيره مهما كانت صلته به.
ومن القواعد الأساسية في الشريعة الإسلامية أن كل ما لم يحرم فهو مرخص لا عقاب على إتيانه، فإذا حرم فالعقوبة من وقت العلم بالتحريم في اختيار العقوبة أو تقديرها في جرائم الحدود والقصاص، أما في التعزير فلهم حرية مقيدة، لهم أن يختاروا العقوبة من بين عقوبات معينة، ولهم أن يقدروا كمية العقوبة إن كانت ذات حدين بما يتناسب مع ظروف الجريمة والمجرم، ولكن ليس لهم أن يعاقبوا بعقوبة لم يقررها أولو الأمر، ولا أن يرتفعوا ولا أن ينزلوا بها عن الحدود التي وضعها أو يضعها أولو الأمر.
هذه هي المبادئ الحديثة التي ابتدأت القوانين الوضعية تعرفها في القرن الماضي، قد عرفتها الشريعة الإسلامية وطبقتها قبل القوانين الوضعية باثني عشر قرنا، ومن المؤلم حقا أن يجهل أكثر رجال القانون في البلاد الإسلامية هذه الحقائق الأولية، وأن يخيل إليهم من جهلهم بأحكام الشريعة أن القوانين الوضعية هي أول ما استحدث هذه المبادئ التشريعية.
المبحث الثاني: المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي
I. المطلب الأول: مفهوم الشخص المعنوي
- تعريفه:
أعطيت الشخصية المعنوية عدة تعريفات:
منها ما قدمه الأستاذ رمضان أبو السعود بقوله: "الشخصية المعنوية ماهي إلا مجموعات من الأشخاص الطبيعية أو الأموال يجمعها غرض واحد، ويكون لهذه المجموعة شخصية قانونية لازمة لتحقيق هذا الغرض، منفصلة عن شخصية المكونين أو المنتفعين بها " .
كما عرفها الدكتور عمار عوابدي بأنها: "كل مجموعة من الأشخاص تستهدف غرضا مشتركا، أو مجموعة من الأموال ترصد لفترة زمنية محددة لتحقيق غرض معين، بحيث تكون هذه المجموعة من الأشخاص أو الأموال كيانا قانونيا " شخص قانوني" مستقلا عن ذوات الأشخاص والأموال المكونة له، له أهمية قانونية مستقلة وقائمة بذاتها لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات باسمه ولحسابه، كما أن هذه المجموعة لها مصلحة جماعية مشتركة ومستقلة عن المصالح الذاتية والفردية لأفراد المجموعة "
وهناك أيضا من يعرفها على أنها "مجموعة من الأشخاص أو الأموال تتحد من أجل تحقيق غرض معين، ومعترف لها بالشخصية القانونية، وهو كيان له أجهزة خاصة تمارس عملا معينا وأن هذه الفكرة تنتج عنها مجموعة آثار من الناحية القانونية تجعل من هذا الشخص قادرا على إبرام العقود وله ذمة مالية خاصة به، كما يتمتع بأهلية التقاضي، وقد تم اكتشاف هذه الفكرة لإضفاء الشخصية القانونية على مجموعة أشخاص وأموال سواء في مجال القانون العام، كالدولة، الولاية والبلدية، أو القانون الخاص كالشركات والجمعيات "
- عناصـــر ومقومــات الشخـص المعنــوي:
لتكوين الشخص المعنوي يجب توافر عناصر معينة فمنها الموضوعي، المادي، والمعنوي، ويشترط أن تتوافر في كافة أنواع الأشخاص المعنوية، ما عدا العنصر الشكلي فاشتراطه يختلف من حيث هو باختلاف الشخص المعنوي.
1- العنصر الموضوعي:
وهو اتجاه إرادة الأفراد إلى إنشاء الشخص المعنوي، فللإرادة دور فعال في ذلك، فالشركات لا تنشأ إلا بعقد كما جاء في نص المادة 416 من القانون المدني وهو ذاته بالنسبة للجمعية إذ تنشأ بمقتضى اتفاق وفق نص المادة السادسة من قانون الجمعيات .
2- العنصر المادي:
يتمثل في مجموعة من الأشخاص أو مجموعة من الأموال وفقا لنوع الشخص المعنوي المراد إنشائه، ففي مجموعة الأموال، كشركات المساهمة لا بد من توافر المال وأن يكون كافيا لتحقيق الغرض المقصود إضافة إلى العنصر الشخصي في مجموعات الأشخاص.
3- العنصر المعنوي:
يجب أن يكون غرض الشخص المعنوي يهدف إلى تحقيق مصلحة المجموعة، سواء كان هدفا عاما يحقق بذلك المصلحة العامة أو خاصا بجماعة معينة كمصلحة الشركاء في الشركة، ولابد من تحديد الغرض ماليا كان أو غير مالي، إضافة إلى شرط المشروعية وعدم مخالفته للنظام العام والآداب العامة.
4- العنصر الشكلي:
هذا العنصر مهم جدا في تكوين بعض الأشخاص المعنوية، خاصة منها ما يتطلب فيها القانون الرسمية والشهر أو يلزم الحصول على ترخيص خاص لاكتساب الشخصية المعنوية، كالشركـة اشتـرط أن يكـون عقدهـا مكتوبا في شكل رسمي وإلا كانت باطلــة وفقــا للمادة 418 قانون مدني جزائري، والمادة 545 من القانون التجاري، إضافة إلى الشهر وفق إجراءات القيد في السجل التجاري تبعا لأحكام المادة 417 من القانون المدني.
وبتوافر هذه العناصر يتم الاعتراف بالشخص المعنوي، بعد تدخل المشرع لإنشائها وإعطائها الصبغة القانونية ككيان لموجود قانوني ومحدد وهو ما يعرف بالاعتراف العام، كما يمكن أن يفرد القانون للأشخاص الاعتبارية الذين لا تنطبق عليهم الشروط العامة وصفا خاصا ويتدخل حالة بحالة لإنشاء ها بتشريعات خاصة، وهو ما يعرف بالاعتراف الخاص كما هو الحال بالنسبة للجمعيات.

ويترتب على الاعتراف بالشخصية المعنوية نتائج هامة أشارت إليها المادة 50 من القانون المدني بقولها:
"يتمتع الشخص الاعتباري بجميع الحقوق إلا ما كان منها ملازما لصفة الإنسان وذلك في الحدود التي يقررها القانون يكون لها:
ذمة مالية.
أهلية في الحدود التي يعينها عقد إنشاءها أو التي يقررها القانون.
موطن وهو المكان الذي يوجد فيه مركز إدارتها.
نائب يعبر عنها.
حق التقاضي.



II. المطلب الثاني: الخلاف الفقهي حول إقرار المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي:

1/ الاتجاه المنكر للمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية:
يذهب هذا الاتجاه إلى أن الشخص المعنوي لا يسأل جنائيا عن الجرائم التي تقع من ممثليه أو من تابعيه و التي ارتكبها هؤلاء لحساب الشخص المعنوي و لمصلحته, و انما تقع تلك المسؤولية على عاتق الشخص الطبيعي أي الإنسان ممثل الشخص المعنوي أو احد العاملين لديه شخصيا على أساس أن الجريمة وقعت منهم شخصيا و لا تنسب اليهم و لا يتصور وقوعها ّ أو نسبتها إلى الشخص المعنوي الذي يمثلونه أو يعملون لديه
و يستند القائلون بعدم أهلية الشخص المعنوي للمسائلة الجنائية إلى عدة حجج نذكر منها ما يلي:
أ‌- طبيعة الشخص المعنوي تجعل من المستحيل إسناد الجريمة إليه:
يذهب هذا الاتجاه إلى القول بأن طبيعته تجعل من المستحيل إسناد الجريمة إليه, فالشخص المعنوي محض افتراض قانوني من صنع المشرع و ليس له وجود مادي, و أن هذا الافتراض اقتضته الضرورات العلمية لكي يتاح للشخص المعنوي أن يمتلك الأموال و يتعاقد و حتى يكون مسؤولا مدنيا عن الأضرار التي يسببها للغير أثناء ممارسة نشاطه, ولكن هذا الافتراض لا يمتد إلى نطاق المسؤولية الجنائية لأن القانون الجنائي لا يبني أحكامه على الافتراض أو المجاز و إنما على الحقيقة و الواقع, و تتطلب المسؤولية الجنائية توافر الإدراك و حرية الاختيار, وهما لا يتوافران إلا لدي الشخص الطبيعي و بالتالي فان الشخص المعنوي يكون غير أهل لحمل المسؤولية الجنائية, ثم إن انتقاء التمييز و الإرادة لدى الشخص المعنوي يجعل من المستحيل إسناد الجريمة إليه.
ب‌- مبدأ تخصص الشخص المعنوي يحول دون الاعتراف بإمكان ارتكابه للجريمة:
يذهب المعارضون لمسؤولية الشخص المعنوي جنائيا إلى القول بأن هذه المسؤولية لا يقرها مبدأ التخصص الذي يحكم الوجود القانوني للشخص المعنوي, فالمشرع لا يعترف بالوجود القانوني له إلا بقصد تحقيق غرض اجتماعي معين, وفي حدود هذا الغرض, و هو ما يعبر عنه بمبدأ التخصص, فالشركة لتجارية مثلا تنشأ لتمارس التجارة, و النقابة تنشأ للدفاع عن مصالح مهنة معينة....الخ
فالأهلية المعترف بها للشخص المعنوي إنما هي أهلية ناقصة, وقد تقررت أهليته القانونية بغيت صلاحيته للقيام بأنشطة معينة و من تم فإن مشروعية نشاطه مشروطة بجريانه في نطاق الحدود المرسومة لنشاطه الخاص.
و لأن ارتكاب الجريمة لا يدخل بطبيعة الحال ضمن الأغراض التي تهدف الهيا الأشخاص المعنوية, فإنه يترتب على ذلك انه اذا ارتكب ممثلا الشخص المعنوي الجريمة باسمه و لحسابه الخاص, استحال نسبة هذه الجريمة إليه, لأن نسبة هذه الجريمة للشخص المعنوي يعني الاعتراف بالوجود القانوني له في خارج النطاق الذي يعترف القانون له فيه بالشخصية القانونية, فارتكاب الجريمة يخرج عن نطاق النشاط المعترف به للشخص المعنوي و الذي يتحدد و جوده القانوني بحدوده, و يكون في نسبة الجريمة إليه اعتراف بوجوده خارج النشاط الذي أنشئ لأجله.
ت‌- الاعتراف بالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي يؤدي إلى الإخلال بقاعدة شخصية العقوبة:
إن الاعتراف بالمسؤولية الجنائية لشخص المعنوي يؤدي إلى إهدار قاعدة شخصية العقوبة.. وهي من الضمانات الأساسية في القانون الجنائي الحديث و مؤداها ضرورة اقتصار إيلام العقوبة على من ارتكب الجريمة وحده دون غيره, فالعقوبة أو الجزاء لا يمكن إن توقع إلا على الشخص الذي ساهم في ارتكاب الجريمة مساهمة أصلية, أي فاعل اصلي لها, أو مساهمة تبعية أي شريك فيها, و أن تحميل الشخص المعنوي بالمسؤولية الجنائية التي يرتكبها ممثلوه يؤدي إلى توقيع العقوبات المقررة عليه, و في ذلك إخلال بمبدأ شخصية العقوبة, لأن العقوبات التي توقع عليه لن يقتصر إيلامها على من ارتكب الأفعال غير المشروعة و إنما سوف يمتد إلى غيرهم من الأشخاص الذين يكونون الشخص المعنوي أو تكون لهم مصالح فيه.
ث‌- عدم تناسب العقوبات الجنائية للتطبيق على الشخص المعنوي:
إن اغلب العقوبات التي يقرها المشرع الجنائي لا يمكن توقيعها على الشخص المعنوي, فهذه العقوبات مخصصة للأشخاص الطبعيين, فغالبية أنواع هذه العقوبات و طبيعتها لا يمكن تطبيقها على الأشخاص المعنوية خاصة العقوبات السالبة للحرية أو الإعدام و حتى العقوبات المالية التي يمكن أن توقع على الشخص المعنوي كالغرامة فان تنفيذها أحيانا تعترضه بعض العقبات حيث يقرر المشرع في عدم دفع الغرامة الجزائية اختيارا جواز تطبيق الخيار البدني على المحكوم عليه و هذا الخيار لا يمكن إتحاذه ضد الشخص المعنوي
ج‌- معاقبة الشخص المعنوي لا تحقق الأغراض المستهدفة من العقوبة:
يرى بعض معارضي مبدأ المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي أن الإقرار "بالمسؤولية الجنائية" يصطدم بنظام العقوبة، فالعقوبة في جوهرها ألم، يصيب أذاها من توقع عليه و تحقق غرضها النفعي في الرضع أو الإصلاح فيه ، و أن الإحساس بألم العقوبة و أثرها النفسي في ردع الجناة أو العامة أو في تأهيل المجرمين لا يتصور إلا للشخص الطبيعي الذي يتمتع بالإدراك و التمييز و الإرادة و هو ما يفتقده الشخص المعنوي و الذي لا يملك القدرة على التمييز و ليس له إرادة مستقلة، و بالتالي يصبح من غير المعقول التحدث عن إصلاحه أو تأديبه أو ردعه و تخويفه.



2/ الاتجاه المؤيد للمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي:
يتبنى هذا الاتجاه الفقه الجنائي الحديث، إذ يعترف أنصاره بوجوب مساءلة الأشخاص المعنوية جنائيا وذلك بجانب معاقبة الشخص الطبيعي ممثل الشخص المعنوي أو أحد العاملين لديه أذا ارتكب جريمة أثناء ممارسة عمله لديه، و يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الحجج التي ساقها انصار الاتجاه المنكر لمسؤولية الشخص المعنوي جنائيا المذكورة في المطلب السابق ليست قاطعة في رفض مسؤوليته الجنائية، و يستند أصحاب هذا الاتجاه في تأكيد وجهة نظرهم إلى الرد على حجج المعارضين و دحضها، و أيضا إلى اعتبارات أخرى تستوجب ضرورة إقرار مسؤولية الشخص المعنوي جنائيا.
و في ما يلي بيان لذلك:
1. الرد على حجج الاتجاه المعارض لإقرار المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري:

أ‌. طبيعة الشخص المعنوي لا تتناقض مع تقرير مسؤوليته الجنائية:
يذهب أنصار هذا الاتجاه إلى القول بأن الشخص المعنوي محض افتراض و ليست له إرادة.. هذا القول لا يستقيم الآن مع الحقائق القانونية و الاجتماعية، ذلك أن نظرية الافتراض أصبحت مهجورة فقها و قضاء و حلت محلها الآن نظرية الحقيقة التي تقرر أن الشخص المعنوي حقيقة اجتماعية و قانونية لا يمكن إنكارها أو التغاضي عنها، فلا يمكن إنكارها اجتماعيا لأنها أصبحت جزءا من النسيج الاجتماعي الذي يؤدي دورا رائدا في الحياة الاجتماعية، كما أنها حقيقة قانونية يعترف بها القانون و يحدد مجال نشاطها، و أسلوب ممارستها لهذا النشاط و حقوقها وواجباتها القانونية.
ب‌. مبدأ تخصص الشخص المعنوي لا يحول دون الاعتراف بإمكان ارتكابه للجريمة:
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن ما ذهب إليه المعارضون لمبدأ المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي، أن مبدأ تخصص الشخص الاعتباري يحول دون مسائلته جنائيا لأن مبدأ التخصص هو الذي يحدد الوجود القانوني للشخص المعنوي و يحصره في الغرض الذي أنشئ من أجله و ليس منه ارتكاب الجرائم، فإن هذه الحجة وفقا لأصحاب هذا الاتجاه المؤيد حجة واهية ولا تنتهض مبررا لعدم مسائلته جنائيا، فمبدأ التخصص لا علاقة له بالوجود القانوني للشخص المعنوي ولا بقدرته على ارتكاب الجرائم، و إنما تنحصر أهميته في تحديد النشاط المصرح للشخص المعنوي القيام به، بحث اذا خرج عن حدود تخصصه ظل له وجود و لكن نشاطه يعتبر غير مشروع، و من تم فإن تخصص الشخص المعنوي و إن كان من الممكن الاحتجاج به في إطار القانون الإداري، إلا انه لا يمكن أن يحتج به في مجال افتراضه للجريمة، حيث يمكن حدوثه منه في نطاق تخصصه كما يتصور حدوثها منه خارج ذلك النطاق بل أن الثابت أن الشركة مثلا في اطار ما قامت من أجله و هو تحقيق غايتها في الربح، يمنكن أن ترتكب الجريمة الممنوعة وفقا للقوانين التي تحدد السعر أو الربح و يلجئ بلك أو شركة في سبيل الحصول على ربح إلى القيام بأعمال التهريب أو مضاربات غير مشروعة، و بإعمال الحجة المستمدة من مبدأ التخصص فإنه لا يمكن مواجهة تلك الجرائم خاصة في الحلات التي يصعب فيها إسناد ارتكاب الخطأ لشخص معين و يؤدي ذلك إلى إفلات المجرمين في تلك الجرائم و أمثالها من العقاب و يشكل هذا الأمر موقفا خطيراً على مصلحة المجتمع، إذ قد يوحي مثل هذا النظر إلى الأفراد برسالة سلبية مفادها أن للإفلات من المسؤولية الجنائية فإنه يمكنهم تكوين جمعية أو شركة يستترون وراءها و ليمارسوا من خلالها أبشع أنواع الجرائم، و من تم ينفتح باب الخطر على أمن المجتمع و مصالحه في صورة أشد ضراوة من خطر الأفراد المنفردين.
ح‌- ليس في مسائلة الشخص المعنوي جنائياً إحلال بمبدأ شخصية العقوبة:
يذهب أنصا هذا الاتجاه المؤيد لمبدأ المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي أن مسائلته لا تشكل إخلالاً بمبدأ شخصية العقوبة، لأن الإخلال بهذا المبدأ يفترض أن توقع العقوبة على شخص لم يرتكب الجريمة سواء بوصفه فاعلاً لها أو شريكاَ فيها، أما اذا وقعت على مسؤول عن الجريمة و امتدت أثارها بطريق غير مباشر إلى أشخاص يرتبطون به فلا يعتبر ذلك مخالفا للمبدأ، و بذلك فإن الحجة التي قالها معارضون لمبدأ مساءلة الشخص المعنوي جنائيا من أن مساءلته جنائيا تؤدي إلى الإخلال بمبدأ شخصية العقوبة فإن هذه الحجة تنطوي على الخلط بين العقوبة و النتيجة الغير المباشرة لها، و ذلك لأن توقيع العقوبة على الشخص المعنوي إنما يراد بها تحقيق الغاية المرجوة من العقاب لصالح المجتمع، فإقرار مسؤوليته يراد بها مواجهة فعل ارتكب ممن يتقمصون شخصيته و يجسدونها مما يستتبع مسائلة الأشخاص الطبيعيين الذين ارتكبوا الأفعال المجرمة و أيضا مسائلته هو – أي الشخص المعنوي – ووقوعه تحت طائلة العقاب باعتبار أن الخطأ الذي ارتكب إنما اقترفه الممثلون لإرادته فيعتبر كأنه صادر منه، و بالتالي فإن استطالة أثر العقاب الذي تم تويعه على الشخص المعنوي إلى الأشخاص المكونين له يمكن تحميله على أنه من قبيل الآثار الغير المباشرة للعقوبة، و هي ذات النتائج التي تحدث بالنسبة للشخص الطبيعي إذ في حالة الحكم عليه بعقوبة سالبة للحرية أو حتى بعقوبة مالية فإن أفراد أسرته يعانون من تلك الآثار سواء تمثل ذلك في حرمانهم ممن يعولهم أو في الإنقاص من دخلهم، و هي آثار واقعية لا شأن لها بمبدأ شخصية المسؤولية الجنائية، يضاف إلى ذلك أن انصراف أثر العقوبة التي توقع على الشخص المعنوي بطريق غير مباشر إلى المساهمين فيه يحقق مصلحة اجتماعية لأنه سوف يدفع هؤلاء إلى مراقبة الشخص المعنوي و القائمين عللا إرادته حتى لا يلجئ إلى وسائل غير مشروعة لتحقيق إرادته.
خ‌- تطويع العقوبات الجنائية لتتلاءم مع طبيعة الشخص المعنوي:
يرى أصحاب هذا الاتجاه المؤيد أن ما ذهب إليه أصحاب الاتجاه المنكر للمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي من عدم إمكان تطبيق معظم العقوبات عليه، فإن هذا القول و إن كان صحيحا إلا انه لا يصدق إلا على عقوبة الإعدام و العقوبات السالبة للحرية، فهذه العقوبات وحدها هي التي لا تتلاءم مع طبيعة الشخص المعنوي فلا يمكن تصور توقيعها عليه، و مع ذلك فهذا لا يعد سبباً كافياً للقول بعدم إمكانية مسائلته جنائياً عن الجرائم التي يرتكبها ممثلوه أو القائمين على إرادته أثناء ممارستهم لاختصاصاتهم باسمه و لحسابه، فالعقوبات الحالية منها ما يتلائم و طبيعة الشخص المعنوي، و بالتالي فإن تطبيقها عليه لا يثبر أي صعوبة مثل العقوبات المالية كالغرامة و المصادرة، و منها ما يمكن تطويعه ليتلائم مع طبيعته مثل الإعدام فيقابله حل الشخص المعنوي أو العقوبات السالبة للحرية و التي يمكن أن يستعاض عنها بالحرمان من بعض المزايا أو الوضع تحت المراقبة أو تضييق دائرة النشاط المصرح به أو الغلق أو غير ذلك من العقوبات الملائمة لطبيعته، كما أنه يمكن ابتداع عقوبات جديدة تتلائم معه فالعقوبات شأنها شأن كل المسائل الجنائية تخضع لسنة التطوير و التغيير فليس هناك ما يمنع من تطوير و تحديث العقوبات التي يمكن أن توقع على الشخص المعنوي لكي تتفق مع طبيعته الخاصة، بل انه حين لا تسمخ بعض العقوبات بتوقيعها على الشخص المعنوي فإن فكرة التدابير الاحترازية يمكن أن تكمل هذا النقص و تقدم حلولاً بديلة لمواجهة الأخطار التي قد تنجم عن انحراف الشخص المعنوي في ممارسة نشاطه عن الوسائل المشروعة.
د‌- وظائف العقوبة لا تنحصر فقط في الإصلاح و التأهيل:
يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى القول بعدم ملائمة نظام العقوبة للشخص المعنوي مردود عليه بأن أغراض العقوبة في الردع و الإصلاح ليست مستبعدة تماماً لأن توقيعها على الشخص المعنوي يؤثر على نشاطه مما يدفع القائمين على إدارته إلى دفعه إلى تجنب الوقوع في هاوية الجريمة مرة أخرى.
يضاف إلى ذلك أن هذا القول فيه حصر لأغراض العقوبة في غرض واحد و هو الردع الخاص أي إعادة التأهيل و الإصلاح و هذا الغرض و إن كان هو أهم الأغراض، إلا أنه ليس الغرض الوحيد، فهناك الردع العام و الوقاية أو المنع، وهذا الردع العام يتحقق بالنسبة للشخص المعنوي بامتناع الأشخاص المعنوية الأخرى عن ارتكاب الجرائم، بل أن الردع الخاص يمكن أن يتحقق بالنسبة لبعض العقوبات التي توقع على الشخص المعنوي و تحقق إصلاحه مثل وضعه تحت الحراسة أو الرقابة القضائية. لأن العقوبة الجنائية ليست هي الصورة الوحيدة للجزاء الجنائي التي تستهدف القضاء على الخطورة الإجرامية، لذلك فإن هذه التدابير الاحترازية و التي يمكن تطبيقها على الأشخاص المعنوية تهدف إلى القضاء على الخطورة الإجرامية لحماية المجتمع من صور السلوك الذي يتهدده عن طريق الأشخاص المعنوية.
3/ موقف المشرع الجزائري من المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي:
لقد تأثر المشرع الجزائر بالنهج الذي تبناه المشرع الفرنسي في قانون العقوبات الذي كان يقوم على رفض الإقرار بالمسؤولية الجنائية المطلقة للشخص المعنوي وجاء في المادة 121/02 من قانون العقوبات الفرنسي (( أن الأشخاص المعنوية مسؤولة جزائيا . عن الجرائم المرتكبة من قبل هيئاتها وممثليها لحسابها )) ويقصد بعبارة لحسابها أن الشخص المعنوي لا يسال إلا عن الأفعال التي يتم تحقيقها لمصلحته أو لفائدته كتقديم رشوة لتحصيل مؤسسة على صفقة.
والمشرع الجزائري كان يرفض كليا الاعتراف بمسؤولية الشخص المعنوي إلا بعد التعديل الأخير كما استبعدت المادة 647 من قانون الإجراءات الجزائية إمكانية توقيع العقوبة على الشخص المعنوي إلا بصفة استثنائية مع إمكانية اتخاذ تدابير أمن ضده، وهو بذاك يكون قد تبنى توصيات المؤتمر السابع لقانون العقوبات الذي جاء فيه عدم مساءلة الشخص المعنوي بل يسال من يمثله جنائيا من أشخاص طبيعيين لان المسؤولية مبنية على الإرادة والإدراك الحر ، كما أن المؤتمر تبنى إمكانية اتخاذ تدابير وإجراءات وقائية تجاه الأشخاص المعنوية
وهو ما ذهبت إليه المادة 26 من قانون العقوبات الجزائري تطبيقاً لأحكام المادة 20 من نفس القانون التي تنص على تدابير الأمن العينية وهي : مصادرة الأموال – إغلاق المؤسسة
وخلاصة القول أن المشرع الجزائري قد استبعد المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي
مع إمكانية توقيع تدابير آمن عليه .
ولكن بموجب القانون رقم 04/15 المؤرخ في 10/11/2004 المعدل والمتمم لقانون العقوبات قد تراجع المشرع عن موقفه بالنظر إلى زيادة عدد ومخاطر وأخطاء الأشخاص المعنوية مما توجب إخضاعهم لقانون العقوبات مع مراعاة الطبيعة الخاصة لهم، مع مراعاة دور الأشخاص القائمين بأعمال والممثلين للشخص المعنوي من اجل تحقيق حماية جنائية فعالة للمجتمع .
وعليه وتماشيا مع هذا النهج والتطور فقد ادرج المشرع الجزائري جمله من العقوبات المطبقة على الشخص المعنوي مع مراعاة الطبيعة الخاصة له.









خاتمة:

في رأيي الخاص و من خلال تحضيري لمسروع البحث هذا أرى أن المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي باتت أمراً مفروضا وحقيقة واقعية استلزمتاها متطلبات الحياة العصرية ومع ذلك يجب مراعاة خصوصية هذه الأشخاص وربط متابعتها جزائيا بوجود نص صريح يفيد بذلك ، مع العلم أن مسؤولية الشخص المعنوي لا تحجب متابعة الشخص الطبيعي فان مسؤوليته لا تستلزم بالضرورة متابعة الشخص الطبيعي.














قائمة المراجع

1/ شريف سيد كامل - المسئولية الجنائية للأشخاص المعنوية- دراسة مقارنة
2/ المسؤولية الجنائية فتوح عبد الله الشاذلي
3/ محاضرات في القانون الجنائي العام – دراسة مقارنة- د. عبد الرحمن خلفي
4/ مجلة العلوم القانونية(مدونة إلكترونية) خالد الدك

5/ قانون العقوبات الفرنسي آخر نسخة 18-10-2015



  رد مع اقتباس
عبدالصمد اشميلة
قديم 20-04-2016 ~ 05:59
عبدالصمد اشميلة غير متصل
افتراضي رد: المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي
  مشاركة رقم 2
 
عضو جديد
تاريخ الانتساب : Apr 2016
عبدالصمد اشميلة سيحقق الشهرة بما فيه الكفاية قريباً


بحث جيد شكرا لك
  رد مع اقتباس
إضافة رد

علامات

دالّة الموضوع
مسؤواية جزائية

أدوات الموضوع
طريقة العرض
عادي عادي

ضوابط المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : نشيط
كود [IMG] : نشيط
كود هتمل : خامل

الانتقال السريع

مواضيع ذات صلة للموضوع: المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي
الموضوع الكاتب المجلس المشاركات المشاركة الأخيرة
اكثر من 220 ملف وعنوان جاهز للتحميل في القانون bounab كتب و مذكرات وأبحاث القانونية 0 11-12-2015 11:35
بحث حول الشخصية المعنوية في القانون الايداري david assil القانون الاداري 0 06-11-2015 09:40
اختصاص النيابة العامة legal researcher كتب و مذكرات وأبحاث القانونية 1 11-08-2015 06:04
العقوبات المالية- النظر والتطبيق د.عبدالله الفاضل عيسى كتب و مذكرات وأبحاث القانونية 1 19-05-2015 08:35


اعلان نصي الرئيسية روابط نصية الحقوق روابط نصية العلوم القانونية روابط نصية LMD روابط نصية اعلان نصي

التوقيت حسب جرينتش +1. الساعة الآن 11:30.
Powered by vBulletin® Copyright ©2000-2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
Translated By alkahf©