للتسجيل اضغط هـنـا



أسبـاب الإبــاحةو مــوانع المسؤوليــة

مقدمــة الإنسان كائن اجتماعي لا يمكنه أن يعيش بمعزل عن أقرانه ، فهو عاجز عن الوفاء بمختلف حاجاته بمفرده ، فلا غنى له عن الحياة في بيئة

إضافة رد
  #1  
قديم 08-01-2011, 07:13
الصورة الرمزية BOKALI
BOKALI BOKALI غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
الدولة: Algeria / Ain Defla
المشاركات: 476
مقالات المدونة: 11
BOKALI will become famous soon enough

الاوسمة

افتراضي أسبـاب الإبــاحةو مــوانع المسؤوليــة

مقدمــة
الإنسان كائن اجتماعي لا يمكنه أن يعيش بمعزل عن أقرانه ، فهو عاجز عن الوفاء بمختلف حاجاته بمفرده ، فلا غنى له عن الحياة في بيئة اجتماعية يتأثر بها و يؤثر فيها من خلال التصرفات و السلوكات الصادرة عنه التي قد تكون نافعة و قد تكون ضارة نتيجة غريزة الأنانية و حب البقاء و التملك ، و تتمثل هذه الأفعال الضارة في الجرائم بمختلف صورها و درجاتها ، و من خلال الجريمة و رد الفعل عليها تكونت النواة الأولى لقانون العقوبات الذي جاء لحماية حقوق الأفراد و حرياتهم .
و تظهر الجريمة ككيان مادي يشمل السلوك الإجرامي الذي يقوم به الفاعل
و النتيجة الإجرامية الناتجة عن هذا السلوك و العلاقة السببية الرابطة بينهما ، و يعد هذا الفعل مجرما إذا ورد بتجريمه نص في قانون العقوبات أو القوانين المكملة له ، إلا انه في بعض الحالات قد يعتبر الفعل جريمة طبقا لنص قانوني لكن هذا النص لا يطبق عليه لوجود أسباب تعطل تطبيقه هي أسباب الإباحة و تتمثل في ، أمر و إذن القانون
و الدفاع الشرعي ، و رضا المجني عليه كسبب إباحة اقره القانون المقارن ، لان هذه الأسباب تعتبر الجانب السلبي في ركن المشروعية الذي ينبغي نفيه لتحقق صفة اللامشروعية في الفعل المرتكب ، كما أنها تفترض أن الفعل توافرت فيه كافة الأركان اللازمة لقيام الجريمة و المبينة في نص التجريم ثم ينحصر دورها في إخراج هذا الفعل من نطاق التجريم الى الإباحة .
و تقتضي الجريمة إضافة إلى وجود سلوك مادي يجرمه القانون وجود صلة نفسية بين هذا السلوك و الفاعل بأن يكون مدركا و حرا في اختياره ، فهي ليست كيانا ماديا خالصا بل كذلك كيان نفسي ، باعتبارها تصدر عن شخص يعده القانون مسئولا عنها متى توافرت لديه الأهلية الجزائية التي تجعله قادرا على التمييز بين الفعل المجرم و غير المجرم ، و تعطيه الاختيار بين إتيان الفعل أو الامتناع عنه.
فالمسؤولية الجزائية تثبت إذا اجتمع شرطان هما التمييز و حرية الاختيار ، فإذا انتفى أي من هذين الشرطين ترتب على ذلك امتناع المسؤولية الجزائية ، و منه جاءت تسمية الأسباب التي تنفي التمييز و حرية الاختيار بموانع المسؤولية ، و تتمثل في صغر السن ، و الجنون ، و السكر ، و حالة الضرورة ، و الإكراه .
و عليه إذا اقترن الفعل المجرم بسبب مبيح انتفت عنه صفة التجريم و إذا فقد مرتكبه التمييز و حرية الاختيار انتفت مسؤوليته الجزائية و من هنا تظهر أهمية هذا الموضوع .
علاوة على أن القواعد التي تقرر سببا للإباحة أو لامتناع المسؤولية تعتبر جزءا مكملا لقواعد التجريم فالقتل مثلا جريمة طبقا لنصوص التجريم إلا إذا ارتكب في حالة من حالات الإباحة ، و يعاقب المجرم على جريمته إلا إذا قام مانع من موانع المسؤولية فهذه القواعد دورها الحد من نطاق فاعلية نصوص التجريم فهي ترسم حدود قاعدة التجريم .
كما أنه بإقرار هذه القواعد تتحقق العدالة من خلال الاهتمام بشخصية الفاعل حين توقيع العقوبة ، فتوقيع عقوبة واحدة على فاعلين يختلف كل منهم في الدوافع ، والظروف التي قامت فيها الجريمة يتنافى و القيم الإنسانية فمن ارتكب جريمة سرقة لإحضار دواء لابنه المريض ليس كالذي يسرق لشراء الخمر ، و من يرتكب جريمة بسبق الإصرار
و الترصد ليس كمن ارتكبها فاقدا وعيه .
و يمكن من خلال أسباب الإباحة و موانع المسؤولية أيضا تحديد القانون الجديد الأصلح للمتهم ، لأنه قد يكون كذلك إذا كان النص الجديد يقرر سبب إباحة للفعل أو مانعا للمسؤولية لم يكن منصوصا عليه في النص القديم و بالتالي يستفيد منه المتهم .
كما يظهر أثر هذا الموضوع في ضبط أحكام المساهمة الجزائية .
و نظرا لهذه الأهمية التي يكتسبها هذا الموضوع نحاول التطرق إليه بشيء من التفصيل من خلال الإجابة على الإشكاليات التالية :
* إلي أي مدى يمكن أن تؤثر أسباب الإباحة و موانع المسؤولية في الصفة الإجرامية للفعل و المسؤولية الناجمة عنه ؟
* مــا مدى مصداقية رضا المجني عليه في محو الصفة الإجرامية عن الفعل باعتبار قانون العقوبات من النظام العام ، لا يجوز للفرد تعطيل تطبيقه بإرادته ؟
* إلى أي مدى يمكن اعـتبار السكر مانعا للمسؤولية إذا كان لإرادة الإنسان دخل فيه ؟


و للإجابة على هذه الإشكاليات اتبعنا المنهج التاريخي ، و التحليلي و المقارن وفق خطة تضم فصلين تناولنا في الفصل الأول أسباب الإباحة و قسمناه إلى مبحثين نعالج في المبحث الأول ماهية أسباب الإباحة و في المبحث الثاني تقسيم أسباب الإباحة بحسب الأشخاص المستفيدين منها ، أما الفصل الثاني فقد خصص لموانع المسؤولية و يندرج تحته كذلك مبحثين نعالج في المبحث الأول عموميات حول المسؤولية الجزائية ، و في المبحث الثاني تقسيم موانع المسؤولية ، و تفصيل الخطة كالآتي .

الخــــطة

مقدمــة
الـفصل الأول : أسبـاب الإبــاحة
المبحث الأول : ماهية أسباب الإباحة
المطلب الأول : مفهوم أسباب الإباحة
الفرع الأول : التطور التاريخي لأسباب الإباحة
الفرع الثاني : تعريف أسباب الإباحة
الفرع الثالث : التمييز بين أسباب الإباحة و الحالات المشابهة .
المطلب الثاني : آثار أسباب الإباحة
الفرع الأول : أسباب الإباحة و تعدد المساهمين .
الفرع الثاني : الغلط في الإباحة
الفرع الثالث : الجهل بالإباحة
المبحث الثاني : تقسيم أسباب الإباحة بحسب الأشخاص المستفيدين منها
المطلب الأول : الأسباب النسبية للإباحة
الفرع الأول : أمر القانون
الفرع الثاني : إذن القانون
المطلب الثاني : الأسباب المطلقة للإباحة
الفرع الأول : الــدفاع الشرعي
الفرع الثاني : رضا المجــني عليه
الفصل الثاني : مــوانع المسؤوليــة
المبحث الأول : عموميات حول المسؤولية الجزائية
المطلب الأول : مفهوم المسؤولية الجزائية
الفرع الأول: أساس المسؤولية الجزائية
الفرع الثاني : مراحل المسؤولية الجزائية
المطلب الثاني : انتقاء المسؤولية الجزائية
الفرع الأول : أركان المسؤولية الجزائية
الفرع الثاني : أسباب امتناع المسؤولية الجزائية .
الفرع الثالث : الفرق بين المسؤولية الجزائية و المدنية
المبحث الثاني : تقسيم موانع المسؤولية
المطلب الأول : موانع المسؤولية بسبب انعدام الأهلية
الفرع الأول : صغر السن
الفرع الثاني : الجنون
الفرع الثالث : السكر
المطلب الثاني : موانع المسؤولية بسبب انعدام حرية الاختيار
الفرع الأول : حـــالة الضرورة
الفرع الثاني : الإكراه
الخــــاتمة




رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 07:37   #2
BOKALI
المشرف العام

الصورة الرمزية BOKALI


تاريخ التسجيل: Jun 2010
الدولة: Algeria / Ain Defla
المشاركات: 476
مقالات المدونة: 11
BOKALI will become famous soon enough

الاوسمة

افتراضي رد: أسبـاب الإبــاحةو مــوانع المسؤوليــة

الفصل الأول : أسبـــاب الإبـــاحة .
تستوجب الجريمة قيام المسؤولية الجزائية لمرتكبها ، و يتمثل أثر هذه المسؤولية في الجزاء الجنائي أيا كانت صورته ، لكن هناك حالات ترتكب فيها أفعال مخالفة للقانون
و لا يتحمل مرتكبها أي مسؤولية عنها ، و نكون بصدد هذه الحالات إذا توافر سبب من أسباب الإباحة .
و قد ثار خلاف بين الفقهاء حول موقع أسباب الإباحة في قانون العقوبات و انقسم الفقه بصدد ذلك إلى فريقين :
- فريق ألحق أسباب الإباحة بالمسؤولية الجزائية على أساس أنها من الأسباب الموضوعية لانعدام المسؤولية و تقابلها الأسباب الداخلية أو الذاتية لانعدام المسؤولية متمثلة في الجنون و الإكراه و صغر السن و ينتج عن كل هذه الأسباب عدم المساءلة الجزائية .
- فريق ألحقها بالركن الشرعي للجريمة لأنها تعدمه ، و من ثم تنتفي الجريمة لغياب أحد أركانها مستندا في ذلك إلى ما نص عليه قانون العقوبات الفرنسي القديم في المادتين 327- 328 و التي تقابلها المادة 39 في قاع الجزائري ، و إن كان المشرع الفرنسي قد تراجع عن رأيه في قانون العقوبات الجديد الصادر في سنة 1992 .
حيث أنه أعاد النظر في طبيعة الأفعال المبررة ، فلم تعد أسبابا لمحو الجريمة ، بل أصبحت من موانع المسؤولية (1) .
لذا ارتأينا أن ندرس في هذا الفصل ، الأفعال المبررة تحت عنوان أسباب الإباحة و يندرج تحت هذا الفصل ، مبحثين نعالج في المبحث الأول ماهية أسباب الإباحة و في المبحث الثاني تقسيماتها بحسب الأشخاص المستفيدين منها .




________________________
1)- د/أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، الطبعة الثانية ، الجزائر ، دار هومة ، سنة 2004
ص 135-136 .
المبحث الأول : مــاهية أسباب الإباحة
يقوم الركن الشرعي في الجريمة على وجود نص يجرم الفعل ،وعدم اقتران هذا الفعل بسبب مبيح فإذا توافر أحد أسباب الإباحة ارتفع الوصف الإجرامي عن الفعل فهذه الأسباب تعمل على إعدام الركن الشرعي للجريمة وبالتالي يخرج الفعل من دائرة التجريم إلى دائرة الإباحة .
فلإباحة إذن وصف يلحق بالفعل ولا شأن له بشخص الفاعل لذلك كانت أسبابا عينية
أو موضوعية تحول دون قيام المسؤولية أيا كان نوعها .لذلك سنعالج في هذا المبحث مفهوم أسباب الإباحة في المطلب الأول ونعالج في المطلب الثاني أثار أسباب الإباحة.
المطلب الأول: مفهوم أسباب الإباحة .
مهما توصلت القوانين الوضعية بشأن أسباب الإباحة فإنها لم ترق إلى ماهي عليه اليوم إلا خطوة خطوة ، ولم تعرف إلا سببا بعد سبب رغم بروزها إلى الوجود الفعلي في صورة حالات خاصة وحوادث عملية على خلاف الشريعة الإسلامية التي عرفت جميع هذه الأسباب منذ مدة تزيد عن 14 قرنا.
وحسب المادة 02 من الدستور الجزائري(*) وطبقا لمبدأ سمو الدستور ، فإن الدستور يعلو على قانون العقوبات لذا يتعين تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على بعض الأفعال المباحة شرعا التي لم يرد بها نص في قانون العقوبات لذا يتعين تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على بعض الأفعال المباحة شرعا التي لم يرد بها نص في قانون العقوبات
و رغبة منا في معرفة نشأة هذه الأسباب و أحكامها ، نعالج في هذا المطلب كخطوة أولية التطور التاريخي لهذه الأسباب ، ثم تعريفها ، ثم نميز بينها و الحالات المشابهة لها
الفرع الأول : التطور التاريخي لأسباب الإباحة .
لم تظهر أسباب الإباحة إلى الوجود دفعة واحدة و لم تعرف سابقا كما هي اليوم
و يرجع تاريخها إلى عمق العدالة الجزائية عبر تطورها البطيء ، و قد برزت إلى الوجود في صورة حالات خاصة و حوادث عملية ، كان يكتفي القضاء و المشرعون لاسيما في العهود الرومانية بضبطها و تدوينها حتى تكاثرت و تعددت ، فأصبحت أحكاما عامة
________________________
*) - نص المادة 02 من الدستور الحالي الصادر في 28 نوفمبر 1996 " الإسلام دين الدولة "
مسلما بها دون النص الصريح عليها ، بالإضافة إلى أن الشرائع الدينية نفسها قد تضمت بعض الأشكال منها كطريقة للمغفرة و المعذرة ، و الحل من الخطايا و الذنوب و الآثام
فكان لابد أن تتقبل الأعراق الاجتماعية مع الزمن في كافة الأقطار فكرة أسباب التبرير و لو كانت أصلا ذات وجه سلبي يتعارض مع التجريم لان الحكمة الشعبية المشتركة بنت هذه الأسباب على أساس المصلحة العامة ، و لو اضطرارا في تغليب الإباحة و التبرير على التجريم و التحريم بالنسبة لوقائع معينة ضمن شروط محددة
و لم تبلغ هذه الاعتبارات المتعارف عليها درجة المبادئ القانونية المقررة إلا مع انطلاقة التشريعات الجزائية المكتوبة في مطلع الربع الأول من القرن 19 إذا درجت ضمن غالبية القوانين التي لحظتها و تناولت نطاقها و مداها و أحوالها .
أولا: في القانون الفرنسي .
يمكن القول إن القانون الفرنسي الصادر في سنة 1810 قد كان سباقا في هذا المجال إذ نص لأول مرة على أسباب التبرير في المواد 327-328-329 .(1)
غير أنه يعاب على هذا القانون بعض الأخطاء :
- وضع أسباب التبرير في القسم الخاص من قانون العقوبات و ليس في القسم العام حيث مركزها الحقيقي ، و قد صرح بهذا معظم الفقهاء .
- حصر أسباب التبرير في الجنايات و الجنح الواقعة على حياة الإنسان و سلامته الجسدية فقط و على وجه الخصوص جرائم القتل و الجرح ، كما أن تلك الحالات تقتصر على الاعتداء على حياة الإنسان و سلامة جسمه فقط دون الحقوق المادية و المعنوية و المالية ، رغم أنها حالات و ظروف شاملة و متعددة غير أن الاجتهاد القضائي قد توسع في التفسير لجهة شمول أسباب التبرير كافة الأفعال الإجرامية المنطبقة عليها .
- يلاحظ أن حدود التجريم تتداخل مع أسباب التبرير مما يشكل ، خطرا قانونيا نظرا للتنافر القائم بين هاتين الوضعيتين المتعارضتين و لو كانتا متقابلتين اذ لكل منهما نطاق معلوم به ، فلا يجوز لتشريع جزائي أن يعاقب على نفس الفعل الذي يبيحه أو يبرر التصرف الواحد و هو يحظره.
_______________________
1) - د/ فريد الزغبي ، المسؤولية الجزائية ، المجلد الرابع ، الطبعة الثالثة، لبنان ، سنة 1995 ، ص 10-12-13 .
- جاءت أحكام القانون الفرنسي في هذا المجال ناقصة في اقتصارها على الدفاع الشرعي ، و إطاعة القانون ، و أمر السلطة و حتى في الجمع بين حالة الدفاع المشروع و حالة الضرورة بطريقة مباشرة و موحدة ، رغم الفرق الشاسع بينهما مما حمل الاجتهاد القضائي على الدور المكمل و المصحح (1) .
- من الطبيعي أن يكون لقانون نابليون الأثر البالغ على سائر التشريعات الجزائية فجاءت النصوص الخاصة بأسباب التبرير مضطربة سواء في اختصارها
و غموضها كما هو الحال في القانون البلجيكي ، أو إسهابها و تفصيلها كما في القانون الايطالي ، و قد وقعت غالبيتها في خطأ التبويب إذا أوردت أسباب التبرير تارة في فصل المسؤولية الجزائية ، و احيانا في قسم العقوبات و موانعها ، و أحيانا في معرض الظروف و الأعذار مما يؤدي الى اختلاط المعطيات القانونية و تدخلها .
ثانيا : في القانون العثماني .
جاء القانون العثماني في صيغته الموضوعية عام 1868 و المنقولة حرفيا عن القانون الفرنسي خاليا من القواعد العامة المتعلقة بأسباب التبرير كحالات و أوضاع قانونية رغم التعديل الطارئ عليها سنة 1911 فلم ينص إلا على الدفاع المشروع عن النفس فقط .
ثالثا : في القانون اللبناني
لقد ضمن المشرع اللبناني في نصوص صريحة و واضحة كافة أسباب التبرير عام 1939 ، فاعتبرها أصلا في المادة( 183 قاع )من باب ممارسة الحق بغير تجاوز ثم عدد الحالات الواقعية لها فخصص المادة( 184 قاع) للدفاع المشروع و المادة (185 قاع) لأمر السلطة و المادة 186 قاع لإجازة القانون بعض الأفعال ، المادة 187 قاع لموافقة الضحية ( لرضا المجني عليه ) . و لقد سايرت مختلف التشريعات الجزائية فيما يخص أسباب التبرير القانون اللبناني بدليل أن القانون السوري و من بعده الأردني فالقانون الكويتي اعتمدوا نفس المبادئ في النصوص شكلا و مضمونا .
رابعا : في القانون المصري .
لم يجد القانون المصري الصادر عام 1883 ضرورة لتحديد مبدأ إباحة الأفعال
________________________
1)- د/ فريد الزغبي ، المسؤولية الجزائية ، المرجع السابق ، ص 15
التي تمنحها القوانين أو الأعراف المختلفة للأشخاص الطبيعيين على اعتبار أن هذا المبدأ هو من البداهة فلا يحتاج للذكر على وجه الخصوص ، فاكتفت المادة الأولى منه بشرط عدم الإخلال في أي حال من الأحوال بالحقوق الشخصية المقررة في الشريعة الغراء استنادا إلى أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد لأسباب التبرير ، و قد سببت هذه المادة تناقضات بالغة حملت مجلس الشورى في عام 1903 على اقتراح وضع نصوص صريحة في هذا الخصوص أدخلت فعلا في التشريع الصادر عام 1904 (1) .
خامسا : في القانون الجزائري .
نص المشرع الجزائري على أسباب الإباحة في المادة 39 قاع و كذلك المادة 40 قاع (*) ، حيث و من خلال المادة 39، 40 قاع نجد أن المشرع الجزائري حصر أسباب الاباحة فيما يأمر به القانون و يأذن به ، و الدفاع الشرعي و رتب على توافر أي سبب منها محو الصفة الإجرامية عن الفعل حيث أنه لم يكتفي بالقول « لا جناية و لا جنحة » بل قال « لا جريمة » .
و بعد التطرق لهذه اللمحة التاريخية عن أسباب الإباحة يجدر بنا معرفة مصادر
و أساس الإباحة . من خلال تعريف أسباب الإباحة في الفرع الموالي .
الفرع الثاني : تعريف أسباب الإباحة
نعرف أسباب الإباحة على أنها « الحالات التي تنتفي فيها عن السلوك صفته غير المشروعة » (2) .
و هناك من يعرفها على أنها « ظروف مادية تطرأ وقت ارتكاب الفعل المجرم فتزيل عنه الصفة الإجرامية و تحيله إلى فعل مبرر ارتكابه » (3) .
و لو لا قيام هذه الظروف لتحققت المسؤولية الجزائية ، و من خلال هذا التعريف
_______________________
1)-د/ فريد الزغبي ، المسؤولية الجزائية ، المرجع السابق ، ص 16-17 .
*)-أشار المشرع الجنائي إلى أسباب الإباحة في الكتاب الثاني المتعلق بالأفعال و الأشخاص الخاضعين للعقوبة من الباب الأول
( الجريمة ) من الفصل الرابع ( الأفعال المبررة ) .
2) - د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " الطبعة لا توجد ، مصر ، ديوان المطبوعات الجامعية
سنة 2003 ، ص 243
3) - د/كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، الطبعة الأولى ،الأردن، دار الثقافة ، سنة 2002 ، ص 127 .
نستنتج أن أسباب الاباحة ترد على سلوك جرمه القانون ، و تحدث مفعولها فيه من حيث رفع الصفة الإجرامية عنه ، و لا محل لها بشأن سلوك مجرد أصلا من وصف الجريمة ، لان هناك فرق بين السلوك الذي لم ينص القانون على تجريمه و السلوك المجرم الخاضع لسبب إباحة ، فإذا كان الفعل الأول محل دعوى عمومية فما على القضاء إلا أن يتأكد من عدم وجود هذا النص في حين أن الفعل الثاني هناك نص جرمه و لو لا سبب الاباحة الذي طرأ وقت ارتكابه لا نطبق عليه نص التجريم ، و تحققت المسؤولية الجزائية قبل الفاعل إذا ما توافر عنصراها فيه و هما الوعي و الإرادة (1) .
و نتطرق فيما يلي لمصادر أسباب الإباحة .
أولا : مصــادر أسباب الإباحة
يعتبر بعض الفقهاء أن القاعدة في الأصل بالنسبة لسلوك الإنسان و نشاطه و تصرفاته هي الإباحة على أساس أن ما يقوم به الشخص هو مسموح له به و أن التجريم في معرض ذلك ليس إلا استثناءا على تلك القاعدة العامة المطلقة ، و تأتي أسباب الإباحة كاستثناء على هذا الاستثناء لترد الفعل إلى أصله من المشروعية بعد أن كان مجرما (2) .
و ينادي آخرون بإسناد سبب التبرير إلى مصدر التجريم نفسه (3) إذ أن الإباحة القانونية تقتصر على الأفعال الملحوظة صراحة في التشريع الجزائي لعلة كونها جرائم أصلا لا أعمالا مشروعة في طبيعتها و بالتالي هي غير مشروعة منذ البداية بمجرد قيام العناصر التنفيذية المادية المكونة لها .
و قد تجد الاباحة مصدرها في النصوص القانونية سواء كانت نصوص في قانون العقوبات كما في حالة أمر و إذن القانون ، و الدفاع الشرعي ، أم نصوص قانونية أخرى غير جنائية كالقانون المنظم لمهنة الطب ،و قانون تنظيم الصحافة حيث أن هذا الأخير مثلا يقرر للصحفيين حق ممارسة النقد و نشر الأنباء و لو ترتب عن ذلك جريمة القذف و إفشاء الأسرار شرط عدم تجاوز الحدود المنصوص عليها قانونا في هذا المجال
________________________
1)- د/ محمود محمود مصطفى ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، الطبعة لا توجد ، مصر ، دار النهضة العربية ، سنة 1974 ، ص 130 .
2)- د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري " القسم العام " ، الطبعة لا توجد ، الجزائر " بن عكنون " ، ديوان المطبوعات الجامعية ، سنة 1998 ، ص 117 .
3)- د/ فريد الزغبي ، المسؤولية الجزائية ، المرجع السابق ، ص 21 .
و قد تتمثل مصادر الإباحة في واقعة تتفق مع طبائع الأشياء كما في رضا المجني عليه متى كان ذلك ممكنا و جائز (1)، فهذا الرضا لا يستند إلى نص قانون صريح .
و يذهب جانب من الفقه إلى أن العرف يصلح أن يكون مصدرا للإباحة شرط استبعاد الأعراف المخالفة للقانون التي لا يمكن لها أن تنشأ الإباحة و تعطل أحكام التجريم المقررة قانونا ، لأنها تبقى غير مقبولة حتى لو كانت قيد الممارسة الفعلية .
ويرى جانب آخر من الفقه أن أثر العرف لا يمكن أن يصل إلى حد أن يكون مصدرا مباشرا للإباحة و إلا كان معنى ذلك ، الإقرار بصلاحية العرف لأن يعطل نصا قانونيا صريحا إذا تعارف الناس على خلاف ما يقتضي به .
إلا أنه يمكن للعرف أن يؤثر في إباحة بعض الأفعال بطريق غير مباشر ، رغم عدم وجود نص قانوني صريح أو ضمني تستفاد منه هذه الإباحة (2) ، نجد مثلا دور العرف في تطبيق القانون الذي يعاقب على الفعل الخاضع المخل بالحياء ، فالقانون لم يحدد تعريف هذا الفعل ، و يبقى ذلك خاضعا للسلطة التقديرية للقاضي التي يستند فيها إلى ظروف الزمان و المكان و ما تعارف عليه الأفراد ، فجرى العرف على اعتبار أفعال معينة غير مخلة بالحياء إذا ارتكبت في زمان أو مكان معين كالظهور على الشواطئ بملابس الاستحمام أو في الطريق العام بملابس لا تستر كل أجزاء الجسم (3) .
و فيما يلي نتعرف على العلة التي تقرر تبرير الفعل بعد تجريمه .
ثانيا : أساس الإباحة .
تقوم نصوص قانون العقوبات بحماية حقوق الأفراد و حرياتهم من خلال تجريم كل الأفعال التي تعد مساسا بها و تقرير الجزاء الجنائي المناسب لها فهي تجرم القتل لأنه يعد اعتداء على حق الإنسان في الحياة ، و تجرم فعل الإيذاء لأنه يمس بسلامة جسم الإنسان ، و تجرم السرقة لأنها تمثل اعتداء على حق الملكية و غيرها من الأفعال التي تمس بمصالح الأفراد و بمفهوم المخالفة المشرع لا يجرم أفعالا لا تمثل اعتداءا
________________________
1)- محمود زكي أبو عامر ، القسم العم من قانون العقوبات ، الطبعة لا توجد ، مصر ، دار الجامعة الجديدة ، سنة 2002 ص 193- 194 .
2)-: د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 259 .
3)- د/ محمود محمود مصطفى ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 164 .
على حق جدير بالحماية ، و منه يمكن القول أن هناك صورتين لا يمكن الادعاء فيهما أن الفعل المرتكب يشكل عدوانا على حق جدير بحماية المجتمع (1) .
* الصورة الأولى : انتقاء علة التجريم
أي ارتكاب الفعل في ظروف تنتفي معها علة التجريم فتصبح المصلحة المحمية غير جديرة بالحماية مع توافر تلك الظروف ، بحيث يصبح الفعل غير منتج للعدوان كما كان في الأصل إعتداء على حق يحميه القانون ، فالجرح الذي يقوم به شخص لأخر هو اعتداء على حق المجني عليه في سلامة جسمه لذا يعد جريمة لكن عندما يقوم به طبيب قصد علاج المريض لا يعتبر منتجا لأي اعتداء لأنه و إن مس بماديات الجسم إلا أنه لا يهدر مصلحة الجسم في أن يسير يسرا طبيعيا ، و الضرب الذي يقوم به شخص لآخر يجرمه القانون حماية لحق الإنسان في سلامة جسمه ، لكن أفعال الضرب إذا صدرت من زوج استعمالا لحقه في تأديب زوجته وفقا للضوابط القانونية تنتفي صفتها غير المشروعة .
• الصورة الثانية : حالة ما إذا كان الفعل منتجا للاعتداء على حق لكن ارتكابه في الظروف التي تم فيها ينطوي على صيانة حق أجدر بالحماية من الحق المهدور. فالقتل جريمة لأنه اعتداء على حق المجني عليه في الحياة لكنه إذا وقع في حالة دفاع شرعي لا يعد كذلك ، لأن المشرع يرى أن حق المدافع في الحياة أجدر بالحماية من حق المعتدي في الحياة (2) ، و ذلك في إطار الموازنة بين المصالح المتعارضة للأفراد و إيثار مصلحة أولى بالرعاية تحقيقا للصالح العام و هو هدف كل نظام قانوني حيث أن المصلحة العامة تتحقق بإيثار مصلحة المدافع في درء الاعتداء على مصلحة من بادر بالاعتداء .
و سبب هذا الانحياز العادل هو أن المجني عليه – المعتدي – باعتدائه قد هبط بقيمة

________________________
1)- د/كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 128 .
2)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، الطبعة الرابعة ، الجزائر ، " بن عكنون " ديوان المطبوعات الجامعية ، سنة 1994 ، ص 67 .
حقه في نظر المجتمع الذي آثر صيانة حق المعتدي عليه و إلا كان هو القتيل (1) و بعد تعريف أسباب الإباحة و معرفة التطور التاريخي لها نحاول التمييز بينها و الحالات المشابهة لها فيما يلي :
الفرع الثالث : التمييز بين أسباب الإباحة و الحالات المشابهة لها .
تختلف أسباب الإباحة عن موانع المسؤولية و موانع العقاب من حيث طبيعتها
و الآثار المترتبة عنها ، و تبعا لذلك نتعرض للتمييز بين أسباب الإباحة و موانع المسؤولية ثم نميز بين أسباب الإباحة و موانع العقاب فيما يلي :
أولا : التمييز بين أسباب الإباحة و موانع المسؤولية
- من حيث الطبيعة : أسباب الإباحة ظروف موضوعية – مادية – تتصل بالركن الشرعي للجريمة و لا علاقة لها بشخص الفاعل ، فلا تضم أي عناصر شخصية إلا استثناءا ، فقد تدخل بعض العناصر الشخصية في تكوين سبب الاباحة كاتجاه نية الوالد إلى تهذيب ابنه في ممارسة حق التأديب ، و اتجاه نية الطبيب إلى شفاء المريض في ممارسة الأعمال الطبية (2) . و مثل هذا الاستثناء لا يؤثر على الأصل الذي يقوم على الطبيعة المادية لأسباب التبرير (3) .
أما موانع المسؤولية فهي أسباب مرتبطة بمرتكب الجريمة تجعل إرادته غير معتبرة قانونا بتجريدها من التمييز و حرية الاختيار ، و لا تثار إلا بعد نسبة الجريمة إلى مرتكبها أي أنها أسباب لا تقدير لها في السلوك الإجرامي ، فهي ظروف شخصية تتعلق بالفاعل و تجعل إرادته غير معتبرة قانونا ، و بعبارة أخرى تتصل بالركن المعنوي للجريمة .
- من حيث الآثار: أسباب الإباحة موضوعية في آثارها بحيث ينصرف أثرها إلى الفعل مباشرة فتبيحه ، مما يؤدي إلى انتفاء أي نوع من المسؤولية عن هذا الفعل سواء كانت مسؤولية جنائية ، أو مدنية أو تأديبية و بالتالي لا مجال لتطبيق أي عقوبة أو تدبير أمن ( تدبير احترازي ) .

________________________
1)- د/كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 129 .
2)- د/ عادل قوره ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 68 .
3)- د/ محمود محمود مصطفى ، شرح قانون العقوبات ، " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 141
أما موانع المسؤولية فهي أسباب شخصية مجالها إرادة الجاني و لا علاقة لها بالركن الشرعي للجريمة ، و من ثم لا ترتفع صفة اللاشرعية عن الفعل ، وإنما تمنع من ترتيب الآثار القانونية الجزائية بحق مرتكب الجريمة ، و يقتصر أثرها علي نفي المسؤولية الجزائية ، إلا أنها لا تنفي الخطورة الإجرامية لدى الفاعل فيجوز تطبيق تدبير احترازي اتجاهه .
ثانيا : أسباب الإباحة و موانع العقاب .
- من هذه الطبيعة : إن موانع العقاب لا تتعلق بأي ركن من أركان الجريمة لان هذه الأخيرة تظل قائمة طالما وجدت أركانها ، و تقوم المسؤولية الجزائية إذا لم يكن هناك أي مانع من موانع المسؤولية بينما أسباب الإباحة تنفي قيام الجريمة لاتصالها بالركن الشرعي للجريمة .
- من حيث الآثار : في أسباب الإباحة تنتفي المسؤولية الجزائية و المدنية أما في موانع العقاب فإنها تكون قائمة ، و مع ذلك يقدر المشرع لاعتبارات المنفعة العامة عدم توقيع العقاب ، و ذلك ما أورده المشرع الجزائري في المادة (52/1 قاع ) كما أن أسباب الإباحة يستفيد منها كل من ساهم في الفعل عكس موانع العقاب فهي شخصية لا يستفيد منها إلا الشخص الذي توافرت في حقه (1) .
و من أمثلة موانع العقاب صلة القرابة كالأصل ، و الفرع و الزوجة في جرائم السرقة و خيانة الأمانة ، و النصب ، وإخفاء الأشياء المسروقة التي تقررها المواد 368 ، 377 ، 389 قاع متى وقعت هذه الجرائم من أحد الأصول الفروع أو أحد الزوجين لا يتم العقاب عليها رغم قيام الجريمة و المسؤولية الجزائية المترتبة عنها .
و قد تتجسد المنفعة الاجتماعية في أن تكون جرائم عسيرة الاكتشاف فيغري القانون أحد المساهمين أو الفاعلين باعفاءه من العقوبة ، إن هو أسدى خدمة للمجتمع بأن كشف عن الجريمة و المساهمين فيها و تطبيقات ذلك كثيرة في قانون العقوبات الجزائري مثلا المادة( 179 قاع ) و المادة( 192/1قاع ) و بعد التعرف على المفاهيم العامة حول أسباب الإباحة نعالج في المطلب الثاني آثار أساب الإباحة . ________________________
1)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ،ص 68 .
المطلب الثاني : أثار أسباب الإباحة .
يعد الفعل المقترن بسبب من أسباب الإباحة فعلا مشروعا و يترتب على ذلك
- اعتبار كل من ساهم فيه كفاعل أصلي أو شريك بريء باعتباره قد ساهم في عمل مشروع أو مبرر .
و بما أن أسباب الإباحة تنحصر في الظروف المادية للفعل لا الظروف الشخصية للفاعل ينجر عن ذلك .
- عدم الاعتداد بالجهل بالإباحة كما ينحصر تأثير الغلط في الركن المعنوي للجريمة ، و هذا مل سنتطرق إليه بالتفصيل في الفروع التالية :
الفرع الأول : أسباب الإباحة و تعدد المساهمين .
يعاقب القانون على الجريمة عندما تكتمل أركانها و لا يقوم أي مانع من موانع المسؤولية ، سواء ارتكبها شخص واحد أو عدة أشخاص ، و في المقابل يستفيد من أسباب الإباحة جميع المساهمين في الفعل المبرر فاعلين كانوا أم شركاء أم متدخلين أم محرضين .
إلا أن هذا الأمر ليس مطلقا إذ يجب لبيان أثر أسباب الإباحة في المساهمة الجزائية أن نفرق بين أسباب الإباحة النسبية و المطلقة ، فإذا كان سبب الإباحة مطلقا كالدفاع الشرعي مثلا استفاد منه جميع المساهمين فاعلين أصليين كانوا أم شركاء أم محرضين أم متدخلين، أما إذا كان السبب نسبيا فلا يستفيد منه إلا من قام فيه هذا السبب ، فلا يستفيد من يقوم بالعمليات الجراحية من الإباحة بإذن القانون إلا إذا كان طبيبا و لا يستفيد من ينفذ أمر الرئيس الواجب طاعته من الاباحة بأمر القانون إلا إذا كان موظفا مختصا لأن القانون هنا يتطلب فيمن يقوم بهذا الفعل أن يحتل مركزا قانونيا أو يتمتع بصفة قانونية تخوله القيام بهذا الفعل (1) .
و لكن يستفيد من سبب الإباحة من قام بمساهمة تبعية في الفعل ، فيستفيد من ساعد الطبيب على العمليات الجراحية لأنه لا يرتكب العمل المبرر لغيره بنفسه ، و إنما يساهم فيه مجرد مساهمة تبعية .
________________________
1) - د/كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 129-130 .

الفرع الثاني : الغلط في الإباحة
يعتبر الغلط في الإباحة الصورة المقابلة للجهل بالإباحة ، و يعبر بعض الفقه عن هذه الحالة بالبراءة الظنية (1) ، و هي أن يتصور الإنسان العادي العاقل وجود ظروف
و ملابسات ووقائع منطقية ، و حقيقية و تؤكد أن سلوكه مشروع و غير معاقب عليه استنادا لأحد أسباب الإباحة (2) .
مثال ذلك أن يعتقد شخص أن هناك خطر يهدده في نفسه أو حالة فيقتل من ظن أنه مصدر الخطر ثم يتبين عدم وجود مثل هذا الخطر على الإطلاق أو حالة الموظف
الذي يفشي سرا أئتمن عليه اعتقادا أن صاحب السر راض عن إذاعته ، ثم يتبين أن
صاحبه لم يرض بذلك .
و إذا بحثنا عن أثر الغلط في الإباحة على المسؤولية الجزائية للفاعل في قانون العقوبات الجزائري لا نجد نصا تناولها على خلاف ما هو عليه في بعض التشريعات العربية الأخرى (*) .
و مع ذلك نقول أن الغلط في الإباحة لا يعدل الإباحة ، و يبقى الفعل المرتكب غير مشروع لتخلف حالات الإباحة حسب الشروط المحددة قانونا ، و تفسير ذلك أن الغلط في الإباحة لا ينف الركن الشرعي للجريمة لكنه يؤثر في الركن المعنوي .
و قد ينفي الغلط الركن المعنوي كليا إذا كان اعتقاد الشخص بتوافر الإباحة مبنيا على أسباب معقولة قياسا على حالة شخص معتاد وجد في نفس ظروفه (3) ، كأن يشاهد حارس ليلي قدوم شخص نحوه فينادي عليه فلا يجيبه ، ثم يطلق عيارا ناريا في الهواء
________________________
1)-د/ نظام توفيق المجالي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، الطبعة الأولى ، الأردن ، دار الثقافة
سنة 2005 ، ص 139 .
2)- د/ محمد على السالم عياد الحلبي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، الطبعة لا توجد ، الأردن ، مكتبة الثقافة للنشر و التوزيع ، سنة 1997 ، ص 165 .
*) - تنص المادة 63 قاع المصري " لا يعد جريمة العمل غير المشروع الذي يرتكبه الموظف بعد التثبت و التحري اذا كان يعتقد بمشروعيته و كان اعتقاده مبنيا على أسباب معقولة " .وورد تطبيق لهذه الفكرة في المادة 56 من قاع الاتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة ، " لا يعد جريمة اذا وقع الفعل استعمالا لحق الدفاع المشروع اذا واجه المدافع خطرا حالا على نفسه أو ماله أو اعتقد قيام هذا الخطر و كان اعتقاده مبنيا على أسباب معقولة " .
3) - د / سليمان عبد المنعم ، النظرية العامة لقانون العقوبات ، الطبعة لا توجد ، مصر ، دار الجامعة الجديدة
سنة 2000 ، ص 374 .
فلا يتوقف ، و من ثم يبادر بإطلاق عيار ناري يصيبه في رجله ، ثم يتضح أن ذلك الشخص لم يكن إلا عابر سبيل لم يسمع النداء لأنه أصم فينتفي القصد الجنائي لقيام سبب من أسباب الإباحة هو أداء الواجب ، و بنتفي الخطأ غير العمدي لان الفاعل قد تثبت
و تحرى قبل استعمال السلاح في سياق المجني عليه .
و قد ينفى الغلط القصد الجنائي فقط و يبقى الشخص مسؤولا عن خطأ غير عمدي إذا كان لا يستند في اعتقاده بتوافر الإباحة إلى أسباب معقولة ، إذ يكون غلطه في الإباحة هنا مشوبا بالخطأ (1) ، كالحارس الذي يطلق النار على عابر سبيل مر به في الضلام فيرديه قتيلا لمجرد أنه ناداه فلم يجبه ، يكون قد أطلق النار دون تبصر و تروي ، فيتابع بجريمة القتل الخطأ ، و نشير أن الغلط في الإباحة ينصب على الوقائع التي أحاطت بارتكاب الفعل ، أو إذا انصبت على قانون آخر غير قانون العقوبات (2) .
الفرع الثالث : الجهل بالإباحة
يعبر بعض الفقهاء عن هذه الحالة بالجريمة الظنية (3) ، و نكون أمام هذه الحالة عندما يأتي شخص فعلا أو يمتنع عنه معتقدا أن ذلك غير مشروع و بالتالي يعاقب عليه بينما في الواقع فعله اقترن بسبب مبيح كان يجهله أو يعتقد عدم وجوده و قد يكون مرجع هذا الجهل بالإباحة غلط أو جهل بالقانون مثال ذلك الشخص الذي يدفع الاعتداء عليه بالقوة و هو يجهل أن القانون يبيح له الدفاع الشرعي ، و قد يكون مرجعه جهل بالوقائع ، كالطبيب الذي يجري عملية جراحية لمريض فيموت على أثرها ، فيعتقد الطبيب أن القانون سيعاقبه لعدم رضا المريض بالعلاج في حين يكون المريض قد وقع وثائق تثبت رضاه بإجراء هذه العملية له ، و هنا ثار التساؤل حول إمكانية تبرير الفعل بناءا على الوجود الفعلي للظرف المبرر أم اقتران الوجود الفعلي له العلم به .
انقسم الفقهاء على أنفسهم بصدد الإجابة على هذا التساؤل حيث :

________________________
1)- د/ محمود نجيب حسنى ، شرح قانون العقوبات اللبناني " القسم العام " ، الطبعة لا توجد " لبنان ، دار النهضة سنة 1968 ، ص 158 .
2)- د/ نظام توفيق المجالي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 140 .
3)- د/ كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 130 .

- يرى بعض الشراح الألمان أن الفعل يكون مبررا ، بمجرد توافر شروط أسباب التبرير بغض النظر عن علم الفاعل بوجودها ، كنتيجة حتمية للطبيعة المادية لأسباب التبرير .
- ذهب البعض الآخر منهم إلى أن الفعل لا يكون مبررا إلا إذا انصرفت النية إلى جعله متجاوبا مع مقتضى الظرف و ما عدم العلم بوجود الظرف المبيح إلا قرينة على عدم انصراف نية الفاعل إلى إعماله في واقعة الحال ، ووفقا لهذا الرأي الوجود
الفعلي للسبب المبرر لا يغني عن ضرورة العلم بوجوده .
- توسط الرأيين السابقين رأي ثالث ذهب إلى أن ارتكاب شخص جريمة ما مع
وجود سبب مبرر لها لا يعلم به ، ينسب إليه مجرد شروع فيه لا جريمة كاملة .
و قد حسمت بعض القوانين صراحة هذه المسألة (*) .
أما قانون العقوبات الجزائري فقد خلا من نص صريح يتضمن هذه الحالة ، ذلك أن الأصول العامة في القانون لا تحتاج إلزاميا إلى نص صريح يقررها قياسا على تحديد الجريمة و أركانها ، فالجريمة استثناء يجب ضبطه حتى يكون الأفراد على علم به أما الأفعال التي أجازها القانون لا حاجة لأن يقوم بتحديد عناصرها حتى يتطلب العلم بها كما أن الحالة النفسية للفاعل ، و العلم بالتكييف القانوني للفعل المرتكب يتطلبه الركن المعنوي للجريمة ، و ليس عنصرا لانتفائها .
و بما أن أسباب الإباحة ذات طبيعة موضوعية فإنها تحدث أثرها من حيث تعطيل مفعول النص القانوني بغض النظر عن نفسية مرتكب الفعل سواء كان عالما بقيام السبب المبرر أو جاهلا وجوده فالفعل يكون مبررا في الحالتين ، و قد عرض الأمر على محكمة النقض المصرية فقضت في حكمها الصادر في 03-12-1934 ، " أن تفتيش ضابط البوليس منزل المتهم بغير رضاءه لا يكون صحيحا إلا إذا كان الضابط مأذونا من النيابة العامة بإجراء هذا التفتيش و عالما بهذا الإذن قبل إجراء التفتيش فعلا و مؤدى هذا الحكم أنه يلزم علم الفاعل بقيام سبب الإباحة حتى يستفيد منه "

________________________
*) - تنص المادة 202 / 02 من قاع السوري " لا يعاقب من ارتكب فعلا وظن خطأ أنه يكون جريمة " .
1) - د/عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص70 .
و قد تعرض هذا الحكم لنقد الفقه المصري تأسيسا على الأثر الموضوعي لأسباب الإباحة .
هذا في حالة الجهل بقيام السبب المبيح ، أما إذا خرج الفاعل عن الضوابط التي حددها المشرع للاستفادة منه ، تعطل سبب الاباحة ووجب مساءلة الشخص عن الجريمة وتختلف هذه المساءلة حسب الموقف النفسي للفاعل من منظور الركن المعنوي.
• فإذا تعمد الخروج عن الشروط التي يقررها القانون لتوافر الإباحة أعتبر عمله جريمة مقصودة و يسأل الفاعل عن جريمة مقصودة متعمدة لأنه قام بالفعل عن علم و إرادة .
• أما إذا حدث التجاوز نتيجة إهمال أو خطأ أو عدم احتياط لا يصدر عن الإنسان العادي إذا وجد في نفس الظروف و الملابسات ، فيسأل عن الفعل المجرم بوصف الخطأ أي يسأل عن جريمة غير مقصودة (1) .
• أما إذا حدث التجاوز نتيجة حادث فجائي أو إكراه معنوي فان الفاعل لا يكون مسؤولا (2) .
و بعد أن انتهينا في هذا المبحث من دراسة المبادئ العامة حول أسباب الإباحة ننتقل إلى المبحث الثاني الذي خصصناه لدراسة أقسام أسباب الإباحة.
المبحث الثاني : تقسيم أسباب الإباحة بحسب الأشخاص المستفيدين منها .
تنص المادة 39 قاع « لا جريمة :
- إذا كان الفعل قد أمر أو أذن به القانون .
- إذا كان الفعل قد دفعت إليه الضرورة الحالة للدفاع المشروع عن النفس أو عن الغير أو عن مال مملوك للشخص أو للغير بشرط أن يكون الدفاع متناسبا مع جسامة الاعتداء ».
« تنص المادة 40 قاع « يدخل ضمن حالات الضرورة الحالة للدفاع المشروع
القتل أو الجرح أو الضرب الذي يرتكب لدفع اعتداء على حياة الشخص أو سلامة
_____________________
1)- د/ محمد علي السالم عياد الحلبي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 17 .
2) - د/ محمود محمود مصطفى ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 147 .
جسمه أو لمنع تسلق الحواجز أو الحيطان أو مداخل المنازل ، أو الأماكن المسكونة أو توابعها أو كسر شيء منها أثناء الليل .
- الفعل الذي يرتكب للدفاع عن النفس أو عن الغير ضد مرتكبي السرقات أو النهب بالقوة ».
و يلاحظ أن المشرع الجزائري حصر أسباب الإباحة في قانون العقوبات في آمر القانون و إذنه ، و الدفاع الشرعي ، أما رضا المجني عليه فلم بنص عليه كسب إباحة في قانون العقوبات و ذلك أن المبدأ العام يقضي بأن لا أثر له في نفي الجريمة و أثرها و مع ذلك هناك استثناءات على هذا المبدأ عززتها بعض التشريعات التي بدأت تتجه نحو الأخذ برضا المجني عليه كسب إباحة . لذلك سنتطرق لدراسة هذه الأسباب الأربعة مجتمعة كأسباب إباحة بشيء من التفصيل ، و إذا جئنا إلى تقسيم أسباب الإباحة وجدنا أن هناك عدة تقسيمات باختلاف المعايير المعتمدة في ذلك ، فنجد مثلا أنها تنقسم إلى أسباب خاصة و أسباب عامة ، فالأسباب الخاصة هي التي تتعلق بجريمة أو جرائم معينة مثل حق الدفاع أمام المحاكم باعتباره سببا خاصا لإباحة جرائم القذف و السب بشروط محددة ، أما الأسباب العامة هي التي لا تتقيد بجريمة معينة بل يمكن أن تتوافر بالنسبة لجميع الجرائم كالدفاع الشرعي و لا أهمية لهذا التقسيم إلا فيما يتعلق بتحديد مجال الإباحة من حيث الجرائم التي يشملها سبب الإباحة ، كما تقسم أسباب الإباحة وفقا لمعيار الأشخاص المستفيدين منها إلى أسباب نسبية و أسباب مطلقة ، و أسباب الإباحة النسبية هي التي لا يستفيد منها إلا من تتوافر فيه صفة معينة دون غيره من الأفراد (1) ، مثل أداء الواجب ( أمر القانون ) بالنسبة للموظف العام و إذن القانون ( استعمال الحق ) بالنسبة لأشخاص معنيين ، أما أسباب الإباحة المطلقة هي التي يستفيد منها كافة الناس دون شروط خاصة و تعيين للذات مثل الدفاع الشرعي و رضا المجني عليه ، و قد تبنينا هذا التقسيم في بحثنا هذا و سنحاول التطرق في المطلب الأول للأسباب النسبية للإباحة و نتطرق في المطلب الثاني للأسباب المطلقة للإباحة .


________________________
1)- د/فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 243 – 249 .
المطلب الأول : الأسباب النسبية للإباحة
تتمثل في أمر القانون و إذنه ، و لا تقتصر عبارة قانون على النص الصادر عن السلطة التشريعية فحسب بل تتسع لتشمل كل قاعدة تنظيمية تقرر حقا (1) .

و يقصد بأمر القانون أو كما يعبر عنه بعض الفقه « ممارسة السلطة أو أداء الواجب »
« إباحة الأفعال التي يقوم بها الموظفون العموميون من تنفيذ نصوص القانون و أوامر الرؤساء الإداريين واجبة الطاعة و لو كانت تشكل بحسب الأصل جرائم » (2) .
و يكمن سبب إباحة الأفعال التي يأمر بها القانون في النص القانوني ذاته ، إذ لا يعقل أن يأمر القانون أو يرخص للموظف بتنفيذ حكم أو أمر رئيس إداري ثم يعاقبه فيما بعد لو قام به (*أ) .
بالرجوع إلى نص المادة ( 39 قاع ) نجد أنها لم تحدد الأفعال التي تشملها الإباحة إذا ارتكبت بناءا على أمر القانون أو اذنه ، فقد جاء مدلول النص عاما و شاملا بحيث يشمل جميع الأفعال التي تعتبر جرائم لو لم يأمر بها القانون أو يأذن بها ، كما لم يحدد لمشرع الجزائري شروط و ضوابط تطبيق هذا النص (*ب) ، و نعالج في الفرع الموالي أمر القانون ثم في الفرع الثاني إذن القانون .
الفرع الأول : أمر القانون .
نعالج أمر القانون كسبب إباحة من خلال العناصر التالية :
أولا : المكلف بتنفيذ أمر القانون .
الأصل أن تنفيذ القانون و أداء الواجبات العامة مهمة ممنوحة للموظفين فهم المؤهلين
________________________
1)- د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 137 .
2)- د/ سليمان عبد المنعم ، النظرية العامة لقانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 135 .
(*أ)- لذلك يري البعض أن ممارسة السلطة كسبب إباحة تعنى تنازعا بين النصوص ، النص الذي يجرم و يعاقب
و النص الذي يبيح و يرخص .
(*ب)- عكس من هو في المادة 63 قاع مصري « لا جريمة إذا وقع الفعل من موظف أميري في الأحول التالية : - إذا ارتكب الفعل تنفيذا لأمر صادر إليه من رئيس وجبت عليه اطاعته أو اعتقد أنها واجبة عليه .
- إذا حسنت نيته و ارتكب فعلا تنفيذا لما أمرت به القوانين أو ما اعتقد أن اجراءه من اختصاصه و على كل حال يجب على الموظف أن يثبت أنه لم يرتكب الفعل إلا بعد التثبت و التحري و أنه كان يعتقد مشروعيته و أن اعتقاده كان مبنيا على أسباب معقولة ». و قد ادخل هذا النص في القانون المصري عام 1904 نقلا عن القانون البلجيكي
و الإيطالي .
لتنفيذ القوانين و اللوائح فيوجه المشرع أمره إلى موظف معين مع كيفية تنفيذ هذا الأمر و الشروط اللازمة حتى يعتبر هذا العمل مباح قانونا ، فان خالف الموظف هذه الشروط خرج عمله من دائرة الإباحة إلى دائرة التجريم ، و تحمل المسؤولية الجزائية الناجمة عنه.
لكن قد يلزم الشارع الأشخاص العاديين بأداء بعض الواجبات العامة (1) كإلزام الأشخاص بإبلاغ السلطات عما يعلموه من التخطيط لنشاطات من طبيعتها الإضرار بالدفاع الوطني ( المادة 91 قاع ج ) و إلزامهم بأداء الشهادة في حالة استدعاءهم أمام الجهات القضائية لأدائها ( المادة 222 قاإج ) ، و بما أن تنفيذ أمر القانون من طرف الموظف العام هو الأصل نتناوله ضمن العناصر التالية :
1- الموظف العام الحقيقي :
إن تحديد مفهوم الموظف العام لا ينتمي إلى القانون الجنائي بل هو من أفكار القانون الإداري و يثار التساؤل لمعرفة ما إذا كان يجب التقيد بالمفهوم الإداري للموظف العام في تطبيق أحكام المادة( 39 قاع ) ، أم هناك مفهوم ذاتي للموظف العام يختلف عن مفهومه الإداري فيما يتعلق بإباحة ما قد يصدر عنه من أفعال تشكل بحسب الأصل جريمة (*أ) ، و يعرف الفقه الإداري الموظف العام على انه « كل شخص يعهد إليه من سلطة مختصة بأداء عمل دائم في خدمة مرفق عام يدار بأسلوب الاستغلال المباشر»(2)
و قد أشار المشرع الجزائري إلى تعريف الموظف العام في المادة الرابعة من القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية التي تنص « يعتبر موظفا كل عون عين في وظيفة عمومية دائمة و رسم في رتبة السلم الإداري » (*ب) .
________________________
1)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 80
2) - د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرج السابق ، ص 260 .
*أ) -إذا رجعنا إلى قانون العقوبات الجزائري نجد أن المشرع الجزائري لم يتقيد بالمفهوم الإداري للموظف في عدة مواضيع مثلا المادة 126 قاع ففي جريمة الرشوة أضفى صفة الموظف العام الحكمي على طائفة من الأشخاص الذين لا يعتبرون بحسب الأصل من الموظفين العموميين ، كذلك جريمة اختلاس المال العام توسع أيضا في تعريف الموظف العام الذي يمكن أن يعتبر مرتكبا لهذه الجريمة المادة( 119 قاع) .
*ب)- من الأمر رقم 06-03 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية .

و من خلال ما سبق ذكره نستنتج أنه يشترط لاعتبار الشخص موظفا عاما توافر ثلاثة شروط :
- القيام بعمل في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو يتبع أحد الأشخاص المعنوية العامة .
- القيام بالعمل بصفة دائمة لا عرضية .
- أن يكون التحاق الشخص بالعمل قد تم على وجه قانوني .
لكن إذا أخذنا بالمدلول الإداري فقط للموظف العام لأدى ذلك للتضييق من مجال الإباحة و خرج من نطاقه بعض الأشخاص الذين يباشرون جزءا من اختصاصات الدولة ، لذلك يجب الأخذ بالمفهوم الجنائي الموسع للموظف العام الذي يضم بالإضافة إلى التعريف التقليدي الإداري للموظف العام الأشخاص المكلفين بخدمة عامة ، و الموظفين الفعليين
و الإجراء الذين يرتبطون بعلاقة تعاقدية مع الدولة (1) و هذا ما سنتطرق إليه فيما يلي .
2- الموظف العام الحكمي .
يعد موظفا عاما في خصوص تطبيق أمر القانون كسبب إباحة كل شخص يباشر طبقا للقانون جزءا من اختصاصات الدولة و لو لم يكن موظفا عاما طبقا للمدلول الإداري للموظف العام و يشمل .
أ‌- المكلف بخدمة عامة : « هو كل شخص يعهد إليه من سلطة مختصة بأداء عمل مؤقت و عارض لحساب الدولة ، أو لحساب احد الأشخاص المعنوية العامة » (2) . كالمجند لأداء الخدمة الوطنية .
ب - الموظف الفعلي : هو من لم يتم التحاقه بالعمل على وجه قانوني سواء لأن قرار تعيينه لم يكن قدر صدر وقت مباشرته العمل ، فعلا ، أو لأن قرار تعينه كان مشوبا بالبطلان .
جـ - الموظف بناءا على رابطة تعاقدية طبقا لأحكام القانون الخاص :
هو كل شخص يؤدي للدولة عملا محددا على وجه عارض بناءا على عقد خاص مثل المحامي الذي يوكله المرفق العام للدفاع عنه في قضية معينة .
________________________
1)- د/ نجيب محمود حسني ، شرح قانون العقوبات اللبناني ، المرجع السابق ، ص 228 .
2)-د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 228 .
إذن صفة الموظف العام حسب المفهوم الجنائي الموسع شرط لازم للاستفادة من الإباحة بأمر القانون ، فلا يباح فعل الشخص تمسكا بأمر القانون إلا إذا كان موظفا عاما
و العبرة في تقدير توافر هذه الصفة من عدمها هو بوقت ارتكاب الجريمة فلا يستفيد من الإباحة الموظف الذي كان ارتكابه للجريمة بعد استقالته ، أو فصله ، أو بلوغه سن التقاعد و في المقابل يستفيد من الإباحة من كان مكتسبا صفة الموظف العام وقت وقوع الجريمة حتى و لو فقدها فيما بعد (1).
ثانيا : تنفيذ العمل القانوني .
لكي يستفيد الموظف العام من أمر القانون كسبب لإباحة فعل مجرم ارتكبه امتثالا للقانون يجب أن يكون بصدد تنفيذ عمل قانوني ، و تتحقق هذه الصورة في حالة التنفيذ المباشر للقانون أو إطاعته أمر الرئيس و نعالج هاتين الحالتين فيما يلي :
1- التنفيذ المباشر للقانون .
إتيان الفعل في هذه الحالة يكون مشروعا ، لكن المشروعية قد تستند مباشرة إلى القانون كأن يلزم القانون الموظف بالقيام بعمل حددت شروطه سلفا ، أي أن العمل من صميم اختصاص الموظف و لا مجال للسلطة التقديرية ، و قد تستند المشروعية إلى القانون أيضا و لكن بطريق غير مباشر ، و هنا يكون القانون قد حدد العمل و لكن لم يلزم الموظف بإتيانه بل رخص له بين القيام به أو تركه (2) .
أ- التزام الموظف بتنفيذ أمر القانون .
تتحقق هذه الصورة في حالة إلزام القانون الموظف بالقيام بعمل معين إذا توافرت الشروط اللازمة لاجراءه دون أن يترك للموظف سلطة تقديرية في القيام بهذا العمل
أو الامتناع عنه لذلك يباح فعل الموظف الذي ينفذ عقوبة الإعدام في محكوم عليه حسب ما يقرره القانون و يباح فعل مأمور الضبط القضائي الذي يقبض على شخص أو يفتش مسكنه تنفيذا لأمر صادر من النيابة العامة .

________________________
1)- د/ سليمان عبد المنعم ، النظرية العامة لقانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 404 .
2)- د/ عبد الحكم فودة ، امتناع المساءلة الجنائية في ضوء الفقه و قضاء النقض ، الطبعة لا توجد ، مصر ، دار الجامعة الجديدة ، سنة 2005 ، ص 128 .

ب-السلطة التقديرية للموظف في تنفيذ أمر القانون .
تتجسد هذه الصورة في حالة ما إذا ترك القانون للموظف سلطة تقديرية في القيام بالعمل أو الامتناع عنه ، و لكن حتى يعد الفعل وفق هذا الافتراض مبررا فانه يتعين توافر كل الشروط التي يتطلبها القانون لمباشرة السلطة التقديرية (1) . و تتمثل هذه الشروط في :
* وجود السلطة التقديرية : إذ أن مختلف فروع القانون تخول للموظفين سلطة تقديرية لأداء وظائفهم تحقيقا للصالح العام و على رأسها القانون الإداري كما يقرر قانون الإجراءات الجزائية سلطات تقديرية منها إجراء التحريات و القبض على المتهمين
و حبسهم مؤقتا و تفتيش منازلهم حسب ما يقرره القانون ، فإذا استعمل الموظف السلطة التقديرية الممنوحة له وفق الضوابط المحددة قانونا كان عمله مشروعا ، و لو ثبتت براءة المتهم الذي اتخذت قبله هذه الإجراءات مما نسب إليه من أفعال بررت الالتجاء إليها (2).
* توافر السبب المشروع : يتمثل في الواقعة أو الحالة التي يرتب عليها القانون نشأة السلطة التقديرية ، و يجب أن يكون هذا السبب مشروعا .
و منه نقول انه إذا لم يتوافر سبب استعمال السلطة التقديرية كان عمل الموظف غير مشروع (*أ). و نفس الحكم إذا توافر هذا السبب لكنه كان غير مشروع (*ب).
* مطابقة العمل للقانون : أي أن هذا العمل يكون من اختصاص الموظف نوعيا و محليا حسب الشروط التي يحددها القانون ، و يجب ان يكون لازما لتحقيق الغرض المقصود منه و متناسبا مع هذا الغرض ، و تطبيقا لذلك لا يباح فعل مأمور الضبط الذي يحدث جروحا بالغة لمتهم كلف بالقبض عليه إذا ثبت أنه كان من الممكن القبض عليه دون اللجوء إلى العنف أو استعمال عنف أقل جسامة .
________________________
1)- د/ نظام توفيق المجالي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " مرجع سابق " ص 159 .
2)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 292 .
*أ)- كمأمور الضبط الذي يطلق الرصاص على متهم متلبس بجريمة قصد القبض عليه فيصيبه رغم أنه لم يحاول الهرب فالسبب المنشئ للقبض متوفر – حالة التلبس – لكن سبب استعمال العنف غير متوفر لان المتهم لم يحاول الهرب .
*ب) - كمأمور الضبط الذي يقبض على متهم في حالة تلبس بجريمة و كان قد اكتشف حالة التلبس بطريقة تشكل اعتداء على حرمة مسكن كما لو نظر من ثقب باب المسكن أو اقتحمه في غير الأوقات القانونية للتفتيش .
* حسن النية : يجب أن تكون غاية الموظف من ممارسة العمل مشروعة لان القانون خوله السلطة التقديرية لتحقيق غرض معين هو دائما المصلحة العامة ، فإذا استعمل الموظف سلطته التقديرية لتحقيق غرض خاص به لا يتصل بالصالح العام كان عمله غير مشروع (*أ) . حتى لو تحققت الشروط الأخرى ، لان هذه الشروط تعد بمثابة الحدود المادية اللازمة لمشروعية استعمال السلطة التقديرية لكنها لا تكف للإباحة إذا تخلف الحد المعنوي اللازم لمشروعية استعمال هذه السلطة (1) .
و يفسر حسن النية بضرورة تقيد من وجه إليه أمر القانون بالمصلحة التي شرع الإجراء من أجلها ، فمثلا الحبس المؤقت شرع لمصلحة سير الدعوى في مرحلة التحقيق الابتدائي و الأصل أن يكون غرض النيابة العامة عند إصدار أمر بالحبس المؤقت هو مصلحة التحقيق و ألا يكون له غرض آخر و إلا كان سيء النية ، لكن إذا استهدف بفعله غرضا غير ما حدده القانون إلى جانب استهدافه الغرض الذي حدده القانون ففعله مبرر لان ابتغاء الغرض القانوني كاف لتبرير الفعل (2) .فالغرض المشروع في هذه الحالة يحول دون تأثير البواعث الشخصية الثانوية في صحة و مشروعية عمل الموظف من الناحية القانونية (*ب).
بعد التطرق إلى الحالة الأولى من تنفيذ العمل القانوني نتطرق لحالة الثانية المتمثلة في إطاعة أمر الرئيس .
2- إطاعة أمر الرئيس .
إذا أصدر الرئيس أمره للمرؤوس فأطاعه هذا الأخير و نفذه ، فالفعل مشروع
و يشكل سببا من أسباب الاباحة ، ذلك أن القانون يأمر المرؤوس أن يطيع أمر رئيسه ________________________
*أ)- في القضاء الإداري يكون القرار الإداري مشوبا بعيب سوء استعمال السلطة في حالة توجه إرادة مصدر القرار للخروج عن روح القانون و غاياته و أهدافه و تسخير السلطة التي وضعها القانون بين يديه في تحقيق أغراض بعيدة عن الصالح العام .
1)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 295 .
2)- د/ محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقبات ، اللبناني ، المرجع السابق ، ص 251 .
*ب)-من العسير البحث في نية الموظف الذي يستعمل السلطة التقديرية تحقيق لغرض ثانوي إلى جانب الغرض الرئيسي من كان مشروعا ، لأن هذا الأخير كاف لإباحة فعله بغض النظر عن الباعث الذي دفعه إلى القيام بالعمل سواء اقترن تحقيق الغرض الرئيسي بغرض آخر غير مشروع أو لم يقترن ، فالمصلحة العامة التي خول القانون لأجلها الموظف السلطة التقديرية ، تتحقق ما دامت شروط صحة العمل قد توافرت أي كان الباعث على القيام به .
لاستتباب النظام و تحقيق المصلحة العامة (1) .
لكن يجب أن يكون أمر الرئيس مستوفيا لكل الشروط التي يتطلبها القانون سواء كانت شروطا شكلية أو موضوعية .
أ- الشروط الشكلية لأمر الرئيس .
يجب أن يكون الأمر صادرا من مختص و موجها لمختص ، أما إذا كان صادرا عن سلطة غير مختصة فان قيام الموظف بتنفيذ لا يعفيه من المسؤولية (2) ، كما يجب أن يفرغ في الشكل الذي أوجب القانون إفراغه فيه و هي الكيفية التي تطلبها القانون لاستصدار الأمر ، مثلا إذا اصدر قاضي التحقيق أمر بإحضار المتهم يجب عليه أن يصدره كتابة ، كما يجب أن يكون هذا الأمر بحوزة عون القوة العمومية و ليس له القيام بالتنفيذ دونه بحجة انه ينفذ أمر القانون مباشرة ، و لا يجوز له إحضار المتهم دونه بحجة أنه تلقى الأمر شفاهية ، كما يجب أن يذكر في كل أمر نوع التهمة و مواد القانون المطبقة و إيضاح هوية المتهم و تاريخ الأمر و توقيع القاضي الذي أصدره ، و مهره بخاتمة (*) . مما يؤكد أن مراعاة الشكل المطلوب قانونا هو أمر لازم لاعتبار أن الفعل مباح (3).
ب- الشروط الموضوعية .
المقصود بها تلك المقدمات التي يوجب القانون وجودها كشرط لاستصدر الأمر (4)
مثال ذلك ما نصت عنه المادة 45/1 قاإج من ضرورة تفتيش مسكن المتهم بحضوره أو
حضور ممثل له أو شاهدين من غير الموظفين الخاضعين لسلطة ضابط الشرطة الذي
________________________
1)- د/ عبد الحكم فودة ، امتناع المساءلة الجنائية في ضوء الفقه و قضاء النقض ، المرجع السابق ، ص 28 .
2)- د/ سمير عالية ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، الطبعة لا توجد ، مصر ، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر ، سنة 1994 ، ص 380 .
*)- تنص المادة 109 قااع « يجوز لقاضي التحقيق حسبما تقتضي الحالة أن يصدر أمر بإحضار المتهم و بإيداعه السجن أو بإلقاء القبض عليه ، و يتعين أن يذكر في كل أمر نوع التهمة و مواد القانون المطبقة مع إيضاح هوية المتهم و يؤرخ الأمر و يوقع عليه من القاضي الذي أصدره و يمهر بختمه » .
3)- د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري " القسم العام " ، الجزء الأول ، مرجع سابق ، ص 123 .
4)- د/ ممدوح عزمي ، دراسة عملية في أسباب الإباحة و موانع العقاب ، الطبعة لا توجد ، مصر ، دار الفكر الجامعي ، سنة 2004 ، ص 89 – 90 .

يشرف على التفتيش ، و كذلك لا بد أن تتوافر دلائل قوية على الاتهام ليمكن الأمر بالقبض عليه و تفتيشه و تفتيش مسكنه .
و عليه لكي يكون عمل الموظف مشروعا بناءا على الإباحة بأمر القانون يجب توافر كل الشروط الشكلية و الموضوعية التي حددها القانون ، و أن لا يتجاوز الرئيس حدود السلطة المخولة له ، و إلا قامت مسؤوليته عن هذا التجاوز و لا يعتبر عمله مبررا
و يعاقب عليه ، كذلك إذا تجاوز المرؤوس حدود الأمر الصادر إليه من الرئيس .
و نبحث فيما يلي حكم تنفيذ العمل غير القانوني .
ثالثا : تنفيذ العمل غير القانوني .
قد يرتكب الموظف غلطا أثناء أداء وظيفته معتقدا أنه يقوم بوظيفته في الحدود التي يقررها له القانون و لكن هذا العمل ، غير قانوني في حقيقته ، و ينبني الاعتقاد الخاطئ بمشروعية الأمر على أحد الاحتمالين التاليين (1) اللذين يشكلان :
1- حالات العمل غير القانوني :
أ‌- اعتقاد الموظف أن العمل من اختصاصه .
في هذه الحالة يعتقد الموظف انه قام بعمل يدخل في نطاق اختصاصه ، في حين أن هذا العمل يجاوز حدود اختصاصه القانوني ، و عليه يبقى فعله غير مشروع و لا يعد مباحا لان أسباب الإباحة موضوعية لا تتوافر في حالة الغلط المتجرد من كل قيمة موضوعية .
ب- تنفيذ الموظف لأمر غير قانوني صادر إليه من رئيسه .
في هذه الحالة يقوم الموظف بتنفيذ أمر صادر إليه من رئيسه معتقدا أن إطاعته واجبة ثم يتضح أن هذا الأمر كان مخالفا للقانون و ما كان عليه تنفيذه و يكون أمر الرئيس غير مطابق للقانون إذا شابه احد العيوب التي تجعله غير مشروع ، و قد يكون العمل المأمور به غير جائز قانونا (2) ، كأن يتم القبض على شخص لم يرتكب جريمة
لذلك يمكن القول أن أمر الرئيس غير كاف لإضفاء المشروعية على فعل المرؤوس
الذي تم تنفيذا لهذا الأمر لأن القانون فوق الجميع .
________________________
1)- د/ محمد على السالم عياد الحلبي ، شرح قانون العقوبات ، " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 294 .
2)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 299-300 .
و بعد التطرق لحالات العمل غير القانوني نتطرق إلى حكم تنفيذه
2- حكم تنفيذ العمل غير القانوني .
نفرق بصدد ذلك بين ثلاث حالات :
- إذا كان الموظف يعلم أن العمل الذي يأتيه مخالف للقانون .
- إذا كان الموظف يعتقد أن العمل الذي يقوم به مشروع .
- إذا كان الموظف يعتقد أن العمل الذي يقوم به مشروع بناءا على أسباب معقولة بعد التثبت و التحري و كان حسن النية .
و نعالج هذه الحالات كل حالة على حدى فيما لي :
أ- إذا كان الموظف يعلم أن العمل الذي يأتيه مخالف للقانون :
في هذه الحالة تقوم مسؤولية الموظف عن جريمة عمدية لتوافر القصد الجنائي لديه من خلال قيامه بواقعة يعلم أنها غير مشروعة ، و مثال ذلك أن يقوم مأمور الضبط القضائي بحجز المتهم مدة تزيد عن 48 ساعة دون عرضه على وكيل الجمهورية ، فيكون قد ارتكب الجناية التي نصت عليها المادة 107 قاع (*أ) .
و بالمثل إذا كان الموظف يعلم أن الأمر الصادر من رئيسه غير مشروع ، فلا تجب عليه طاعته فإذا أطاع المرؤوس الأمر رغم علمه بمخالفة للقانون فانه يسأل عن جريمة عمدية (1) ، كان يأمر ضابط الشرطة أحد رجال الشرطة التابعين له بتعذيب المتهم حتى يعترف فان أطاعه الشرطي تقوم مسؤوليته عن جريمة التعذيب و ليس له الاحتجاج بوجوب طاعة أمر الرئيس ما دام هذا الأمر مخالف للقانون .
ب- إذا كان الموظف يعتقد أن العمل الذي يقوم به مشروع :
إذا اعتقد الموظف أن العمل الذي يقوم به يدخل ضمن اختصاصه الوظيفي و أنه استوفى جميع الشروط القانونية في حين الحقيقة عكس ذلك تماما ، أو اعتقد أن الأمر الصادر إليه من رئيسه صحيح فانه في هذه الحالة لا يعتبر عمله مبررا نظرا للطبيعة الموضوعية لأسباب الإباحة .
________________________
*أ) - تنص المادة 107 قاع « يعاقب الموظف بالسجن المؤقت من خمس إلى عشر سنوات إذا أمر بعمل تحكمي
أو ماس سواء بالحرية الشخصية للفرد أو بالحقوق الوطنية لمواطن أو أكثر »
1)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات ، " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 83
و مع ذلك فان الاعتقاد بمشروعية العمل من شأنه نفي القصد الجنائي (*ا) ، كأن يقبض مأمور الضبط القضائي على شخص آخر غير الذي عين في أمر القبض لتشابه الأسماء فانه في هذه الحالة لا يسأل عن جريمة عمدية ، و لكن لا ينتف الخطأ غير العمدي إذا ثبت أن الموظف لم يبذل عناية الموظف العادي في التحري عن شرعية العمل الذي بقوم به .
ج- اذا كان الموظف يعتقد أن العمل الذي يقوم به مشروع بناءا على أسباب معقولة بعد التثبت و التحري(*ب) و كان حسن النية :
أي أن الموظف في هذه الحالة كان يجهل العيب الذي يشوب عمله ، و بذل العناية اللازمة للتحقق من مشروعيته و رغم ذلك وقع في الغلط ، فانه هنا ينتفي الخطأ العمدي و غير العمدي و تنتفي معه المسؤولية الجزائية بصورتها العمدية و غير العمدية (1) .
الفرع الثاني : إذن القانون
قبل أن نتطرق إلى إذن القانون كسبب إباحة نفرق بينه و بين أمر القانون
و نقول أن أمر القانون إجباري يجب الامتثال له ، و يترتب على مخالفته قيام المسؤولية ، أما إذن القانون فيسمح للمخاطب بالقيام بالعمل أو الامتناع عنه حسب ما يراه فإذا قام بالعمل لا يعد ذلك جريمة ، و قد نص المشرع الجزائري على إذن القانون كسبب للإباحة في المادة 39/1 قاع و هي المادة نفسها التي أشار فيها إلى أمر
________________________
*أ)- لان القصد الجنائي يتطلب العلم بتوافر أركان الجريمة و اتجاه إرادة الجاني نحو ارتكابها فإذا انتفى هذا العلم انتفى القصد حتما .
*ب)- التثبت و التحري الذي يتطلبه القانون من الموظف قبل القيام بالفعل يقاس بمعيار الموظف العادي اذا وجه في ذات الظروف التي تصرف فيها الموظف المتهم ، لذلك يجب مراعاة كل الظروف التي أحاطت بالموظف عند قيامه بعمل لا يدخل في اختصاصه أو تنفيذه أمر معيب صدر من رئيسه ، فإذا قدر القاضي كفاية و معقولية الأسباب التي دفعت الموظف الى الاعتقاد مشروعية العمل ، انتفت مسؤولية الموظف ، أما اذا أثبت أم الموظف لم تثبت و يتحرى عن مشروعية العمل بالقدر الذي كانت تسمح به ظروف الحال و أن اعتقاده بمشروعية العمل لم يكن بناءا على أسباب معقولة تحققت مسؤولية الموظف عن فعله .
1)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات ' القسم العام " ، المرجع السابق ، ص84 .


القانون كسبب إباحة ، فما العلة من اعتبار إذن القانون سببا للإباحة ؟
أولا : أساس الإباحة بإذن القانون .
الإباحة بإذن القانون أو استعمالا للحق كما يعبر عنها بعض الفقه و التشريعات هي الحالات التي تنتفي فيها عدم مشروعية الفعل ، لأنه ارتكب استعمالا لحق قرره القانون لصاحبه ، و عبارة القانون تأخذ مدلولا أوسع ، حيث يتفق القضاء الفرنسي
و المصري على أنها لا تقتصر على القانون في حد ذاته بل تتعداه لتشمل العرف و هذا يتفق مع واقعنا في الجزائر رغم عدم العثور على أحكام قضائية في هذا الشأن (1)
تجد الإباحة بإذن القانون أساسها في وجوب تحقيق التناسق بين أحكام القانون لأن قيمة الحق تتجسد في استعماله للحصول على مزاياه أو تحقيق الغاية منه و إذا كان الاستعمال المشروع للحق يؤدي إلى ارتكاب بعض الأفعال فانه من غير المنطقي تجريم هذه الأفعال ، لان ذلك يعني أن القانون يقرر حقا ثم يعاقب صاحبه إذا استعمله استعمالا مشروعا ، و من أجل ذلك كان تحقيق التناسق بين أحكام القانون و تنزيه المشرع عن التناقض مقتضيا إباحة كل فعل يستهدف منه صاحب الحق الاستعمال المشروع لحقه (2).
و استعمال الحق كسبب للإباحة يتطلب توافر شروط معينة كما أن له تطبيقات خاصة بالنظر إلى جرائم معينة ، لذلك نتعرض للشروط العامة للإباحة بإذن القانون ثم ندرس أهم تطبيقات إذن القانون .
ثانيا : الشروط العامة للإباحة بإذن القانون
يتعين لقيام إذن القانون كسبب للإباحة توافر الشروط التالية :
1- وجود حق مقررا قانونا .
يفترض استعمال الحق كسبب من أسباب الإباحة أن يثبت ابتداء هذا الحق لصاحبه
فلابد إذن من حق (3) . و الحق هو كل مصلحة يعترف بها القانون و يحميها سواء كانت مادية أو معنوية ، و يجب أن يكون هذا الحق مؤكدا لصاحبه فان كان متنازعا عليه فلا يجوز لمن يدعيه أن يقرره ، لأن القانون لا يجيز لأي شخص إقامة العدالة لنفسه و إنما اللجوء إلى القضاء لاستفاء حقه .
________________________
1)- د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص - 137 .
2)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " المرجع السابق ، ص 250 .
3)- د/ محمود محمود مصطفى ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 172 .
و عليه يعتبر سارقا الدائن الذي يختلس مالا مملوكا للمدين وفاء لدينه ، فاستفاء دينه له طرق و إجراءات قانونية منصوص عليها (1) .
و قد يكون مصدر الحق الدستور كحق أعضاء المجلس التشريعي في التعبير عن آراءهم ، و قد يكون مصدر الحق قانون الإجراءات الجزائية كحق الدفاع أمام المحاكم الذي يجيز إسناد الشخص لخصمه في دفاعه أمورا قد تعتبر مكونة لجرائم القذف أو السب أو إفشاء الأسرار و قد يكون مصدره القانون التجاري الذي يجيز أن يأمر الساحب المسحوب عليه بعدم دفع قيمة السفتجة التي أصدرها الصالح المستفيد في حالة ضياعها و قد يكون مصدره الشريعة الإسلامية كحق الزوج في تأديب زوجته و الوالد في تأديب ولده .
ولا يقتصر النص القانوني كمصدر للإباحة على النصوص الصادرة عن السلطة التشريعية بل يشمل أيضا كل قاعدة تنظيمية متى كانت صادرة ممن يملك إصدارها قانونا و أن تنطوي على خاصية العمومية سواء تمثلت في أمر جمهوري أو قرار وزاري (2).
و قد يكون العرف مصدرا للإباحة إذا استوفي كل العناصر التي تجعل منه مصدرا للقاعدة القانونية (3) .
2- ارتكاب الفعل استعمالا للحق المقرر .
يجب أن يكون الفعل المرتكب هو الوسيلة الوحيدة لاستعمال الحق (4)، و حتى يكون هذا الاستعمال مشروعا يجب أن يكون في إطار الحق ذاته دون تجاوزه و أن لا يتعسف صاحبه في استعماله ، فالقانون يجيز لصاحب الحق أفعالا معينة يأتيها استعمالا لحقه و يحدد مجال الاباحة بهذه الأفعال دون غيرها فإذا ارتكب صاحب الحق أفعالا غير التي أجازها له القانون أو أشد جسامة كان فعله غير مشروع و ينطبق نفس الحكم اذا كان القانون يحظر على صاحب الحق استعمال وسيلة معينة لاستفاء حقه لكنه يستعملها مثال ذلك الدائن الذي يستوفي حقه من مدينه بالعنف و استعمال القوة دون اللجوء إلى القضاء .
________________________
1)- محمد زكي أبو عامر ، القسم العام من قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص: 195 .
2)- د/ محمود محمود مصطفى ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 173 .
3)- د/ سليمان عبد المنعم ، النظرية العامة لقانون العقوبات ، المرجع السابق ، 380 .
4)- د- عبد الحكم فودة ، أسباب امتناع المسؤولية الجنائية في ضوء الفقه و قضاء النقض المرجع سابق ، ص 99
ارتكاب الفعل في الحدود المقررة للحق .
لكي يتوافر هذا الشرط يجب الالتزام بحدود الحق (*) ، و هذه الحدود قد تكون شخصية أي متعلقة بالشخص الذي يستعمل الحق ، و قد تتعلق بجسامة الفعل الذي يتعين إتيانه و نوضح ذلك كالآتي :
- يجب أن يمارس الحق من الشخص الذي خوله القانون مباشرته و لا يجوز لغيره استعماله ، فالحق في تأديب الزوجة لا يثبت إلا للزوج وحده دون سواه فان استعمله غير الزوج مهما كانت قرابته للزوجة فان ما يتمخض عنه من فعل الضرب يكون مكونا جريمة (1) . لكن إذا أجاز القانون لصاحب الحق أن يفوضه إلى غيره فلا مانع في ذلك فمثلا الوكيل له أن ينسب إلى الخصم وقائعا تعد قذفا أو ذما عند ممارسة الحق في الدفاع أمام المحاكم باسم موكله .
- يجب أن يكون ارتكاب الجريمة ضروريا لاستعمال الحق بان يكون الفعل المرتكب لازما و ضروريا ، و إلا كان استعمال الحق بإذن القانون غير مبرر فحق الدفاع أمام المحاكم لا يبيح جرائم القذف و السب إلا بالقدر الضروري اللازم لممارسة حق الشخص في الدفاع .
- يجب أن يكون استعمال الحق في إطار المصالح المشروعة ، فلا يجوز استعماله لتحقيق مصلحة مخالفة للنظام العام و الآداب و العامة ، فالحق في مزاولة العمل الطبي لا يعف الطبيب من المسؤولية الجزائية إذا ثبتت أن ما أرتكبه من فعل يشكل جريمة لم يكن لازما لأداء العمل الطبي كأن يقوم بإجهاض امرأة دون مبرر صحي شرعي .
4- استعمال الحق بحسن نية .
يعني ذلك التقيد بالغرض الذي من أجله تقرر الحق ، أما إذا سعى الشخص إلى
________________________
*)- نستخلص الحدود العامة للحق من نص المادة 124 مكرر قام المستحدثة بالأمر 05-10 المؤرخ في 2005
و التي تنص على : « يشكل الاستعمال التعسفي للحق خطأ لا سيما في الحالات التالية :
- إذا وقع بقصد الإضرار بالغير ، - إذا كان يرمي للحصول على فائدة قليلة بالنسبة للضرر الناشئ للغير
- إذا كان الغرض منه الحصول على فائدة غير مشروعة » .
1)- د/ محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات اللبناني ، المرجع السابق ، ص 165 .


تحقيق غرض آخر انتفت لديه حسن النية (1) ، فحق التأديب مثلا غايته الإصلاح فان استعمله الزوج لمجرد إهانة زوجته لم يعد فعله مبررا استنادا لإذن القانون ، و الغرض من إجراء العمليات الجراحية هو العلاج فان كان قصد الطبيب من وراء إجراءها تحقيق شهرة علمية أو إجراء تجربة يسأل عن جريمة عمدية سواء بوصف القتل العم أو الجرح العمد بحسب النتيجة .
بعد دراسة الشروط العامة للإباحة بإذن القانون نتطرق لتطبيقات إذن القانون فيما يلي:
ثالثا : تطبيقات إذن القانون .
تأذن القوانين بممارسة حقوق متعددة و متباينة ، فمن غير الممكن حصر كل حالات الإباحة بإذن القانون ، لذلك نتعرض إلى أهم التطبيقات التي يكثر وقوعها و تثير بعض جوانبها الجدل ، و هي حق التأديب ، حق مباشرة الأعمال الطبية ، حق ممارسة الألعاب الرياضية ، و نعالج كل حالة على حدى فيما يلي :
1- حق التأديب .
يكاد حق التأديب أن يكون محض تطبيق الشروط العامة التي سبق إيضاحها (2).
و نشير إلى أنه لا يوجد نص في قانون العقوبات الجزائري يسمح لشخص بحق تأديب آخر و إنما هذا الحق يجد مصدره في أحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر الاحتياطي الأول من مصادر القانون (*) ، لذلك تعد الشريعة الإسلامية بالنسبة لهذا الحق مصدرا مباشرا له (3) ، و يساهم العرف أحيانا في تقرير هذا الحق (4) ، حيث يجوز للمعلم أن يضرب التلاميذ الصغار ضربا خفيفا بغرض التأديب .
________________________
1)- د/ محمد أحمد المشهداني ، الوسيط في شرح قانون العقوبات ، الطبعة الأولى ، الأردن ، مؤسسة الوراق 2003 ، ص 200 .
2)- د/ محمد زكي أبو عامر ، القسم العام من قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 203 .
*)- تنص المادة الأولى من القانون المدني الجزائري « يسري القانون على جميع المسائل التي تتناولها نصوصه في لفضها أو في فحواها . و إذا لم يوجد نص تشريعي ، حكم القاضي بمقتضي مبادئ الشريعة الإسلامية ، فإذا لم يوجد فبمقتضى العرف ، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي و قواعد العدالة »
3)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 265 .
4)- د/ سمير عالية ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 350 .


كما يجوز لملقن الحرفة ضرب من يتعلم على يديه الحرفة ضربا خفيفا بغرض التأديب
و حق التأديب يبرره المحافظة على كيان الأسرة و تقويم الصغار و تربيتهم لذلك فالتأديب الذي تقرره الشريعة الإسلامية لا يكون إلا للزوج على زوجته و للولي على الصغير الذي تحت ولايته .
ا- تأديب الزوجة .
حق مقرر للزوج بموجب الشريعة الإسلامية لقوله تعالى :« و اللائي تخافون نشوزهن فعظوهن و اهجروهن في المضاجع و اضربوهن فان أطعنكم فلا تبتغوا عليهن سبيلا » (*أ) .
و ينشا هذا الحق بعقد الزواج الصحيح و إذا انقضت الرابطة الزوجية انقضى هذا الحق معها ، و يشترط لاستعماله أربعة شروط مجتمعة و نلخصها في العناصر التالية :
* الصفة : يثبت هذا الحق للزوج فقط و لا يجوز أن يستعمله غيره من أهله أو أهلها
و هذا الحق لا تجوز فيه الإنابة ، و إذا حدثت عوقب المعتدي على الزوجة كفاعل
و عوقب الزوج كشريك (1) .
* السبب : أي وقوع ما يوجب التأديب و قد حددته الآية الكريمة بأنه نشوز الزوجة الذي يعني خروجها عن طاعة زوجها و قيامها بمعصيته شرط أن لا تكون من تلك المعاصي
التي حدد لها الشارع جزاءا ، و أن لا يكون أمر هذه المعصية قد رفع إلى السلطات العامة (2).
* وسيلة التأديب : حصرت الآية الكريمة وسائل التأديب التي يحق للزوج استعمالها في الوعظ ، و الهجر في المضجع، ثم الضرب ، فلا يجوز للزوج أن يتجاوز الوسيلة الأولى ، مثلا و يلجأ إلى الثانية أو الثالثة إلا إذا رأى أن الوسيلة الأولى لم تجد نفعا في مواجهة
نشوز الزوجة .
* غــاية التأديب : يجب أن يتقيد الزوج بالغاية التي شرع لأجلها حق التأديب و هي تهذيب الزوجة و مواجهة نشوزها ، أما إذا كان بقصد الانتقام أو الاهانة ، فان الزوج لا
________________________
*أ)- سورة النساء ، آية 34 .
1)- د/ ممدوح عزمي ، دراسة عملية في أسباب الإباحة و موانع العقاب ، المرجع السابق ، ص 73 .
2)- د/ علي عبد القادر القهوجي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، الطبعة لا توجد ، مصر ، دار المطبوعات الجامعية ، سنة 1997 ، ص 350 .
يتمتع بالرخصة المقررة قانونا و يسال عن الفعل الذي أتاه لان الضرب شرع للتأديب باعتباره يحمي كيان الأسرة ، و الضرورة تقدر بقدرها دون إفراط و إذا تجاوز الزوج الغاية التي شرع لأجلها الضرب كان سيء النية و سقط حقه في التمسك بإذن القانون كسبب لإباحة فعله .
ب- تأديب الصغار .
يقابل حق التأديب الالتزام بالرقابة (1) ، فلا يعقل أن تكون هناك رقابة تحقق أهدافها في تربية الولد و تهذيبه دون أن يلازمها حق التأديب لمن يتولاه ، ويقصد بالولد في مجال التأديب « كل من بقي في كنف القائم على تربيته حتى بلغ سن الرشد أو أن ينفصل الولد في عيشة مستقلة » (2) وحق تأديب الصغار مقيد بشروط أو ضوابط هي كالتالي :
* الصفـة : هذا الحق مقرر للأب، و الأم، و الولي الشرعي ، و الوصي ، كما هو مقرر أيضا لصالح معلم المدرسة و رب الحرفة (3) .
و قد ثار خلاف في الفقه حول حق المخدوم في تأديب خادمه فاعترف بعض الفقه للمخدوم بهذا الحق لان العرف يخوله ذلك ، بينما أنكره عليه جانب آخر من الفقه حتى لو كان بإذن والد الخادم ، و هو رأي بعض فقهاء الشريعة الإسلامية .
و حجتهم في ذلك أن حق التأديب مصدره الشريعة الإسلامية باعتباره يتعلق بالولاية على النفس و لا ولاية للمخدوم على خادمه ، و من ثم الشريعة الإسلامية لا تقرر هذا الحق للمخدوم (1) .
* السبب : يكمن سبب تأديب الصغار في انحرافهم عن فعل يجب عليهم الامتناع عنه أو امتناعهم عن فعل يجب عليهم القيام به ، و من ثم يجوز معاقبة الصغير إذا تسول
أو سوق أو لم يراجع دروسه أو خالف تعاليم دينه .
* الوسيلة : حق التأديب الذي تقرره الشريعة الإسلامية يسمح بالضرب البسيط غير المؤذي ، الذي لا يحدث كسرا ، أو جرحا ، ولا يترك أثرا كأثر الكدمات و لا ينشأ عنه مرض .
________________________
1)- د/ كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 188 .
2)- د/ نظام توفيق المجالي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 147 .
3)- د/ عبد الحكم فودة ، امتناع المساءلة الجنائية في ضوء الفقه و قضاء النقض ، مرجع سابق ، ص 101 .
4)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 269 .
و عليه يجب أن يلتزم صاحب الحق في التأديب حدود التأديب و إلا قامت مسؤوليته عن جريمة الضرب ، و يقصد بذلك أن لا تتجاوز أفعال التأديب مداها
و لهذه الأفعال حدان هما المشروعية و الملائمة .
و يراد بالمشروعية أن يكون الفعل مباحا في ذاته بأن يكون وسيلة مقبولة للتأديب فلا يتصور أن يتم بتر عضو من أعضاء الصغير ، أو حرمانه من الأكل كوسيلة للتأديب لان المصلحة التي تهدرها هذه الوسائل ، أولى من المصلحة التي يرجى من التأديب تحقيقها ، أما الملائمة فيقصد بها التناسب بين وسيلة التأديب و الغاية المرجوة منه
و للقائم بالتأديب أن يختار من بين الوسائل المشروعة ما يراه أكثر ملائمة (1) .
* غاية التأديب : تقرر حق التأديب لتهذيب الصغير أو تعليمه ، فلا يثبت هذا الحق إلا إذا استهدف هذه الغاية ، و في حالة تجاوز هذه الغاية إلى غاية أخرى كان الضرب غير مشروع و تحققت المسؤولية الجزائية عنه ، و من أمثلة ذلك أن يضرب الأب ابنه لحمله على التسول ، أو السرقة أو أن يضرب المعلم تلميذه لحمله على أخذ دروس خصوصية عنده .
بعد التطرق إلى حق التأديب نتطرق فيما يلي إلى ممارسة الأعمال الطبية كثاني تطبيق من تطبيقات الإباحة بإذن القانون
2- حق مباشرة الأعمال الطبية .
إن كل مساس مقصود بجسم شخص يشكل اعتداء على حقه في سلامته الجسدية
و الصحية ، غير أن العمليات الجراحية و المعالجة الطبية التي يجريها الأطباء على مرضاهم تخرج من نطاق التجريم ، ذلك أن القانون من خلال اعترافه بمهنة الطب
و تحديد شروط ممارستها يرخص للطبيب حين يسمح له بمزاولة مهنته أن يفعل كل الأفعال التي تبدوا في ظاهرها جريمة و لكنها تباح لان الغرض منها شفاء المريض و إن كانت تمس بالجسم مساسا ماديا ، لكن هذا المساس في اغلب الأحيان يهدف إلى صيانة مصلحة الجسم في أن يسير سيرا طبيعيا في أداءه لوظائفه .
و نتطرق إلى حق مباشرة الأعمال الطبية من خلال تعريف الأعمال الطبية و شروط إباحتها .
________________________
1)- د/ ممدوح عزمي ، دراسة عملية في أسباب الإباحة و موانع العقاب ، المرجع السابق ، ص 71-72
أ- تعريف الأعمال الطبية .
تعرف الأعمال الطبية على أنها « كل نشاط يتفق في ماهيته ، و طبيعته و كيفيته
و ظروفه مع القواعد و التعليمات المقررة في العلم الذي يهدف إلى الحفاظ على سلامة الإنسان و صحته و حواسه ، ووظائفها ، فهو ممارسة و تطبيق لتلك القواعد على شخص أو أشخاص معينين » (1) .
و عليه لا يعتبر الطبيب مرتكبا لجريمة الجرح إذا أجرى عملية جراحية للمريض
أو استأصل عضوا من المريض متى التزم و بحسن نية الأصول الطبية في هذا الخصوص كما أن حق ممارسة الأعمال الطبية يبيح للطبيب حيازة المواد المخدرة التي يتطلبها عمله الطبي و التي تشكل في الأصل جريمة يعاقب عليها القانون ، و تعتبر الأعمال الطبية مباحة و غير مرتبة لأي مسؤولية جزائية أو مدنية أو تأديبية اذا توافرت شروط معينة نتعرض لها فيما يلي :
ب- شروط إباحة الأعمال الطبية .
يشترط لإباحة الأعمال الطبية توافر الشروط التالية :
* الترخيص القانوني بمزاولة المهنة : إن الترخيص بالعلاج للطبيب من الشروط اللازمة لممارسة مهنة الطب ، لأنه بذلك يكون مسؤولا عن العمل الذي يقوم به بالإضافة إلى أنه يكون على درجة علمية معينة تؤهله لذلك وفق الشروط التي تحددها القوانين الخاصة بمزاولة المهن الطبية (2).
و قد نص المشرع الجزائري على هذا الشرط في المادة 197 من قانون الصحة (*) .
إما المساس بسلامة الجسم من قبل شخص غير مرخص له بذلك و يقوم بمزاولة المهن الطبية ، فانه يسأل عن كل عمل يحدثه للمريض من جروح أو كي بالنار ، أو غير ذلك
على أساس العمد (3). و قد اشترط القانون ضرورة الحصول على ترخيص لمزاولة مهنة
________________________
1)-د/ فريد الزغبي ، المسؤولية الجزائية ، مرجع سابق ، ص 121 .
2)-د/ محمد على السالم عياد الحلبي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 171 .
*)- نص المادة 197 من قانون الصحة الصادر بالأمر رقم 85-05 و المعدل بالأمر رقم 90-07
« تتوقف ممارسة مهنة الطبيب و الصيدلي و جراح الأسنان على رخصة يسلمها الوزير المكلف بالصحة » .
3)- د/ محمود محمود مصطفى ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 171 .

الطب بغرض تنظيم هذه المهنة ، و حماية الصحة العامة و عدم اللجوء إلى العلاجات الوهمية و الخرافات .
* رضا المريض بالعلاج : يعتبر ذلك شرطا لازما لاعتبار العمل الطبي فعلا مبررا
و هذا شرط طبيعي يقتضيه ما لجسم الإنسان من حرمة تمنع المساس به دون رضا صاحبه ، و قد يكون الرضا صادر من المريض نفسه أو ممن يمثله قانونا و قد يكون صريحا أو ضمنيا (1) ، و قد نص المشرع الجزائري على هذا الشرط في المادة 154/1 من قانون الصحة (*أ) . و إذا رفض المريض تدخل الطبيب لا يجوز للطبيب أن يقوم بأي عمل من الأعمال الطبية و إلا تقررت مسؤوليته عن تلك الأعمال ، و مع ذلك تدخل الطبيب في حالة الضرورة الماسة حين تكون حياة المريض في خطر ، و لا يمكن أخذ رأيه و لا يوجد من يمثله لكي يرضى بدلا منه ، في هذه الحالة لا يكون تدخل الطبيب مباحا بسبب تخلف
رضاء المريض أو من يمثله ، و لكن الطبيب لا يسأل في هذه الحالة من توافرت شروط الضرورة قانونا ، و يجوز كذلك أن يتدخل الطبيب دون رضا المريض و يكون عمله مباحا بناءا على سبب آخر غير استعمال الحق « إذن القانون » هو تنفيذ أمر القانون كما يحدث في حالات الأوبئة (2).
* توافر قصد العلاج : يجب ان يكون القصد من التدخل الطبي علاجيا ، و قد نص المشرع الجزائري على ذلك في المادة 07 من قانون الصحة ، و يشمل قصد العلاج القضاء على المرض أو التخفيف من الآلام الناشئة عنه ، أو الوقاية من المرض
و توافر قصد العلاج عند الطبيب هو الذي يحقق حسن نيته (3).
و إذا كان قصد الطبيب غرضا آخر غير علاج المريض كان مسؤولا عنه حتى لو تم برضا المريض ، كأن يحقنه بحقنة قاتلة لتخليصه من ألام مرض يستحيل شفاءه ، كذلك لا يكون فعل الطبيب مبررا ، و تقوم مسؤوليته إذا كانت الأعمال التي يباشرها لمجرد
________________________
1)- د/ محمد زكي أبو عامر ، القسم العام من قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 206 .
*أ)- تنص المادة 154/1 من قانون الصحة « يقدم العلاج الطبي بموافقة المريض أو من يخولهم القانون إعطاء موافقتهم على ذلك » .
2)- د/ علي عبد القادر القهوجي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 249 .
3)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " المرجع السابق . ص275 .
إجراء تجربة علمية ، لم يقصد بها علاج المريض و إنما تحقيق شهرة أو اكتشاف جديد
* مراعاة الأصول العلمية للمهنة : على الطبيب أن يراعي في مباشرة مهنته القواعد
و الأصول العلمية المعروفة من أهل الاختصاص (1) . و إذا تعمد الطبيب الخروج على أصول المهنة التي يقضي بها علم الطب و الخبرة الفنية اعتبر فعله غير مشروع و قامت مسؤوليته عن جريمة عمدية ، أما إذا كان خروجه عنها من قبيل الخطأ اعتبر مسؤولا بوصف الخطأ . غير أنه إذا راعى الطبيب الأصول العلمية لمهنة الطب و بذل كل ما في وسعه لشفاء المريض لكنه رغم ذلك اشتد مرضه لا يكون الطبيب مسؤولا عن زيادة مرضه لان الطبيب مكلف ببذل عناية لا تحقيق نتيجة .
و مراعاة الأصول العلمية للمهنة لا يعنى أنه يجب على الطبيب أن يطبقها بالضبط كما يطبقها غيره من الأطباء ، فمن حق الطبيب أن يكون له قدر من الاستقلال في التقدير سيما و أن الطب علم غير مكتمل (2).
و بعد دراسة مباشرة الأعمال الطبية كتطبيق للإباحة بإذن القانون نتطرق إلى آخر تطبيق شائع للإباحة بإذن القانون و هو ممارسة الألعاب الرياضية .
3- حق ممارسة الألعاب الرياضية .
لقد درج الناس منذ القدم على ممارسة الألعاب الرياضية لما تحققه من مصلحة للفرد و المجتمع ، و لعل ذلك هو العلة في تبرير هذه الأفعال رغم ما قد يترتب عليها من عنف و إيذاء ، و نتطرق إلى ممارسة الألعاب الرياضية كتطبيق من تطبيقات الإباحة بإذن القانون وفق العناصر التالية :
أ- تعريف الألعاب الرياضية .
يقصد بها « مجموعة الألعاب و التمارين البدنية التي يمارسها بعض الأفراد بروح المنافسة من اجل تنمية أجسامهم أو من اجل التسلية خاضعين في ذلك لقواعد محددة في مباشرتها » (3).و الألعــاب الرياضية نوعان :
* نـوع عادي : لا يحتاج إلى العنف و القوة بين اللاعبين كالجري ، القفز ، السباحة
________________________
1)- د/ سمير عالية ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 352 - 354 .
2)- د/ كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 199 .
3)- د/ محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات اللبناني ، مرجع سابق ، ص 200 .
كرة القدم ، كرة السلة ، فإذا أحدث أحد اللاعبين لأخر إصابة عن عمد كان مسئولا عن جريمة عمدية ، أما إذا أصابه عن إهمال كان مسئولا عن جريمة غير عمدية ، و إذا انتفى العمد و الإهمال فلا مسؤولية على اللاعبين كأن يقفز لاعبان في الهواء لتلقي الكرة فيرتطمان يبعضهما فتحدث إصابتهما أو إصابة أحدهما (1) .
* نـوع عنيف : تفترض مما سنه استعمال القوة و العنف ، كالمصارعة و الملاكمة بحيث يشكل هذا النوع من الألعاب اعتداءا على سلامة الجسم بالضرب ، و قد يؤدي حتى إلى الإصابة بجروح ، و لكن اذا حدث ذلك في الحدود المقررة للعبة كان الفعل مباحا استنادا إلى الحق في ممارسة الألعاب الرياضية ، و لكي تكون ممارسة الألعاب الرياضية فعلا مبررا لابد من توافر الشروط التالية :
ب- شروط إباحة الألعاب الرياضية .
* يجب أن تكون اللعبة من الألعاب المعترف بها في العرف الرياضي :
أي أن تكون لعبة من الألعاب المتعارف عليها في أوساط اللاعبين سواء كانت شائعة بصورة عامة أو خاصة ، إذ يستوي في نظر القانون أن تكون مما يمارس في جهة أو جهات معينة ، المهم أن تكون اللعبة مقيدة دائما بضوابط و أحكام يلزم إتباعها من قبل اللاعبين ، ولا يلزم بعد ذلك أن يكون لها جمعيات أو اتحادات رياضية تنظمها
و تشجع عليها .
* يجب أن يكون صدور أفعال العنف أثناء مباراة رياضية منظمة قانونا :
يجب أن تكون أفعال العنف قد ارتكبت أثناء المباراة الرياضية ، و في الوقت المحدد لممارستها سواء في مباراة نظامية أو مجرد تمرينات للاستعداد للعبة أما إذا وقعت أفعال العنف قبل بدء المباراة أو بعد انتهاءها فإنها لا تكون مبررة و يتفرع عن هذا الشرط ضرورة رضا اللاعب بالاشتراك في المباراة (2). فإذا أكره الخصم على اللعب ، أو حصل العنف بعد تخلي الخصم عن اللعب كان الفعل غير مبرر .
* يجب مراعاة اللاعبين قواعد و أصول الألعاب المتعارف عليها :
يجب أن يراعي اللاعب قواعد اللعبة و أصولها و أن يكون حسن النية بان يتجه
________________________
1)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 78 .
2)-د/ محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات اللبناني ، المرجع السابق ، ص 134.
قصده إلى الاشتراك في اللعبة لهدف رياضي ، و ليس قصد التستر وراء اللعبة لشفاء ضغائن أو أحقاد ، أو إبعاد الخصم عن الرياضة (1) .
و إذا تعمد اللاعب الخروج عن قواعد اللعبة و أصولها و أحدث إصابة للاعب آخر أثناء اللعبة اعتبر مسئولا عن جريمة عمدية ، أما إذا ترتبت الإصابة نتيجة إهمال اللاعب اعتبر مسئولا عنها بوصفها جريمة غير مقصودة بمقتضى القواعد العامة (2) أما إذا حصل العنف في لعبة احترم فيها اللاعب قواعد اللعبة ، فلا يتحمل اللاعب تبعة هذا العنف.
و تجدر الإشارة أن المشرع الجزائري لم ينص على أعمال العنف الواقعة بسبب ممارسة الألعاب الرياضية في قانون العقوبات بل جاء النص عاما و شاملا لكل أفعال الضرب و الجرح ، و نجد أن الدولة تشجع على ممارسة مختلف الرياضيات و دعمها ماديا و معنويا ، و عليه إذا حدثت أفعال العنف أثناء مباراة رياضية ضمن قواعد اللعبة كانت هذه الأفعال مباحة ، أما في حالة تجاوز القواعد المحددة للعبة قامت مسؤولية اللاعب عن أفعال العنف التي قام بها .
.

BOKALI غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 07:47   #3
BOKALI
المشرف العام

الصورة الرمزية BOKALI


تاريخ التسجيل: Jun 2010
الدولة: Algeria / Ain Defla
المشاركات: 476
مقالات المدونة: 11
BOKALI will become famous soon enough

الاوسمة

افتراضي رد: أسبـاب الإبــاحةو مــوانع المسؤوليــة


المطلب الثاني : الأسباب المطلقة للإباحة .
نتناول في هذا المطلب الدفاع الشرعي كسبب مطلق للإباحة باعتبار انه يستفيد منه كافة من توافرت فيه الشروط العامة للدفاع الشرعي دون شرط أو صفة خاصة في الشخص ، كما أنه مطلق من حيث الجرائم بمعنى أنه يؤثر في أي جريمة مهما كانت .
و نتناول كذلك في هذا المطلب رضا المجني عليه و لا نعني بإدراجنا إياه سببا مطلقا أنه صالح لتفي كل جريمة تم رضا المجني عليه بها ، لأنه أصلا المبدأ العام انه لا يجوز الاعتداد به كسبب إباحة ، و لكن صنفناه على أساس انه مطلق من حيث معيارالأشخاص المستفيدين منه بحيث أن التشريعات التي تبنته صراحة كسبب إباحة لم تحدد شرطا
أو صفة خاصة في المجني عليه ، و تبعا لذلك نقسم هذا المطلب إلى فرعين ، نتناول في الفرع الأول الدفاع الشرعي و في الفرع الثاني رضا المجني عليه .
________________________
1)- د/ سمير عالية ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 356 - 357 .
2)- د/ كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 192 .

الفرع الأول : الدفاع الشرعي .
يعتبر الدفاع الشرعي من أبرز أسباب الإباحة في القوانين الوضعية و هو قديم قدم التاريخ و الخلاف بين بني البشر ، أمر بدأ منذ النزاع بين ولدي آدم عليه السلام واستمر و سيبقى إلى أن يرث الله الأرض و من عليها لأنها سنة الله في خلقه و لا تبديل لسنة الله لقوله تعالى : « و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك و لذلك خلقهم » (*) .
و هذا الخلاف في دنيا البشر هو أساس العدوان الذي عرفته البشرية منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل و لذلك كان الدفاع الشرعي متجددا مع البشرية و متطورا بتطورها
وقد اعترف القانون الروماني بالدفاع الشرعي باعتباره حقا طبيعيا و ليس فقط حقا من الحقوق المكتوبة ، كما أجازت اللوائح الاثنى عشر قتل السارق ليلا أو نهارا إذا شرع في استعمال أسلحته .
أما في القانون الفرنسي المتأثر بالفكر المسيحي نجد قانون 1670 نص على أن الملك دون القاضي هو الذي يملك حق العفو عن القاتل دفاعا عن النفس و هو الذي يمنحه خطاب الغفران أو خطاب العفو و لم يكن الملك يرفض إذا كان هناك ضرورة للدفاع المشروع (1).
و بعد هذه اللمحة التاريخية حول الدفاع الشرعي نعرج إلى تعريفه فيما يلي :
أولا : تعريف الدفاع الشرعي .
لقد عرفت جل التشريعات الدفاع الشرعي كسبب من أسباب الإباحة ، لذلك نجد أن كل الدراسات الفقهية عالجت هذا الموضوع ، فتعددت تعاريف الدفاع الشرعي (*أ). و إن كانت تؤدي نفس المعنى و يمكن أن نعرفه على أنه « استعمال القوة اللازمة لصد خطر غير مشروع يهدد بالاعتداء على حق يحميه القانون »(2).
_______________________
*)-سورة هود ، الآية 119 .
1)- د/ محمد سيد عبد التواب ، الدفاع الشرعي في الفقه الإسلامي ، الطبعة الأولى ، مصر ، دار الهدى ، سنة 1983
ص 75
*أ)- يعرف د/ محمد أحمد المشهداني الدفاع الشرعي على أنه : « استعمال القوة اللازمة لمواجهة خطر اعتداء حال غير محق و لا مثار و معنى غير محق أي غير مشروع ، و معنى غير مشار أي التعرض الذي يصدر عن المعتدي لم يقابله استفزاز من المدافع » و يعرفه د/ عبد الله سليمان « الحق باستعمال القوة اللازمة الذي يقرره القانون لمصلحة المدافع لرد الاعتداء الحال عليه أو على ماله ، أو على نفس الغير أو ماله »
2)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 84 .
و قد عرفت الشريعة الإسلامية الدفاع الشرعي قبل أن تنص عليه التشريعات الوضعية بأربعة عشر قرنا تقريبا و سمته بدفع الصائل ، لقوله تعالى « فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم » (*أ) .
و نبحث فيما يلي طبيعة الدفاع الشرعي ، و أساسه ، و ما لا يؤثر في قيامه .
1- طبيعة الدفاع الشرعي .
لقد اختلف الشراح حول طبيعة الدفاع الشرعي ، فمنهم من قال أنه أداء لواجب اجتماعي ، و منهم من قال أنه حق ، و من ثم جرى الفقهاء على اعتبار الدفاع المشروع استعمالا لحق شخصي (1) .
و منهم من قال انه تفويض قانوني باستعمال سلطة الضبطية الإدارية في منع الجرائم
و لعل الصحيح أن الدفاع الشرعي ترخيص من القانون للمدافع برد الاعتداء ، و فرق بين الحق و الرخصة ، فالحق يقابله التزام بدين و ليست الرخصة كذلك (2) .
2- أساس الدفاع الشرعي :
اختلف فقهاء القانون الجنائي و رجال القانون فيما يتعلق بأساس الدفاع الشرعي فذهبوا إلى أراء مختلفة و عديدة في تفسيره (3) .
فذهب جانب من الفقه إلى أن أساس الدفاع الشرعي هو العدالة المطلقة (4) فالاعتداء شر و من العدل أن يقابل الشر بالشر ، و قد عبر الفيلسوف الألماني هيجل عن الفكرة بقوله
« إن الاعتداء نفي لحق و الدفاع نفي لهذا الاعتداء ، إذن الدفاع إثبات للحق » .
و ذهب آخرون إلى إسناد الدفاع الشرعي إلى نظرية العقد الاجتماعي التي نادي بها
جون جاك روسو لكن هذا الرأي انتقد على أساس أن هذه الفكرة لا تصلح لتفسير الدفاع عن حقوق الغير (5).
_______________________
*أ)- سورة البقرة ، الآية 194 .
1)- د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سـابق ، ص 136.
2)- د/ محمود محمود مصطفى ، شرح قانون العقبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 217 .
3)- د/ محمد احمد المشهداني ، الوسيط في شرح قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 202 .
4)- د/ نظام توفيق المجالي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 165 .
5)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 310 .
- و ذهب آخرون إلى اعتبار الإكراه المعنوي كأساس له ، لان الشخص الموجود في حالة دفاع شرعي عن نفسه يكون واقعا تحت تأثير معنوي يفقده حرية الاختيار إلا أن هذا التفسير انتقد لأن الاعتداء الذي يصيب المدافع لا يشترط فيه أن يصل إلى الحد الذي يفقده حرية الاختيار ، كما أن الإكراه المعنوي مانع من موانع المسؤولية في حين أن الدفاع الشرعي سبب من أسباب الإباحة ، فضلا عن أن هذا التفسير لا يستقيم مع أحوال إباحة الدفاع الشرعي عن نفس الغير و ماله .
- و ذهب جانب آخر من الفقه إلى تأسيسه على فكرة التفويض القانوني باعتبار أن المدافع في رده للاعتداء ينوب عن الدولة في ممارسة سلطتها في منع الجرائم إذا تعذر عليها التدخل في الوقت المناسب ، و قد انتقد هذا التفسير أيضا على أساس أن التفويض يمنح إليه ذات السلطات المخولة للمفوض و لا يبيح للمفوض إليه ما يمتنع على المفوض ، في حين نجد المدافع يرتكب أفعالا لا يباح لرجال السلطة العامة ارتكابها (1) .
و الراجح أن أساس الدفاع الشرعي يرجع إلى فكرة الموازنة بين المصالح المتعارضة للإفراد و إيثار مصلحة أولى بالرعاية تحقيقا للصالح العام ، و هو هدف كل نظام قانوني ، فالمبدأ العام أنه لا يجوز للشخص أن يقتضي حقه بنفسه ، و إنما يجب عليه اللجوء إلى السلطات المختصة و استثناءا من هذه القاعدة يجوز للشخص أن يدفع الاعتداء على حقه إذا تعذر عليه الاستعانة بالسلطات العامة (3).
3- ما لا يؤثر في قيام الدفاع الشرعي .
ما يشترطه القانون في فعل المعتدي أن يكون مخطورا بنص قانوني و لا عبرة بعد ذلك بنوع الجريمة ، أو كون المعتدي لا يخضع لقضاء الدولة ، أو كان المعتدي يتعلق برفع الدعوى ضده على شكوى ، أو طلب ، أو إذن ، أو كان المعتدي غير مسؤول
عن أفعاله ، كذلك لا عبرة بوقوع المعتدي في عذر قانوني يخفف عقابه فيجوز الدفاع ضده .
________________________
1)- د/ نظام توفيق المجالي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 165 – 166 .
3)-د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، المرجع السابق ، ص 142 .


أ- نوع الجريمة :
لا يشترط القانون في الجريمة التي ينشأ عنها حق الدفاع الشرعي قدرا معينا من الجسامة فيستوي الأمر إن كانت جناية ، أو جنحة ، أو مخالفة سواء كانت عمدية أو غير عمدية ، سواء اكتمل الركن المادي أو لا ، و إن كان حق الدفاع الشرعي قد شرع حتى لا يبلغ الركن المادي المكون لجريمة الاعتداء حده (1) .
ب- عدم خضوع المعتدي لقضاء الدولة .
هناك بعض الأشخاص بالرغم من إقامتهم على إقليم دولة غير دولتهم إلى أن قانون تلك الدولة لا يسري عليهم ، كأعضاء البعثات الدبلوماسية ، إلا أن ذلك لا يؤثر في قيام الدفاع الشرعي ضد أي فرد منهم إذا اعتدى على الغير .
ج- تعليق رفع الدعاوي على شرط .
يشترط القانون في بعض الجرائم عدم رفع الدعوى العمومية إلا بناءا على طلب
أو إذن ، أو شكوى ، مثال ذلك السرقة بين الأقارب و الحواشي و الأصهار حتى الدرجة الرابعة حسب المادة( 369/1 قاع) ، و جريمة الزنا حسب المادة( 339/2 قاع ) ، إلا أن هذه القيود في رفع الدعوى لا تؤثر في قيام حالة الدفاع الشرعي .
د- امتناع مسؤولية المعتدي
إن فقدان المعتدي وقت ارتكاب الجريمة الشعور أو الاختيار لقيام أحد موانع المسؤولية لا يحول دون قيام الدفاع الشرعي ضده لدرء ما قد ينشا عنه و عن فعله من خطر .
هـ- المستفيد من العذر القانوني .
حدد المشرع بعض الأعذار القانونية التي تستوجب تخفيف العقاب في بعض الجرائم مثال ذلك ما نصت عليه المادة 279 قاع (*) ، فإذا شرع الزوج في قتل زوجته و من يزني بها فسارعه الآخر بالدفاع عن نفسه فقتل الزوج عد القاتل و هو من يزني بالزوجة مستغلا لحق الدفاع الشرعي ، و العلة في قيام الدفاع الشرعي ضد المتهم
________________________
1)- د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري " القسم العام " ، الجزء الأول ، مرجع سابق ، ص 131 .
*)- تنص المادة 279 قاع « يستفيد مرتكب القتل و الجرح و الضرب من الأعذار إذا ارتكب احد الزوجين على الزوج الآخر أو على شريكه في اللحظة التي يفاجئه فيها في حالة تلبس بالزنا »
المستفيد من عذر قانوني هو كون فعله ما زال مجرما فلم تزل صفة التجريم بتوافر العذر القانوني (1).
بعد التطرق لمفهوم الدفاع الشرعي ندرس شروطه فيما يلي :
ثانيا : شروط الدفاع الشرعي .
يستوجب الدفاع الشرعي سلوكا من جانب المعتدي عليه يسمى فعل الدفاع لرد سلوك عدواني صادر من المعتدي يسمى الاعتداء و يلزم توافر شروط معينة في الاعتداء و أخرى في فعل الدفاع حتى يمكن القول أن الفاعل كان في حالة دفاع شرعي و نتطرق فيما يلي لشروط فعل الاعتداء ثم نتطرق لشروط فعل الدفاع .
1- شروط فعل الاعتداء .
الاعتداء هو الخطر الذي ينذر بوقوع ضرر يصيب النفس أو المال أو استمراره
و اشتراط وجود الاعتداء يعني توافر الخطر الذي يهدد بوقوع ضرر أو استمراره
و تطبيقا لذلك ، فان انتفاء الخطر يترتب عليه انتفاء الاعتداء و بالتالي انتفاء الدفاع الشرعي ، و يجب أن يكون فعل الاعتداء غير مشروع ، و حال ، و أن يكون محله إحدى جرائم النفس أو المال .
أ- فعل غير مشروع .
يكون محل الاعتداء غير مشروع إذا كان ينطوي على خطر حقيقي و كان غير مثار
* وجود تعرض ينطوي على خطر حقيقي : إن حالة الدفاع الشرعي لا تنشأ إلا إذا كان هناك خطر يجعل من المحتمل وقوع جريمة ، لذلك لابد من قيام المعتدي بنشاط يخشى
منه وقوع جريمة من الجرائم على حق يحميه القانون حتى تتوفر حالة الدفاع الشرعي (2).
و لا يشترط أن يكون فعل الاعتداء ايجابيا بل يكفي مجرد الامتناع الذي يقره القانون جريمة ، كامتناع الأم عن إرضاع طفلها لقتله فهو خطر يبيح الدفاع الشرعي متى توافرت باقي شروط الدفاع الشرعي سواء بإرغام الأم على إرضاعه أو باتخاذ أي وسيلة ملائمة أخرى لإنقاذه (3).
________________________
1)-د/ ممدوح عزمي ، دراسة عملية في أسباب الإباحة و موانع العقاب ، المرجع السابق ، ص 112-113- 114
2)- د/ محمد علي السام عياد الحلبي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع الساق ، ص 182 .
3)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات ، " القسم العام " ، المرجع الساق ، ص 86 .
إلا انه قد يعتقد شخص بأنه مهدد بخطر فيبادر باستخدام القوة اللازمة لدفعه ثم يتبين أن هذا الخطر لا وجود له و أن اعتقاده كان وهما ، كمن يرى شخصا في الظلام فيظنه عدوا يتربص به فيقتله ، فهذا الشخص لا يجوز له الاحتجاج بالدفاع الشرعي لإباحة فعله ، لأن الخطر الوهمي ما هو إلا صورة من صور الغلط في الإباحة لأنه ينصب على واقعة الاعتداء و التحقق مما إذا كان هذا الاعتداء ينطوي على خطر حال أو لا (1)
و بما أن أسباب الإباحة موضوعية فإنها لا تنتج أثرها إلا إذا تحققت في الواقع .
كذلك اذا وقع الاعتداء بأمر من القانون أو بإذنه كان عادلا و فقد الدفاع شرعيته كالشخص الذي أصدرت في حقه السلطات أمرا بقبضه ، و يقاوم تنفيذ هذا الأمر لا يكون في حالة دفاع شرعي ، كذلك الحال بالنسبة لمن يقاوم الضبط الذي يقوم به مواطن طبقا لأحكام المادة 61 قاع « يحق لكل شخص في حالات الجناية أو الجنحة المتلبس بها
و المعاقب عليها بعقوبة الحبس ، ضبط الفاعل و اقتياده إلى أقرب ضابط للشرطة القضائية »
* تعرض غير مثار : حالة الدفاع الشرعي لا تقوم اذا كان الخطر مصدره المدافع نفسه فحالة الاعتداء غير المثار تعني أن الاعتداء الذي يصدر عن المعتدي لا يكون للمدافع يد فيه فالشخص الذي يكون سببا في حدوث الاعتداء لا يجوز له أن يحتج بالدفاع الشرعي و مثال ذلك اللص الذي يدخل منزلا في الليل ليسرق ، فإذا استعمل صاحب المنزل العنف لمواجهته كان في حالة دفاع شرعي ، أما اللص إذا واجه صاحب المنزل فليس له أن يحتج بأنه كان في حالة دفاع شرعي لأنه هو من أثار الاعتداء بدخوله منزل الغير ليلا بطريق غير مشروع قاصدا السرقة .
ب- فعل حــال .
يجب أن يكون الخطر حالا و ليس هناك وقت للجوء الى السلطات العامة لدرء الخطر ، فإذا كان الخطر آجلا لم يكن هناك مبرر للعنف و ارتكاب رد الفعل طالما اتسع الوقت لدرء الخطر باللجوء الى السلطات العامة و قد عبر المشرع الجزائري عن هذا الشرط في المادة 39/2 قاع بقوله « الضرورة الحالة للدفاع المشروع »
________________________
1)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 310 .

و يكون الخطر حالا اذا كان وشيك الوقوع أو بدأ و لم ينته بعد .
* يكون الخطر وشيك الوقوع : إذا صدر عن المعتدي أفعال تجعل وقوع الاعتداء أمرا منتظرا على الفور بحسب المجرى العادي للأمور (1) ، كأن يحاول المعتدي إطلاق النار على الشخص المدافع ، أو ضربه بعصا ، أو سكب البنزين تحضيرا لإلقاء عود ثقاب لحرق مؤسسة ففي هذه الأمثلة نكون بصدد اعتداء وشيك لا يعقل تجريد المعتدى عليه من حقه في الدفاع الشرعي في مواجهته ، قبل أن يتحول إلى عدوان بالفعل يلحق ضررا بمال أو نفس المعتدي عليه أو مال أو نفس غيره .
و لعل معظم حالات الدفاع الشرعي تندرج تحت هذه الصورة و إن اختلفت التسميات التي يضفيها البعض عليها كالقول بالخطر الحال ، أو الخطر الداهم أو التعدي على وشك الحلول (2) .
* خطر بدأ و لم ينته بعد : نكون أمام هذه الحالة إذا وقع الاعتداء بالفعل و اكتملت به الجريمة قانونا لكنه لازال مستمرا في إنتاج أثاره (3) ، و عليه يجوز الدفاع الشرعي في مواجهة السارق الذي بدأ في السرقة و لم يتمها ، و ضد من يواصل ضرب شخص آخر
أما بعد انتهاء الاعتداء لا يجوز للمعتدي عليه التذرع بحق الدفاع الشرعي في مواجهة المعتدي و إنما يعد في حالة انتقام كأن يضرب شخص آخر ثم يهرب فيتعقبه المجني عليه ليضربه .
جـ- محل الاعتداء إحدى جرائم النفس أو المال .
حسب المادتين( 39/2 قاع ) ،( 40 قاع ) الجرائم التي تبيح الدفاع الشرعي تشمل جرائم النفس و المال ، و يستوي بعد ذلك أن يكون فعل الاعتداء موجها لنفس المدافع أو غيره ، أو ماله أو مال غيره .
* جرائم النفس : تتخذ جرائم الاعتداء على النفس عدة مظاهر و هي كالآتي :
________________________
1)- د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري " القسم العام" ، الجزء الأول ، المرجع السابق ، ص 134
2)- د/ سليمان عبد المنعم ، النظرية العامة لقانون العقوبات ، الطبعة لا توجد ، مصر ، دار الجامعة الجديدة
سنة 2000 ، ص 429 .
3)- محمد زكي أبو عامر ، القسم العام من قانون العقوبات ، الطبعة لا توجد ، مصر ، دار الجامعة الجديدة ، سنة 2002
ص 249 .

- جرائم الاعتداء على حياة الإنسان و سلامة جسمه بما فيها جرائم القتل و الضرب
و الجرح .
- جرائم الاعتداء على العرض مثل جرائم هناك العرض و الإخلال بالحياء .
- الجرائم الماسة بالشرف و الاعتبار مثل القذف و السب .
- جرائم الاعتداء على الحرية و يظهر هذا الاعتداء بعدة مظاهر منها الاعتداء على حرية الحركة و الانتقال .
* جرائم المال : تشمل كل الجرائم المرتكبة ضد الأموال المنصوص عنها في قانون العقوبات أو القوانين المكملة له (*) ، مثل جرائم السرقة و ابتزاز الأموال و النصب
و إصدار شيك دون رصيد ، و خيانة الأمانة ، و التعدي على الملكية العقارية ، و إخفاء الأشياء المسروقة ، و التعدي على الملكية الأدبية و التخريب ، أما جريمة الإفلاس بالرغم من أنها من جرائم الأموال ، إلا أن طبيعتها تتنافى و قيام حق الدفاع الشرعي لأن القانون التجاري أورد أحكام الإفلاس و مدى حقوق الدائنين في مواجهة المفلس و من ثم لا يجوز للدائن اللجوء إلى الدفاع الشرعي (1) .
بعد التعرف على شروط فعل الاعتداء نتطرق فيما يلي لشروط فعل الدفاع
2- شروط فعل الدفاع .
إذا توافرت في فعل الاعتداء الشروط التي ذكرت سابقا نشأ لمن يهدده هذا الاعتداء أو يهدد غيره الحق في استعمال القوة اللازمة لصده ، و بالقدر المناسب لدرئه ، و عليه
يشترط في فعل الدفاع شرطان هما اللزوم و التناسب .
و يرجع لقضاة الموضوع تقدير تحقيق هذه الشروط ، و ذلك تحت رقابة المحكمة العليا و من ثم يتعين إثارة الدفع بتوافر شروط الدفاع المشروع أمام قضاة الموضوع و لا يجوز إثارته لأول مرة أمام المحكمة العليا (1).
أ- اللــــزوم
يستلزم هذا الشرط أن تكون حالة الدفاع ضرورية لردع المعتدي و منعه من تنفيذ
________________________
*)-حصر المشرع المصري الجرائم التي تجيز الدفاع الشرعي عن المال ، في جرائم معينة هي جرائم الحريق العمد السرقة ، التخريب و الإتلاف ، و انتهاك حرمة منزل .
1)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات ، " القسم العام " ، المرجع الساق ، ص 91 .
)- د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، المرجع السابق ، ص 144 .
جريمته عن طريق استعمال العنف ، و يجب أن يكون فعل الدفاع المرتكب هو الوسيلة الوحيدة لصد الاعتداء ، و أن يتجه إلى مصدر الخطر .
* فعل الدفاع هو الوسيلة الوحيدة لصد الاعتداء : يتحقق ذلك في حالة الاضطرار إلى الجريمة لدرء الخطر (1). و يعني ذلك أن الدفاع لا يباح إلا إذا كان المعتدي عليه غير قادر على درء الخطر إلا بالجريمة التي أقدم عليها ، أما إذا كان في وسعه رد الخطر بوسيلة أخرى غير الجريمة فان الدفاع بالفعل الإجرامي يكون غير لازم .
* اتجاه فعل الدفاع المرتكب إلى مصدر الخطر : لا محل لتبرير فعل الدفاع و لا يعتبر لازما لدرء الخطر إلا إذا وجه هذا الفعل إلى مصدر الخطر لوقفه و التخلص منه (2).
فإذا ترك المعتدى عليه مصدر الخطر ووجه مقاومته العنيفة إلى غيره ، فلا يعتبر فعله مباحا تمسكا بالدفاع الشرعي ، كأن يحرض شخص كلبه ليهاجم غريمه فيطلق المعتدي عليه النار على مالك الكلب فيقتله بدلا من قتل الكلب مصدر الخطر ، فلا يفسر فعل المعتدى عليه هنا إلا على أنه انتقام .
ب- التنــاسب .
نقصد بالتناسب أن تكون القوة التي استعملها المعتدي عليه في دفاعه لا تزيد عن القدر اللازم لدفع الاعتداء ، فهي إذن مقارنة الجرائم المتاحة للمدافع لدرء الخطر
و اختيار أقلها ضررا لدفع الخطر (3) . و حتى يتحقق شرط التناسب يجب :
* أن يكون فعل الدفاع متناسبا مع الخطر الذي تعرض له المدافع : و ذلك بأن يكون الأذى الذي أصاب المعتدي متناسبا مع الأذى الذي كان المدافع عرضة له و أراد تجنبه .
* أن يكون فعل الدفاع أقل ضررا من أي فعل آخر يمكن صد الاعتداء به : فإذا كان في وسع المعتدي عليه أن يدرأ الخطر بالضرب فلا يباح له أن يدرأه بفعل أشد جسامة كالجرح ، و من كان في وسعه أن يدرأ الخطر بالجرح فلا يباح له أن يدرأه بفعل اشد جسامة كالقتل و جسامة الاعتداء مسالة وقائع يفصل فيها القضاء بالنظر إلى الخطر
________________________
1)- د/ سمير عالية ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 369 .
2)- د/ محمد علي السالم عياد الحلبي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 199 .
3)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات ، " القسم العام " ، المرجع الساق ، ص 93 .


الذي كان يهدد المدافع (1) .
و بعد دراسة المبادئ العامة للدفاع الشرعي نعالج فيما يلي تطبيق الدفاع الشرعي .
ثالثا : تطبيق الدفاع الشرعي .
و نتطرق من خلال هذا العنصر إلى الحالات الممتازة للدفاع الشرعي ، و إثباته
و آثاره ، و حكم تجاوز حدود الدفاع الشرعي .
1- الحالات الممتازة للدفاع الشرعي .
بعد أن حددت المادة ( 39/2 قاع ) الأحكام العامة للدفاع الشرعي ، جاءت المادة (40 قاع ) و تحدثت عن حالات خاصة للدفاع الشرعي ، و هي حالات أجاز القانون فيها للمعتدي عليه دفع الاعتداء عنه دون التقيد بالشروط العامة للدفاع الشرعي نظرا لخطورتها.
و بذلك تكون المادة( 40 قاع ) أنشأت قرينة قانونية مفادها أن من يدافع عن شخصه أو حرمة مسكنه من أي اعتداء حدث ليلا ، أو من يدافع عن نفسه أو غيره ضد مرتكبي السرقات أو النهب بالقوة هو في حالة دفاع شرعي دون حاجة لإثبات توافر الشروط العامة للدفاع المشروع ، و عليه تتمثل الحالات الممتازة للدفاع الشرعي في قانون العقوبات الجزائري في حالتين :
* الحالة الأولى : نصت عليها المادة ( 40/1 قاع ) و تتمثل في « القتل أو الجرح
أو الضرب الذي يرتكب لدفع اعتداء على حياة الشخص أو سلامة جسمه أو لمنع تسلق الحواجز و الحيطان أو مداخل المنازل ، أو الأماكن المسكونة أو توابعها و كسر شيء منها أثناء الليل » ، وقد أدرج المشرع الجزائري هذه الحالة ضمن الحالات الممتازة للدفاع الشرعي لان الليل ظرف يستغله المجرمون لمفاجئة الناس بالعدوان و إثارة الخوف في نفوسهم ، مما يجعل تقدير الخطر الداهم ، و جسامته أمر صعب و للاستفادة من هذه القرينة يجب التقيد بالشروط التي وردت في النص و هي :
- أن يتم التسلق أو كسر متعلقا بمسكن ، أو أحد توابعه و يعتبر مسكنا المكان المخصص للسكن مهما كانت صفته ، و توابعه يقصد بها ما اتصل بالمسكن مباشرة.
________________________
1)- د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، المرجع السابق ، ص 147 .
- أن يتم الدخول ليلا و ذلك لما يحدثه التهديد بالاعتداء على حياة الشخص و سلامة جسمه من فزع في نفس المدافع إذا حدث في الليل ، فضلا عن أن الاعتداء في الليل دليل على مدى خطورة المعتدي و سوء نيته .
- أن يكون الدخول بغرض ارتكاب جريمة لأنه إذا ثبت أن دخول المسكن عن طريق التسلق لم يكن بغرض ارتكاب جريمة و كان المدافع يعلم ذلك فان الإباحة تنتفي .
* الحالة الثانية : نصت عليها المادة( 40/2 قاع ) و تتمثل في «الفعل الذي يرتكب للدفاع عن النفس أو عن الغير ضد مرتكبي السرقات أو النهب بالقوة » .
و قد اعتبرت هذه الحالة قرينة على توفر شروط الدفاع الشرعي حتى لا يبقى المجتمع تحت سلطة الأشرار و العصابات و إباحة مقاومة أعمالهم بالقوة و يشترط لقيام هذه الحالة :
- أن يهدد الخطر بالاعتداء على النفس المدافع أو نفس غيره .
- أن يقع التهديد من أشخاص يرتكبون جرائم السرقات أو النهب بالقوة ، سواء في الليل أو النهار و يلاحظ أن النص لم يشترط عددا معينا من المهاجمين ، أو استعمال وسيلة معينة في الهجوم .
2- إثبات الدفاع الشرعي .
عند الحديث عن إثبات الدفاع الشرعي يجب أن نفرق بين حالتين :
- إثبات الدفاع الشرعي بوجه عام .
- إثبات الحالات الممتازة .
أ- الإثبات بوجه عــام .
يذهب رأي في الفقه إلى القول بأن المتهم لا يتحمل عبء إثبات وقائع الدفاع الشرعي ، و إنما يقع هذا العبء على عاتق النيابة العامة استنادا لقرينة البراءة التي يتمتع بها المتهم (1) ، و على المحكمة أن تفصل في ذلك حسب ما يتضح من الوقائع
و ملابسات القضية و الأدلة المقدمة لأن تقدير الوقائع المؤدية إلى قيام حالة الدفاع الشرعي
________________________
1)-د/ محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات اللبناني ، المرجع السابق ، ص 242 .
أو نفيها ، و التزام حدوده أو تجاوزها و حسن النية أو سوءها أمور متعلقة بموضوع الدعوى (1).
لكن محكمة النقض الفرنسية قضت بأن « إثبات أي سبب من أسباب الإباحة يقع على عاتق المتهم باستثناء الحالات الممتازة للدفاع الشرعي » (2) . فيجب على المتهم الذي يتمسك بالدفاع الشرعي أن يقيم الدليل على توافر شروطه .
ب- إثبات الحالات الممتازة للدفاع الشرعي .
يثور التساؤل حول قيمة القرينة القانونية الواردة في المادة( 40 قاع ج ) المقابلة للمادة( 329 قاع فرنسي) ، هل هي قرينة مطلقة أم قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس ؟.
ظاهر نص المادة( 40 قاع ج ) يفيد أنها قرينة قاطعة (3). لكن إذا تمعنا فيه نجد أنه من غير العدل أن يستغل المدافع هذا النص ، و يقوم بفعل الدفاع دون أي قيد إذا ثبت أنه كان على علم مسبق بفعل الغير لأن غاية هذا النص حماية حق المدافع أمام مفاجأة الغير له بالاعتداء على شخصه أو على مسكنه ليلا ، فالمنطق يقضي بتطبيق الأحكام العامة للدفاع الشرعي إذا كان المعتدي عليه يعلم بفعل الغير ، و بالتالي لا تكتسي هذه القرينة طابعا مطلقا و إنما تقبل الدليل العكسي (4).
أما بالنسبة لأفعال السرقة و النهب بالقوة فالقرينة قاطعة لا تقبل إثبات العكس .
3- أثار الدفاع الشرعي .
إذا توافرت شروط الدفاع الشرعي فان كل ما يصدر من أفعال عن المدافع يعتبر
مبررا ، فإذا كان الملف على مستوى النيابة العامة وجب عليها حفظه ، و إذا كان على
مستوى التحقيق تعين على قاضي التحقيق إصدار أمر بألا وجه لإقامة الدعوى ، و اذا كان على مستوى جهة الحكم كان عليها أن تقضي بالبراءة ، شرط أن يشمل حكمها على ________________________
1)- د-ممدوح عزمي ، دراسة عملية في أسباب الإباحة و موانع العقاب ، مرجع سابق ، ص121 .
2)- د/ محمد مروان ، نظام الإثبات في الموارد الجنائية في القانون الوضعي الجزائري ، الجزء الأول ، الطبعة لا توجد ، الجزائر " بن عكنون " ، ديوان المطبوعات الجامعية ، سنة 2000 ، ص 107 .
3)- د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري " القسم العام" ، المرجع السابق ، ص 138 .
4)- د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، المرجع السابق ، ص 149 .
ما يفيد أنها محصت الدعوى و أحاطت بظروفها ، و بأدلة الثبوت التي قام الاتهام عليها عن بصر و بصيرة ، ووازنت بينها و بين أدلة النفي (1) .
4- تجاوز حدود الدفاع الشرعي .
البث في ثبوت التجاوز من عدمه متعلق بالواقع يختص بالفصل فيه قاضي الموضوع (2) و كثيرا ما يصعب على المحاكم التمييز بين انتفاء الدفاع الشرعي ، و بين تجاوز حدوده (3) و يمكن القول تفريقا بينهما أن لزوم الدفاع الشرعي يقتضي عدم اللجوء إلى الجريمة لدفع الخطر المهدد طالما أمكن دفعه بغير الجريمة ، فان ثبت انه كان يمكن دفع الخطر بغير الجريمة انتفى الدفاع الشرعي كليا .
أما شرط التناسب فانه يقتضي إذا كان لابد من استعمال الجريمة فإنها لا تبرر إلا بالقدر اللازم لرد خطر الجريمة الماثل وقوعها وما زاد عن ذلك فهو تجاوز لحدود الدفاع الشرعي ، و لم يتعرض المشرع الجزائري لحكم تجاوز الدفاع الشرعي (*) و عليه نطبق القواعد العامة ، فإذا اعتدى المعتدي على المعتدى عليه يحق لهذا الأخير أن يرد الاعتداء عن نفسه بقدر جسامته ، أما إذا تجاوز حدود الدفاع الشرعي – أي لم يكن الدفاع متناسبا مع فعل الاعتداء – فان فعل المدافع يشكل جريمة يعاقب عنها المدافع و لا يعف من
العقاب (4) و لتحديد مسؤولية متجاوز حدود الدفاع الشرعي نميز بين ثلاث حالات تتوقف على مدى توافر القصد الجنائي .
- إذا كان التجاوز مقصودا بأن يدرك المدافع جسامة الخطر و في وسعه رده بفعل متناسب معه ، و لكنه يلجأ إلى قوة تزيد على ذلك يكون مسئولا عن جريمة عمدية ، لأن فعله أقرب إلى الانتقام منه إلى رد الخطر المحدق به (5) ، كأن ينتهز شخص فرصة
________________________
1)- د/ كامل عبد الواحد الجوهري ، حكم البراءة في القضايا الجنائية ، الطبعة الأولى ، مصر ، دار محمود ، سنة 2006
ص 104 .
2)- د/ عبد الحكم فودة ، امتناع المساءلة الجنائية في ضوء الفقه و قضاء النقض ، مرجع سابق ، ص 116 .
3)- د/ كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 169 .
*)- على خلاف نظيره الأردني الذي نص في المادة 60 قاع « إذا وقع تجاوز في الدفاع أمكن إعفاء فاعل ، الجريمة من العقوبة بالشروط المذكورة في المادة 79 » .
4)- د/ محمد أحمد المشهداني ، الوسيط في شرح قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 209 .
5)-د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري " القسم العام" ، الجزء الأول ، المرجع السابق ، ص 142

الاعتداء عليه بالضرب فيقتل المعتدي عن قصد .
- إذا كان التجاوز مبنيا على خطأ المدافع في تقدير جسامة الاعتداء ، و كان بوسعه التحديد الصحيح لجسامة الخطر الماثل عليه ، و فعل الدفاع اللازم لدرئه ، يكون المتجاوز مسؤولا عن الجريمة التي ارتكبها مسؤولية غير عمدية (1) .
- و في الأخير لا يكون المتهم مسئولا إذا ثبت تجرد فعله من القصد و الخطأ كما لو كان التجاوز وليد اضطراب شديد أصابه على حين غرة ، و تعليل انتقاء المسؤولية هو تجرد فعله من الخطأ العمدي و غير العمدي كذلك .
بعد دراسة أسباب الإباحة التي نص عليها المشرع الجزائري في قانون العقوبات نتطرق في الفرع الموالي إلى رضا المجني عليه كسبب إباحة أقره القانون المقارن هذا السبب الذي أثار جدلا كبيرا حول مدى مصداقيته في الصفة الإجرامية عن الفعل
و تبعا لذلك نعالجه فيما يلي :
الفرع الثاني : رضا المجني عليه
تقتضي الجريمة وجود الجاني و المجني عليه ، و غالبا ما تقع الجريمة خلافا لإرادة هذا الأخير و دون علمه المسبق بها ، و عليه يبدوا غريبا أن يطرح رضا المجني عليه كسبب للإباحة ، إلا أن الواقع يثبت وجود حالات يوافق المجني فيها على أن يتحمل نتائج الجريمة أو أن يكون محلا لها ، كأن توافق امرأة على إجهاضها من قبل الغير ، أو يوافق شخص على قتله لمعاناته من مرض يستعصي شفاءه .
و ما هذه الأمثلة إلا صور لرضا المجني عليه بوقوع الجريمة ضده ، و فيما يلي
ندرس رضا المجني عليه كسبب إباحة (*) وفق العناصر التالية :
________________________
2)- د/ نظام توفيق المجالي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 202 .
*)- لأنه قد يكون لرضا المجني عليه كذلك تأثير على الدعوى العمومية ، فليس للنيابة العامة تحريك الدعوى العمومية في بعض الجرائم إلا بناءا على شكوى يقدمها المجني عليه كجرائم السرقة بين الأزواج ، و جرائم الزنا ، و إن لم يقدم هذه الشكوى فان ذلك يعنى انه قد رضي بعدم محاكمة المتهم ، و قد يكون له كذلك تأثير على الركن المادي في بعض الجرائم ، فالسرقة مثلا يقوم ركنها المادي على الأخذ أو الاختلاس ، و لا يتحقق ذلك إلا إذا كان المجني عليه غير راض عن خروج الشيء عن حيازته و دخوله حيازة الغير – و قد يكون الرضا عنصرا في بعض أسباب الإباحة مثل إباحة الأعمال الطبية التي تندرج تحت إذن القانون .


أولا : تعريف رضا المجني عليه .
عرفه الفقيه جريسيني على أنه « الإذن المعطى بواسطة شخص من أشخاص القانون الخاص لفرد أو أفراد لتنفيذ عمل معاقب عليه بواسطة القانون الوضعي
و يترتب على هذا العمل الإتلاف أو الإضرار بمال أو مصلحة للشخص الذي صدر منه الإذن ، أو تعريضها للخطر » (1) .
و عرفه قانون العقوبات الهندي على أنه « القبول المبني على تحكم العقل الحرفي التفكير في الأمور و عواقبها دون إكراه أو غش أو غلط في فهم حقيقة الواقع » (2).
و يتضح أن أطراف الرضا هي :
* المجني عليه : و هو " الشخص الذي وقع عليه الاعتداء مباشرة " ، أو أنه " ذلك الشخص الذي يملك الحق المحمي من الجريمة أو المعرض للخطر و يرضى بتحمل الآثار الناجمة عن الجريمة " .
* من صدر إليه الرضا : قد يكون شخصا واحد ، أو مجموعة من الناس دون تحديد الشخص منهم فعلى سبيل المثال رضا مالك الأرض بأن يقوم أي شخص دون تحديد ببناء على أرضه .
بعد تعريف رضا المجني عليه نتطرق فيما يلي إلى مدى مصداقيته في محو الصفة الإجرامية عن الفعل .
ثانيا : مدى مصداقية رضا المجني عليه كسبب إباحة .
1- المبدأ العام : عدم جواز الاعتداء برضا المجني عليه كسبب إباحة .
القاعدة العامة أن رضا المجني عليه ليس سببا من أسباب الإباحة ، و القاعدة التي وردت به على سبيل الاستثناء الذي لا يجوز التوسع فيه أو القياس عليه (2).
فلا يمكن الاعتداد برضا المجني عليه لإباحة الجرائم التي تمس حقا أو مصلحة للدولة مثل جرائم اختلاس المال العام ، و تزييف العملة ، و تزوير المحررات الرسمية .
كما لا يمكن الاعتداد به في الجرائم التي ينال فيها الاعتداد حقا للمجتمع ، مثل
________________________
1)- د/ محمد صبحي نجم ، رضا المجني عليه و أثره على المسؤولية الجزائية ، الطبعة لا توجد ، مصر ، ديوان المطبوعات الجامعية ، سنة 1975 ، ص 58 -59 .
2)- د/ محمد زكي أبو عامر ، القسم العام من قانون العقوبات ، مرجع سـابق ، ص 282 .
جرائم الفعل العلني المخل بالحياء ، و المتاجرة بالأشياء الممنوعة ، و تزوير المحررات العرفية ، ولا أثر لرضا المجني عليه في الجرائم ضد الأموال (1) . و قد يكون هذا الرضا سببا في تجريم فعل المجني عليه مثل جريمة قبول المجني عليه شيكا و هو يعلم أنه دون رصيد كما انه كذلك لا أثر لرضا المجني عليه في الجرائم التي ينال الاعتداء فيها حقا لنظام الأسرة ، مثل جرائم الزنا و هجر العائلة ، و إن كان المشرع يقرر عدم جواز تحريك الدعوى العمومية في جريمة الزنا مثلا إلا بعد تقديم شكوى من الزوج فلا يعنى ذلك أن سكوت الزوج يفيد إباحة الجريمة بل يعنى فحسب امتناع المتابعة القضائية لاعتبارات قدرها المشرع ، فإذا رضي الزوج المجني عليه و قدم شكوى أمكن رفع الدعوى العمومية ضد الزوجة الزانية و معاقبتها (2) .
كما ينعدم تأثير الرضا على فئة الجرائم التي تنال من حقوق الأفراد ، إلا أن لها أهمية اجتماعية كبيرة بحيث لا يجوز للأفراد التنازل عنها لما في ذلك من إهدار لمصلحة اجتماعية على جانب كبير من الأهمية ، و من أهم هذه الجرائم الاعتداء على الحياة
و سلامة الجسم ، فالحق في الحياة و سلامة البدن ليس حقا خالصا للأفراد و إنما يشترك المجتمع مع الأفراد في هذا الحق لأنه يتوقف عليه سلامة المجتمع كله (3) .
و على العكس من ذلك فقد يكون حق الفرد المعتدي عليه في الجريمة حقا خالصا له ففي هذه الحالة يعتد برضا المجني عليه كسبب إباحة ، و لعل هذا الفرض هو وحده المقصود برضا المجني عليه كسبب إباحة . و بالتالي نجد أن هناك استثناءات ترد على المبدأ القاضي بعدم جواز الاعتداء برضا المجني عليه كسبب إباحة نتطرق إليها فيما يلي
2- الاستثناءات الواردة على هذا المبدأ العام .
المعيار في تحديد جرائم الرضا يستند إلى الحق المعتدى عليه إن كان القانون يجيز للمجني عليه التصرف فيه ، فإذا كانت الإجابة بالإيجاب فتعدي الغير على هذا الحق لا يعد جريمة (4) ، مثل جرائم هدم ، أو تخريب ، أو إتلاف ملك الغير ، أو التعدي على
________________________
1)- د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، المرجع السابق ، ص 151 .
2)-د/ محمد زكي أبو عامر ، القسم العام من قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 279 .
3)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 362 .
4)-د/ عبد الحكم فودة ، أسباب امتناع المسؤولية الجنائية في ضوء الفقه و قضاء النقض ، مرجع سابق ، ص 133.
المزروعات و الحيوانات و آلات الزراعة . فهذه الأفعال لا تعتبر جرائم إلا إذا ارتكب بغير رضا المالك ، أما إذا ارتكبها بنفسه أو رضي بارتكابها من قبل الغير لا تقوم بها الجريمة ، لأن الفعل يتحول من اعتداء على الملكية في حالة انعدام الرضا إلى تصرف في الشيء محل الملكية إذا توفر الرضا ، و من الصعب حصر الجرائم التي يعد الرضا سببا لإباحتها لان ذلك يتوقف على تحديد الحقوق المعتدي عليها ، و بيان ما إذا كان القانون يجيز التصرف فيها و نقلها للغير أم لا .
و الحقيقة أن الرضا في الأمثلة السابقة ليس سبب إباحة ، لأن أسباب الإباحة تفترض قيام الجريمة من حيث أركانها المادية ، ثم تقترن بها لتنفي الصفة الإجرامية عنها
و الأمر ليس كذلك في الجرائم السابقة ، فلو تمعنا فيها لوجدنا أن الجريمة غير قائمة أصلا ، فجريمة هدم ملك الغير لا يتصور وقوعها إلا إذا ارتكب الجاني أفعال الهدم دون رضا المالك ، فرض المالك عنصر سلبي من عناصر الركن المادي في هذه الجريمة
و انتفاءه يعني انتفاء الركن المادي للجريمة و بالتالي انتفاء الجريمة لعدم اكتمال أركانها و ليس لان رضا المجني عليه أباحها .
و نخلص مما تقدم إلى رفض اعتبار رضا المجني عليه سببا لإباحة الجرائم التي تنال حقوقا يجوز التصرف فيها و نقلها للغير ، و الصحيح أن الرضا يؤثر على أركان هذه الجرائم و على وجه الخصوص الركن المادي (2).
ثالثا : القتل برضا المجني عليه و بطلبه في القانون المقارن .
لم يأخذ المشرع الجزائري برضا المجني عليه كسبب إباحة في قانون العقوبات للأفعال المجرمة . و فيما يخص جريمة القتل مطلقا لم يأخذ برضا المجني عليه كسبب إباحتها و بالعكس تماما فهو يعاقب على مساعدة الغير على الانتحار طبقا لنص المادة 273 قاع و التي جاء فيها « كل من ساعد عمدا شخصا في الأفعال التي تساعده على الانتحار أو زوده بالأسلحة أو السم أو بالآلات المعدة للانتحار مع علمه بأنها سوف تستعمل في هذا الغرض يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات إذا نفذ الانتحار ».
وفيما يخص التشريعيات الأخرى فقد نصت بعض التشريعيات على رضا المجني
________________________
1)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 362 - 364 .

عليه كسبب من أسباب الإباحة في حدود(1) من دلك المادة05 من ق ع الايطالي ( لا عقاب على من يعتدي على حق الغير أو يجعله في خطر إذا حصل دلك برضا صاحب الحق وكان من الجائز له التصرف في الحق ) (*) . وفيما يلي نركز على جريمة القتل برضا المجني عليه وبطلبه في بعض التشريعات.
1-في القانون الفرنسي :
إن قانون العقوبات الفرنسي لم ينص بنص خاص على جريمة القتل بناءا على الطلب بل ترك الأمر للقواعد العامة التي تعاقب على جريمة القتل العمد .فالقتل بناءا على طلب الضحية يعتبر جريمة قتل عمد حسب المادة295 قاع فرنسي. وهدا هو الرأي الراجح فقها و قضاء .
2- في القانون الانجليزي :
طبقا للرأي القاتل في انجلترا أن "حياة الإنسان ليست ملكه وحده بل ملك للمجتمع أيضا " فانه لا يحق لأي إنسان أن ينهى حياته برضاه أو بطلب من شخص أخر أن ينهى حياته. ولا اثر لرضا المجني عليه في جرائم القتل إلا في تخفيف العقوبة
و تمييزها عن جريمة القتل العمد العادية .
3- في القانون الإيطالي :
نص القانون الإيطالي الصادر سنة 1930 فى المادة 579 على انه "من يرتكب جناية على شخص المجني عليه بناءا على رضاه يعاقب بالأشغال الشاقة من ( 06 سنوات إلى 15 سنة ) وتشدد العقوبات طبقا للمادة 61 إذا كان الفعل ارتكب في الحالات التالية :
-كل شخص يقل سنه عن18 سنه.
-كل شخص مجنون أو مريض عقليا أو مدمن على تعاطي المخدرات.
- كل شخص يكون رضاه اغتصب منه بواسطة الجاني بالعنف والتهديد (2).
________________________
1)- د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، المرجع السابق ، ص 159 .
*)- كان القانون السوداني أسبق من القانون الإيطالي في النص على رضا المجني عليه كسبب إباحة ( المادة 51)
و قد نقل النص عن المادة 91 من القانون الهندي و نقلت المادة 39 من القانون الكويتي عن القانون السوداني .
2)- د/ محمد صبحي نجم ، رضا المجني عليه و أثره على المسؤولية الجزائية ، المرج السابق ، ص 128


4- في القانون السوداني .
على خلاف قانون العقوبات المصري الذي لا يعتبر رضا المجني عليه سبب مبيح لجريمة القتل بناءا على الطلب و الأخذ بقواعد القتل العمد طبقا للمادة230 ق ع مصري جعل قانون العقوبات السوداني الرضا سببا لتخفيف العقوبة بناءا على شروط محددة في المادة 51 من قاع هي :
– أن تكون سن المجني عليه تزيد عن 18سنة حتى يكون تميزه و تقديره للأفعال معتبرا.
- أن يكون الباعث أو الدافع انسانى نبيل يختلف عن الدافع الاجرامى .
وعلى هذا الشرط فان المنطق والعدالة يقتضيان عدم مساواة من يقتل زميله العسكري الجريح بجرح سام خطير بناءا على توسلاته مع من يقتل غيره حقدا
أو بدافع آخر (1).
وفيما يلي نتطرق لشروط رضا المجني عليه حتى ينتج أثره في قانون العقوبات.
رابعا : شروط رضا المجني عليه
سواء كان لرضا المجني عليه أثر على أركان الجريمة أو باعتباره أحد عناصر بعض أسباب الإباحة ، أو أحد أسباب الإباحة عند من يرى ذلك يجب أن تتوفر فيه الشروط التالية حتى يرتب آثاره و هي :
- أن يكون المجني عليه صاحب الحق متمتعا بأهلية الرضا .فتصح الإنابة من صاحب الحق نفسه أو ممن ينوب عنه متى كانت الإنابة جائزة (2). و يشترط أن يبلغ صاحب الحق سنا معينة لكي يعتد بالرضا الصادر عنه .و إذا لم يحدد المشرع سنا معينة يترك الأمر لتقدير قاضى الموضوع (3) .
- أن يكون الرضا خاليا من العيوب .فيجب أن يصدر الرضا باختيار المجني عليه
و بإرادته الحرة السليمة ، ولا وجود له على الإطلاق إذا ما صدر عن شخص نتيجة تهديد
_______________________
1)- د/ محمد صبحي نجم ، رضا المجني عليه و أثره على المسؤولية الجزائية ، المرجع السابق ، ص 130 .
2)- محمد زكي أبوا عامر ، القسم العام من قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 286 .
3)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 364 .
أو إكراه كما لا يعتد القانون الجزائي به إذا صدر عن شخص نتيجة الحيلة ، أو الخداع أو الغلط .
- المعاصرة الزمنية للرضا مع الفعل الواقع على المجني عليه , فلا عبرة للرضا إذا كان سابقا على الفعل , و إنما العبرة إذا استطال حتى وقت وقوع الفعل, كما لا عبرة به إذا قام بعد وقوع الفعل ، إذ الحكمة في المعاصرة أن الرضا بذلك ينفي عن الفعل وصف الجريمة و بالتالي ينفي عنه وصف الركن المادي ، و لا يحدث الرضا السابق أو اللاحق مثل هذا الأثر (1) .
- يشترط في الرضا الذي صدر من المجني عليه أن لا يكون مخالفا للنظام العام
و الآداب العامة ، فرضا الأشخاص البالغين بارتكاب الجرائم الجنسية علانية لا أثر له في إباحة جرائمهم لمخالفة النظام العام و الآداب العامة .

_______________________
(2): د/ عبد الحكم فودة ، امتناع المساءلة الجنائية في ضوء الفقه و قضاء النقض ، مرجع سابق ، ص 134.

BOKALI غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 07:53   #4
BOKALI
المشرف العام

الصورة الرمزية BOKALI


تاريخ التسجيل: Jun 2010
الدولة: Algeria / Ain Defla
المشاركات: 476
مقالات المدونة: 11
BOKALI will become famous soon enough

الاوسمة

افتراضي رد: أسبـاب الإبــاحةو مــوانع المسؤوليــة

الفصل الثاني : مـــوانع المـــسؤولية .
بعد التطرق في الفصل الأول لأسباب الإباحة باعتبارها تلك الأسباب الموضوعية التي تقترن بالفعل الإجرامي فتزيل عنه الصفة الإجرامية بالنسبة لكل من ساهم فيه نحاول أن نتطرق في هذا الفصل إلى موانع المسؤولية .
و إذا كانت أسباب الإباحة تتصل بالركن الشرعي للجريمة فان موانع المسؤولية تتصل بالركن المعنوي للجريمة ، مما أكسبها الطبيعة الشخصية ، فلا يستفيد منها إلا من توافرت فيه و لا تتعدى إلى من ساهم في الجريمة .
و لمعرفة الضوابط التي تحكم موانع المسؤولية أثرنا أن ندرج تحت هذا الفصل مبحثين ، نعالج في المبحث الأول عموميات حول المسؤولية الجزائية و في المبحث الثاني تقسيم موانع المسؤولية و تفصيل ذلك كالتالي .

















المبحث الأول : عموميات حول المسؤولية الجزائية .
قبل قيام الثورة الفرنسية كانت المسؤولية تنسب للإنسان و الحيوان على حد سواء عند ارتكاب فعل ضار ، و كانت الأفعال الإجرامية و العقوبة المحددة لها تخضع للسلطة التقديرية للقاضي، فكان الشخص إذا أتى فعلا لم يكن مجرما بنص قانوني ورغم ذلك رأى القاضي أن ذلك الفعل يستحق العقاب فإن ذلك الشخص حتما يعاقب.
كما كان فاقد الإدراك وحرية الاختيار يعاقب على ارتكابه الجريمة كما يعاقب من قام بها عن وعي وإرادة، وبقيام الثورة الفرنسية زالت هذه الأفكار وحلت محلها مبادئ جديدة جعلت الإدراك وحرية الاختيار أساسا لقيام المسؤولية الجزائية ، و أصبح المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه سياسة التجريم و العقاب أنه لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص القانون
و قرنية براءة المتهم إلى أن تثبت إدانته (1).
و بعد هذه اللمحة الوجيزة حول تطور المسؤولية الجزائية نتطرق فيما يلي لمفهوم المسؤولية الجزائية من خلال معرفة الأساس الذي تقوم عليه و المراحل التي مرت بها إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم .
المطلب الأول : مفهــوم المسؤولية الجــزائية .
إذا كانت الجريمة هي العمل الخارجي الذي نص عليه القانون و قرر له عقوبة إذا صدر عن إنسان ، فالمقصود بذلك أن الدولة ترمي بمباشرة حقها في العقاب المحافظة على كيانها بصفتها دولة ، و السهر على حماية الأمن و النظام العام .
و من الواضح أن نجاح العقوبة في بلوغ الغايات المذكورة رهين بمدى إدراك من تنزل به لما تنطوي عليه من معاني بمقدار ما تسلط عليه من ألم .
لذلك كان الإنسان على فرض تمتعه بالملكات التي تؤهله للإدراك و الإحساس هو دون غيره الذي يصلح لان يكون محلا للمسؤولية الجزائية .
و المسؤولية الجزائية قال عنها البعض أنها « تعبير عن ثبوت نسبة الوضع الإجرامي للواقعة المادية التي يجرمها القانون إلى شخص معين متهم بها ، بحيث
________________________
1) – د/ فريد الزغبي ، المسؤولية الجزائية ، المجلد الخامس ، مرجع سابق ، ص 140 .


يضاف هذا الوضع إلى حسابه فيتحمل تبعته ويصبح مستحقا للمؤاخذة عنه بالعقاب » (1)
و يرى البعض أن للمسؤولية الجزائية مفهومان .
- مفهوم مجرد : يراد به صلاحية الشخص لأن يتحمل تبعة سلوكه ، و هنا نجد أن المسؤولية تتعلق بصفة الشخص ، أو حالة تلازمه سواء وقع منه ما يقتضي المساءلة
أو لم يقع منه شيء .
- مفهوم واقعي : يراد به تحميل الشخص تبعة سلوك صدر منه حقيقة، و هنا المسؤولية ليست مجرد صفة أو حالة قائمة بالشخص ، بل هي جزاء أيضا و هذا المفهوم يحتوي المفهوم المجرد لأنه لا يتصور تحميل شخص تبعة سلوكه إلا إذا كان أهلا لتحمل هذه التبعة (2) .
و هناك من يرى أن المسؤولية الجزائية هي « أهلية الإنسان العاقل الواعي لأن يتحمل جزاء العقاب نتيجة اقترافه جريمة من الجرائم التي نص عليها قانون العقوبات ، و هو بذلك يميزها عن المسؤولية المدنية التي هي أهلية الإنسان لتحمل التعويض المترتب عن الضرر الذي ألحقه بالغير نتيجة الإخلال بالتزام قانوني أو تعاقدي » (3).
و المسؤولية الجزائية على الوجه السابق توضيحه ليست ركنا من أركان الجريمة إذ لا تنشا إلا إذا توافرت ابتداءا جميع أركان الجريمة ، فهي أثر لاجتماع هذه الأركان في شخص عاقل مميز متمتع بحرية الاختيار في إتيان الأفعال أو الامتناع عنها ، و يتوافق هذا التحليل مع اشتقاق لفظ المسؤولية فهو مرادف المساءلة أي سؤال الجاني عن السبب في اختياره الجريمة سلوكا مخالفا لما يقضي به القانون.
و فكرة المسؤولية الجزائية ليست فكرة وليدة العصر الحديث ، و إنما كانت معروفة في القوانين القديمة ، كل ما في الأمر أنها كانت تتحدد على نحو مخالف لما هي عليه الآن ، لأن القانون إذ ينشأ في بيئة معينة فانه يتأثر بها و بمعتقداتها ، و عليه فان دراسة
المسؤولية الجزائية لا يجب أن تتم بمعزل عن إطارها التاريخي و لا يتحقق ذلك إلا
________________________
1)- د/ عبد الحميد الشواربي ، المسؤولية الجنائية في قانون العقوبات و الإجراءات الجنائية ، الطبعة لا توجد ، مصر دار الجامعة الجديدة ، سنة 1998 ، ص 05 .
2)- د- أحمد أبو الروس ، القصد الجنائي و الشروع و علاقة السببية و الدفاع الشرعي ، الطبعة لا توجد ، مصر ، دار المكتب الجامعي الحديث ، سنة 2000 ، ص 71 .
3)- د- سمير عالية ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 273 .
بمعرفة أساس المسؤولية الجزائية ، و المراحل التي مرت بها عبر الزمن لغاية وصولها إلى ما هي عليه اليوم و تبعا لذلك ندرج تحت هذا المطلب فرعين ، نتناول في الفرع الأول أساس المسؤولية الجزائية و في الفرع الثاني مراحل المسؤولية الجزائية .
الفرع الأول : أساس المسؤولية الجزائية .
إن تحديد أساس المسؤولية الجزائية يعتبر أمر لا غنى عنه عند رسم السياسة الجزائية. إذ أنه بمقتضاه يتم تحديد الشروط الواجب توفرها لقيام المسؤولية الجزائية
و هو الذي يحدد رد الفعل الاجتماعي إزاء الجريمة إن كان عقوبة أو تدبير أمن . كما تبرز أهمية تحديد أساس المسؤولية الجزائية بصفة خاصة بالنسبة لطوائف المجرمين الذين يشكل سلوكهم و حالاتهم الخاصة خطورة على المجتمع .
و يتمحور أساس المسؤولية الجزائية حول فكرتين أساسيتين هما حرية اختيار السلوك الإجرامي من ناحية ، و حتمية السلوك الإجرامي من ناحية أخرى .
و فيما بعد ظهر مذهب يهدف للتوفيق بين حرية الاختيار و الحتمية . و هذا ما سنتطرق إليه فيما يلي :
أولا : مذهب حرية الاختيار .
يرى بعض الفقه أن المسؤولية الجزائية تقوم على أساس حرية الإنسان في الاختيار .
فكل إنسان بالغ عاقل يستطيع التمييز بين المباح و المحظور ، كما يستطيع التحكم في سلوكه فلا يأتي من الأفعال إلا ما يريد (1) . و لهذا يجب أن يسأل عما وقع منه ، و أن يتحمل تبعته . و لا تنتف المسؤولية عند أنصار هذا المذهب إلا إذا فقد الشخص قدرته على الإدراك و الاختيار ، لان عقابه سيكون ظلما من جهة ، و غير مجد من جهة أخرى .
فمناط المسؤولية حسب هذا المذهب هو حرية الإنسان في توجيه إرادته نحو السلوك الإجرامي ، و طالما توفرت هذه الحرية الكاملة كان الإنسان مسئولا عن سلوكه و إذا انعدمت حرية الإرادة أو إذا انتقصت وجب القول بانعدام المسؤولية أو تخفيفها ، فالإنسان لا يسأل جزائيا إلا في حدود القدر من الحرية التي توافرت له وقت التصرف الذي وجه
________________________
1)- د/ عوض محمد عوض ، قانون العقوبات " القسم العام " ، الطبعة لا توجد ، دار الجامعة الجديدة ، سنة 2000 ص 418 .
إرادته فيه إلى السلوك المخالف للقانون (1). و يستند أنصار هذا المذهب إلى حجة رئيسية
مؤداها أن حرية الاختيار هي الأساس الوحيد الذي يمكن تصوره للمسؤولية الأخلاقية
أو القانونية و دون هذه الحرية لن يكون للمسؤولية معنى ، و لا يمكن أن تستند إلى أساس آخر يدعمه القانون . و في مجال القانون الجزائي يتوافق مذهب حرية الاختيار كأساس للمسؤولية الجزائية مع الوظيفة الاجتماعية لهذا القانون ، فإذا كان العقاب يهدف إلى الشعور بالعدالة وجب لضمان تحقيق هذا الهدف أن لا يخضع للعقاب إلا من يكون سلوكه مستوجبا ، اللوم و السلوك لا يكون كذلك إلا حين يكون وليد حرية الاختيار (2).
إلا أن هذا المذهب انتقد بشدة على أساس ان حرية الاختيار وهم يكذبه الواقع ، و لا يمكن تأسيس المسؤولية الجزائية على أساس أخلاقي أو أدبي فالإنسان مسير لا مخير (*)
كما انتقد هذا المذهب على أساس أنه يركز جل اهتمامه على الجريمة دون المجرم ، في حين نجد أن الجريمة ما هي إلا مظهر خارجي لنفس شريرة ، و دليل على وجود شخصية خطرة هي الأولي بالعناية و الدراسة و ذلك لاتخاذ الوسائل المناسبة لتجنب شرها (3).
وعلى اثر هذه الانتقادات التي وجهت لهذا المذهب ظهر مذهب آخر هو مذهب الحتمية .
ثانيا : مذهب الحتمية .
يطلق البعض على هذا المذهب اسم النظرية الواقعية أو الجبرية ، التي مؤدها إن الإنسان خاضع خضوعا تاما لظروف الحياة التي لا تترك حرية الاختيار ، و إن كل نشاطه الضار و النافع نتيجة حتمية لأسباب مختلفة متصلة بطبيعته و بيئته و تكوينه
و هذا لا يعني ترك المجرم دون عقاب ، لأن الجريمة مقدرة عليه بل يجب اتخاذ الوسائل الكفيلة بحماية المجتمع من خطورته .
________________________
1)- د/ عبد الحميد الشواربي ، المسؤولية الجنائية في قانون العقوبات و الإجراءات الجنائية ، المرجع السابق
ص 05 .
2) - د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " مرجع سابق " ، ص 08 .
*)- حيث يقول في هذا الصدد الأستاذ جاروفالو و هو أحد أقطاب المدرسة الوضعية « لا نستطيع أن نبني قانوننا العقابي على أساس المسؤولية الأخلاقية ، فإرادة الفرد تخضع و على الدوام لمؤثرات داخلية و خارجية »
3)- د/ كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 517
و المجرم حسب هذا المذهب منقاد إلى الجريمة ، و لا محل لإسناد المسؤولية إليه على أسس أخلاقية ، و إنما يسأل مسؤولية اجتماعية تقوم على مجرد توافر رابطة السببية بين الفعل و الفاعل بشرط أن تثبت خطورة هذا الأخير على المجتمع .
و بناءا على ذلك يتجرد الجزاء الذي يتخذ قبل المجرم من كل معاني اللوم ، و يصبح مجرد وسيلة دفاع اجتماعي بهدف تجنب الخطورة الإجرامية . و لا يكون داع لموانع المسؤولية فكل مجرم و لو كان مجنونا هو مصدر خطورة و لا بد من تدبير يتخذ لمواجهة هذه الخطورة (1) . و لكن هذا المذهب هو الآخر لم ينج من النقد .فالقول بأن المجرم مجرد آلة بيد الظروف و العوامل المختلفة قول لا يمكن التسليم به ، لأنه و إن كانت الجريمة ترجع فعلا إلى عوامل مختلفة إلا أن الإرادة و حرية الاختيار هي أقوى هذه العوامل .
كما أن هذا المذهب يغفل شعور الناس بضرورة إقامة العدل ، و معاقبة المجرم على مخالفته القانون ، و الاعتداء على حقوق الغير ، و يهتم فقط بإجراءات الوقاية التي تحمي المجتمع مستقبلا .
و أمام هذه المواقف المتعارضة تماما حول أساس المسؤولية الجزائية ظهرت مدارس وسطية حاولت التوفيق بين الرأيين السابقين (2) .
ثالثا : المذهب التوفيقي .
يقوم هذا المذهب على مبدأ حرية الاختيار ، و لكنه يذهب الى أن هذه الحرية غير مطلقة و لا متساوية عند جميع الأشخاص . فأما انها غير مطلقة فلأن هذه الحرية هي قدرة مقاومة الدوافع و الميول المختلفة ، و هذه القدرة مقيدة بطباع الإنسان و ما وجد فيه من ظروف . و أما أنها غير متساوية عند جميع الأشخاص فيعني ذلك أنها تتفاوت من شخص إلى آخر حسب ميوله و نزعاته الشخصية ، بل أنها تختلف حتى عند الشخص الواحد باختلاف الأزمنة و الملابسات. و التسليم بحرية الاختيار كأساس للمسؤولية الجزائية لا يعني إهمال دراسة العوامل التي تحيط بسلوك الفرد ، و تتظافر مع إرادته في إنتاج الجريمة . فالعناية بشخص مرتكب الجريمة .
________________________
1)- د/ كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 519
2) – د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري ، " القسم العام " مرجع سابق ، ص 243 .
و محاولة استئصال خطورته الإجرامية عن طريق العقوبة أو التدبير لا يتعارض مع نسبة الجريمة إلى إرادته الحرة و لا تناقض في الجمع بين المسؤولية الجزائية التي تقوم على حرية الاختيار ، و التي تقوم على توافر الخطورة الإجرامية (1) .
و قد أقام الاتحاد الدولي لقانون العقوبات المسؤولية الجزائية على مذهب حرية الاختيار من جهة ، و نادى بالخطورة الإجرامية من جهة أخرى (2) .
أما المشرع الجزائري فقد اعترف بحرية الاختيار في إقامة المسؤولية الجزائية . و الدليل على دلك أنه استبعد المسؤولية الجزائية في الحالات التي انتفت فيها حرية الاختيار حسب ما سيتم بيانه في المبحث الثاني من هذا الفصل.
و مع ذلك لم يأخذ بمبدأ حرية الاختيار على إطلاقه ، و إنما هذه الحرية مقيدة تستتبع وضع تدابير أمن للحالات التي يستلزم فيها قيام المسؤولية ذلك .
الفرع الثاني : مــراحل المسؤولية الجزائية .
محل المسؤولية الجزائية في التشريعات الحديثة هو الإنسان الحي الذي ارتكب سلوكا مجرما ، و توافرت لديه الأهلية الجنائية . ذلك أن قانون العقوبات قانون إنساني لا يوجه أوامره و نواهيه إلا لمن يدركها . و إذا كان هذا هو الأصل العام إلا أن المسؤولية الجزائية قد تقوم بحكم القانون قبل من لا وعي له ، و لا إرادة . و نقصد بالضرورة هنا الشخص المعنوي . هذا ما يجرنا للحديث على مراحل المسؤولية الجزائية .
أولا : المسؤولية الجزائية التقليدية .
لقد كانت المسؤولية الجزائية ثمرة تطور في المفاهيم الجزائية استغرق حقبة من الزمن انتهت في أواخر القرن التاسع عشر (19) إلى الإقرار بشخصية المسؤولية . ففي البداية كان أساس المسؤولية الجزائية يتمثل في الفعل المادي ، و كان الإنسان يسأل عن فعله باعتباره مصدرا للضرر بصرف النظر عما إذا كان قاصدا فعله ، أو غير قاصد له سواء كان مدركا لفعله ، أو غير مدرك له ، و سواء كان حرا أو مكرها في ارتكابه (3)
ثم جاءت التعاليم الدينية لإقامة المسؤولية على أساس الخطأ الشخصي ، و لقد أقرت
________________________
1)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 16 .
2) – د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري ، " القسم العام " مرجع سابق ، ص 243 .
3)- د-/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 166 .

الشريعة الإسلامية هذا الأساس منذ أكثر من أربعة عشر قرنا . حيث نجد عدة آيات في القرآن الكريم تقيم المسؤولية على أساس الخطأ الشخصي نذكر منها :
قوله تعالى « لا تزر وازة وزر أخرى » (*أ) .
و قوله تعالى « من يعمل سوءا يجز به »(*ب) .
و قوله تعالى « و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم » (*جـ) .
غير أن قيام الخطأ وحده غير كاف لمساءلة شخص عن فعله المجرم قانونا و تحميله نتائج هذا الفعل ، فيجب أن يكون الفاعل قد قام بالفعل و هو مدرك و قادر على اتخاذ القرار بشأن ما يفعل .
و يذهب البعض إلى القول أن الخطأ نفسه لا يتوافر عند فقدان الادارك و الوعي لأن القصد أو الإهمال يفترضان صدورهما عن إدراك ووعي ، و هما شرطان لقيام الخطأ
ذاته (1) . فيما يرى البعض الآخر أن الخطأ يتوفر عند مخالفة القاعدة الجزائية ، إلا أن مساءلة الفاعل تستوجب إدراكه ووعيه بما قام به . فمن كان فاقدا وعيه يخطئ إلا أنه لا يعاقب (*د) .
ثانيا : المسؤولية الجزائية الحديثة .
و تضم المسؤولية عن فعل الغير و مسؤولية الشخص المعنوي .
1- المسؤولية عن فعل الغير :
الأصل العام أنه لا يسأل الا من ارتكب الجريمة أو شارك فيها ، غير أن بعض القوانين توحي أن هناك شذوذا فيما يتعلق بهذا المبدأ . لا سيما في المجال الاقتصادي كتلك القوانين التي تعاقب رئيس تحرير الجريدة أو المحرض المسئول بصفة فاعلا أصليا للجرائم التي ترتكب من طرف المحررين و تعفيه من المسؤولية في حالتين :
________________________
*أ)- سورة النجـــم ، الآية 37 .
*ب)- سورة النســاء ، الآية 123 .
*جـ)- سورة الشـورى ، الآية 49 .
1)- د/أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 168 .
*د)- و هذا ما أخذ به المشرع الفرنسي في المادة 122/1 من قانون العقوبات المعدل في 22/01/1992 و التي جاء فيها « إن قائد الوعي و الإدراك لا يسأل جزئيا » و كذلك المشرع الجزائري في المادة 47 قاع « لا عقوبة على من كان في حالة جنون وقت ارتكاب الجريمة »

- إذا ثبت أن النشر حصل دون علمه ، و قدم منذ بداية التحقيق كل المعلومات المساعدة على معرفة المسؤول .
- إذا أرشد أثناء التحقيق عن مرتكب الجريمة ، و قدم كل ما لديه من المعلومات
و الأوراق لإثبات مسؤوليته .
و من تلك القوانين أيضا التي تجعل كل ما يقع في المحل من مخالفات من مسؤولية من يكون مستغلا للمحل ، أو مديرا له أو مشرفا على أعماله (1).
و قد اختلفت الآراء حول تحديد طبيعة ، و أساس المسؤولية في الأحوال السابقة .
فمنهم من قال أنها مسؤولية مفترضة في الحقيقة ، أقامها المشرع حتى لا يفلت من العقوبة أصحاب المصلحة الحقيقية في العمل إذا ما اخل أتباعهم بالإجراءات المفروضة بحسن سير و حماية المصلحة العامة .
و منهم من قال أنها مسؤولية موضوعية ، مناطها ثبوت الصفة ككون الشخص مالكا
أو مستغلا أو مديرا ، و حدوث الواقعة الإجرامية يؤدي إلى قيام المسؤولية دون حاجة إلى ثبوت الخطأ أو افتراضه .
و يرى البعض أن المسؤولية في الأحوال السابقة ليست من قبيل المسؤولية عن فعل الغير ، بل هي مسؤولية عادية ، فالقانون في هذه الأحوال يلزم شخصا معينا بمراقبة نشاط غيره و إذا أخل بهذا الالتزام قامت جريمة ركنها المادي الامتناع أما ركنها المعنوي فهو العمد إذا اتجهت إرادته الحرة إلى الإخلال بهذا الالتزام ، أو الخطأ إذا لم يوجه إرادته الحرة إلى ذلك رغم قدرته على الوفاء بالتزامه .
و أول من كرس هذه المسؤولية هو الاجتهاد القضائي الفرنسي منذ القرن التاسع عشر و حرص على إظهار طابعها الاستثنائي لأنها تشكل خروجا على شخصية العقوبة
و المسؤولية (2) . و تجد هذه المسؤولية تطبيقها أساسا في المجال الصناعي خاصة لدى رئيس المؤسسة و لكي تقوم لابد من توفر شروط هي :
- أن تكون الجريمة مرتكبة من قبل التابع أو الأجير .
________________________
1) - د/ عوض محمد عوض ، قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 444 – 445 .
2)- د / أحمد أبو الروس ، القصد الجنائي و الشروع و علاقة السببية و الدفاع الشرعي ، مرجع سابق ، ص 178 .

- أن يكون رئيس المؤسسة أو المتبوع قد ارتكب هو بنفسه خطأ سمح أو سهل أو أسهم في الجريمة التي ارتكبها التابع أو الأجير .
- أن لا يكون رئيس المؤسسة قد فوض بصفة قانونية سلطات الحراسة و الرقابة الواقعة على عاتقه إلى شخص مؤهل .
2- مسؤولية الشخص المعنوي :
من المسلم به أن الأشخاص الاعتبارية تسأل مدنيا عن الأضرار التي تصيب الغير من أعمال من يمثلونها قانونا أثناء أدائهم لوظائفهم ، و لكن المسؤولية الجزائية للأشخاص الاعتبارية محل نظر كأن يحوز ممثل الشخص المعنوي مخدرا لحساب هذا الشخص المعنوي ، أو أن يعطي رشوة لتسهيل صفقة على الشخص المعنوي .
و يثار التساؤل عن مدى أهلية الشخص المعنوي لتحمل المسؤولية الجزائية عن تلك الجرائم التي يرتكبها ممثلها القانوني لحسابها .
يذهب الرأي الراجح في الفقه و القضاء ، إلى عدم الاعتراف للشخص المعنوي بالأهلية الجنائية لان تلك الأهلية تقوم على الإدراك و حرية الإرادة التي لا توجد إلا عند الإنسان . كما أن الشخص المعنوي لا يمكن أن تطبق عليه أهم العقوبات المقررة للجرائم كالإعدام ، و العقوبات السالبة للحرة . و إن طبقت عقوبتي الغرامة و المصادرة عليه كان ذلك إهدارا لمبدأ شخصية العقوبة .
لان العقوبة هنا تصيب جميع الأفراد المكونين له و إن لم يكن لهم دخل في الجريمة المرتكبة ، كما انه لا يمكن تحقيق أهداف العقوبة بتطبيقها على الشخص المعنوي (1) .
و يذهب جانب آخر من الفقه إلى أن الشخص المعنوي قد يشكل خطورة على المجتمع و لا يجب أن يقف مبدأ إنكار المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي أمام حماية المجتمع بل لابد من اتخاذ الإجراءات الضرورية لمواجهة هذه الخطورة . و تتمثل هذه الإجراءات في تدابير الأمن منها حل الشخص الاعتباري ووضعه تحت الحراسة
و حظر بعض أوجه نشاطه ، و مصادرة أمواله .
كما أن التطور الهائل في مجال الصناعة أدى إلى تزايد الجماعات التي أنيط بها
دور فعال في مختلف المجالات ، و قد سبق و أن اعترف القانون المدني لهذه الجماعات ________________________
1)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 140 .
بالشخصية الحقيقية ، و حان الوقت ليعترف قانون العقوبات لها بذلك (1) .
أما عن موقف المشرع الجزائري فقد أخذ بمبدأ عدم مساءلة الشخص المعنوي جزائيا عن الجرائم التي يرتكبها ممثلوه لحسابه ، و إنما يتحمل مسؤوليتها الإنسان الذي ارتكبها (2)
و لكنه مع ذلك أقر حل الشخص المعنوي ، و مصادرة أمواله ، و إغلاق المؤسسة كعقوبة تكميلة للجريمة التي ارتكبها ممثله .
المطلب الثاني : انتقاء المسؤولية الجــزائية .
ان تمتع الشخص بجملة من الصفات و المؤهلات الشخصية يؤهله للقيام بجملة من التصرفات النافعة أو الضارة . هذه الأخيرة التي تأخذ شكل جرائم يعاقب عنها قانون العقوبات و القوانين المكملة له و بالتالي فهذا الشخص الذي ارتكب هذه الأفعال عن وعي و إرادة يتحمل نتائجها أي قيام المسؤولية الجزائية في حقه .
و لكن قد تنشا عوارض تؤدي إلي انتفاء المسؤولية الجزائية عن هذا الشخص و قد أطلقت معظم التشريعات على هذه العوارض تعبير موانع العقاب و الأصح أن يطلق عليها تعبير موانع المسؤولية الجزائية ، لان تأثيرها لا يقتصر على مجرد الإعفاء من العقاب بل يمتد إلى أركان المسؤولية الجزائية فيعطلها ، و يجعلها غير صالحة لقيام هذه المسؤولية .
ولكن ما يلاحظ أن انتفاء المسؤولية الجزائية ، و إفلات الفاعل من العقاب لا يمنع من خضوعه لتدابير الأمن ، متى ظهرت خطورته الإجرامية على نفسه و المجتمع و قبل التطرق إلى تقسيمات موانع المسؤولية نتطرق أولا إلى أركان المسؤولية الجزائية و من ثم نعرج للحديث عن الأسباب التي تؤدي إلى إسقاط احد هذه الأركان و بالتالي انتفاء المسؤولية الجزائية ، و نختم هذا المطلب بالحديث عن الفرق بين المسؤولية الجزائية
و المدنية .
الفرع الأول : أركان المسؤولية الجزائية .
تقوم المسؤولية الجزائية على ركنين هما الخطأ و الأهلية .
________________________
1)- د / أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 190 .
2) - د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات ، " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 142 .

أولا : الخطأ
هو إتيان فعل مجرم قانونا و معاقب عليه سواء عن قصد أو عن غير قصد و لكي
تقوم المسؤولية الجزائية عن عمد يجب أن تكون الفاعل على علم بكل العناصر التي يتطلبها القانون لتكوين الجريمة و هذه العناصر هي :
1- موضوع الحق المعتدى عليه : أي الحق الذي يحميه القانون عن طريق تقرير العقاب على الاعتداء الواقع عليه ، و الذي ينصب عليه فعل الجاني (1) . ففي جريمة القتل يجب أن يعلم الجاني بأنه يوجه فعله المجرم قانونا إلى إنسان حي . و عليه فالطبيب الذي يشرح جسم إنسان معتقدا أنه ميت بينما هو حي فيؤدي إلى وفاته فالقصد الجنائي لا يتوفر لديه ، و إن كان يعتبر مسئولا عن جريمة غير عمدية .
2- العلم بخطورة الفعل على المصلحة المحمية قانونا : إذا اعتقد الفاعل أن فعله لا يكون خطرا على المصلحة المحمية قانونا ثم قام بفعله ، ففعله لا يعد جريمة عمدية ، بل يسأل عن جريمة غير عمدية .
3- العلم بزمان و مكان الجريمة : الأصل العام أنه إذا ارتكبت الجريمة من الجاني يعاقب عليها في كل زمان و مكان ، لكن يمكن أن يشترط القانون في بعض الجرائم أن تكون في أماكن محددة مثال ذلك المادة ( 97 قاع ) المتعلقة بجريمة التجمهر التي لا تتم إلا في مكان عام . و كذلك المادة (314 قاع ) المتعلقة بجريمة ترك الأطفال التي لا تتم إلا في مكان خال .
كما يمكن أن يشترط القانون أن تكون بعض الجرائم في زمن محدد مثل جرائم إجراء مراسلات ، أو إقامة علاقات مع مواطن ، أو عملاء دولة معادية بغير إذن من الحكومة ، في وقت الحرب حسب المادة (72 قاع ) .
4- العلم ببعض صفات الجاني أو المجني عليه : كعلم المرأة التي تحاول إجهاض نفسها بأنها حامل ، و كذلك الأمر في جريمة الخيانة كحمل السلاح ضد الجزائر حسب المادة (61 قاع ) فلا تقوم الجريمة بصورة عمدية في هذه الحالة إلا إذا كان الفاعل يعلم أنه جزائري .
________________________
1)-د/ نظام توفيق المجالي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام" ، مرجع سابق ، ص 330 .
5- توقع النتيجة : بمعنى اتجاه إرادة الجاني لتحقيق هدف معين كأحد عناصر الركن المادي للجريمة ، فإذا كانت الجريمة قتلا يتعين أن يتوقع الجاني وفاة إنسان بمعناها المجرد ، و لا أهمية بعد ذلك لأن يكون الإنسان معينا بذاته أو جنسه (1) أو حالته الاجتماعية ، لأن هذه الأوصاف تخرج عن المدلول القانوني للنتيجة .
ثانيا : الأهليــة .
لا يحمل القانون شخصا نتائج تصرفاته إلا إذا كان قادرا على فهمها و حرا في اختيارها و باعتبار الإرادة عنصر من عناصر الأهلية للمسؤولية فهي القدرة النفسية التي يستطيع بها الشخص أن يتحكم في نشاطه العضوي ، أو الذهني بحيث يستطيع أن يسلك سلوكا معينا و يمتنع عنه (2) .
فلا تقوم المسؤولية على شخص لا قدرة له على إدراك و فهم ما يقوم به من تصرفات . كالمجنون أو القاصر غير المميز . كما لا تقوم المسؤولية أيضا على من أكرهته قوة غالبة لم يكن له مقوماتها ، ز أفقدته حرية الاختيار ، كما في حالة الضرورة ، و الإكراه (3) .
و بعد أن تطرقنا إلى أركان المسؤولية الجزائية نتطرق فيما يلي إلى أسباب امتناع المسؤولية الجزائية .
الفرع الثاني : أسباب امتناع المسؤولية الجزائية .
تمتنع المسؤولية الجزائية بتخلف أحد أركانها فلا مسؤولية جزائية بلا خطأ و لا مسؤولية جزائية بلا أهلية .
و عليه أسباب امتناع المسؤولية قد تكون بسبب انعدام الأهلية و تضم صغر السن
و الجنون ، و السكر بتحفظ . و قد تكون بسب انعدام حرية الاختيار ، و تضم حالة الضرورة و الإكراه .
و أسباب إمتناع المسؤولية الجزائية بصفة عامة مرتبطة بالركن المعنوي للجريمة فتجرد الفاعل من التمييز ، و حرية الاختيار و تجعل إرادته غير معتبرة قانونا .
________________________
1)- د/ نظام توفيق المجالي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام" ، مرجع سابق ، ص 329 .
2) - د/ عبد الحكم فودة ، أسباب امتناع المسؤولية الجنائية في ضوء الفقه و قضاء النقض ، مرجع سابق ، ص 52
3) - د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 268 .
و هي ظروف شخصية لا تثار إلا بعد نسبة الجريمة إلى مرتكبها ، و لا يستفيد منها إلا من توافرت فيه . كأن يشترك مجنون أو صغير في إرتكاب الجريمة فانتفاء المسؤولية لا يكون إلا بالنسبة للمجنون أو الصغير .
و أسباب امتناع المسؤولية الجزائية على خلاف أسباب الإباحة لا ترفع الصفة الإجرامية عن الفعل ، و إنما يقتصر أثرها على نفي المسؤولية الجزائية في حق مرتكبها فقط . إلا أنها لا تنف الخطورة الإجرامية لدى الفاعل فيجوز تطبيق تدبير إحترازي إتجاهه (1) .
و بعد أن تطرقنا إلى أركان المسؤولية الجزائية ، و أسباب امتناعها نتطرق فيما يلي إلى الفرق بين المسؤولية الجزائية و المدنية . و قد ركزنا على المسؤولية المدنية دون غيرها من المسؤوليات نظرا لأهميتها . و اتصالها بالمسؤولية الجزائية في غالب الأحيان فإذا أثبتت المسؤولية الجزائية ترتبت المسؤولية المدنية بالضرورة .
الفرع الثالث : الفرق بين المسؤولية الجزائية و المسؤولية المدنية .
تختلف المسؤولية الجزائية عن المسؤولية المدنية من عدة جوانب نذكرها في النقاط التالية :
- المسؤولية الجزائية تنشأ عن فعل سبب ضررا للمجتمع ، في حين أن المسؤولية المدنية تترتب من فعل أضر بصالح الفرد .
- الجزاء المترتب على الفعل المنشئ للمسؤولية الجزائية يكون عقوبة جزائية بينما الجزاء على الفعل المنشئ للمسؤولية المدنية هو التعويض .
- الذي يتولى رفع الدعوى عن المسؤولية هو الدولة و تمثلها النيابة العامة بينما الذي يرفع الدعوى عن المسؤولية المدنية هو الشخص الذي أصابه الضرر .
- الجريمة التي ترتب المسؤولية الجزائية تقع على المجتمع فليس للنيابة العامة أن تتنازل أو تتسامح فيه و لا أن تتصالح مع مرتكبه ، بينما يجوز للمضرور في
المسؤولية المدنية أن يتنازل عن حقه في التعويض و أن يتصالح مع المسؤول .
قد ينشأ عن الفعل مسؤولية جزائية دون أن ينشأ عنه مسؤولية مدنية ما دام لم
________________________
(1)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 72

ينشأ عنه ضرر للأفراد . مثال ذلك جريمة حمل السلاح دون ترخيص أو الشروع
في القتل و بالعكس قد يرتب الفعل مسؤولية مدنية دون أن يقع تحت طائلة قانون العقوبات و يرتب مسؤولية جزائية مثل المنافسة غير المشروعة .
- الاختصاص القضائي بالنظر في الدعاوى التي ترفع عن المسؤولية الجزائية للمحاكم الجزائية وحدها ، بينما الاختصاص بالنظر في دعاوى المسؤولية المدنية هو المحاكم المدنية في الأصل و استثناءا من هذا الأصل للمضرور من فعل يرتب المسؤولية الجزائية أن يرفع دعوى المدنية إلى المحكمة الجزائية التي تنظر في المسؤولية الجزائية بشرط أن يكون الضرر مترتبا على الجريمة محل المتابعة (1).
- تتقادم دعوى المسؤولية المدنية بمضي خمسة عشر (15) سنة حسب المادة 133 قام ، بينما في المسؤولية الجزائية المترتبة على جناية يسقط الحق في رفع الدعاوى بمضي عشر (10) سنوات من يوم وقوع الجناية و ثلاث(03) سنوات من يوم وقوع الجنحة ، و سنتين من يوم وقوع المخالفة حسب المادتين ( 07-08 قا اج ) .
- إذا رفعت الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية ، و الدعوى العمومية أمام المحكمة الجزائية فيجب على المحكمة المدنية أن توقف الفصل في الدعوى المدنية حتى تفصل المحكمة الجزائية في الدعوى الجزائية .
- إذا رفع المدعي المدني دعواه المدنية المترتبة على جريمة إلى المحكمة المدنية فليس له أن يعدل عنها بعد إنتهاء المرافعة إلى المحكمة الجزائية ، إذ أن المحكمة المدنية هي الأصل و لا يجوز العدول عن الأصل . و مع ذلك فالقضاء الفرنسي يجيز العدول إذا كانت المرافعة لم تنته بعد أو كانت المحكمة المدنية غير مختصة أما إذا رفع المدعي المدني دعواه أمام المحكمة الجزائية بالتبعية للدعوى الجزائية فان له أن يعدل عنها و يرفعها إلى المحكمة المدنية .
________________________
1)- د/ علي علي سليمان ، النظرية العامة للالتزام ، الطبعة الخامسة ، الجزائر ، ديوان المطبوعات الجامعية
" بن عكنون " ، سنة 2003 ، ص 339 .

- الحكم الصادر في الدعوى العمومية من القضاء الجزائي إذا حاز قوة الأمر المقضي فيه ، يقيد القاضي المدني فيما فصل فيه من وقائع تتعلق بموضوع الفعل المجرم فلا يجوز للقاضي المدني أن ينسب إلى شخص فعلا نفي القاضي الجزائي صدوره منه ، و لكن ذلك لا يمنع القاضي المدني من أن يقضي في بعض الأحوال بتعويض ضرر مادي عن فعل لا يقع تحت طائلة قانون العقوبات (1) .
المبحث الثاني : تقسيم موانع المسؤولية .
لقيام المسؤولية الجزائية يجب أن يكون مرتكب الفعل المجرم متمتعا بالملكات الذهنية التي تسمح له بادراك الجريمة و العقوبة ، و تجعله قادرا على التمييز بين الفعل المجرم و غير المجرم ، و تعطيه الإختيار بين فعله و الإمتناع عنه .
و بناءا على ذلك فإن موانع قيام المسؤولية الجزائية قد ترجع إلى انعدام الأهلية بسبب صغر السن أو الجنون أو السكر ، و قد ترجع إلى انعدام حرية الاختيار لقيام حالة الضرورة أو الإكراه .
لذلك إرتأينا أن نقسم هذا المبحث إلى مطلبين ، نتناول في المطلب الأول ، موانع المسؤولية بسبب إنعدام الأهلية ، و نتناول في المبحث الثاني موانع المسؤولية بسبب إنعدام حرية الاختيار .
المطلب الأول : موانع المسؤولية بسبب انعدام الأهلية .
نقصد بالأهلية الجنائية أن الشخص عاقل بالغ مدرك لتصرفاته ، و أنها تشكل جريمة تستحق عقابا بحيث يمكنه الإقدام عليها أو الإحجام عنها . و تنعدم الأهلية الجنائية في أحوال ثلاثة يتجرد فيها الشخص من القدرة على فهم دلالة أفعاله و إدراك تبعاته القانونية و لذلك يقرر المشرع إمتناع مسؤوليته الجزائية . و تتمثل هذه الأحوال في صغر السن و الجنون و السكر (2).
و فيما يلي نتعرض لكل مانع منها على حدى .
________________________
1)- د/ علي علي سليمان ، النظرية العامة للالتزام ، المرجع السابق ، ص 340 .
2)- د/ عبد الحكم فودة ، أسباب امتناع المسؤولية الجنائية في ضوء الفقه و قضاء النقض ، مرجع سابق ، ص 89


الفرع الأول : صغر الســن .
أولا : علة امتناع المسؤولية بسبب صغر السن .
يتمثل قوام المسؤولية الجزائية في الوعي و الإرادة ، و لا شك في ارتباط الوعي
ببلوغ الإنسان سنا معينة . لأن الإنسان لا يولد متمتعا بملكة الوعي أو التميز دفعة
و إنما يتراخى ميلاد تلك الملكات فترة بعد الميلاد ، ثم تبدأ هذه الملكات في التطور
مع تقدم العمر ، و على هذا الأساس فان صغر السن يكون سببا في انتفاء الوعي كليا
أو جزئيا . و في المقابل نجد أن المسؤولية الجزائية يتم تحديدها على أساس الوعي
و الإرادة اللذان لا يتوفران للصغير دفعة واحدة . لذلك كان صغر السن مانعا من موانع المسؤولية يؤدي إلى تغيير جزاء الحدث بمدى نصيبه من الوعي و الإرادة ، و نتطرق لذلك فيما يلي :
ثانيا : امتناع المسؤولية بسبب صغر السن في بعض التشريعات .
1- في الشريعة الإسلامية .
المسؤولية الجزائية في الشريعة الإسلامية مناطها التمييز و حرية الاختيار
و التمييز يتدرج تبعا للمرحلة من العمر التي يمر بها الإنسان منذ ولادته إلى أن يكتمل تمييزه ، و لذلك تندرج المسؤولية الجزائية بنمو التمييز الذي يمر بثلاثة مراحل هي (1) :
أ‌- انعدام التمييز : و تبدأ هذه المــرحلة من الولادة حتى سن السابعة باتفاق الفقهاء و في هذه المرحلة تنعدم المسؤولية الجزائية للصغير ، لكن ذلك لا يحول دون اتخاذ تدابير الحماية الاجتماعية التي يقررها ولي الأمر كما أن ذلك لا يعفيه من المسؤولية المدنية عن الأفعال الضارة التي يرتكبها .
ب- التمييز الناقص : و تبدأ هذه المرحلة من سن السابعة حتى سن البلوغ و هي خمسة عشر عاما (15) في رأي غالبية الفقهاء ، و ثمانية عشر عاما (18) في رأي البعض . و في هذه المرحلة لا يسأل الصبي المميز جزئيا و إنما يسأل مسؤولية
تأديبية من خلال توبيخه ، و إيداعه في مؤسسات الرعاية الاجتماعية
________________________
1)-د / فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " المرجع السابق ، ص 76 .

أو إلحاقه بمؤسسات التدريب المهني . اما المسؤولية المدنية عن أفعاله الضارة فان الصغير المميز يسأل كما يسال البـالغ .
ج- اكتمال التمييز : تبدأ من سن البلوغ أي الخامسة عشر(15) أو الثامنة عشر (18) و في هذه المرحلة يسأل الشخص مسؤولية جزائية كاملة عن الجرائم التي يرتكبها .
2- في بعض التشريعات الوضعية .
تأخذ التشريعات الوضعية عامة سواء العربية ، أو الغربية بما أخذت به الشريعة الإسلامية من حيث اختلاف المسؤولية الجزائية للأحداث باختلاف مراحل أعمارهم
و الرأي الغالب في هذه القوانين هو تقسيم عمر الإنسان إلى أنواع بحسب السن و أن الحدث يمر بثلاثة مراحل مميزة عن بعضها ، و لو أنه يصعب تحديد كل مرحلة تحديدا دقيقا . و ذلك حسب نظرة كل مشرع وطني على حدى و فيما يلي نتعرض لموقف بعض التشريعات من حالة صغر السن (1).
أ‌- في التشريع البولوني : قام المشرع البولوني بحصر النصوص المتعلقة بالأحداث المنحرفين في فصل واحد وقد أطلق عليه تسمية معالجة القاصرين .و يتميز هذا التشريع بخصائص تدل على تطور النظرة إلى مفهوم صغر السن ، و أثره على المسؤولية الجزائية حيث أنه :
* منع القصاص على كل قاصر لم يبلغ سن الثالثة عشر(13) عند اقترافه فعلا إجراميا .
* يستبدل العقاب في جميع الأحوال بتدابير التهذيب ، و الحماية مثل وضع القاصر تحت رعاية ولي تعينه المحكمة خصيصا لهذه الغاية .
* إذا ارتكب القاصر جريمة عن إدراك و معرفة . فيكتفي بحجزه في مؤسسة تأديبية لغاية بلوغه واحد و عشرون سنة 21 سنة ، أما من تجاوزا هذا السن توقع عليهم العقوبات الأصلية .
* و قد أعطي المشرع البولوني صلاحيات واسعة لإدارة المعاهد التأديبية بحيث أنه أجاز للإدارة حق وضع الحدث المحكوم عليه خارج المؤسسة لمدة تحت رعايتها المباشرة ، و في حال ارتكابه أي جريمة و هو داخل هذه المؤسسة
________________________
1)- د/ فريد الزغبي ، المسؤولية الجزائية ، المجلد الخامس ، مرجع سابق ، ص 196 .
و قبل بلوغه سن السابعة عشر يعود للإدارة وحدها اتخاذ التدابير اللازمة دون الرجوع إلى القاضي .
ب‌- في التشريع اليوناني : إهتم التشريع اليوناني بكل حدث لم يبلغ سن الثانية عشر (12) من عمره ، و بالمراهق الذي تجاوز سن الثانية عشر (12) و لم يبلغ سن السابعة عشر (17) . و بالفتى الذي تجاوز السابعة عشر (17) و لم يبلغ سن الواحد و العشرون (21) و قسم الأحكام الموقعة على القاصرين كالآتي :
• التدابير العلاجية في الأحوال التي يكون فيها القاصر مصابا بمرض نفسي
• التدابير التأديبية و قد سماها القانون اليوناني عن سهو الوسائل العقابية فهي تقتصر على الوضع في مؤسسة إصلاحية فقط ، كما اعتمد هذا القانون الإفراج المشروط بحق المحكوم عليه .
جـ- في التشريع البلغاري : لقد أدخل المشرع البلغاري مسألة صغر السن في نطاق المسؤولية الجزائية معتبرا أن الفعل الإجرامي غير معاقب عليه إطلاقا إذا لم يتم القاصر سن الثالثة عشر 13 سنة . أما من تجاوز سن الثالثة عشر 13 سنة و لم يصل سن السابعة عشر 17 سنة يعاقب بالحبس من سنة إلى عشر سنوات بدلا من الإعدام . و عقوبة السجن المؤقت أو المؤبد تحول إلى الحرمان من الحرية حسب الظروف عن مدة لا تقل عن ستة أشهر و لا تزيد عن سنتين (1) .
د- في التشريع المصري : أول ما ينتبه إليه بالنسبة للمشرع المصري أنه أضاف قانونا خاصا بالأحداث سنة 1974 . و ألغي هذا القانون ضمنيا من الناحية الموضوعية و الإجرائية بقانون الطفل الصادر سنة 1996 . و قد نظم الأحكام الخاصة بمعاملة الأحداث في الباب الثامن من هذا القانون تحت عنوان
« المعاملة الجنائية للأطفال » ووردت هذه الأحكام كالآتي (2) :
الصغير دون سن السابعة يعتبره القانون عديم التمييز ، غير أهل لمباشرة حقوقه المدنية كما أنه غير مسؤول من الناحية الجزائية .
________________________
1) - د/ فريد الزغبي ، المسؤولية الجزائية ، المجلد الخامس ، مرجع سابق ، ص 197 .
2)- د / فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " المرجع السابق ، ص 21 .

- الصغير المميز الذي يتراوح سنه بين سبعة سنوات (07) و خمسة عشر(15) لا يجوز توقيع العقوبات العادية عليه و إنما توقع عليه التدابير المنصوص عليها ففي المادة 101 من قانون الطفل و هي : التوبيخ ، التسليم ، الإلحاق بالتدريب المهني الإلزام بواجبات معينة .
- الطفل الذي يتراوح بين خمسة عشر سنة (15) و عشر سنوات (10) .
أقر المشرع من حيث المبدأ أهليته لتحمل العقوبة بعد تخفيضها كما أجاز للقاضي الاستغناء عن العقوبة و الاكتفاء ببعض التدابير إذا قدر ملائمة ذلك.
- الطفل الذي يتراوح سنه بين ستة عشر (16) و دون الثامنة عشر (18) (1) استحدث قانون الطفل الجديد هذه المرحلة ، و نص على أنه لا يحكم بالإعدام و لا بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة على المتهم الذي زاد سنه على ستة عشر (16) و لم يبلغ الثامنة عشرة سنة (18) كاملة وقت إرتكاب الجريمة ، و في هذه الحالة ارتكب المتهم جريمة عقوبتها الإعدام يحكم عليه بالسجن مدة لا تقل عن عشرة سنوات (10) و إذا كانت الجريمة عقوبتها الأشغال الشاقة المؤبدة يحكم عليه بالسجن مدة لا تقل مدته عن سبع سنوات (07) ، و إذا كانت الجريمة عقوبتها الأشغال الشاقة المؤقتة يحكم عليه بالسجن .
- إذا بلغ الشخص سن الثامنة عشرة (18) صار أهلا للمسؤولية الجزائية الكاملة بكل ما يترتب عليها من أثار . فتوقع عليه كافة العقوبات المقررة لما يرتكبه من جرائم ، و لا تخفف هذه العقوبة إلا تطبيقا للقواعد العامة في قانون العقوبات (2) .
ثالثا : مــراحل المسؤولية الجزائية حسب سن المجرم في قانون العقوبات الجزائري
تنص المادة 49 من قانون العقوبات « لا توقع على القاصر الذي لم يكمل الثالثة عشر إلا تدابير الحماية أو التربية ، و مع ذلك فإنه في مواد المخالفات لا يكون محلا إلا للتوبيخ . و يخضع القاصر الذي يبلغ سنه من 13 إلى 18 سنة إما لتدابير الحماية
أو التربية أو لعقوبات مخففة » .
________________________
1)- د/ محمد زكي أبو عامر ، القسم العام من قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 484 .
2)-د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " المرجع السابق ، ص 97 .

و من خلال هذا النص نستنتج أن قانون العقوبات الجزائري قد ميز بين ثلاث مراحل للمسؤولية بحسب عمر مرتكب الجريمة القاصر على النحو التالي :
1- الصبي دون الثالثة عشر سنة .
يتضح من نص المادة 49 قاع أنه لا يعد مسئولا بحكم القانون . فلا يجوز إقامة الدليل على أنه أهل للمسؤولية حتى لو كان من أعقل الناس . لأن عدم بلوغه سن الثالثة عشر (13) قرينة قاطعة على أنه غير مسئول . و تحسب مدة الثلاثة عشر سنة (13) سنة للقول بعدم المسؤولية الجزائية للصغير على أساس وقت ارتكابه الجريمة .
و قد جنب المشرع القاصر في هذه المرحلة وضعه في المؤسسة العقارية حسب المادة 456/1 قاا ج التي جاء فيها « لا يجوز وضع المجرم الذي لم يبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة كاملة في مؤسسة عقابية و لو بصفة مؤقتة »
لكن ذلك لا يمنع من إمكانية خضوعه لتدابير الحماية ، أو التربية إذا كان
يخشى أن يؤدي تركه دون أي مساعدة إلى خطر أن يعود الطفل إلى الإجرام ، أو أن يشب معتادا على الإجرام (1) .
2- القاصر بين الثالثة عشر و الثامنة عشر سنة (13 و 18 ) .
عند بلوغ الصبي الثالثة عشرة (13) من عمره يصبح مسئولا عن أعماله و لو مسؤولية مخففة ، باعتبار أن المشرع يحدد سن الثامنة عشر لاكتمال نضجه العقلي فإذا ارتكب القاصر بعد بلوغه الثالثة عشر (13) و قبل بلوغه الثامنة عشر (18) من عمره جريمة ، فان القانون يسمح بإخضاعه لتدابير الحماية
أو التربية ، أو العقوبات محققة . كما يوجب القانون تخفيف العقوبة على هذا القاصر
و ذلك حسب المادة 50 من قاع التي تنص « إذا قضي بأن يخضع القاصر الذي يبلغ سنه من 13 الى 18 سنة لحكم جزائي فان العقوبة التي تصدر عليه تكون كالآتي :
- إذا كانت العقوبة التي تفرض عليه هي الإعدام أو السجن المؤبد فانه يحكم عليه بعقوبة الحبس من عشر سنوات إلى عشرين سنة
- إذا كانت العقوبة هي السجن ، أو الحبس المؤقت ، فانه يحكم عليه بالحبس لمدة تساوي نصف المدة التي كان يتعين الحكم عليه بها إذا كان بالغا »
________________________
1) – د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري ، " القسم العام " مرجع سابق ، ص 317 .
و إذا كان القانون يوجب تخفيف العقوبة على القاصر فهل يجوز للقاضي تخفيض الغرامة إذا رأى الحكم بها ؟ .
إن نص المادة ( 50 قاع ) لم يقيد القاضي و لم يوجب عليه تخفيض الغرامة لذلك فالقاضي يحكم بها في حدود سلطته التقديرية بين الحدين الأدنى و الأقصى لها . كما بينها القانون أما إذا جاء النص بحد واحد لها فان القاضي يحكم لها . أي أن القاصر يتساوى مع البالغ عند الحكم عليه بالغرامة على أن لا يجوز اللجوء إلى إجباره على التنفيذ بالإكراه البدني (1) .
3- البالغ من العمر الثامنة عشر سنة (18) فما فوق .
إذا بلغ الشخص 18 سنة كاملة و ارتكب جريمة أعتبر مسؤولا عنها مسؤولية كاملة من الناحية الجزائية ذلك أن المشرع الجزائري حدد سن الرشد الجزائي في تمام الثامنة عشر حسب المادة( 442 قاا ج ) . و العبرة في تحديد سن الرشد الجزائي تكون بسن المجرم يوم ارتكاب الجريمة حسب المادة( 443 قاا ج ) و يعود تقدير السن إلى شهادة الميلاد أو أية أوراق رسمية تثبت ذلك . أما في حالة عدم وجود أوراق ثبوتية رسمية تبين سن المجرم . يلجأ القاضي لتقدير السن إلى أهل الخبرة الفنية كالأطباء . و تقدير السن على هذا الوجه من المسائل التي تخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع (2) .
فإذا بلغ الشخص سن الثامنة عشر (18) صار أهلا للمسؤولية الجزائية الكاملة بكل ما يترتب عليها من أثار فتوقع عليه كافة العقوبات المقررة لما يرتكبه من جرائم و لا تحقق هذه العقوبات إلا تطبيقا للقواعد العامة في قانون العقوبات .
و ما يمكن ملاحظته عن سن الرشد الجزائي أنه يختلف عن سن الرشد المدني الذي حدده القانون بتسعة عشر سنة كاملة .
و بصفة عامة يمكن القول أن القانون الجزائري يقدم الأحداث حسب ما أكده المحامي نور الدين اوزناجي بقوله « إن القصر الأحداث يمكن تجريمهم ، و لكن القانون الجزائري وضع في الحسبان الظروف الاجتماعية التي أدت بالقاصر إلى ارتكاب الجناية
________________________
1)- د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري ، " القسم العام " مرجع سابق ، ص 318 .
2)- د/ محمد علي سالم عياد الحلبي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 425 .

أو الجنحة مع مراعاة السن باعتبار أن المسؤولية لا تلقى على عاتق الطفل " الحدث "
بصفة كلية و كاملة ، لأن القضاء الجزائري يتضمن خصوصيات فالجرائم التي يرتكبها القاصر الذي يقل عمره عن الثامنة عشر (18) سنة يحاكم بشأنها في محكمة الأحداث
و لا تتم متابعتهم في القضايا المرتكبة في جلسات علنية و إنما في مكتب قاضي الأحدث سواء تعلق الأمر بجناية أو جنحة . و يؤكد السيد أوزناجي أنه إذا كانت تهمة الحدث سرقة ، يكتفي قاضي التحقيق بالإنذار و التوبيخ ، أما إذا كانت جناية قتل ، فيراعى فيها ظروف التحقيق حيث يقضي على فعلته سنة حبس نافذا . مع أخذ الظروف التي أدت به إلى ارتكاب هذه الجناية بعين الاعتبار . و يواصل المحامي أن عقوبة السجن تتم على مستوى مراكز التربية و التأهيل مع التشديد على أن يعامل هؤلاء الأطفال بطريقة حسنة كما يعطي قاضي التحقيق تراخيص لعائلات الأحداث ليتسنى لها زيارته في كل المناسبات كما يمكن له الخروج إلى البيت لمدة لا تتعدي 48 ساعة ليقضي عطلة الأعياد في بيته » (1) .
الفرع الثاني : الجنـــون .
إذا كان الإنسان عاجزا عن إدراك تصرفاته ، و توجيه إرادته في مسارها الصحيح ، نتيجة نقص في قدرته العقلية ، أو بسبب مرض أو عاهة أثرت على إدراكها . انتفت مسؤوليته الجزائية عن الأفعال غير المشروعة التي يقوم بها لأنه غير مدرك لطبيعة فعل و هذا ما يسمى بحالة الجنون . و هي ظاهرة مرضية عرفتها الإنسانبة منذ أقدم عهودها ، و لكن النظرة إليها تغيرت بتحول الحضارات و قد كانت في الأصل ضمن العلوم الطبيعية ، و لم تدخل نطاق القانون إلا بعد تدرج طويل و قد بدأ ذلك أيام الرومان القدامى الذين كانوا يفرقون بين الرجل السليم و المجنون ، متأثرين بما تأثر به أطباء اليونان ، و كأن المجنون يتعرض لبعض التدابير القاسية كمحاولة لشفاءه .
و لكن حين انهارت المدينة القديمة تحت وطئة الغزو في القرون الوسطي ظهرت مفاهيم قائمة على السحر ، و الشعوذة ، و الخرافات ، فكان الحكام رجال الدين حتى
أكثرهم علما و ثقافة يؤمنون أن المجنون مسكون بالأرواح الخفية و الشياطين مما جعلهم يعاملون المجنون بقسوة فيربطونه بالسلاسل ، و يضعونه في كهوف مظلمة .
________________________
1)- مأخوذ عن مقال ، القانون الجزائري يخدم الأحداث ، جريدة الخبر ، العدد 117 ، الصادرة بتاريخ 22/04/2007
و في مطلع القرن الثامن عشر (18) تطور علم الطب ، و انكب على دراسة المرض العقليين و النفسيين فأطاح بالخرافات القديمة و قلب المقاييس و أصبح يفرق بين الإنسان العادي ، و الإنسان المختل الشعور من الناحية العلمية ، مما أثر كثيرا في الأوضاع التشريعية و القضائية و الجزائية (1).
و بعد هذه اللمحة التاريخية عن حالة الجنون نتطرق فيما يلي الى أحكام الجنون كمانع للمسؤولية ضمن العناصر التالية :
BOKALI غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 07:56   #5
BOKALI
المشرف العام

الصورة الرمزية BOKALI


تاريخ التسجيل: Jun 2010
الدولة: Algeria / Ain Defla
المشاركات: 476
مقالات المدونة: 11
BOKALI will become famous soon enough

الاوسمة

افتراضي رد: أسبـاب الإبــاحةو مــوانع المسؤوليــة

أولا: تعريف الجنون .
يمكن تعريف الجنون على أنه ذلك الإضطراب الذي يصيب القوى العقلية بعد نموها مما يؤدي إلى إختلاف المصابين به عن العقلاء في تصوراتهم و تقديرهم للأمور .
و يعرف كذلك على أنه « كل حالات اضطراب القوى العقلية التي يزول بها التمييز
و حرية الاختيار » (2) .
و أثير الدفع بالجنون لأول مرة عام 1843 أمام محاكم انجلترا عندما أفرج عن
ماكناتن دانيال المتهم بقتل ادوارد دراموتد (3) .
و تتمثل وقائع هذه القضية في إقدام ما كناتن دانيال على إطلاق النار على سكرتير السيد روبرت بيل و هو ادوارد راموند ظنا منه أن المجني عليه هو بيل نفسه ، و عند النظر في قضيته إدعى ما كناتن أنه كان واقعا تحت تأثير هذيان الجنون ، و قدم الدليل الطبي على ذلك ، فقرر المحلفون أنه غير مذنب بسبب الجنون و أودع بمؤسسة علاجية بطريقة عــادية (4) .
و قد أثار هذا الحكم إحتجاج الصحافة حتى أن مجلس اللوردات طلب من القضاة المبدأ القانوني الذي أصدر على أساسه الحكم ، فكان المبدأ الذي خرج به القضاة على أن تكون له قوة إلزامية هو « على المحلفين أن يعلموا في جميع القضايا أن كل إنسان مفترض فيه
________________________
1)- د / فريد الزغبي ، المسؤولية الجنائية ، مرجع سابق ، ص 145-146 .
2)- د / عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 142 .
2)- د/ عبد الحكم فودة و الدكتور سالم حسين الدميري ، الطب الشرعي و جرائم الاعتداء على الأشخاص و الأموال مصر ، دار المطبوعات الجامعية ، سنة 2004 ، ص 531 .
3)-د / كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 282 .

أنه سليم العقل ، و لديه الدرجة الكافية من التمييز التي تجعله مسئولا عن جرائمه ما لم
يثبت العكس . و أنه لتأمين الدفاع بسبب الجنون يجب أن يثبت بوضوح :
- أن المتهم وقف ارتكاب الفعل كان يعاني من نقص في التمييز ناجم عن مرض عقلي .
- و أنه لم يكن يعرف طبيعة و نوع فعله أو إذا كان يعرف أنه لم يكن عارفا أنه يرتكب خطأ .
- و أضاف القضاة أنه إذا كان معانيا هذيانا جزئيا فقط و لكنه ليس مجنونا من نواح أخرى ، فانه يجب أن يعتبر لغايات المسؤولية في نفس وضع ما لم كانت الوقائع المرتبطة بوجود الهذيان حقيقة » (1) .
و من خلال استعراض هذا المبدأ يمكن استنتاج الشروط الواجب توفرها حتى تنتفي المسؤولية الجزائية بسبب الجنون و هي :
1- إصابة المتهم باختلال عقلي يفقده الوعي و الاختبار : إن مسألة امتناع المسؤولية الجزائية بسبب الجنون أمر متوقف على أثر حالة الجنون على وعي المصاب به
و إرادته ، فان ترتب عليها فقدانه لوعيه و إرادته كانت العلة متوافرة و امتنع قيام المسؤولية الجزائية على المجنون (2) . فيجب أن يكون الجنون قائما بأن يكون الاضطراب العقلي من الجسامة بحيث يعدم الشعور و الاختيار كليا ، أي أن صلة عدم مسؤولية الشخص المجنون مرتبطة ارتباطا وثيقا بفقده الشعور و الاختيار .
فإذا كانت العاهة لا تقضي إلى فقد الشعور ، أو الاختيار لا تصلح مانعا للمسؤولية الجزائية مثال ذلك الحمق و السفه (3) .
2- معاصرة الاختلال العقلي لوقت ارتكاب الجريمة : أشار نص المادة( 47 قاع ) إلى هذا الشرط صراحة ، فيجب أن يكون الشخص مجنونا وقت ارتكاب الجريمة حتى تمتنع مسؤوليته الجزائية ، إذ لا عبرة بجنونه قبل أو بعد ارتكاب الجريمة .
و شرط معاصرة الاختلال العقلي لوقت ارتكاب الجريمة لا يثير أية صعوبة بشأن الجرائم الوقتية ، إذ العبرة حينها بحالة المجرم وقت ارتكاب الفعل المكون للجعيمة . ________________________
1)- د/كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 583 .
2) - د/ سمير عالية ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 407 .
(3)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " المرجع السابق ، ص 108 .
إلا أنه يقتضي تطبيق هذا الشرط بدقة بشأن بعض الجرائم كالجرائم المستمرة ، و جرائم الاعتياد . فبالنسبة للجرائم المستمرة لا تمتنع المسؤولية الجزائية للمجرم إلا إذا كان
مصابا بالمرض العقلي مدة الإستمرار في الجريمة، و إذا استرد قواه العقلية في جزء من هذه المدة كان مسؤولا . و في جرائم الاعتياد لا يدخل في تكوين ركن الاعتياد سوى الأفعال التي يرتكبها الشخص و هو متمتع بالأهلية الجزائية (1) .
و تقدير توافر شروط امتناع المسؤولية الجزائية بالجنون يرجع لقاضي الموضوع
و له أن يستعين بخبير للفصل في حالة المتهم العقلية .
و للقاضي أن يثير الدفع بالجنون من تلقاء نفسه ، لتعلق الأمر بالمسؤولية الجزائية
و توقيع العقاب على المتهم . و لا يجوز للمتهم أن يدفع بالجنون لأول مرة أمام المحكمة العليا لأنه دفع يتعلق بماديات الدعوى يختص به قاضي الموضوع (2) . و فيما يلي نتطرق لأنواع الجنون .
ثانيا : أنـــواع الجنون .
يجب التفرقة بين الأمراض العقلية " الجنون بالمعنى الواسع " التي تعدم المسؤولية الجزائية و بين الأمراض النفسية التي لا تعدم كلية الإدراك و حرية الاختيار ، مثل الأشخاص المصابين بالشخصية السكوباتية (*أ) و المصابين بأمراض الهستيريا (*ب)
و النورستانيا (*ج) و للقاضي الاستعانة بطبيب مختص لإرشاده عن نوع مرض الفاعل وعما إذا كان مرضا عقليا أم نفسيا ، و إذا ثبت أن المتهم مصاب بمرض نفسي لا يمكن
إعفاءه من المسؤولية الجزائية . و مع ذلك يمكن للقاضي استعمالا لسلطته التقديرية أن
________________________
1)- د/ نظام توفيق المجالي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام" ، مرجع سابق ، ص 403 .
2)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 141 .
*أ)- الشخصية السيكوباتية : شخصية شاذة متقلبة المزاج ، منحرفة القيم قلقة لا تميل إلى الاستقرار و تهوى التغيير
و صاحبها يدرك ما يحيط به و يصدر عنه من تصرفات .
*ب)- تفترض الهستيريا اختلالا لا ينتاب نفسية المريض بها ، و لكن قدرته على التمييز تبقى قائمة إلا انه لا يسيطر على إرادته ، و تصرفاته تكون وليدة إرادة مندفعة لا يتحكم فيها صاحبها مطلقا أو يتحكم بها بصورة ناقصة غير طبيعية .
*ج)- النورستانيا حالة عصبية من أعراضها الشعور انهاك و سرعة الاستثارة الانفعالية و العجز عن التركيز و الملل و الهجس . و قد فقد هذا اللفظ دلالته العلمية لأنه لا يؤدي إلى أي ضعف عضوي و لا نقص في الوظائف العصبية .

يعتبر المرض النفسي المصاب به المتهم من الظروف المخففة للعقوبة و من أهم الأمراض العقلية التي تعدم المسؤولية الجزائية نذكر :
a. العته و البله الشديد : يولد المريض مصابا به فيتوقف نحوه العقلي عند سن الطفولة ، فيظل فاقدا الإدراك و التمييز .
b. جنون الشيخوخة : مرض يصيب بعض الأشخاص في سن الشيخوخة نتيجة تصلب الشرايين ، و ضعف خلايا المخ ، و يبدوا فيه المريض غير مهتم بأي شيء حوله .
c. الفصام العقلي : تسيطر علي المريض أفكار معينة تجعله يعاني من الشعور بالاضطهاد و عدم تناسق أفكاره ، و هو مرض نفسي في الأصل يصل إلى مرتبة الأمراض العقلية في مراحله المتقدمة ، و قد يسمع المريض أصواتا و يرى أشباحا لا وجود لها . فتصبح الملكات الذهنية للمريض معطلة لا يستطيع استعمالها لتأثير الضغوط النفسية و الأفكار الوهمية عليه.
d. الصرع : يأتي المرض نوبات يفقد فيها وعيه و ذاكرته ، و لا يسيطر على الحركات الإرادية لأعضائه ، و يرافق ذلك حركات تشنجية . أو أن تأتي النوبة الصرعية دون حركات تشنجية و يقتصر تأثيرها على النشاط الذهني ، فتعطله
و تفقده الاتصال بالمحيط الذي يكون فيه مما يدفع المريض إلى ارتكاب الجريمة دون شعور(1) .
و بعد أن تطرقنا إلى تعريف الجنون و شروطه و أنواعه نتطرق فيما يلي إلى أثار ثبوت الجنون وقت ارتكاب الجريمة .
ثالثا : أثار ثبوت الجنون وقت ارتكاب الجريمــة .
تنص المادة( 47 قاع ) على انه « لا عقوبة على من كان في حالة جنون وقت ارتكاب الجريمة و ذلك دون الإخلال بأحكام الفقرة 02 من المادة 21 »
من خلال هذه المادة نستنتج أنه إذا توافرت شروط الجنون كمانع للمسؤولية ترتب على
ذلك عدم إمكان نسبة الجريمة إلى إرادة من صدرت عنه الأفعال المكونة للركن المادي لها ، على نحو تمتنع معه مسؤوليته الجزائية عن هذه الأفعال .
________________________
1)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 143 .
و يترتب على امتناع المسؤولية الجزائية لجنون أو عاهة في العقل امتناع سلطة التحقيق عن الاستمرار في إجراءات الدعوى العمومية بإصدار أمر بألا وجه لإقامة الدعوى وإذا كانت الدعوى قد أحيلت إلى المحكمة المختصة ، وجب على المحكمة الحكم ببراءة المتهم إذا ثبت لديها عدم تمتعه بقواه العقلية (1) .
و يجوز للقاضي أن يأمر بوضعه في الحجز القضائي كتدبير وقائي بموجب المادة
(21 قاع ) التي تنص « الحجز القضائي في مؤسسة نفسية هو وضع الشخص بناءا على قرار قضائي في مؤسسة مهيأة لهذا الغرض بسبب خلل في قواه العقلية قائم وقت ارتكاب الجريمة أو اعتراه بعد ارتكابها يمكن أن يصدر الأمر بالحجز القضائي بموجب أي حكم بإدانة المتهم أو العفو عنه أو ببراءته
أو بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى ، غير أنه في هاتين الحالتين الأخيرتين يجب أن تكون مشاركته في الوقائع المادية ثابتة .
يجب إثبات الخلل في الحكم الصادر بالحجز بعد الفحص الطبي »
و يلاحظ من النص أن الحكم بالحجز من اختصاص القضاء ، و يجب أن يثبت أن المتهم المحكوم عليه بالبراءة ، أو بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى قد ثبت إشراكه المادي في الواقعة الإجرامية . و أن يخضع للفحص الطبي للتأكد من الخلل العقلي و لا يجوز للقاضي الأمر بالحجز القضائي دون اللجوء إلى الفحص الطبي حتى يتم العناية بالمريض حسب حالته العقلية .
و تطبيقا للقواعد العامة لا يجوز وضع المجنون المبرأ في الحجز القضائي تلقائيا و لو بحكم قضائي ، و إجراء فحص طبي . إذا لم يكن يخشى منه ارتكاب الجرائم . لان مناط توقيع التدبير هو الخطورة الإجرامية للمتهم (2) .
إذا كان هذا حكم الجنون وقت إرتكاب الجريمة فما هو حكم الجنون اللاحق على ارتكاب الجريمة ؟
________________________
1)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " المرجع السابق ، ص 111 .
2) – د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري ، " القسم العام " مرجع سابق ، ص 314 .


رابعا : حكم الجنون اللاحق على إرتكاب الجريمــة .
إذا ثبت الجنون بعد إرتكاب الجريمة لا يكون له تأثير في المسؤولية الجزائية ، و مع ذلك يكون له تأثير في الإجراءات المتخذة إتجاه مرتكب الجريمة . لأن اتخاذها في مواجهته يفترض إدراكه لها حتى تنتج الأثر الذي يرجوه القانون منها ، و هو ما لا يتحقق إذا فقد المتهم التمييز و الإدراك .
و المقصود بالإختلال العقلي الذي يؤثر في إجراءات الدعوى هو أن يكون من شأنه جعل المتهم عاجزا عن الدفاع عن نفسه ، بحيث يخشى ألا تتحقق الضمانات التي يقررها القانون له أثناء المحاكمة (1) .
و هناك عدة افتراضات لوقوع الجنون بعد إرتكاب الجريمة نوردها كالآتي (2):
- وقوع الجنون بعد الجريمة و قبل المحاكمة : في مثل هذه الحالة يحول الجنون الطارئ دون إتخاذ الإجراءات القانونية و محاكمة المتهم ، و يتم حجز المتهم في مؤسسة نفسية بناءا على قرار قضائي حسب المادة 21/1 قاع . و لا يجوز تقديمه للمحاكمة إلا بعد أن يعود إلى رشده .
- وقوع الجنون أثناء المحاكمة : في هذه الحالة يوقف الجنون المحاكمة ، و لا تستأنف إلا بعد شفاءه ، حتى يتمكن من الدفاع عن نفسه .
- وقوع الجنون بعد الحكم بالإدانة : في هذه الحالة يجب وقف تنفيذ العقوبة حتى يتم شفاء المجرم . و ذلك لكي تتحقق الأهداف المرجوة من العقوبة .
و بعد أن تطرقنا إلى الجنون نتطرق في الفرع الموالي إلى السكر و مدى مصداقيته في نفي المسؤولية الجزائية بإعتباره فعل قد يخلق مرتكبه سببه و هو متمتع بإرادة واعية و حــرة .
الفـرع الثــالث : الـــسكر .
نشير أولا إلى أن السكر الذي يكون مانعا للمسؤولية هو الذي يكون فيه من أقدم على تعاطيه جاهلا بطبيعة المادة التي تناولها ، و الآثار التي تنجم عنها ، و يكون جهله هذا غير راجع لخطأ . و معيار ذلك أن شخصا عاديا لو كان مكانه لوقع في ذات الغلط .
________________________
1)-د/ كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 608 .
2)- د / عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري ، " القسم العام " مرجع سابق ، ص 312 .
أو أن يتناول المسكر أو المخدر تحت تأثير إكراه مادي ، أو معنوي أو للعلاج (1) . و لم يرد في التشريع الجزائري نص يعتد بالسكر كمانع من موانع المسؤولية الجزائية إلا أن القواعد العامة توجب الاعتداد بالسكر الإجباري في نفي المسؤولية الجزائية (2).
و فيما يلي نتطرق لأحكام السكر :
أولا : تعــريف السكر
هو حالة نفسية عارضة و مؤقتة ، و هذه الحالة لا تصدر عن عارض مرضي أصيل لدى الشخص و إنما تنشأ نتيجة لتناوله مواد مخدرة ، أو كحول ، أو أي مادة أخرى تؤثر على إرادته و إدراكه . و لا عبرة بعد ذلك بشكل هذه المادة أو بطريقة تداولها (3) .
و ينتج عن السكر أنه يجعل الشخص غير قادر على إدراك الأفعال الصادرة عنه و تقدير النتائج المترتبة عليها . و عليه فان الشخص الخاضع لتأثير مواد مسكرة يمر بثلاثة مراحل . فيكون بالمرحلة الأولى في حالة تهيج بسيط مصحوب بحالة من الانتعاش
أو الحزن ، و تظل قدراته الذهنية سليمة ، أما في المرحلة الثانية فيزداد تهيجه و يرافق ذلك اختلال عضلي ، و تصبح قدراته الذهنية ناقصة بشكل ملحوظ . و في المرحلة الأخيرة يصبح في مرحلة ما يسمى " السكر السباتي " و يكون في حالة انحطاط تام من الناحية العضوية ، و النفسية لا يمكن معها إدراك تصرفاته و لا تقدير نتائجها ، و السكر نوعان نتطرق إليهما فيما يلي :
ثـانيا : أنــواع السكر .
هناك نوعان من السكر سكر إختياري و سكر إضطراري .
1- السكر الاختياري :
يكون السكر إختياريا إذا اتجهت فيه نية الشخص بمحض إرادته الكاملة إلى تناوله المواد المسكرة و المخدرة لغير سبب و هو عالم بكافة الآثار التي تحدثها هذه المواد (4)
________________________
1)- د / كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 611 .
2)- د / عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 150 .
3)- د / نظام توفيق المجالي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام" ، مرجع سابق ، ص 405 .
4) - د / ممدوح عزمي ، دراسة عملية في أسباب الإباحة و موانع العقاب ، مرجع سابق ، ص39 .


و محل الاختيار هو فعل التناول ذاته . و كلما كانت الإرادة حرة أثناء التناول كان السكر إختياريا .
2- السكر الاضطراري :
يكون السكر إضطراريا إذا تناول الشخص المواد المسكرة دون علمه . أو تناولها بعلمه و لكن دون إرادته (1) . و تتحقق الحالة الأولى في حالة ما إذا وقع في غلط من تلقاء نفسه فتناول هذه المواد جاهلا طبيعتها أو كان قد دسها له شخص آخر في طعام
أو شراب ، أما الحالة الثانية فتحقق في حالة ما إذا أخذها لضرورة علاجية ، أو تناولها تحت تأثير إكراه معنوي كأن يتناول المادة المسكرة تحت التهديد بالسلاح ، أو تحت تأثير إكراه معنوي كأن يكره شخص شخصا آخر على تناول المادة المسكرة و إلا قام بإيذاء ابنه المحجوز لديه .
بعد التعرف على أنواع السكر نتعرف فيما يلي على النوع الذي يكون مانعا للمسؤولية و بالضرورة شروط السكر المانع للمسؤولية .
ثالثا : شــروط السكر المــانع للمسؤولية .
لكي يكون السكر مانعا للمسؤولية يجب أن تتوفر شروط معينة ، قد ورد تحديدها صراحة في القوانين التي تأخذ بالسكر الاضطراري كمانع للمسؤولية و يجب أن تكون الغيبوبة التي أصابت الفاعل وليدة تأثير تناول المواد المسكرة و المخدرة فقط حيث أنه إذا كانت ناشئة عن حالة تسمم داخلي مرجعه إفراز الجسم مواد سامة ، و عجزه عن التخلص منها لا يعد في حالة سكر و إنما تلحق هذه الحالة بالاختلاف العقلي . و شروط السكر المانع للمسؤولية هي :
1- حالة السكر الكــامل .
يشترط لانتفاء المسؤولية الجزائية بالسكر أن يكون فقد الشعور تاما (2) مما يؤدي إلى العجز عن الإدراك و التمييز . و بذلك تنعدم حرية الاختيار و يصبح غير قادر على السيطرة و التحكم في تصرفاته .
________________________
1)- د/ محمد زكي أبو عامر ، القسم العام من قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 490 -491 .
2) – د/ عبد الحكم فودة ، أسباب امتناع المسؤولية الجنائية في ضوء الفقه و قضاء النقض ، مرجع سابق ، ص 52 .

و إثبات حالة السكر ، و توافر كمية المادة المسكرة أو المخدرة في الدم يتم بواسطة الفحوص الطبية و المخبرية . و يعود تقدير ذلك إلى قاضي الموضوع دون رقابة تمارسها عليه المحكمة العليا .
2- الصفة الاضطرارية للسكر .
يجب أن يكون الشخص قد تناول المادة المسكرة أو المخدرة قهرا عنه
أو على غير علم منه بها سواء كان القهر لإكراه مادي أو معنوي أو كان عدم العلم للجهل بماهية الشيء أو نتيجة غلط وقع فيه بشأنها (1) . فمن تناول مادة مخدرة أو مسكرة مختارا ، أو عن علم بحقيقة أمرها يكون مسئولا عن الجرائم التي تقع منه وهو تحت تأثرها فالقانون في هذه الحالة يجري عليه حكم المدرك التام الإدراك مما يبنى عليه توافر القصد الجنائي العام (2) .
3- تــزامن فقدان الوعي بسبب السكر مع ارتكاب الجريمة .
يجب أن يرتكب الفاعل السلوك الإجرامي أثناء حالة فقدان الوعي الناتج عن تناول المادة المسكرة (3) .
فالعبرة بفقد الاختيار وقت ارتكاب الجريمة . فإذا وقعت الجريمة قبل تناول المادة المسكرة أو بعد زوال أثارها تحققت المسؤولية الجزائية .
و مما سبق ذكره نستنتج أن السكر الاضطراري المتضمن لفقدان الوعي و الإرادة على النحو السابق يمكن الاحتجاج به كصورة من صور دفع المسؤولية الجزائية ، و ما يدعم ذلك هو تنبيه من طرف عدة تشريعات كمانع للمسؤولية الجزائية (4) ، و من بين هذه التشريعات نذكر قانون العقوبات اللبناني و قانون العقوبات السوري و قانون العقوبات الأردني .
و بعد أن تطرقنا لحكم السكر الاضطراري ، و عرفنا أنه يكون مانعا للمسؤولية و ما ذلك إلا تطبيق للقواعد العامة التي تقضي بأن يسأل الشخص عن فعله إلا إذا قام به عن
وعي و حرية اختيار ، نـتطرق فيمــا يلي إلى حكم الــسكر الاختياري في ضوء
________________________
1)- د- عبد الحكم فودة ، أسباب امتناع المسؤولية الجنائية في ضوء الفقه و قضاء النقض ، المرجع السابق ، ص 52 .
2)- د / ممدوح عزمي ، دراسة عملية في أسباب الإباحة و موانع العقاب ، مرجع سابق ، ص 48 .
3)- د / عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 144 .
4)- د / كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 613 .
الشريعة الإسلامية و الفقه و بعض التشريعات الوضعية .
رابعا : المسؤولية في السكر الاختياري .
1- في الشريعة الإسلامية :
في الشريعة الإسلامية يسأل السكران مدنيا عن أفعاله سواء كان السكر اختياريا
أو اضطراريا . فالسكر الإختياري لا ينف المسؤولية جزائية كانت أو مدنية ، لان خطأ الفاعل في تناوله المحرم هو الذي ترتب عليه إلحاق الضرر بالغير فيلتزم بتعويضه . أما السكر الاضطراري فيقتصر تأثيره على نفي المسؤولية الجزائية و لا تأثير له في المسؤولية المدنية ، و أساس ذلك أن الدماء و الأموال محرم المساس بها طبقا للقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية (1) .
2- في الفقه .
لقد أثارت مسؤولية من يرتكب جريمة و هو في حالة سكر نقاشا فقهيا ، حيث ذهب أنصار المذهب التقليدي في بداية الأمر إلى أن الجرائم التي ترتكب تحت تأثير السكر لا تشكل إلا جرائم عدم احتياط ، و ذلك اعتبارا لما يسببه السكر من انعدام وعي يؤدي إلى محو القصد الجنائي . و إذا كان يمكن مساءلة السكران عن خطئه في تناول المادة المسكرة لدرجة أفقدته الوعي ، فليس من المقبول أن يسأل عن الأفعال التي أتاها بعد أن أفقده السكر وعيه و إدراكه .
و قد تطور الموقف بعد ذلك تحت تأثير الأحكام الجديدة التي جاءت بها مدرسة الدفاع الاجتماعي فيري أنصاره ضرورة مساءلة السكران باختياره عن جميع الجرائم التي يرتكبها شأنه في ذلك شأن الشخص العادي ، وقد أسس هذا الاتجاه مسؤولية السكران باختياره على أساس نظرية القصد المحتمل إذ كان باستطاعته ومن واجبه أن يتوقع النتائج الإجرامية المحتملة لتناوله المادة المسكرة ، و من ثم يتعين عليه تحمل هذه النتائج (2) .
3- في التشريعات .
هناك بعض التشريعات لم تتعرض لمسؤولية السكران اختياريا سواء كان ذلك بنص
________________________
1)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " المرجع السابق ، ص 153 .
2)- د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 170 .
صريح أو ضمني ، و هناك تشريعات أخرى نصت بصراحة على المسؤولية في السكر الاختياري ، و هناك تشريعات أخرى تضمنت نصوصا ضمنية تتحدث على مسؤولية السكران إختياريا نتعرض إليها كما يلي :
أ- تشريعات لم تنص على مسؤولية السكران اختياريا : و من هذه التشريعات قانون العقوبات الفرنسي لسنة 1810 الذي ترك مسألة تأثير السكر الإختياري في المسؤولية الجزائية لإجتهاد الفقه و القضاء . و يعالج الفقه الفرنسي موضوع السكر الإختياري بمناسبة الكلام عن موانع المسؤولية تحت عنوان " الحالات المجاورة للجنون " على إعتبار أن السكر الاختياري يؤدي إلى اضطراب عارض في القوى الذهنية .
و رغم إختلاف الفقه و تردد القضاء ، لم يحسم قانون العقوبات الفرنسي الجديد لسنة 1992 هذا الخلاف بنص صريح ، و قد يكون ذلك من المؤشرات على أن المشرع الفرنسي لا يرى إمتناع المسؤولية بالسكر الإختياري ، لأنه بعدم النص عليه يعني ذلك أنه ليس مانعا من موانع المسؤولية .
ب- تشريعات نصت صراحة على علي مسؤولية السكران إختياريا :
و نذكر من هذه التشريعات قانون العقوبات الإيطالي ، و الهندي و الليبي هذا الأخير الذي بنص في المادة 90 منه « لا يحول السكر الاختياري دون مسؤولية الفاعل و لا ينقصها » و هو نص قاطع و صريح في نفي تأثير السكر الإرادي في مسؤولية الفاعل و ينص كذلك قانون العقوبات اللبناني على مسؤوليته السكران باختياره عن الجرائم التي يرتكبها سواء العمدية أو غير العمدية .
جـ- تشريعات نصت ضمنيا على مسؤولية السكران اختياريا :
من هذه التشريعات أغلب القوانين العربية ، و قانون العقوبات المصري . فهذه القوانين تقرر صراحة امتناع مسؤولية السكران بغير اختيار . و يستفاد من هذا الحكم بمفهوم المخالفة أن السكران باختياره يسال عن الجرائم التي يرتكبها و هو تأثير المادة المسكرة (1) .
أما عن موقف المشرع الجزائري فلم ينص على السكر ضمن موانع المسؤولية سواء كان سكرا اضطراريا أو اختياريا . و من ثم يعاقب بالعقوبات المقررة قانونا كل من
________________________
1)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 150-152 .
ارتكب جريمة و هو في حالة سكر بصرف النظر عن طبيعة الجريمة المرتكبة سواء تعلقت بالمرور أو القانون العام . بل يعد السكر و تأثير المخدرات من الظروف المشددة للجريمة كما هو الحال في جرائم القتل أو الجرح الخطأ حسب المادة 290 قاع ، و كذلك حالة سياقة مركبة في حالة سكر أو تحت تأثير مخدر على أن تعادل نسبة الكحول في الدم أو تزيد عن 0.10 غ ‰ (1).
و بعد أن تطرقنا في هذا المطلب لموانع المسؤولية بسبب انعدام الأهلية نتطرق في المطلب الثاني لموانع المسؤولية بسبب انعدام حرية الاختيار .
المطلب الثاني : موانع المسؤولية بسبب انعدام حرية الاختيار .
قد يصاب الفاعل بفقد الاختيار ، و هذا الفقد لا يرجع هنا إلى فقدانه ملكاته العقلية
أو لصغر سنه ، و إصابته بجنون ، أو لأنه في حالة سكر . وإنما يصاب بهذا الفقد و هو في كامل قدرته على الإدراك و فهم الأمور و التمييز بين ما هو مجرم و غير مجرم إنما يرجع هذا الفقد إما إلى حالة الضرورة التي وضع فيها الفاعل رغما عنه أو لحالة من حالات الإكراه التي قد يصاب بها الفاعل سواء كان إكراها ماديا ، أو معنويا
و نتعرض فيما يلي لهاتين الحالتين على التوالي :
الفرع الأول : حالة الضرورة .
هي حالة تعرض الشخص لضرر جسيم لا سبيل لدفعه إلا بإرتكابه لفعل محظور
أو فعل مجرم قانونا . أي أن الضرورة هي الجريمة التي يرتكبها شخص لوقاية نفسه
أو نفس غيره من خطر جسيم محدقا به (2) .
و قد عرفها المذهب الحنفي بأنها « خوف الضرر أو الهلاك على النفس أو بعض الأعضاء بترك الأكل » .أما المذهب الحنبلي فعرفها على أنها « خوف الإنسان التلف ان لم يأكل ، المحرم غير السم » .
و أما المذهب المالكي فعرفها على أنها « الخوف على النفس من الهلاك علما أو ظنا »
و يعرفها الدكتور رمسيس بهنام على أنها « وضع مادي للأمور ينشأ بفعل الطبيعة
أو بفعل إنساني موجه إلى الغير ، و ينذر بضرر جسيم على النفس ، يتطلب دفعه ________________________
1)- د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، المرجع السابق ، ص 170 .
2)- د / ممدوح عزمي ، دراسة عملية في أسباب الإباحة و موانع العقاب ، المرجع السابق ، ص 51 .
ارتكاب جريمة على إنسان بريء » (1) . و الضرر الجسيم على النفس ، إذ ترتكب الجريمة على إنسان برئ في سبيل درئه ، يستوي فيه أن يكون مهددا ذات الشخص الذي ارتكب هذه الجريمة ، أو أن يكون مهددا شخصا آخر غيره .
و بعد معرفة المفهوم العام لحالة الضرورة نحاول فيما يلي تعريفها من خلال التطرق إلى أساس انتفاء المسؤولية في حالة الضرورة ، و التفرقة بين حالة الضرورة و الدفاع الشرعي من جهة ، و حالة الضرورة و الإكراه من جهة أخرى .
أولا : تعريف حــالة الضرورة .
لم تكن حالة الضرورة محل نقاش في الفقه الجزائري و لكن نالت حقها من النقاش في الفقه الفرنسي الذي يقر في غالبيته بعدم العقاب في حالة الضرورة غير أنه إختلف حول أساس إنتفاء المسؤولية كالآتي :
1- أساس إنتفاء المسؤولية في حالة الضرورة :
إنقسم الفقه الفرنسي حول مسألة عدم العقاب في حالة الضرورة عموما إلى فريقين : فريق يؤسسه على إعتبارات ذاتية ، و فريق يؤسسه على إعتبارات موضوعية .
أما الفريق الأول فقد بني بعضه إنتفاء المسؤولية على أساس الإكراه المعنوي . و إذا كان هذا صحيحا في حالة ما إذا كان الخطر محدقا بشخص الفاعل أو بماله فانه لا يصلح في حالة ما إذا كان الخطر محدقا بالغير أو بماله (2) .
فيما ذهب البعض إلى أن الضرورة تنفي القصد الجنائي ، كما ذهب إليه قضاة محكمة
استئناف آميان في قضية " مينار " الشهيرة (*) غير أن هذا التبرير مردود لما فيه من خلط بين القصد ، و الدافع . كما أن القصد الجنائي غير متوفر أساسا في الجرائم غير
العمدية (3) .
________________________
1)- د/ محمود محمد عبد العزيز الزيتي ، الضرورة في الشريعة الإسلامية و القانون الوضعي ، الطبعة لا توجد مصر ، مؤسسة الثقافة الجامعية ، سنة 1991 ، ص 19 - 21 .
2)- د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري ، " القسم العام " مرجع سابق ، ص 325 .
*)- المرأة الفرنسية التي اختلست قلعة خبز من واجهة مخبزة بعد بقاءها يومين كاملين دون طعام .
3)- د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 132 .

و أما الفريق الثاني و هو الغالب في فرنسا ، فقد برر انتفاء المسؤولية عن الجريمة المرتكبة في حالة الضرورة على اعتبارات موضوعية ، حيث يرى هذا الفريق أن حالة الضرورة هي مثل حالة الدفاع سببا من أسباب الإباحة مؤسسا
على مصلحة المجتمع إذ ليس في مصلحة المجتمع تسليط العقوبة على مرتكب الجريمة في حالة ما إذا كان المال المضحى به أقل قيمة من المال المحمي ، و في ذلك معنى الموازنة بين مصلحتين .
و هذا ما أخذ به القضاء الفرنسي و كرسه قانون العقوبات الجديد الصادر سنة 1992 حيث أقرت المادة 122/7 منه على أن حالة الضرورة سببا لانتفاء المسؤولية و تجدر الإشارة إلى أن المشرع الجزائري لم يأخذ بحالة الضرورة كسبب عام للإباحة أو لانتفاء المسؤولية ، و مع ذلك فقد نصت المادة 308 من قانون العقوبات على إباحة إجهاض الحامل إذا كان ضروريا لإنقاذ حياة الأم من الخطر (1) .
2- الفرق بين حالة الضرورة و الحالات المشابهة :
أ- حالة الضرورة و الدفاع الشرعي :
قد تشتبه حالة الضرورة بالدفاع الشرعي لكنها في الحقيقة تتميز عنه تماما ، فهي مانع من موانع المسؤولية بينما الدفاع الشرعي سبب من أسباب الإباحة ، لما بين أسباب الإباحة ذات الطبيعة الموضوعية ، و موانع المسؤولية ذات الطبيعة الشخصية من فوارق و تتضح باقي الفوارق بينهما من خلال مقارنة الشروط اللازم توفرها لقيام كل حالة هي:
- إن الخطر الذي ينشئ حالة الضرورة يكون موجها ضد النفس خلا فالحالة الدفاع الشرعي التي تبيح ارتكاب الجريمة دفعا لخطر يهدد النفس أو المال (2) .
- مصدر الضرر المدفوع بجريمة مرتكبة في حالة دفاع شرعي هو دائما إنسان أما مصدر الضرر المدفوع بجريمة مرتكبة في حالة الضرورة قد يكون فعل الطبيعة (3) .
كأن يسرق شخص قاربا لإنقاذ شخص آخر رآه يغرق في عرض البحر .
________________________
1)- د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 133 .
2)- د / محمد زكي أبو عامر ، القسم العام من قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 499 .
3)- د/ محمود محمد عبد العزيز الزيتي ، الضرورة في الشريعة الإسلامية و القانون الوضعي ، المرجع الساق
ص 219 .

- يلزم لقيام حالة الضرورة أن يكون الخطر جسيما بينما يكفي لقيام الدفاع الشرعي الخطر اليسير شرط أن يتناسب معه فعل الدفاع (1) .
- الجريمة المركبة في حالة الدفاع الشرعي توجه ضد إنسان معتد بخلاف الجريمة المرتكبة في حالة الضرورة فهي توجه ضد إنسان برئ .
- الدفاع الشرعي يمحوا الجريمة فلا يجوز المطالبة بالتعويض المدني . أما في حالة الضرورة فيجوز المطالبة بالتعويض المدني المدني باعتبار أن حالة الضرورة تمنع المسؤولية الجزائية فقط .
و بالرغم من الفوارق الموجودة بين حالتي الدفاع الشرعي و الضرورة إلا أن القاسم المشترك بينهما هو أن مرتكب الجريمة في كلتا الحالتين يقوم بسلوك يريد به توفي خطر حال على النفس. إضافة إلى المال في حالة الدفاع الشرعي .
ب- حــالة الضرورة و الإكراه .
بصفة عامة نقول أن سبب ارتكاب الفعل المجرم في حالة الضرورة ظروف يقتضي الخروج منها ذلك . لدرء خطر على نفس الشخص أو الغير . أما في حالة الإكراه فان سبب ارتكاب الفعل المجرم هو أمر المكره بالقيام بفعل جبرا لو كان في ظروف غير التي كان فيها لما قام به بالإضافة إلى فروقات أخرى نتطرق إليها كالآتي :
- تكون حالة الضرورة في غالب الأحيان من فعل الطبيعة في حين أن الإكراه لا يكون إلا فعلا لإنسان .
- جريمة الضرورة قد يسعى بها فاعلها إلى درء ضرر لا يهدده شخصيا و إنما يهدد الغير . أما الجريمة المرتكبة في حالة الإكراه تهدف إلى درء خطر يهدد المكره شخصيا (2) .
الخاضع للإكراه يحدد له السلوك المطلوب منه كي يتفادى الخطر المهدد به بخلاف من يوجد في حالة ضرورة لا يحدد له ذلك بل عليه أن يلحظ الظروف ________________________
1)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 99 .
2) – د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري ، " القسم العام " مرجع سابق ، ص 327

المحيطة به و يتصور وسيلة إجتناب الخطر (1) .
و بالرغم من هذه الاختلافات نقول أنه في كل من حالة الضرورة و الإكراه تتجرد إرادة الفاعل من حرية الاختيار الذي لا يجد سبيلا للخلاص من الخطر المحدق به إلا بارتكاب الجريمة . و على هذا الوجه يدخل الإكراه في معنى الضرورة بمعناها العام فمن يوجد في حالة ضرورة هو مكره على الفعل الذي يخلصه منها (2) .
و بعد تعريف حالة الضرورة نتطرق إلى الشروط الواجب توفرها فيها حتى يمكن القول بأنها تصلح لنفي المسؤولية الجزائية .
ثانيا : شروط حالة الضرورة .
لم يرد في القانون الجزائري نص خاص بحالة الضرورة و إنما نصت المادة 48 قاع « لا عقوبة على من اضطرته إلى ارتكاب الجريمة قوة لا قبل له بدفعها » و عبارة النص تنصرف أساسا إلى الإكراه المادي و لكن الفقه و القضاء الفرنسي توسع في تفسير النص المقابل في النص الفرنسي و هو مصدر النص الجزائري بحيث أدخلا في نطاقه الإكراه و حالة الضرورة و استمد منه شروطهما (3) .
اذ تفترض جميع حالات الضرورة خطرا يهدد من يتعرض لها و فعلا يرتكب تحت تأثير التهديد به . و هناك شروط يجب أن تتوفر في الخطر . و شروط يتعين توافرها في الفعل المرتكب تحت تأثير التهديد به نتعرض إليها بهذا الترتيب كالآتي :
1- شـــروط الخطر .
مناط الضرورة هو فعل الخطر الحال الذي يهدد النفس تهديدا جسيما بشرط ألا يكون للشخص دخل في إحداث هذا الخطر و تبعا لذلك سندرس هذه الشروط كالآتي :
أ- خطر يهدد النفس : محل الخطر في حالة الضرورة هو النفس فلا تنتف مسؤولية من يدرأ خطرا محدقا بما له متذرعا بحالة الضرورة ، و الهدف من هذا التضييق هو كون الفعل المجرم – فعل المضطر – غالبا ما ينصب على شخص بريء لا يد له في حدوث الخطر .
________________________
1)- د/ محمد زكي أبو عامر ، القسم العام من قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 499 .
2)- د/ محمود محمد عبد العزيز الزيتي ، الضرورة في الشريعة الإسلامية و القانون الوضعي ، المرجع السابق
ص 223 .
3)- د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 97
و مفهوم النفس في حالة الضرورة هو نفسه في حالة الدفاع الشرعي ، إذ تشمل كذلك سلامة الجسم و العرض و الشرف و الحرية و لا يشترط أن يكون الخطر واقعا على نفس المضطر بل تقوم حتى و لو وقع الخطر على نفس شخص آخر لا تربطه به علاقة (1) .
ب- خطر جســيم . يجب لتوافر حالة الضرورة أن يكون الخطر جسيما ، و ينذر بحصول ضرر لا يمكن إصلاحه . و يبرر ذلك أن جريمة الضرورة تقع على بريء . فإذا كان الأذى ينجم عن الخطر ضئيلا ، فانه لا يجوز الإعفاء من المسؤولية و جسامة الخطر تقدرها محكمة الموضوع وفقا لمعيار مجرد هو معيار الشخص العادي الذي يوجد في مثل ظروف المتهم (2) .
جـ خطر حــال :
و تتحقق هذه الحالة إذا كان الخطر وشيك الوقوع أي أن الخطر سيقع فعلا لو لم يبادر المضطر لدرئه ، أو يكون قد بدأ و لكنه لم ينته بعد . و عليه إذا كان للمضطر وقت يستطيع من خلاله أن يتدبر الوسيلة التي تخلصه من الخطر دون ارتكاب الجريمة لا يكون له التمسك بحالة الضرورة لنفي مسؤوليته الجزائية (3) ، و يجب أن يكون الخطر غير مشروع ، فإذا كان الخطر مشروعا كشخص حكم عليه بالإعدام فلا يجوز لآخر على تهريبه قبل تنفيذ العقوبة إحتجاجا بحالة الضرورة (4) .
د- عدم تسبب المضطر في نشأة الخطر : و ترجع العلة من هذا الشرط إلى أن الإنتقاص من حرية الاختيار يفترض أن المتهم قد فوجئ بحلول الخطر و لم يكن لديه وقت للتفكير بفعل يتجنب به الخطر سوى ارتكاب الجريمة . أما إذا كانت إرادة المتهم قد اتجهت إلى تحقيق الوضع المهدد بالخطر فمعنى ذلك أنه توقع حلوله وكان في استطاعته تجنبه بوسيلة على نحو لا يمس حقوق غيره (5) . كمن يحرق عمدا مكانا ثم يضطر في سبيل الفرار من النيران إلى إصابة شخص إعترض طريقه .
________________________
1)-د / ممدوح عزمي ، دراسة عملية في أسباب الإباحة و موانع العقاب ، مرجع سابق ، ص 53 .
2)- د/ محمد علي السالم عياد الحلبي ، شرح قانون العقوبات "القسم العام "،المرجع السابق ،ص 400
3)- د / نظام توفيق المجالي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام" ، مرجع سابق ، ص 413 .
4)- د / عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 99 .
5)- د/ محمود محمد عبد العزيز الزيتي ، الضرورة في الشريعة الإسلامية و القانون الوضعي ، المرجع السابق ص 113
و بعد معرفة شروط الخطر الموجب لفعل الضرورة نتطرق فيما يلي إلى شروط فعل الضرورة .
2- شروط فعل الضرورة .
فعل الضرورة هو ما يرتكبه الشخص ليدفع به خطرا حالا يهدد نفسه أو غيره على نحو جسيم و يشترط في فعل الضرورة أن يكون .
أ- لازمــا : لإمتناع المسؤولية الجزائية تمسكا بحالة الضرورة يجب أن يكون إرتكاب الجريمة لازما لدفع الخطر الذي يهدد الشخص في نفسه أو غيره .
و يقتضي هذا الشرط أن تنصب الجريمة على الخلاص من الضرر لا أن تتوجه للسبب المنشئ للخطر الذي قد لا يعد هو الوسيلة اللازمة لدفع الخطر (1).
على أن شخصا أغرق سفينة فليس لأحد الركاب التذرع بحالة الضرورة للإعتداء عليه لأن ذلك لا يعد وسيلة للخلاص من الخطر .
كما يتطلب هذا الشرط أن يكون فعل الضرورة هو الوسيلة الوحيدة للتخلص من الخطر فإذا كان يمكن دفع الخطر لوسيلة أخرى كالفرار ، أو الاستعانة ، أو ارتكاب فعل آخر لا يعد جريمة تبقى مسؤوليته الجزائية قائمة
و لزوم الجريمة في حالة الضرورة أمر نسيبي لا مطلق بمعنى أنه يرجع فيه إلى التقدير الشخصي لفاعل الجريمة و إلى كونه مطابقا لتقدير الرجل العادي الموجود في نفس الظروف (2) .
ب- متناسبا مع الخطر المهدد للشخص : يقتضي هذا الشرط أن يكون فعل الضرورة متناسبا مع الخطر المحدق بالشخص . فلا ضرورة كلما ثبت أنه بوسع المضطر أن يدرأ الخطر الذي يتهدده بجريمة أقل جسامة من الجريمة التي ارتكبها، لأن الضرورة تقدر بقدرها . فإذا تجاوز الفاعل بجريمة القدر المناسب لدفع الخطر فانه يسأل عن قدر تجاوزه . و تقدير التناسب يرجع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع استنادا إلى معيار الشخص العادي إذا وجد في نفس الظروف و الملابسات التي أحاطت بالفاعل (3) .
________________________
1)- د/ محمد زكي أبو عامر ، القسم العام من قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 502 .
2)-د/ كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 569 .
3)- د/ محمد علي السالم عياد الحلبي ، شرح قانون العقوبات "القسم العام "،المرجع السابق ،ص 402 .
و بعد أن تطرقنا لشروط حالة الضرورة نتطرق فيما يلي للآثار التي ترتبها حالة الضرورة .
ثالثا : أثــار حــالة الضــرورة .
حالة الضرورة كغيرها من موانع المسؤولية لا ترتب أثارها إلا إذا تم إثباتها و إثبات حالة الضرورة يكون على عاتق من يدفع بها . و الدفع بتوافر حالة الضرورة من النظام العام يتعين على محكمة الموضوع إثارته من تلقاء نفسها إذا لم يثره الخصوم (1)
و تختلف أثار حالة الضرورة من المسؤولية الجزائية إلى المسؤولية المدنية ، كما أنها تختلف بحسب ما إذا توافرت شروطها كاملة أو اختل أحدها و تبعا لذلك نتعرض لهذه العناصر كما يلي :
1- أثار حالة الضرورة في قيام المسؤولية .
أ- المسؤولية الجزائية : تتفق الأنظمة القانونية التي أخذت بحالة الضرورة على أن توافر حالة الضرورة يؤدي إلى عدم العقاب على العمل المرتكب سواء كان ذلك على أساس انعدام الجريمة بالنسبة للأنظمة القانونية التي تعتبر حالة الضرورة بسبب الإباحة أو على أساس إنعدام الخطأ بالنسبة للأنظمة القانونية التي تعتبر حالة الضرورة مانعا للمسؤولية كما في قانون العقوبات الفرنسي لسنة 1992 (2).
ب- المسؤولية المدنية : الأصل أن الفعل المرتكب من قبل من هو في حالة الضرورة لا يشكل خطأ و بالتالي لا يسأل مرتكبه مدنيا . غير أن الضحية في حالة الضرورة لم يرتكب أي خطأ مما أدى ببعض التشريعات التي أخذت بحالة الضرورة إلى إقرار تعويض الضحية على أساس الإثراء بلا سبب .
و تنص المادة( 130 قام )على أنه « من سبب ضررا للغير ليتفادى ضررا أكبر محدقا به أو بغيره لا يكون ملزما إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسبا »
و يتبين من هذا النص أن الشخص الذي حملته الظروف المحيطة به على الإضرار بالغير حتى يتجنب ضررا أكبر محدقا به بغيره يلتزم بالتعويض الذي يراه القاضي مناسبا .
________________________
1)- د/ ممدوح عزمي ، دراسة عملية في أسباب الإباحة و موانع العقاب ، مرجع سابق ، ص56 .
2)- د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 136 .
2- تجاوز حدود الضرورة :
يقع التجاوز حين يرتكب الفاعل و هو يدفع الخطر فعلا أشد مما يقتضيه المقام
و بالتالي يكون التجاوز في حالة الضرورة إخلالا بشرط التناسب . و هناك من القوانين التي أخذت بحالة الضرورة إلا أنها لم تحدد حكم التجاوز مثل القانون المصري مما يقتضي القول بالرجوع إلى القواعد العامة (1) .
و يمكن القول من باب القياس بإنزال أحكام تجاوز حدود الدفاع الشرعي على حالات تجاوز حدود حالة الضرورة .
و بعد دراسة أحكام حالة الضرورة نتطرق فيما يلي للإكراه باعتباره سبب نفسي ينفي حرية الاختيار و بالتالي المسؤولية الجزائية .
الفرع الثاني : الإكـــراه .
الرضا شرط لكل التصرفات القانونية و لا وجود لهدا الرضا إذا شابه عيب من عيوب الرضا منها الإكراه .
فالإكراه إذن من العيوب التي تهدم الرضا عند الإنسان المكره إذ يعلم أن ما يقدم عليه من أقوال و أفعال إنما هي ضد رغبته و مع ذلك يقوم بها ليدفع الأذى عن نفسه . فيكون الرضا غير موجود لأن الإكراه يتنافى مع الرضا و إن كان فعلا قام بالفعل الذي أكره عليه إلا أن ذلك لم يكن تعبيرا عن إرادته الحرة . و على هذا هل تسقط المسؤولية الجزائية عن الفعل الذي ارتكبه الشخص تحت الإكراه ؟
و للإجابة على هذا التساؤل يجب أولا معرفة مفهوم الإكراه و أنواعه و شروطه و من خلال ذلك نتطرق لمدي تأثيره على المسؤولية الجزائية و فيما يلي نتطرق لهذه العناصر
أولا : تعريف الإكراه .
يعرف الإكراه على أنه « الضغط الذي تنتفي معه حرية الاختيار لدى الجاني
و لا ينتف الإدراك لديه لكونه متمتعا بكل قواه العقلية لكنه مقيد في اختيار سلوك دون الأخر » (2) .
________________________
1)- د/ ممدوح عزمي ، دراسة عملية في أسباب الإباحة و موانع العقاب ، المرجع السابق ، ص 56 .
2)- د/ إبراهيم الشباسي ، الوجيز في شرح قانون العقوبات الجزائري " القسم العام " الطبعة الأولى ، الجزائر ، دار الكتاب ، سنة 1990 ، ص 198 .
و يعرفه الدكتور سليمان عبد المنعم على أنه « الضغط على إرادة الفاعل بحيث يفقد كيانه الذاتي و لا يجد الفاعل سبيلا إلا إرتكاب السلوك الإجرامي »
و من هذه التعاريف نستنتج أن الإكراه يقوم على أركان هي :
- المكره : هو الحامل لغيره على عمل شيء قهرا .
- المكره : هو الشخص المجبر على القيام بالفعل المكره غصبا و قهرا .
- المكره عليه : هو القول أو الفعل الذي يقع عليه الإكراه .
- المكره به : نوع التهديد الذي يوجه للمكره كالقتل أو قطع عضو أو إتلاف مال أو ضرب أو نحو ذلك . و قد يلحق الأذى به أو بغيره نتيجة التهديد و مثاله تهديد الأب بقتل ابنه إذا لم يقم بالفعل المطلوب منه .
و الإكراه نوعان إكراه مادي و إكراه معنوي و هما كالتالي :
ثــانيا : أنــواع الإكراه .
نتطرق في هذا العصر إلى الإكراه المادي من خلال تعريفه ، و الفرق بينه و الحالات المشابهة له ، و صوره ثم نتطرق إلى الإكراه المعنوي من خلال تعريفه و تحديد صوره و ذلك كالتالي :
1- الإكـراه المــادي .
أ- تعريف الإكـراه المــادي .
هو تعرض المرء لقوى مادية خارجية تعدم إرادته و تحمله على القيام بالواقعة الإجرامية ، و عليه فهو عنف يباشر على جسم الإنسان أو الشخص الخاضع له يؤدي إلى انعدام الإرادة كليا (1) و عليه الإكراه المادي الصادر عن أحد عوامل الطبيعة أو بفعل الإنسان أو الحيوان أو المرض ، يؤثر في إرادة الخاضع له و يجعلها غير موجودة و أنه عبارة عن آلة مسخرة و غير قادر على السيطرة على نفسه و لذلك تنتفي مسؤوليته
الجزائية لأن الفاعل لا يعاقب على أي فعل ما لم يكن قد ارتكبه عن وعي و حرية اختيار .
و استنادا لذلك فان الإكراه المادي حسب ما عرفه الفقهاء « هو قوة مادية مهما
________________________
1)- د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري ، " القسم العام " مرجع سابق ، ص 314 .

كان مصدرها يستحيل على الإنسان مقاومتها فتسيطر على أعضاء جسمه
و تحركها دون إرادة من صاحبها في عمل يعاقب عليه القانون كالآلة المسخرة »(1)
كالذي يمسك بيد شخص و يجعله يضع إمضاءه على محرر مزور . فتقع المسؤولية عليه دون صاحب الإمضاء عن جريمة التزوير .
و للإكراه المادي صورتان هما :
ب- صور الإكراه المادي : قد يكون الإكراه المادي خارجيا أو داخليا و ذلك حسب مصدره .
* الإكـراه الخـارجي : قد يكون مصدر الإكراه قوة طبيعية مثل الفيضان أو السيل الذي يقطع سبل المواصلات فيمنع الشاهد من الذهاب إلى المحكمة لأداء شهادة دعي إليها قانونا ، أو العاصفة التي تقذف بإنسان على آخر فيقتله أو يصيبه بجروح .
كما قد يكون مصدر الإكراه قوة ناشئة عن فعل حيوان كالحصان الذي يجمح براكبه بحيث لا يقوى على كبح جماحه فيصيب إنسانا بجراح أثناء هروبه . وقد يكون مصدر الإكراه قوة ناشئة عن فعل إنسان كمن يهدد بسلاح ناري أمين صندوق البنك ، و يرغمه على تسليم المال المودع به . أو ذلك الذي يحبس الشاهد لمنعه من الذهاب إلى المحكمة لأداء الشهادة .
و قد يكون مصدر الإكراه من فعل السلطات العامة و لذلك حكم في فرنسا ببراءة المتهم من جريمة عدم الذهاب إلى الخدمة العسكرية بناء على طلب السلطات المختصة لأنه كان محبوسا على ذمة قضية أخرى .
* الإكـراه الــداخلي : ينتج الإكراه أثره و لو كانت القوة التي أثرت على إرادة الفاعل مصدرها داخلي متصل به ، متى كان من المستحيل مقاومتها و يتعلق الأمر هنا بقوة تنشأ عن سبب ذاتي ملازم لشخص الجاني نفسه .
و قد أخذ القضاء الفرنسي بالإكراه المادي ذي المصدر الداخلي في قضية راكب قطار غلبه النعاس في سفر طويل من كثرة التعب فجاوز المسافة التي دفع أجرها (2) . و مثال
الإكراه الداخلي كذلك أن يصاب سائق السيارة بإغماء مفاجئ غير متوقع لا توجد
________________________
1)- د/ محمد علي السالم عياد الحلبي ، شرح قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 393 .
2)- د / فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، المرجع السابق ، ص 157 .
أسباب ظاهرة تدل عليه فيصدم إنسانا و يقتله أو يصيبه بجروح .
و قد استقر القضاء الفرنسي على أن المرض من قبيل القوة القاهرة التي تمحوا إرادة الفاعل و تمنع مسؤوليته الجزائية ، إذا بلغ من الجسامة حدا يمنع المريض من الوفاء بالالتزامات التي يفرضها عليه القانون ، و تطبيقا لذلك قضي ببراءة المتهم في جريمة هجر العائلة بسبب إصابته بمرض في القلب منعه من ممارسة عمله ، و الحصول على الدخل الذي ينفق منه على أسرته (1) .
جـ - المقارنة بين الإكراه المادي و الحالات المشابهة .
* الإكراه المفاجئ و الحادث المفاجئ :
الحادث المفاجئ عامل طارئ يتميز بالمفاجأة أكثر مما يتميز بالعنف يجعل جسم الإنسان أداة للجريمة دون اتصال إرادي بين هذه الجريمة ، و نفسية الفاعل فينتفي الركن المعنوي إلا أنه لا يمحو الإرادة ، بل و لا يجردها من التمييز و حرية الاختيار . و لكن يزيل عنها القصد و الخطأ .
كما يختلف الحادث المفاجئ عن الإكراه المادي في أنه قد يكون فعل الطبيعة أو فعل إنسان في حين أنه في الإكراه المادي غالبا ما يكون من فعل إنسان .
* الإكراه المادي و القوة القاهرة :
من الفقهاء من يعتبر أن القوة القاهرة و الإكراه المادي تعبيران مترادفان ، و لكن تخصص أحيانا دلالة الإكراه المادي فتقتصر على حالة ما إذا كانت القوة إنسانية ، أما سائر حالتها كالقوة الطبيعية ، أو قوة الحيوان ، فيطلق عليها تعبير القوة القاهرة (2) .
فلا جدوى تذكر من التفرقة بينهما سوى القول بأن الإكراه المادي يتم بواسطة الإنسان في حين تتم القوة القاهرة بواسطة الحيوان أو الطبيعة ، ففي الإكراه المادي نجد الشخص المسؤول عن الجريمة و هو من قام بأعمال الإكراه في حين أنه لا جريمة في حالة القوة القاهرة لغياب الإنسان الذي يمكن أن تنسب إليه الجريمة (3).
و يمكن القول أن الإكراه المادي يتفق مع كل من القوة القاهرة و الحادث المفاجئ على ________________________
1)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " المرجع السابق ، ص 158 .
2)- د/ كامل السعيد ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، المرجع السابق ، ص 549 .
4)- د / عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات الجزائري " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 310 .
أنها جميعا من قبيل السبب الأجنبي الذي يحول دون التعويض ، فالمسؤولية المدنية تنتفي في حالة تحقق السبب الأجنبي حسب المادة ( 127 قام ) .
2- الإكراه المعنوي .
أ- تعريف الإكراه المعنوي :
يرى بعض الفقهاء أن الإكراه المعنوي " قوة إنسانية تتجه إلى نفسية الإنسان دون أن تقبض على جسمه ، فتحمل هذه النفسية كرها على إرادة الجريمة " (1) .
في حين يرى البعض الآخر انه " الضغط على إرادة شخص لحمله على ارتكاب الجريمة و يتمثل هذا الضغط في الإنذار بشر إذا لم يرتكب المكره الجريمة المطلوبة " (2)
و يرى الدكتور رمسيس بهنام أنه " ينتج الإكراه المعنوي من ضغط يمارس على إرادة الفاعل بسبب خارجي " أو سبب ذاتي " كالعاطفة و الهوى " .
و يختلف الإكراه المعنوي عن الإكراه المادي من ناحية أن الإكراه المادي ينصب على جسم المكره بينما الإكراه المعنوي يتجه إلى نفسيته .
و من ناحية أن الإكراه المادي تنعدم فيه إرادة الشخص كليا بينما الإكراه المعنوي فلا تنعدم فيه إرادة الشخص بل تفتقر فحسب إلى الحرية كمن يهدد آخر بإنزال الأذى به إذا لم يرتكب جريمة سرقة (3) . و مثاله أيضا أن يهدد شخص شخصا آخر بإطلاق النار عليه إن لم يطلق هو النار على شخص ثالث بجواره . أو أن يستعمل العنف بشكل لا يبلغ حد السيطرة على أعضاء المكره و تحريكها لارتكاب الجريمة كأن يحبسه و يعذبه
و يهدده باستمرار ذلك .
و للإكراه المعنوي صورتان نتطرق إليهما فيما يلي :
ب- صور الإكراه المعنوي : الإكراه المعنوي شأنه شان الإكراه المادي قد يكون خارجيا أو داخليا .
* الإكراه الخارجي : و يتمثل أساسا في التهديد و الاستفزاز الصادر عن الغير و في كلتا ________________________
1)-د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام " ، مرجع سابق ، ص 149 .
2)- د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " المرجع السابق ، ص 165 .
3)- د/ محمد زكي أبو عامر ، القسم العام من قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 496 .
الحالتين لا يؤخذ به كمانع للمسؤولية إلا إذا بلغ تأثيره الحد الذي يرغم المكره على سلوك الجريمة .
و يجب أن تكون التهديدات الصادرة عن الغير غير مشروعة . حيث قضي في فرنسا أن هيبة الابن من الأب ، وهيبة الزوجة من الزوج ، و هيبة الخادم من مستخدمه لا تنف المسؤولية .
الإكراه الــداخلي : و يتعلق الأمر هنا بتأثير العواطف و الهوى . و لا يؤخذ بهذا النوع من الإكراه كسبب لانتفاء المسؤولية الجزائية إلا إذا قضى نهائيا على إرادة الفاعل و في هذه الحالة لا نكون أمام مجرد إكراه معنوي بل الإكراه المادي أو الجنون .
و غالبا ما يكون الإكراه المعنوي سببا لتخفيف العقوبة دون أن يصل الأمر إلى الحكم بانتفاء المسؤولية (1) .
و بعد تعريف الإكراه و التطرق إلى أنواعه و صور كل نوع نتطرق فيما يلي إلى شروطه .
ثالثا : شروط الإكراه .
يخضع الإكراه المادي و المعنوي لذات الشروط من أن يكون السبب المكره غير متوقع و أن يكون مستحيلا دفعه . مع الأخذ بعين الاعتبار أن القوة المكرهة في الإكراه المعنوي غالبا ما تكون قوة إنسانية توجه إلى مشاعر الإنسان المكره متمثلة في خوفه على روحه أو حياة ولده أو عرض زوجته أو ما شابه ذلك (2).
و من ثم لا يجد الشخص المكره أمامه سوى ارتكاب الجريمة لدرء الخطر الجسيم ،الحال المهدد للنفس . و إذا ثبت أنه كان من الممكن اتخاذ سلوك آخر غير الجريمة فان مسؤوليته لا تنتف و فيما يلي نركز على شرطي عدم إمكانية التوقع
و استحالة الدفع .
1- عدم إمكانية التوقع : يجب أن يكون سبب الإكراه غير متوقع لأن الشخص إذا توقع الفعل لزم عليه تجنبه فلا يعد مكرها ، و هذه مسألة موضوعية يستخلصها قاضي الموضوع بحسب ظروف كل حــالة .
________________________
1)- د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 175 .
2)- د/ ممدوح عزمي ، دراسة عملية في أسباب الإباحة و موانع العقاب ، مرجع سابق ، ص 64 .
كأن يمتطي شخص جوادا و هو على علم بأنه جامح و يعلم أنه غير قادر على السيطرة عليه فيحجز عن السيطرة عليه فيصيب شخصا فيقتله فلا يعد مكرها .
2- استحالة الدفع : هو شرط منطقي باعتبار أن الإكراه يعدم الإرادة . فإذا كان ممكننا دفعه يمتنع القول بانعدام الإرادة . فامتناع المسؤولية بالإكراه مناطه أن يلغي الاختيار بالقوة و هذا لا يتحقق إذا كان المكره بوسعه مقاومتها (1).
كأن يقيد أحد المساهمين في الجريمة شاهدا لمنعه من الإدلاء بشهادته و على الرغم من ذلك كان في وسع هذا الشاهد الهرب إلا أنه لم يفعل فلا يكون مكرها على التخلف عن أداء شهادته .
فإذا كان في وسع المكره أن يدفع مصدر الإكراه بعد وقوعه ، و التخلص منه بأي وسيلة ، و لم يفعل فلا يعد مكرها على أي فعل مجرم يرتكبه (2) .
و نشير إلى أن استحالة الدفع تحدد بمعيار شخصي محض ، مؤداه قوة الشخص المكره نفسه وهل بوسعه في ظروفه ، و حالته الصحية ، و النفسية ، و جنسه و ظروف ارتكاب الجريمة و التهديد أن يقاوم القوة المهدد بها . بصرف النظر عن قياس ذلك بالنسبة للشخص العادي لان العبرة بمدى تأثير القوة المكرهة في نفسية المكره (3) .

______________________
1)- د/ محمد زكي أبو عامر ، القسم العام من قانون العقوبات ، مرجع سابق ، ص 497 .
3)- د/ ممدوح عزمي ، دراسة عملية في أسباب الإباحة و موانع العقاب ، مرجع سابق ، ص64 .
1)-د/ نظام توفيق المجالي ، شرح قانون العقوبات " القسم العام" ، مرجع سابق ، ص 411 .

BOKALI غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 07:57   #6
BOKALI
المشرف العام

الصورة الرمزية BOKALI


تاريخ التسجيل: Jun 2010
الدولة: Algeria / Ain Defla
المشاركات: 476
مقالات المدونة: 11
BOKALI will become famous soon enough

الاوسمة

افتراضي رد: أسبـاب الإبــاحةو مــوانع المسؤوليــة

الخـــاتمة :
إن أسباب الإباحة ظروف موضوعية تطرأ وقت ارتكاب الفعل المجرم ، و بتوافرها ينتفي الوصف الإجرامي عن الفعل ، و بالتالي فان هذه الأسباب تعمل على إعدام الركن الشرعي في الجريمة فتخرج الفعل من دائرة التجريم إلى دائرة الإباحة .
و تضم أسباب الإباحة بحسب طبيعتها أمر و إذن القانون ، و الدفاع الشرعي ، و رضا المجني عليه كسبب إباحة أقره القانون المقارن .
و بما أن الأصل في الأفعال الإباحة بينما الاستثناء هو التجريم ، و القياس على الاستثناء غير جائز ، فانه لا يجوز القياس في قواعد التجريم بينما يصح ذلك بالنسبة للقواعد المعفية التي ليست سوى تعبيرا عن الأصل العام في الإباحة ، و من ثم يمكن القول بجواز القياس في أسباب الإباحة .
و إن كان الأصح أنها وردت على سبيل الحصر للمثال إذ نجد أن المشرع الجزائري مثلا لم يعين الجرائم التي تباح بأمر القانون أو إذنه . فالقانون يأمر و يأذن بأفعال لا يمكن حصرها .
و إذا بحثنا عن أثر اقتران أسباب الإباحة بالفعل المجرم نقول أن أسباب الإباحة تؤدي إلى تعطيل الركن الشرعي في الجريمة ، و بالتالي إنتفاء هذه الأخيرة و من ثم لا تترتب عنها أي مسؤولية سواء كانت مسؤولية جزائية أو مدنية .
و ما يلاحظ على النصوص القانونية المنظمة لأسباب الإباحة في قانون العقوبات الجزائري أنها وردت عامة . ففي أمر القانون و إذنه مثلا لم يحدد المشرع الجزائري تطبيقات إذن القانون الشائعة كما فعل المشرع الأردني ، و لم يحدد المكلف بتنفيذ أمر القانون . و فيما يتعلق بالدفاع الشرعي نجد انه لم ينص على أحكام تجاوز حدود الدفاع الشرعي كما فعل المشرع المصري لأهميتها في تحديد مسؤولية الجاني و ضمان حق المجني عليه . كما قصر الدفاع الشرعي على الشخص الطبيعي دون الشخص المعنوي على خلاف المشرع الأردني الذي نص في المادة 60 قاع « يستوي في الحماية الشخص الطبيعي و الشخص المعنوي » . إذ أنه يجوز استخدام العنف لصد مؤامرة في مرحلة الإعداد إذا كانت تستهدف أمن الدولة باعتبار الدولة شخص معنوي تصح المدافعة عنه ، كما أن امتناع الموظف عن الوفاء بشيك دون رصيد هو بمثابة دفاع شرعي عن البنك.
كما لم يحسم المشرع الجزائري موقفه بصراحة من رضا الجني عليه في قانون العقوبات كما فعلت جل التشريعات العربية و الأجنبية . و ان كان قد أخذ به في مواضع متفرقة في قانون العقوبات و القوانين المكملة له .
لذلك يجب تحديد ضوابط هذه الأسباب بدقة ، و عدم تجاوز الحدود المرسومة لها لان ذلك يعد تجاوزا على القانون و الحقوق التي يحميها . مما يستلزم إعادة النظر في الأحكام المتعلقة بأسباب الإباحة ، لضرورة التأكد من صواب التمسك بهذه الأسباب كظروف موضوعية قد ترافق الجريمة ، حتى لا يفتح المجال واسعا أمام المتذرعين بها للحصول على التخفيف من العقوبة ، إن لم يكن التبرير المطلق .
كما أن هناك حالات أخرى تتشابه و حالات أسباب الإباحة هي موانع المسؤولية هذه الحالات تتعلق بالركن المعنوي للجريمة و هي ظروف شخصية مرتبطة بمرتكب الجريمة تجعل إرادته غير معتبرة قانونا بتجريدها من التمييز ، و حرية الاختيار مما يؤدي الى انتفاء المسؤولية الجزائية .
و استنادا إلى المقررات العلمية الجنائية الحديثة أصبحت هذه الموانع توزع بحسب طبيعتها على الوجه التالي ، أسباب باتولوجية ( الجنون ) ، و أسباب نفسية
( الإكراه ) ، و أسباب موضوعية ( الضرورة ) ، و أسباب عارضة ( الغيبوبة ) .
و نظرا للطبيعة الشخصية لموانع المسؤولية فلا يستفيد منها إلا من توافرت فيه ، كما أن موانع المسؤولية لا تؤدي إلى انتفاء الصفة الإجرامية للفعل و إنما ينحصر دورها في نفي المسؤولية الجزائية عن الفاعل متى توفرت شروطها ، إلا أن ذلك لا يحول دون تطبيق تدابير الأمن اتجاه مرتكب الجريمة متى ثبتت خطورته الإجرامية .
و ما يلاحظ على النصوص القانونية المنظمة لموانع المسؤولية كذلك أنها وردت عامة
و مختصرة ، فنجد أن المشرع الجزائري مثلا لم يفرد نصا خاصا لحالة الضرورة و إنما أدرجها ضمن حالة الإكراه ضمنيا ، كما أنه لم يحدد شروط كل حالة كما فعل مع حالة الدفاع الشرعي ، و لم يحدد الطبيعة القانونية لحالة الضرورة فلا هو أدرجها ضمن أسباب الإباحة و لا هو أدرجها ضمن موانع المسؤولية ، و إن كان يأخذ بها في كثير من المواضع كسبب لامتناع المسؤولية .
كما أنه لم يتحدث عن حكم السكر و اكتفى بالقول أنه ظرف مشدد في بعض الجرائم إلا أن القواعد العامة تقتضي بأن يكون السكر الاضطراري مانعا للمسؤولية ، لأنه يؤدي إلى انعدام التمييز ، و حرية الاختيار دون دخل لإرادة الشخص في ذلك .
و الشخص لا يسأل عن الأفعال التي يأتيها إلا إذا كان مدركا لها ، و حرا في اختيارها
و بصفة عامة نقول أن توافر أسباب الإباحة بشروطها يؤدي إلى نفي الجريمة
و العقوبة المقررة لها بكل صورها و المسؤولية المدنية عنها ، بالنسبة لكل من شارك في الجريمة . و إن قيام مانع من موانع المسؤولية يؤدي إلى أنه لا جريمة عمدية ، و لا مسؤولية جزائية عمدية ، مع إمكانية تطبيق تدابير الأمن في الحالات التي تتطلب ذلك مع قيام المسؤولية المدنية في الحدود التي يقررها القانون . بالنسبة للشخص الذي توافر فيه المانع دون أن يمتد أثرها إلى من ساهم معه في ارتكاب الفعل المجرم فإذا كان الملف على مستوى النيابة العامة وجب عليها حفظه ، و إذا كان على مستوى جهات التحقيق وجب عليها إصدار أمر بألا وجه للمتابعة ، و إذا كان على مستوى المحكمة وجب على القاضي إصدار حكم ببراءة المتهم .

تمت بحمد الله
BOKALI غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 07:59   #7
BOKALI
المشرف العام

الصورة الرمزية BOKALI


تاريخ التسجيل: Jun 2010
الدولة: Algeria / Ain Defla
المشاركات: 476
مقالات المدونة: 11
BOKALI will become famous soon enough

الاوسمة

افتراضي رد: أسبـاب الإبــاحةو مــوانع المسؤوليــة

فهرس المـــراجع

القــرآن الكريم
i- المـــراجع العــامة :
1- د- أبو الروس أحمد ، القصد الجنائي و الشروع و علاقة السببية و الدفاع الشرعي الطبعة لا توجد ، مصر ، دار المكتب الجامعي الحديث ، سنة 2001
2- أبو عامر محمد زكي ، القسم العام من قانون العقوبات ، الطبعة لا توجد مصر دار الجامعة الجديدة ، سنة 2002 .
3- د/ الزغبي فريد ، المسؤولية الجزائية ، المجلد الرابع و الخامس ، الطبعة الثالثة لبنان ، دار صادر ، سنة 1995 .
4- د/ القهوجي عبد القادر ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، الطبعة لا توجد مصر ، دار المطبوعات الجامعية ، سنة 1997 .
5- د/ المشهداني محمد أحمد ، الوسيط في شرح قانون العقوبات " القسم العام " الطبعة الأولى ، مؤسسة الوراق ، سنة 2003 .
6- د/ المجالي نظام توفيق ، شرح قانون العقوبات " القسم العام" ،الطبعة الأولى الأردن دار الثقافة ، سنة 2005 .
7- د/ السعيد كامل ، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات ، الطبعة الأولى ، الأردن دار الثقافة ، سنة 2002 .
8- د/ الشاذلي فتوح عبد الله ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " الطبعة لا توجد مصر ، ديون المطبوعات الجامعية ، سنة 2003 .
9- د/ الشورابي عبد الحميد ، المسؤولية الجنائية في قانون العقوبات و الإجراءات الجنائية ، الطبعة لا توجد ، مصر ، دار الجامعة الجديدة ، سنة 1998
10- د/ الجوهري كمال عبد الواحد ، حكم البراءة في القضايا الجنائية ، الطبعة الأولى مصر ، دار محمود ، سنة 2006 .
11- د/ بوسقيعة أحسن ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، الطبعة الثانية ، الجزائر دار هومه ، سنة 2004 .
12- د/ حسني محمود نجيب ، شرح قانون العقوبات اللبناني " القسم العام " الطبعة لا توجد ، لبنان ، دار النهضة ، سنة 1968 .
13- د/ سليمان علي علي ، النظرية العامة للالتزام ، الطبعة الخامسة ، الجزائر ديوان المطبوعات الجامعية ، سنة 2003 .
14- د/ سليمان عبد الله ، شرح قانون العقوبات الجزائري " القسم العام " ، الجزء الأول ، الطبعة لا توجد ، الجزائر ، ديوان المطبوعات الجامعية ، سنة 1998
15- د/ عبد المنعم سليمان ، النظرية العامة لقانون العقوبات ، الطبعة لا توجد ، مصر دار الجامعة الجديدة ، سنة 2000 .
16- د/ عالية سمير ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، الطبعة لا توجد ، مصر المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر ، سنة 1994 .
17- د/ عياد الحلبي محمد علي سالم ، شرح قانون العقوبات " القسم العام " ، الطبعة لا توجد ، الأردن ، مكتبة الثقافة للنشر و التوزيع ، سنة 1997 .
18- د/ عوض محمد عوض ،شرح قانون العقوبات " القسم العام "، الطبعة لا توجد مصر ، دار الجامعة الجديدة ، سنة 2000 .
19- د/ فودة عبد الحكم و د/ الدميري سالم حسين ، الطب الشرعي و جرائم الاعتداء على الأشخاص و الأموال ، مصر ، دار المطبوعات الجامعية ، سنة 2004 .
20- د/ قورة عــادل ، محاضرات في قانون العقوبات " القسم العام "، الطبعة الرابعة ، الجزائر ، ديوان المطبوعات الجامعية ، سنة 1994 .
21- د/ مروان محمد ، نظام الإثبات في المواد الجنائية في القانون الوضعي الجزائري الجزء الأول ، الطبعة لا توجد ، الجزائر ، ديوان المطبوعات الجامعية ، سنة 2000 .
22- د/ محمود مصطفى محمود ، شرح قانون العقوبات " القسم العام "، الطبعة الرابعة مصر ، دار النهضة العربية ، سنة 1974 .
Ii- المـــراجع المتخصصة .
الكتب :
1- د/ الزيتي محمود محمد عبد العزيز ، الضرورة في الشريعة الإسلامية و القانون الوضعي ، الطبعة لا توجد ، مصر ، مؤسسة الثقافة الجامعية ، سنة 1991 .
2- د/ صبحي نجم محمد ، رضا المجني عليه و أثره على المسؤولية الجزائية الطبعة لا توجد ، مصر ، ديوان المطبوعات الجامعية ، سنة 1975 .
3- د/ عبد التواب محمد السيد ، الدفاع الشرعي في الفقه الإسلامي ، الطبعة الأولى مصر ، دار الهدي ، سنة 1983 .
4- د/ عزمي ممدوح ، دراسة عملية في أسباب الاباحة و موانع العقاب ، الطبعة لا توجد ، مصر ، دار الفكر الجامعي ، سنة 2004 .
5- د/ فودة عبد الحكم ، امتناع المسائلة الجنائية في ضوء الفقه و قضاء النقض الطبعة لا توجد ، مصر دار الجامعة الجديدة ، سنة 2005 .
المــقالات :
1- مقال صحفي مأخوذ من جريدة الخبر ، القانون الجزائري يخدم الأحداث ، العدد 117 ، 22 -04-2007 .
Iii- النصوص القانونية :
1- الدستور الجزائري الصادر في 28 نوفمبر 1996 ، الجريدة الرسمية العدد 61 .
2- تقنين العقوبات الصادر بالأمر 66-156 المؤرخ في 18 صفر 1386 الموافق لـ8 يونيو 1966 المعدل بالأمر 04-15 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004 .
3- تقنين الإجراءات الجزائية الصادر بالأمر 66-155 المؤرخ في 18 صفر 1386 الموافق لـ8 يونيو 1996 المعدل بالأمر رقم 04-14 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004 .
4- التقنين المدني الصادر بالأمر رقم 75-58 المؤرخ في 20 رمضان 1395 الموافق لـ26 سبتمبر 1975 المعدل بالأمر رقم 05-10 المؤرخ في 20 يونيو 2005 .
5- التقنين الأساسي العام للوظيفة العمومية الصادر بالأمر رقم 06-03 المؤرخ في 19 جمادي الثانية 1427 الموافق لـ 15 يونيو 2006 .
6- تقنين الإجراءات المدنية الصادر بالأمر رقم 66-154 المؤرخ في 18 صفر 1386 الموافق لـ8 يونيو 1966 المعدل بالأمر 01-50 المؤرخ في 22 ماي 2001 .
7- تقنين الصحة الصادر بالأمر رقم 85-05 المعدل بالأمر رقم 90-07 .
BOKALI غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-01-2011, 08:15   #8
n-chahrazed
عضو

الصورة الرمزية n-chahrazed


تاريخ التسجيل: Sep 2009
المشاركات: 144
n-chahrazed will become famous soon enough
افتراضي رد: أسبـاب الإبــاحةو مــوانع المسؤوليــة



شكرا جزيلا لك على هذا الموضوع و جزيت كل خير على هذا المجهود الرائع
n-chahrazed غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-11-2011, 10:55   #9
youcef66dz
عضو ممتاز

الصورة الرمزية youcef66dz


تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجزائر
المشاركات: 3,820
مقالات المدونة: 14
youcef66dz will become famous soon enoughyoucef66dz will become famous soon enough

الاوسمة

افتراضي رد: أسبـاب الإبــاحةو مــوانع المسؤوليــة

بارك الله فيك ... سلمت يداك .
youcef66dz غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-12-2011, 03:27   #10
kadibouriah
عضو جديد



تاريخ التسجيل: Dec 2011
المشاركات: 1
kadibouriah will become famous soon enough
افتراضي رد: أسبـاب الإبــاحةو مــوانع المسؤوليــة

Read more: منتديات الحقوق و العلوم القانونية - الرد على المشاركة عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]

لية سواء كانت مسؤولية جزائية أو مدنية .
و ما يلاحظ على النصوص القانونية المنظمة لأسباب الإباحة في قانون العقوبات الجزائري أنها وردت عامة . ففي أمر القانون و إذنه مثلا لم يحدد المشرع الجزائري تطبيقات إذن القانون الشائعة كما فعل المشرع الأردني ، و لم يحدد المكلف بتنفيذ أمر القانون . و فيما يتعلق بالدفاع الشرعي نجد انه لم ينص على أحكام تجاوز حدود الدفاع الشرعي كما فعل المشرع المصري لأهميتها في تحديد مسؤولية الجاني و ضمان حق المجني عليه . كما قصر الدفاع الشرعي على الشخص الطبيعي دون الشخص المعنوي على خلاف المشرع الأردني الذي نص في المادة 60 قاع « يستوي في الحماية الشخص الطبيعي و الشخص المعنوي » . إذ أنه يجوز استخدام العنف لصد مؤامرة في مرحلة الإعداد إذا كانت تستهدف أمن الدولة باعتبار الدولة شخص معنوي تصح المدافعة عنه ، كما أن امتناع الموظف عن الوفاء بشيك دون رصيد هو بمثابة دفاع شرعي عن البنك.
كما لم يحسم المشرع الجزائري موقفه بصراحة من رضا الجني عليه في قانون العقوبات كما فعلت جل التشريعات العربية و الأجنبية . و ان كان قد أخذ به في مواضع متفرقة في قانون العقوبات و القوانين المكملة له .
لذلك يجب تحديد ضوابط هذه الأسباب بدقة ، و عدم تجا
kadibouriah غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة




الساعة الآن 10:50


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات
بدعم من شركة طريق النيل - NILEWAY INC
جميع المشاركات والمواضيع المطروحة لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها

Security team