الحقوق و العلوم القانونية‎

الرئيسية لوحة التحكم مشاركات اليوم اتصل بنا الارشيف

عودة   الحقوق و العلوم القانونية > القسم البيداغوجي > منتدى السنة الاولى LMD > المؤسسات و العلاقات الدولية

ملاحظات

محاضرات في مقياس المؤسسات والعلاقات الدولية لطلبة السنة أولى حقوق ل م د (01)

محاضرات في مقياس المؤسسات والعلاقات الدولية لطلبة السنة أولى حقوق ل م د (01)

محاضرات في مقياس المؤسسات والعلاقات الدولية لطلبة السنة أولى حقوق ل م د . مقدمة الجذور التاريخية والفكرية التي سبقت نشأة القانون الدولي العلاقات الدولية ثمرة مساع مشتركة قامت

إضافة رد
المشاهدات 22986 التعليقات 5
 
أدوات الموضوع طريقة العرض
youcef66dz
قديم 27-06-2011 ~ 01:44
youcef66dz غير متصل
افتراضي محاضرات في مقياس المؤسسات والعلاقات الدولية لطلبة السنة أولى حقوق ل م د (01)
  مشاركة رقم 1
 
الصورة الرمزية لـ youcef66dz
 
عضو ممتاز
تاريخ الانتساب : Oct 2009
youcef66dz سيحقق الشهرة بما فيه الكفاية قريباًyoucef66dz سيحقق الشهرة بما فيه الكفاية قريباً

الاوسمة



محاضرات في مقياس المؤسسات والعلاقات الدولية لطلبة السنة أولى حقوق ل م د .
مقدمة
الجذور التاريخية والفكرية التي سبقت نشأة القانون الدولي
العلاقات الدولية ثمرة مساع مشتركة قامت بها الشعوب قديماً
قانون الشعوب ارتضته الدول لتنظيم العلاقة فيما بينها في السلم والحرب
ثلاثة قرون هي عمر نشأة القانون الدولي إثر المنازعات الأوروبية
● العلاقات الدولية هي ثمرة مساع مشتركة قامت بها الشعوب قديما وفرضتها عليها المنازعات والمصالح التجارية، ومنها انبثق ما يسمى بالقانون الدولي ومن ثم تفرع إلى قانون دولي عام وخاص بمفهومه الواسع حديثا.
وكما تسرد الدراسة التالية أن نشأة القانون الدولي تمتد تاريخيا فقط من ثلاثة قرون وبالطبع سبقته العلاقات الدولية بين الدول بعضها ببعض.. الأمر الذي يؤكد فطرة الله التي خلق الناس عليها وهي حاجتهم لبعضهم البعض مهما تعددت مصالحهم واختلفت مشاربهم وتناقضت أهواؤهم.. إلا أن الفطرة البشرية هي الغالبة عليهم ولهذا لابد من تنظيم هذه العلاقة. والدراسة التالية تحكى قصة نشأة العلاقات الدولية ومن ثم القانون الدولي..
عندما خلق الله تعالى الإنسان جعل فيه نوعا من النزوع إلى الحياة مع الآخرين والالتقاء بهم، إذ أنه لا يستطيع أن يعيش منعزلا بمفرده عن بني جنسه، يستوي في ذلك الأفراد والجماعات والدول. ومن هنا نشأت العلاقات بين الأمم البشرية، بل وحتى بين الأمم غير البشرية، حيث قال سبحانه وتعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) الأنعام 38.
وقد جعل الله تعالى الناس شعوبا وقبائل وميَّز بينهم ليكون هذا التمايز سببا للتعارف والتعاون، فقال: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) الحجرات 13.
ومن هنا كان للأمم في علاقاتها مع غيرها قواعد مرعية ومبادئ تعارفت عليها منذ العصور الغابرة، وعليها أقامت أساس العلاقات في حالي السلم والحرب حتى قال مونتسكيو: «ما من أمة إلا ولها في حقوق الدول نظام، حتى قبائل إركوا ـ في أمريكا الشمالية ـ الذين يأكلون أسراهم لهم نظام من هذا القبيل! فإنهم يرسلون رسلهم ويستقبلون رسل غيرهم، ويعرفون أحكام السلم والحرب. ولكن من سوء أمرهم أن نظام حقوقهم غير مبني على الصحيح من الأصول».
وقال بعض الكاتبين: « إن مجرد تعايش الشعوب جنبا إلى جنب يخلق في نفوسها شعورا بالواجب الخلقي والشرعي يتبلور ويستحيل على مرِّ الزمن إلى نظام من القانون الدولي».
فالعلاقات الدولية والقانون الدولي ثمرة المساعي المشتركة التي تقوم بها الشعوب وتتعاقب عليها الأجيال. ويكفي أن توجد جماعتان حتى تشتبك بينهما المصالح، وتضطرهما إلى التعامل والتعاقد قواعد وتقرير قواعد الحرب والسَّلم، فلذلك ترى الأوضاع الدولية ـ على رغم ما فيها من ضعف ظاهر ـ قليلة التحول، كثيرة التشابه، ولابد لكل جماعة ذات كيان أن تحرص على توثيق عُرى الصلات بمجاوريها، وأن تحافظ بقدر ما تستطيع في صلاتها على المبادئ الشريفة والقواعد العادلة، التي يحترمها ـ في الغالب ـ أهل العصر، ويوحي بها الوجدان والعقل.
وجدت هذه القواعد بوجود الجماعات الإنسانية ذاتها، وقبل أن تكتسب صفة الدولة كما يعرفها القانون الدولي الحديث، فكان ذلك بداية لنشأة العلاقات الدولية أو القانون الدولي العام، على تسامح في التعبير، لأن القانون الدولي بمعناه الحديث لا يتجاوز عمره ثلاثة قرون منذ أواسط القرن السابع عشر الميلادي على إثر المنازعات الأوربية التي انتهت بإبرام معاهدة وستفاليا سنة (1648م) والتي تعتبر فاتحة عهد جديد للعلاقات الدولية والنقطة التي يبدأ عندها تاريخ القانون الدولي في وضعه الحالي، حيث نشأ ـ في الأصل ـ في أوربا ثم امتدَّ سلطانه خارجها إلى الدول التي اعتنقت المدنية الأوربية. ولذلك كان القانون الدولي ظاهرة حديثة ذات جذور بعيدة موغلة في القدم.
وقد كان الكاتبون الغربيون الذين يبدؤون البحث في القانون الدولي يتلمسون طريقهم وسط الإبهام والغموض اللَّذَيْن يرافقان معظم حقول البحث الجديدة. وكان الإبهام الذي اتصف به القانون الدولي في بداية نشأته ظاهرا بوجه خاص في النظريات المشوشة التي اعتمدت لتفسير طبيعته ومصادره. ثم بسبب انعدام القوة القهرية الكافية لتأمين احترام القواعد الدولية ومحدودية المخاطبين بأحكامها، تردّد بعض الكتاب حتى في إعطاء صفة القانون الإلزامي لمثل هذه القواعد.
ولذلك نجد ضرورة لدراسة التطور في العلاقات الدولية بين الأمم والشعوب في الحضارات القديمة ثمَ ما يليها من العصور حتى نصل إلى العصر الحديث، لأن ذلك ضروري لفهم قواعد العلاقات والتعرف على حوادثها التاريخية وكيفية وقوعها وأسبابها، لئلا نقبل قواعد على أنها حقة لا تقبل المناقشة، وهي في الواقع مخالفة له، وقابلة للرد ومن الواجب العمل على إلغائها واستبدالها.
العلاقات الدولية في العصور القديمة
يقصد بالعصور القديمة تلك الحقبة الزمنية الممتدة منذ اكتشاف الإنسانية الكتابة، المعتبر بداية التاريخ، إلى انقسام الإمبراطورية الرومانية في عام (395) أو إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام (476م).
ويرجع بعض الشراح من القانونيين في بحثهم التاريخي عن أصول العلاقات الدولية في العصور القديمة إلى الشعوب الآسيوية والإفريقية، حيث ازدهرت المدنيات الكبرى على التوالي في مصر وسوريا و قرطاجة وبلاد اليونان وروما، وكلها على البحر المتوسط، وقد كشفت آثار بابل وآشور ومصر والصين والهند عن قيام علاقات دولية ووجود عدد من القواعد التي كانت تحكم هذه العلاقات.
(أ) ففي مصر: أبرم رمسيس الثاني معاهدة صلح مع ملك الحيثيين في شمال سوريا في آسيا الصغرى، في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، بقصد إقامة سلام دائم وتحالف وصداقة وتبادل تجاري. كما نصت المعاهدة على تسليم المذنبين على ألا توقع عليهم عقوبات معينة. وكان ذلك حينما أغار خيتا ملك الحيثيين على حدود مملكة فرعون في سورية، فهزمه رمسيس وطلب خيتا الصلح واقترح شروطا سلَّم فيها بكل ما طلبه رمسيس، وكتبه باللغة الهيروغليفية في نسختين على صحائف من الفضة وأرسلها مع الهدايا إلى فرعون مصر.
كما نجد في الوثائق التاريخية التي تحدثت عن المصريين والبابليين القدماء نصوصا لاتفاقات ومعاهدات عقدت مع جيرانه تتعلق بقضية مياه الأنهار المشتركة وحق كل دولة منها باستهلاك الماء وتسوية الخلافات حول الحدود وتبادل الأسرى.
(ب) وأما في مملكة الحيثيين، التي ظهرت قبل الميلاد بسبعة عشر قرنا: فقد أظهرت الكشوف الحديثة في بداية القرن العشرين وثائق غنية بالمعلومات عن هذه المملكة التي كان لها دور في أحداث آسيا الصغرى وما جاورها، في مرحلة من تاريخ الإنسانية هامة، وقد كشفت الوثائق ما كان عندهم من نشاط دبلوماسي وافر، وكانت معاهداتهم مع مصر الفرعونية ـ كما تقدم ـ نوعا هاما من أنواعه. وكان الحيثيون يعتبرون العالم فيما وراء حدود بلادهم ـ وباستثناء من تربطهم بهم معاهدات يقوم على احترامها السلم المتبادل ـ دار حرب، للأقوى فيها أن ينال ما تَقْدِرُ جيوشه على تناوله، غُنْما مباحا، لا يحميه دونها قانونٌ مّا.
(ج) وكانت الصين ترسل البعثات الدبلوماسية للدول المجاورة، واحتوى قانون «مانو» الذي انتشر في الهند سنة ألف قبل الميلاد، على قواعد تتعلق بالعلاقات الدولية من حرب ومعاهدات وسفارات.
(د) أما اليهود، فقد كانت علاقتهم مع الآخرين ـ كالعمالقة ـ علاقة عداء لم تعرف السلم بأي حال. وعند القتال لم يقتلوا المحاربين وحدهم، بل أعملوا القتل في الشيوخ والنساء والأطفال في عقر دورهم، ففي سفر صموئيل «قال صموئيل لشاول: فالآن اذهب واضرب عماليق، وحرِّموا كل ماله، ولا تَعْفُ عنهم، بل اقتلهم رجلاً وامرأة، طفلا ورضيعا، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً».
وكانوا ينظرون ـ ولا يزالون ـ إلى الأمم الأخرى نظرتهم إلى شعوب وضيعة في سلَّم الإنسانية، وتضع نظمها وقوانينها على هذا الأساس، فيتم التفريق بين هؤلاء وأولئك أمام القانون وفي كثير من شؤون الاجتماع. فمن ذلك مثلا أن الإسرائيليين محرّم عليهم أن يقتل بعضهم بعضا وأن يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، على حين أنه مباح للإسرائيليين، بل واجب عليهم أن يغزوا الشعوب الأخرى و«أن يضربوا رقاب جميع رجالها بحدّ السيف ولا يُبْقٌوا على أحد منهم، وأن يسترقُّوا جميع نسائها وأطفالها، ويستولوا على جميع ما فيها من مال وعقار ومتاع أو ينهبوه نهباً».
ومن ذلك أيضا: أنه لا يجوز للإسرائيلي أن يتعامل بالربا مع أخيه الإسرائيلي، ولا أن يأخذ منه رهنا بدينه، أما غير الإسرائيلي فيجوز له أن يتعامل معه بأشنع أنواع الربا الفاحش.
وأما الشعوب الأخرى التي لم يكن بينها وبين اليهود عداء، فقد أقاموا معهم علاقات دولية واحترموا المعاهدات التي كانوا يبرمونها مع الشعوب الصديقة، وذلك نزولا على حكم الضرورة، أو التزاما بحكم الدين قبل أن يحرّفوه، حيث عقد سليمان عليه السلام مع حيرام ملك صور الفينيقي عهد سلام وتجارة، كانا فيه نِدَّيْن متكافئين. وكان ملوك إسرائيل ويهودا يعاهدون ملوك آرام في دمشق وغيرهم من أمراء الشام ومصر وجزيرة العرب. وفي هذا أيضا نجد في كتابهم ما يدل على ذلك كما في سفر التثنية، حيث جاء فيه:
«حين تقترب من مدينة (غير مدن الأعداء التقليديين) لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك. وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء الأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا (مدن غير الأعداء التقليديين) التي ليس من هؤلاء الأمم هنا (الأعداء التقليديين) وأما من هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة مّا».
(هـ) وأما اليونان: فقد بلغت شأواً عظيما في الفلسفة والعلوم والفنون والآداب في ذلك الوقت، وكان لهذا أثره في تنظيم العلاقات بين المدن اليونانية التي تشكل الوحدات السياسية الدولية، كأثينا وإسبارطة وتيرا وبولوني، وكانت علاقة هذه المدن ببعضها ـ إلى ما قبل الغزو المقدوني ـ على قدر كبير من الاستقرار، تسيطر عليها فكرة المصلحة المشتركة والرغبة في بقاء العلاقات الودية بحكم ما بينها من صلات الجنس واللغة والدين. وبسبب التكامل الاقتصادي الذي طبع علاقاتها. لذلك كانت تتبادل الممثلين، وتعقد الاتفاقات فيما بينها، وتشترك في المؤتمرات، وتقبل التحكيم في المنازعات في وقت السلم. أما في وقت الحرب فكانت تراعي قواعد معينة في إعلان الحرب ومعاملة الأسرى ودفن الموتى، وحرمة أماكن العبادة والأماكن التي تقام بها الألعاب الرياضية.
وأما الوجه الثاني، وهو علاقات هذه المدن بغيرها من البلاد غير اليونانية، فكان أساسه نظرة الاستعلاء والتفوق على سائر الشعوب الأخرى، لأنهم يعتبرون أنفسهم عصرا ممتازا، من حقهم استعباد الشعوب الهمجية ـ بنظرهم ـ والسيطرة عليها وإخضاعها، لأنها شعوب بربرية، لذلك يؤكد أرسطو أن الطبيعة قد قضت أن يكون البرابرة عبيدا، حيث قال: إنما الطبيعة وهي ترمي إلى البقاء هي التي خلقت بعض الكائنات للإمرة وبعضها للطاعة.
وعلى الرغم من أن أفلاطون قد نصح مواطنيه أن يكونوا أكثر تساهلا في معاملاتهم المتبادلة، إلا أنه لم يستسغ قطّ فكرة أن غير الإغريق يستحقون أي نصيب مما يقترح من معاملات أكثر ليناً أو تسامحاً. ولذلك كانت علاقتهم بغير الإغريق علاقات حروب وعداء، لا تخضع لأي قواعد أخلاقية، ولا تراعى فيها أي اعتبارات إنسانية.
وأَنَّى للوطنية الضيقة، التي كانت سائدة في اليونان، أن تقبل فكرة عالمية دولية! ولذلك كانت «الفكرة العالمية التي نطق بها بعض حكمائهم كسقراط وانسكاغوراس شاذة لم تنل أنصارا وانتصارا في اليونان، فكان نظام أرسطو طاليس الأخلاقي مبنيا على التمييز بين اليوناني وغير اليوناني، وكان حب الوطن يتقدم فضائل الأخلاق التي أجمع عليها حكماء اليونان، وأن أرسطو طاليس لم يكتف بحب وطنه والولاء له، بل قال: إن اليونانيين ينبغي لهم أن يعاملوا الأجانب بما يعاملون به البهائم، وقد راجت هذه الفكرة الوطنية الضيقة في الأوساط اليونانية وتغلغلت في الأحشاء، حتى لما قال فيلسوف إنه لا يخص مواطنيه بمواساته بل سيكون برُّه عاما لجميع اليونانيين، استشرفه الناس عجبا ونظروا إليه شزرا».
(و) الرمان: وبعد سقوط الحضارة الإغريقية، قام ورثتها الرومان فبسطوا سيطرة الإمبراطورية الرومانية على كل ما جاورها من البلاد وأخضعوها لحكمهم، فكانت بمثابة الدول التابعة، ولم يختلف الرومان كثيرا عن الإغريق في نظرتهم إلى ما سواهم من الشعوب، وفي ادعائهم التفوق والسيطرة على العالم، «فإن روما قد غزت اليونان سياسيا ولكنها ما لبثت أن تلقَّت هي بدورها غزو اليونان فكريا، حيث نشروا قوانينهم وأقاموا معهدا من الأحبار الذين تولوا إدارة العلاقات مع البلدان الأجنبية عند إعلان الحرب أو السلم وعقد معاهدات الصداقة أو التحالف».
قانون الشعوب
وفي روما ظهرت مجموعة من القواعد القانونية ذات الطابع الديني، تحكم العلاقات التي تنشأ بين الرعايا الرومان ورعايا الشعوب التابعة لروما، متميزة عن قواعد القانون المدني المحلي. وكان ذلك القانون يسمى بـ«قانون الشعوب» أو «قانون الأمم» وكان يقوم على وضع هذا النظام والإشراف على تنفيذه هيئة مكونة من عشرين من رجال الدين، ولم يكن «قانون الأمم» قانونا دوليا. أي إنه لم يكن طائفة من الالتزامات والأحكام ارتضته الدول بوجه عام لتحديد علاقاتها بعضها ببعض... فقد كانت بعض العادات العامة تراعى ويتقيد بها في السلم والحرب، كالحماية المتبادلة للتجار والدبلوماسيين الدوليين ووقف القتال لدفن الموتى، والامتناع عن استخدام السهام المسمومة، وما إلى ذلك.
وكان شرَّاح القانون الروماني يصفون قانون الأمم هذا بأنه قانون عام يشمل الأمم جميعها. ولكن هذا لم يكن إلا من قبيل التفاخر الوطني الكاذب. فلم يكن هناك إلا قوانين محلية كُيِّفتْ بحيث تتفق مع السيادة الرومانية. وكان الغرض منها أن يستطاع بها حكم شعوب إيطاليا والولايات التابعة للدولة الرومانية من غير أن يعطى لأهلها حق المواطنية الرومانية وغيرها من الحقوق المنصوص عليها في القانون المدني.
أما رعايا الشعوب الأخرى، فلم يكونوا يتمتعون بأية حماية قانونية. بل كان يجوز استرقاقهم أو قتلهم، وكان كل أجنبي يدخل روما يصبح هو وماله ملكا لمن يقبض عليه من سكان روما الأصليين.
وعلى أي حال، فقد تميز هذا العصر بطابع العداء المتبادل بين الشعوب، وكان التعاون بينها في أضيق الحدود وبحرص شديد. ومن الطبيعي أن يكون الأمر كذلك في مجتمع يرفع شعار القوة والعنصرية، ويعيش على أساس سيطرة الدولة القوية على باقي دول العالم.
والذي يلاحظ على فكرة القانون الدولي في كل تلك الحضارات والأمم القديمة: أنه لم يكن قانونا مشتركا بين كل الدول القديمة، ولا يعترف بالمساواة أمام القانون لمختلف الأجناس، ويعوزه الأساس الذي يكسبه وصف الإلزام، ومن ثم فإن الأسس الاجتماعية لقانون دولي كانت ناقصة تماما، على الرغم من ازدهار كثير من القواعد والتشريعات في النواحي المدنية ـ عند بعضهم ـ بشكل لم يسبق له مثيل في الأمم والحضارات السابقة. ولم تجد الأحكام الدولية أساسا مكينا يكسبها وصف الإلزام إلا في ظل الدين، فعندئذ اكتسبت من العقيدة الدينية قدسيتها ومن العقاب الإلهي الجزاء المترتب على مخالفتها.
ويمكن أن نوجز الكلام على هذه المرحلة: بأن القانون الدولي كان في التاريخ القديم يقوم على الاحتكاك المباشر بين الشعوب، ولم يصل إلى درجة قانون تنظيمي إقليمي فضلا عن أن يكون تنظيما دوليا. وتوجد شواهد تاريخية عديدة على أن كثيرا من الشعوب الشرقية كانت لهم بعض أنظمة تشابه من بعض الوجوه ما يوجد في القانون الدولي الحديث.
العلاقات الدولية في العصور الوسطى
يمكن تحديد العصور الوسطى تاريخيا بالقرون العشرة الواقعة بين سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام (476م) إلى فتح المسلمين للقسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية، على يد السلطان محمد الفاتح عام (1453م). ويذهب بعض المؤرخين إلى أنها تمتد إلى نهاية القرن الخامس عشر.
وفي هذه العصور ظهرت الممالك الإقطاعية في أوربا، ولم تكن المملكة وحدة تباشر السيادة الداخلية والخارجية. وكان السلطان للقوة والحق للأقوى.
ثم جدَّت مؤثرات كان لها دورها في العلاقات الدولية، ومن ذلك:
(أ) انتشار النصرانية في أوربا، حيث أصبحت الديانة الرسمية للدولة الرومانية، بعد أن اعتلى قسطنطين ـ الذي اعتنق النصرانية في آخر حياته ـ عرض الإمبراطورية سنة (306)، وكان من آثار ذلك قيام رابطة دينية بين مجموعة الدول الأوربية، أدت إلى نشوء ما يسمى بالأسرة الدولية المسيحية، يتساوى أفرادها في الحقوق ولهم المُثُل والمبادئ المشتركة نفسها، ويسلِّم الجميع للبابا الكاثوليكي بالسلطة الروحية العليا. وظهرت فكرة جديدة للسلام العالمي في صورة دينية تبسط بواسطة الكنيسة الكاثوليكية أجنحتها على العالم النصراني وتحاول وفق نظرياتها الدينية وأطماعها في السيادة العالمية أن تفرضه على رعاياها. وبدأت فكرة السلام بما يسمى «هدنة الرب» وتضافرت جهود البابا والإمبراطور للقضاء على العنف في العالم المسيحي، ونشر السلام بين الرعايا المؤمنين في سبيل السعادة الأبدية.
وقد ساعد على تضامن الجماعة النصرانية ظهور الدين الإسلامي وانتشاره حتى شمل مجموعة كبرى من الدول بات يخشى ازدياد نفوذها وانتزاعها لسيادة العالم من النصرانية. وكان من أثر ذلك قيام الحروب الصليبية وما تركته من آثار. وعلى الرغم من هذا، فإن النصرانية في أوربا كانت عقبة أمام نمو القانون الدولي بمعناه الحالي، لأمرين:
● أولهما: أن الرابطة التي قامت عليها العلاقات الدولية كان من شأنها أن تقصر هذه العلاقات على الدول النصرانية فيما بينها، وتقصي عن الجماعة الدولية سائر الدول غير النصرانية كالشعوب الإسلامية. فلا عجب إذن أن يصدر البابا نقولا الرابع (1292م) والبابا أوربانوس السادس (1389م) فتوى دينية تاريخية تقول: «إن الغدر إثم، ولكن الوفاء مع المسلمين أكبر إثما».
● ثانيهما: أن سلطة البابا الدينية وسيطرة الكنيسة على الشؤون الداخلية والخارجية تتنافى مع استقلال الدول ومساواتها، وهو أساس القانون الدولي العام التقليدي.
على أن تسلط الكنيسة ومحاولتها التدخل في كل شؤون الدول النصرانية أدى إلى قيام نوعين من الصراع في العصور الوسطى الأول: صراع مع الدولة لكي تتغلب على أمراء الإقطاع تحقيقا لوحدتها ومصلحتها، وتأكيدا لسيادتها، وكان لها الغلبة في ذلك.
والثاني: صراع الدول لكي تؤكد استقلالها في مواجهة الكنيسة وسلطان البابا، وقد انتهى هذا الصراع في حروب الثلاثين سنة التي انتهت بمعاهدة وستفاليا سنة (1648)، وبموجبها أعيد إنشاء العلاقات الدولية بين القوى الأوربية التي تقود أعنَّة الحياة السياسية لسنوات عديدة، ووضعت أسس جديدة لتحديد حقوقها تحديدا واضحا مرسوما، كما انتهى نظام القرون الوسطى وقواعد القانون العام القديمة وفكرة الطموح في إنشاء إمبراطورية عالمية واحدة، وحلّ محلها اتحاد الدول الجرمانية بعد شطر أوربا الوسطى إلى دول كاثوليكية وأخرى بروتستانتية، وبرزت فكرة توازن القوى في العلاقات السياسية الدولية في عالم ما بعد الإصلاح الديني.
(ب) ومن العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية: اكتشاف القارة الأمريكية سنة (1492م) فقد أثار هذا الاكتشاف فيما بعد، مسائل دولية جديدة، في مقدمتها مسألتا الاستعمار وحرية البحار. ودفع ذلك فقهاء القانون الدولي إلى معالجة هذه المسائل، وظهرت فيها مؤلفات أهمها كتاب جروسيوس «البحر الحر» دعم فيه مبدأ حرية البحار وحرية التجارة مع البلاد المكتشفة حديثا، والذي كان له أعظم الأثر في توجيه القواعد الدولية في هذا الشأن إلى ما أصبحت عليه في الوقت الحاضر.
(ج) وما أن بدأ تيار الأفكار يسير نحو المبادئ الملائمة حتى صدمته حركة رجعية، إذْ ظهر كتاب ماكيافلي «الأمير» في سنة (1513م)، الذي يمثل هذه الحركة، ونشر به مذهبا يقوم على أنه «لا وجه لتطبيق علم الأخلاق في أمور الدولة»، وأباح للأمير أن يتظاهر بالرحمة والإنسانية والشفقة والتدين، ويفعل عكس ذلك متى دعت إليه المصلحة. وكان يدعو إلى تكوين دول أكبر من الإمارات الصغرى للوقوف في وجه الدين الإسلامي الجديد. وانتشرت تعاليم ماكيافلي ودانت لها أوربا، واتخذ الملوك والقواد العسكريون مبادئه شعارا لهم، واتجهت ميول السياسة نحو الفوضى الأخلاقية، وقامت على أساس الغش والخداع والوقيعة والدسائس. فكانت الحروب في غاية القسوة والغدر والجور، قتلٌ للكبار والنساء والصغار، وتخريب للبلاد، وتعذيب للأسرى ثم إعدامهم بعد ذلك.
مات ماكيافلي سنة (1527)، لكن مذهبه بقي شائعا من بعده زهاء قرن من الزمان بين رجال دول اوربا الذين تحرروا من قيود الأخلاق الفاضلة، فرحبوا بالفلسفة السياسية الحديثة المكيافيلية، وخلاصتها: «أن الأنانية والمنفعة الذاتية شعار الدولة السياسي». ولا يزال مذهب ماكيافلي منتشرا في معظم دول العالم.
إن كل ما وصفه ماكيافيلي في كتابه «الأمير» كان طابع ذلك العهد وما يتبعه السادة، بل لم تك ثمة أساليب وردت في هذا الكتاب لم يرتكبها الحكام منذ مدة طويلة ولم يتخذها كثير من رجال السياسة ديدنهم دائما قبل ظهور «ماكيافيلي» بلا حاجة إلى الاسترشاد بكتاب «الأمير». (د) وما كان لتلك الأفكار والمبادئ أن تنتشر دون أن تثير الشكوى وتدعو إلى شيء من الإصلاح والعلاج الشافي من تلك الأدواء، فقام مفكرون يعارضون تعاليم ماكيافيلي وأتباعه قائلين: إن العلاقات الدولية يحكمها في حالتي الحرب والسلم قانون أساسه العرف والعادة والحقوق الطبيعية للإنسان وللدول. ومن هؤلاء راهب اسباني اسمه «فيتوريا» وآخر اسمه «سوارس». وقام في إيطاليا محام هولندي اسمه «جينتيليس» وغيرهم من المفكرين الذين مهدوا لكتابات المحامي الهولندي «جروسيوس» الذي وضع كتابه عن «قانون الشعوب» وفيه تنظيم لكتابات أسلافه وتأصيل لها على أساس من التاريخ والمنطق، مستفيدا من نظريات كانت موضع احترام وقبول من المفكرين في ذلك العصر. ولذلك ينعت كُتَّاب الغرب جروسيوس بأنه «أبو القانون الدولي العام». وبهذه الحلقة انتهت مرحلة العصور الوسطى في القانون الدولي الأوربي، وبدأت مرحلة علمية جديدة هي العصر الحديث للعلاقات الدولية.
ومن الجدير بالذكر هنا أننا لم نخصص في هذا المبحث فقرة للعلاقات الدولية في الإسلام ـ وقد قامت دولته في هذا العصر ـ لأن ذلك يحتاج إلى مبحث مستقل قائم

القانون الدولي والعلاقات الدولية عند المسلمين-
.الدول الإسلامية ، كغيرها من الكيانات السياسية ، تقيم علاقات خارجية ، تنضم إلى المنظمات الدولية ، وتلتزم بالقانون الدولي والمبادئ العامة كمعايير تنظم علاقاتها مع الآخرين . فقد عاد من المستحيل ، في العالم المعاصر ، الانعزال عن الاتصالات الخارجية ، سياسياً واقتصادياً .وحتى أولئك الذين يبدون عداءً للغرب أو غير المسلمين ، إذا ما وصلوا للسلطة ، سيجدون أنفسهم مجبرين على إقامة علاقات خارجية ، وعقد معاهدات و اتفاقيات مع الدول غير الإسلامية . إن إدارة الدولة لا يمكنها أن تعتمد على الشعارات الثورية أو الأفكار المجردة ، ولا حتى على الحماس الديني ، بل بالتعامل بواقعية مع مفردات العصر ومتطلبات المجتمع الذي تدير شؤونه .
منذ عقد الثلاثينات في هذا القرن ، بدأت الدول الإسلامية في الانضمام إلى المنظمات الدولية; في البداية عصبة الأمم ، ثم منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها . إن مشاركة الدول الإسلامية في النظام العالمي يمكن اعتباره ظاهرة رائعة في التاريخ الحديث للدول الإسلامية . هذه الظاهرة لها جذور تاريخية عندما كان العالم الإسلامي يقيم علاقات وثيقة مع الغرب منذ القرون الوسطى . وامتدت تلك العلاقات على مدى قرون طويلة ، وتضمنت أشكالاً وأبعاداً مختلفة . لقد أثر كل طرف بالآخر في كل المجالات والنشاطات بين الدول ، في السياسة والاقتصاد والثقافة والقانون والعلم . فكان هناك تأثير متبادل بين الطرفين .
وقد جهد فقهاء القانون أنفسهم في محاولة تقريب وجهات النظر الفقهية والقانونية بين العقل الغربي والواقع الإسلامي المتمثل بالنظم والحكومات الإسلامية وعطاء المفكرين والفلاسفة المسلمين فهل وفقوا في ذلك؟ هذا هو جوهر موضوع هذه الدراسة
إن هدف هذه الدراسة هو تقييم ومتابعة تطور القانون الدولي في الإسلام من خلال علاقة العالم الإسلامي بالغرب . إذ سيقتصر البحث حول تأثير هذه العلاقة على القانون الدولي الإسلامي ، دون بقية العوامل الأخرى .
مفهوم القانون الدولي
يعرّف القانون الدولي بأنه مجموعة القواعد التي تعين حقوق الدول وواجباتها المختلفة في علاقاتها المتبادلة ، أو مجموعة القواعد القانونية الملزمة للدول والشخصيات القانونية الدولية الأخرى في علاقاتها المتبادلة . فالموضوع الذي يتعامل به القانون الدولي يقع خارج الدولة وليس في أنظمتها الداخلية . فهو ينصبّ على حقوق الدول وعلاقاتها مع بعضها . وقد أضيف إليه بعض الأفراد الذين يمثلون شخصيات دولية كالأمين العام للأمم المتحدة .
وتعود جذور القواعد الدولية إلى عصور سحيقة في التاريخ . فرغم عدم وجود علاقات وثيقة بين الوحدات الدولية والشعوب المتجاورة لكن الحاجة كانت تقتضي تنظيم بعض القضايا أو العلاقات المتبادلة في ظروف محدودة . فغالباً ما تنشأ حروب بينها ، وتنتهي بانتصار إحداها ، فيجتمع الفريقان لتنظيم قضايا تبادل الأسرى أو دفع الجزية أو الاتفاق على إنهاء حالة العداء بينهما ، أو المرور في أراضي الدولة الأخرى . وقد حفلت المصادر التاريخية باتفاقيات دولية في عهود الفراعنة والسومريين والآشوريين والبابليين واليونان والرومان والهند والصين وغيرهم . وشهدت روما والمدن والأقاليم المجاورة لها معاهدات صداقة تنص على احترام السفراء والمبعوثين ، وعلى التحكيم عند نشوء نزاع . ومنها نشأت بعض قواعد العرف الدولي ، وبتكرارها صارت قواعد قانونية دولية .
وبسبب النظرة الاستعلائية للرومان واليونان ، حيث أنها تعتبر نفسها شعوباً ممتازة ، وتعتبر الشعوب الأخرى همجية يجوز استعبادها بالقوة ، نشأت فكرة التمييز العنصري بين الدول; حيث امتازت تشريعات القانون الروماني بالكثير من المساواة بين أفراد الشعب الروماني ، في حين اختلفت تلك التشريعات عن التي وضعت لحكم شعوب الدول التابعة لروما أو ما كان يطلق عليهم البرابرة . وعندما يقع خلاف بين هذه الدويلات التابعة كانت روما هي التي تفصل فيه ، فنشأت بذلك فكرة وجود دولة كبرى لها صفة الرئاسة العليا بين الدول . وظلت هذه الرئاسة لأباطرة الرومان في عهد الدولة الرومانية الغربية (اللاتينية) . وبعد سقوطها عام 476 م انتقلت إلى الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) . ومن بعدها للإمبراطورية الجرمانية التي نشأت عندما قام البابا ليو الثالث بتتويج شارلمان في روما عام 800 م . فلما ضعفت هذه انتقلت سلطة الرئاسة للبابا ، فجمع في يديه سلطة الرئاسة الدينية ، التي كانت له على جميع أنحاء العالم المسيحي ، وسلطة الرئاسة الدنيوية على أمراء وملوك الدول المسيحية [3] .
تأثير المسيحية على القانون الدولي
في العصور الوسطى بات من الضروري قيام البابا بتتويج الملك ومنحه بركته ، وأخذت المجالس الكنسية تضع القواعد الدولية وتعمل على إيجاد أسرة دولية تجمع بين دول أوربا الغربية تحت السلطة العليا للبابا . ومن القواعد التي وضعتها (صلح الإله) و (هدنة الرب) التي تنظم الصلح والهدنة بين الدول المسيحية المتحاربة . ووضعت قاعدة (هدنة الرب) في القرن الحادي عشر، ومفادها : أنه لا يحل لمسيحي أن يحارب مسيحياً آخر من غروب شمس الجمعة حتى مطلع يوم الاثنين ، وشمل التحريم أيام الأعياد . وهي تشابه الأشهر الحرم في الشريعة الإسلامية ، وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم لتأمين انتقال الحجاج من وإلى مكة المكرمة ، ورابع (رجب) يتوسط باقي أشهر العام .
وكثرت المؤتمرات الدينية والدولية التي يدعو إليها البابا ويحضرها الأمراء والملوك من دول أوربا المسيحية . وكان للحروب الصليبية دور رئيس في تشكيل الهوية الأوربية للشعوب المسيحية في أوربا . فقد كانت عاملاً هاماً في تكتل وتماسك الدول الأوربية بهدف تعبئة الناس للمشاركة في الأهداف المعلنة للحروب وهي (تخليص الأراضي المقدسة من أيدي الوثنيين وتحرير الصليب) . فلأول مرة تجتمع القارة الأوربية متخلصة من حواجز التباين والصراعات بين القبائل والشعوب والأجناس المتنوعة (فرنج وسكسون وجرمان ونورمانديين ولومبارديين وصقليين وبورغنديين) ، فعزز ذلك الجهد المشترك في الحروب ، عزز المفهوم السياسي والديني للعالم المسيحي ، والذي خلق بدوره المفهوم الثقافي لأوربا . وعندما حض البابا أوريان الثاني في خطابه الشهير الذي ألقاه في كليرمون (فرنسا) في تشرين الثاني 1095 المسيحيين على شنّ حرب على (الجنس الشرير) الذي كان يمتلك الأرض المقدسة ، إنما كان يعلن ميثاق المدنية الغربية [1] ، وقد أثر تماس المسيحيين مع المسلمين طوال قرنين من الحروب الصليبية على نمط المبادئ والأعراف التي اعتمدها الأوربيون فيما بعد . فقد كان للقواعد الشرعية الإسلامية كقواعد الحرب والسلم والهدنة والصلح وغيرها تأثير في القانون الدولي الأوربي ، فعندما عاد الملوك وأمراء الإقطاع إلى أوربا نقلوا معهم بعض النظم السياسية والإدارية ، فمثلاً كانت الدول الأوربية على شكل إقطاعيات كثيرة ، لكل جيشه وضرائبه وعلاقاته الداخلية والخارجية ، ورأوا أن الإسلام أرسى قواعد الدولة المركزية حيث يرأسها شخص واحد ، يقوم بتعيين وعزل الولاة على الأقاليم . فبدأ ملوك فرنسا بالقضاء على نظام الإقطاع ووحدوا دولهم ، وتبعهم ملوك إيطاليا وألمانيا . فأدى ذلك إلى ظهور دول في أوربا متحدة يستطيع رؤساؤها التحدث باسمها ، والارتباط مع الدول الأخرى بعلاقات دولية عامة ثابتة [2].
القانون الدولي عند المسلمين
بدأ الاهتمام بالعلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم خارج الجزيرة العربية في المرحلة المكية ، عندما نصح الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعض أصحابه من المسلمين الأوائل بالهجرة إلى الحبشة للتخلص من ظلم قريش لهم . وجاءت سورة الروم تتحدث عن حرب بين دولتين عظميين في المنطقة (الروم والفرس) ، وحدد القرآن الموقف الإسلامي من تلك الحرب التي انتصر فيها الفرس ، وبشر المسلمين بانتصار الروم بعد بضع سنين . وحالما استقرت دولة المدينة باشر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بإرسال رسائل إلى الدول الكبرى في المنطقة (بيزنطة وفارس ومصر واليمن والحبشة) يدعو زعماءها وشعوبها إلى الإسلام . وبعد ثمانين عاماً كانت الدولة الإسلامية أكبر امبراطورية في المنطقة تمتد من الهند شرقاً إلى إسبانيا غرباً . فأصبحت لها حدود مشتركة وطويلة مع العديد من الدول والشعوب غير المسلمة . وكانت علاقات الدولة الإسلامية (الأموية والعباسية) متوترة مع جميع جيرانها عدا الحبشة . وبسبب الحروب والمعارك كانت هناك حاجة ماسة لتنظيم فترات الهدنة والصلح والجزية وتبادل الأسرى وإقرار السلم .
بدأ الفقهاء المسلمون يتناولون قضايا القانون الدولي في كتب الفقه فيما يعرف بالسِّيَر (جمع سيرة) والتي يقصد بها طريقة معاملة المسلمين لغير المسلمين خارج (دار الإسلام) . وتتضمن لفظة السيرة معنيين ، الأول : والذي كان المؤرخون وأصحاب السير يستعملونه ، يعني قصة أو سيرة حياة الرجل . والثاني : وكان الفقهاء يستعملونه ويعني تصرف الدولة في علاقاتها مع الشعوب الأخرى [1] . يقول السرخسي في شرحه الوافي لكتاب (السير الكبير للشيباني) : إعلم أن السير جمع سيرة ، وبه سمي هذا الكتاب لأنه يبين فيه سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب ومع أهل العهد منهم من المستأمنين وأهل الذمة ومع المرتدين الذين هم أخبث من الكفار بالانكار بعد الإقرار ، ومع أهل البغي الذين حالهم دون حال المشركين وإن كانوا جاهلين وفي التأويل مبطلين [2] .
ومن أوائل الفقهاء المسلمين الذين تناولوا قضايا السير هو محمد بن الحسن الشيباني الذي كتب مؤلفه (السّيَر الكبير) ، وعبد الرحمن الأوزاعي (توفي 157 هـ، 774 م) من الذين عالجوا السير كموضوع مستقل من مواضيع الفقه . وكان سفيان الثوري (توفي عام 161 هـ، 778 م) والشعبي (توفي عام 104 هـ، 723 م) شديدي الاهتمام بموضوع الحرب . ويبدو أن آراءهما كان لها تأثير في أبي حنيفة (توفي عام 150 هـ، 768 م) وفي نفوس تلاميذه من بعده وخاصة أبو يوسف والشيباني اللذين عالجا الموضوع بإسهاب . ولم يعر فقهاء الحجاز كمالك بن أنس (توفي عام 179 هـ، 796 م) أقل اهتمام لأنهم كانوا بعيدين عن المناطقالتي حصل فيها الاتصال المباشر بين الإسلام وبين شعوب أخرى ، فلم يبالوا كثيراً بالمشكلات التي كانت تنشأ نتيجة لهذا الاحتكاك بين المسلمين وبين الشعوب الأخرى [3] . في حين كان فقهاء العراق من الحنفيين وفقهاء المغرب المالكيين على تماس مباشر مع الشعوب والدول غير الإسلامية .
وجرى تصنيف العالم إلى (دار الإسلام) و(دار الحرب) ، وهي تسميات لم ترد لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ، بل مجرد مصطلحات ابتكرها الفقهاء للتمييز بين الأرض الإسلامية التي يسودها القانون الإسلامي والأراضي التي تعود لغير المسلمين وتسودها قوانين غير إسلامية . وكان الفقهاء القدامى يتناولون موضوع السير إما في باب الجهاد أو أبواب أخرى كالمغازي والغنائم والردة وعهد الأمان . ويشبه التقسيم الإسلامي من حيث المبدأ على الأقل ، ما قبله البلشفيك في روسيا ، فهذه البلاد هي الوطن العام لكل شيوعي و(دار السلام) للقائلين بهذه الأيديولوجيا ، وما بقي من العالم حيث يسود أصحاب الأموال فهي (دار حرب) يتعين فيها على كل ثائر شيوعي أن يتخذ جميع الوسائل ، هو وحزبه ، للإستيلاء على مقاليد السلطة فيها [4] .
وقد تناول أبو حنيفة وتلامذته بعض المفاهيم ذات الصلة بالقانون الدولي مثل مبدأ المعاملة بالمثل أي معاملة غير المسلمين الداخلين إلى دار الإسلام كما يعامل المسلمون في دار الحرب . كما ينطبق هذا المبدأ أيضاً على التمثيل الدبلوماسي رغم أن حصانة الممثل الدبلوماسي كان عرفاً متبعاً في التمثيل الدبلوماسي . ويطبق أيضاً في تبادل الأسرى وفي دفع الفدية . وكانوا يعتبرون المسلمين وغير المسلمين شخصيتين لكل منهما وضعها القانوني سواء كانوا أفراداً أو جماعات . وكان لانفصال الأقاليم آثار قانونية تمس علاقات المسلمين مع غيرهم من الشعوب . وهكذا نجد أن أبا حنيفة ، في الوقت الذي كانت فيه الشريعة الإسلامية ملزمة لكل مسلم في أي إقليم يقيم فيه ، يدخل فكرة الإقليمية في العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين . وعليه صار استنباط الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الموضوع يستند إلى العرف والقياس وإلى الإقليمية أو (الدار) بالاصطلاح الإسلامي . وقد اختلف فقهاء آخرون كالأوزاعي مع أبي حنيفة حول فكرة الإقليمية
وينشأ عن هذا المبدأ الأساسي قضية أخرى وهي أنه على المسلمين أن يعترفوا بأحكام البلدان غير الإسلامية وقوانينها على أنها ملزمة للمسلمين عندما يكونون مقيمين في دار الحرب . وكان أبو حنيفة يعتبر أعمال الأفراد المسلمين المقيمين في دار الحرب التي تخالف قوانين البلاد أعمال سرقة وقطع سبيل .
وإذا كان الغرب يعتبر العالم والسياسي الهولندي هوجو دي غروت HugoDE Groot الذي عاش في القرن السابع عشر هو أبو القانون الدولي فإن بعض الباحثين الغربيين يعتبرون الشيباني (دي غروت الإسلام) . وقد اعترف هانس روزه (إن إحلال الشيباني محلاً رفيعاً في تاريخ القانون الدولي محلاً يستحقه بجدارة) ، فأسس عام 1955 (جمعية الشيباني للقانون الدولي) [5].
الدولة الإسلامية والقانون الدولي الحديث
بقي العالم منقسماً إلى وحدات دولية على أساس ديني ، أوربا المسيحية ، والشرق الأوسط الإسلامي ، والهند والصين وما جاورها هندوسية وبوذية وكونفشيوسية . ورغم وجود عدة دول ووحدات سياسية داخل الكيان الديني لكن العامل الديني بقي يسيطر على فكرة التقسيم الدولي . وبدأ القانون الدولي يتطور حين أقر مبدأ الفصل بين العقائد الدينية وبين العلاقات الخارجية . وقد أدى هذا المبدأ إلى إعادة القضايا الدينية إلى إطارها الداخلي الوطني ، بالخلاف من العقيدة الإسلامية التي تعتبر المسلمين كياناً واحداً أو ما يعرف بالأمة الإسلامية ، رغم وجودهم في دول متعددة جغرافياً وسياسياً . ففي مطلع القرن السادس عشر كان العالم الإسلامي ينقسم إلى ثلاث وحدات سياسية مستقلة هي الدولة العثمانية في تركيا والدولة الصفوية في إيران والدولة المغولية في الهند . ورغم وجود تنافس واختلاف مذهبي وحروب دامية بين العثمانيين والصفويين لكنهم اضطروا إلى تنظيم علاقاتهما على أسس علمانية واعتراف كل دولة بالأخرى . في حين كانتا ترفضان تنظيم علاقاتهما على أساس المساواة والمعاملة بالمثل . فعندما أعلنت إيران المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة ، غضب الباب العالي ، ولم يعترف بحق هذه الدولة بالإعلان عن مذهبها الرسمي كما تعلن الدولة العثمانية عن مذهبها السني ، فأصدر السلطان أوامره بطرد وقتل المواطنين الشيعة المقيمين داخل الدولة العثمانية . ورداً على ذلك وحسب مبدأ المعاملة بالمثل راحت إيران تطرد أو تقتل المواطنين السنة القاطنين في بلادها .
ولعل أهم التغييرات التي تناولت العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين هو إقرار العلاقات السلمية بين الشعوب المختلفة ديناً وعرقاً . فقد عقد السلطان سليمان القانوني عام 1535 معاهدة مع ملك فرنسا ، فرنسيس الأول ، تضمنت الاعتراف بأن السلم هو القاعدة التي تنظم علاقات المسلمين بغيرهم . واعتبرت المعاهدة ملك فرنسا ومبعوثيه على قدم المساواة مع السلطان العثماني وممثليه . وتنص المادة الأولى على قيام سلام قانوني وأكيد بين السلطان العثماني وملك فرنسا ، ما داما على قيد الحياة ، وعلى منح رعاياهما المقيمين في بلاديهما حقوقاً متبادلة . وقد أعفي الرعايا الفرنسيون من دفع الجزية . كما أنهم منحوا حرية ممارسة عقائدهم الدينية ، وحق المقاضاة في محاكمهم القنصلية بحسب قوانين بلادهم [1] . وهو أمر يحدث لأول مرة حيث يطبق قانون غير إسلامي في محاكم على أراض إسلامية . كما أنه جرى إعفاء غير المسلمين المقيمين في الأراضي الإسلامية من دفع الجزية . ولم يجرِ تحديد إقامتهم كما في السابق حيث لا يتجاوز عهد الأمان السنة الواحدة . كما أن المعاهدة غير محددة الأمد في حين كان الفقهاء القدامى يشترطون أن لا تزيد مدة الصلح على عشر سنوات .
ومن التغييرات الهامة في نظرة المسلمين وعلاقاتهم بغيرهم هو قبولهم بمبدأ سيادة الأرض وسيادة قانون ذلك الإقليم ، تلك السيادة التي تفرضها طبيعة انفصال الإقليم عن غيره من الأقاليم . فقد كانت نظرة الدولة الإسلامية أنها دولة عالمية والقانون شخصي لا علاقة له بالأرض . فأصبح المواطن يظهر ولاءه للدولة المستقلة داخل إطارها استقلالاً كاملاً وليس للدولة العالمية الشاملة . وجرى تعزيز المفهوم الأوربي لفصل الإقليم واحترام حدوده وتطبيق قانونه فوق أراضيه . إن مبدأ تبعية المواطن لدين حاكمه الذي تبنته الدول الأوربية أول مرة في معاهدة الصلح المعروفة بمعاهدة أوجزبرج سنة 1555 أصبح أساساً للنظام الأوربي بعد معاهدة وستفاليا عام 1648 ، كما أنه كان عاملاً فعالاً في تنسيق العلاقات بين الدول المسيحية في أوربا ، ثم في تنسيق علاقتها مع العالم الخارجي الذي لا يدين بالمسيحية وفي تمهيد السبيل لخلق مجتمع دولي [2] .
لقد تطور القانون الدولي المسيحي منذ معاهدة وستفاليا التي حققت ما يلي :
1 ـ أنها قضت على نفوذ البابا في رئاسته على الدول ، فقضت بذلك على فكرة وجود رئيس أعلى يسيطر على الدول الأوربية .
2 ـ أقرت مبدأ المساواة بين الدول المسيحية جميعها سواء الكاثوليكية أو البروتستانتية ، الملكية أو الإقطاعية ، وذلك باجتماعها في مؤتمر عام لم يدع إليه البابا .
3 ـ أحلت نظام السفارات الدائمة محل السفارات المؤقتة ، مما أدى إلى دوام اتصال الدول بعضها ببعض.
4 ـ أنشأت المعاهدة فكرة التوازن الدولي في أوربا ، كوسيلة أساسية من وسائل حفظ السلام ، ومفادها أن تتكاتف الدول على الحيلولة دون توسع أي دولة على حساب دولة أخرى . فقررت استقلال كثير من الدول التي التهمتها الامبراطورية الجرمانية من قبل .
5 ـ فتحت باب تدوين قواعد القانون الدولي العام بتسجيلها في المعاهدات المقبلة تباعاً .
ومن الأحداث السياسية الهامة هو انضمام روسيا إلى جماعة الدول الأوربية واعتبارها دولة كبرى ، وإعلان استقلال أمريكا عام 1776 ثم قيام الثورة الفرنسية عام 1789 التي نادت بحق الأمم في اختيار نظمها الدستورية بحيث لا يفرض على دولة ما نظام ملكي بحجة التوازن الدولي أو الإبقاء على العروش المسيحية الأصيلة . وقد حققت أوربا انجازاً كبيراً حين اتفقت جميعاً ضد نابليون الذي أخذ يتوسع من اجل تكوين امبراطورية عظيمة ، فهزمته أوربا ، ثم اجتمعت في مؤتمر فينا عام 1815 حيث وضعت قواعد دولية جديدة . فقد أعاد الملكية إلى بروسيا (ألمانيا) والنمسا ، وضم السويد إلى النرويج وجعل منهما دولة اتحاد حقيقي . كما ضم بلجيكا إلى هولندا كدولة ملكية قوية ، وجعل سويسرا دولة محايدة لتكون سداً يصد التوسع الفرنسي مستقبلاً [3] .
لم تكن الدول الأوربية تعتبر الدولة العثمانية عضواً في المجموعة الأوربية ولا خاضعة للقانون الدولي الأوربي لأن العرف الأوربي لم يكن ملزماً لغير الأوربيين . وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ارتأت الدول الأوربية أن تعامل تركيا بوصفها عضواً في المجموعة الأوربية . كما سمحت لتركيا أن تكون عضواً يشترك في القانون العام ضمن مجموعة الأسرة الأوربية بدعوة من الدول التي وقعت معاهدة باريس (30 آذار 1856). وكانت تركيا قد أخذت قبل عام 1856 سنوات كثيرة تعمل طبقاً للقانون الدولي بإقامتها علاقات دبلوماسية وبعقدها معاهدات مع الشعوب الأوربية .
الإسلام المعاصر والقانون الدولي
بعد انهيار الدولة العثمانية عام 1918 بهزيمتها في الحرب العالمية الأولى ، وقعت بقية الأقاليم الإسلامية تحت الاحتلال الأجنبي . فأصبح نصف العالم الإسلامي تحت الاحتلال البريطاني والنصف الآخر تحت الحكم الفرنسي والهولندي والإيطالي والإسباني . ولم يأت عام 1920 حتى قررت عصبة الأمم فرض الانتداب على العراق وسوريا وفلسطين والأردن ومصـر تنفيذاً للقرار الدولي . وفي السنوات اللاحقة بذل المسلمون تضحيات جسيمة من أجل نيل الاستقلال . وعندما حققـت هذا الهـدف أرادت ممارسـة حقوقها بما تتطلبه منها شخصيتها الدولية ، فأخذت تعقـد الاتفاقيات ، وتنضـم إلى المعاهـدات والمنظمـات الدوليـة .
ولما كان القانون الدولي المطبق في هذه المنظمات والمعاهدات يستند أساساً إلى قواعد وأعراف غير إسلامية ، ولما كانت الحكومات والدول التي أقيمت بعد الاستقلال دولا قومية وعلمانية فلم تكن هناك صعوبات أو مشاكل فيما يتعلق بطبيعة التعامل مع القانون الدولي . ولكن بعد الصحوة الإسلامية وتأسيس أول جمهورية إسلامية عام 1979 ، وسعي العديد من الأنظمة والحكومات إلى الانسجام مع القواعد والتعاليم الإسلامية بدأت إثارة بعض التساؤلات والإشكالات حول تعامل الإسلام مع القانون الدولي ، أي هل يوجد مانع شرعي وفقهي من القبول بالتعامل مع مبادئ القانون الدولي ؟ وهل الأفضل التعامل معه أم تأسيس قانون دولي إسلامي ؟ وهل تختلف مبادئ ومصادر القانون الدولي عن مصادر القانون الدولي الإسلامي ؟
يرى بعض الباحثين أن مصادر القانون الدولي الإسلامي بموجب مفاهيم القانون الدولي المعاصر تتفق عموماً مع القواعد الكلية التي حددها الفقهاء المعاصرون وفقهاء القانون ، والمنصوص عليها في القانون الأساسي لمحكمة العدل الدولية . ويمكن جمع هذه المصادر في أربع فئات: العرف والسلطة والعقد والعقل . فالسنّة والعادات المحلية هي ما نسميه بالعرف . وأما القرآن الكريم والسنة الشريفة فهي المصدر الذي نسميه السلطة . وأما المبادئ والقوانين التي كانت تتضمنها المعاهدات التي كان يبرمها المسلمون مع غيرهم من الشعوب فإنها تمثل مبدأ العقد . وأما المؤلفات الفقهية التي ترتكز على مصادر الشريعة فهي التي تمثل العقل [1] .
ونرى أن التشريع الإسلامي يمتلك من الاتساع والمرونة ما يمكنه أن يتعامل مع القانون الدولي بمنحى إسلامي دون فقدان حالة المعاصرة والتطور التشريعي والتغييرات الدولية . وقد اخترت بعض المفردات الدولية كدليل على قابلية الفقه الإسلامي لاستيعاب تطور العقل البشري وتغير النظم والقوانين ومسايرة مصلحة الإنسانية طالما أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان .
العلاقات الإسلامية ـ الأوربية في التاريخ
تمثل العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي دوراً متبادلاً في المشهد التاريخي . أحياناً يأتي المسلمون إلى أوربا (إسبانيا ، صقلية والبلقان) ، وأحياناً يذهب الغرب إلى العالم الإسلامي (الصليبيون ، الاستعمار) . وتتغير العلاقات ، حسب الظروف ، من المصالح الاقتصادية المشتركة والدبلوماسية المتبادلة إلى الحروب والمعارك . وكان سوء الفهم وعدم الثقة هما أبرز معالم العلاقات التاريخية بينهما .
لقد كان أول انطباع لامبراطور بيزنطة هرقل Heraclius (حكم610 ـ 641 م) إيجابياً تجاه الإسلام . فقد وصلته رسالة من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عام 6 هـ/628م يدعوه فيها إلى الإسلام . وقبل أن يتخذ أي موقف من الدين الجديد أخذ يسأل عن الرسول الجديد . يقول الطبري «فلما قدم عليه كتاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع دحية بن خليفة ، أخذه هرقل ، فجعله بين فخذيه وخاصرته» [1]، وطلب معلومات حول النبي(ص) ، فجلب له أبو سفيان إذ تصادف أنه كان في تجارة له بالشام ، فسأله عنه . وتقول بعض المصادر الإسلامية أن هرقل كاد أن يعتنق الإسلام ، «وأنه قد جمع البطارقة والقساوسة وقال لهم : يا معشر الروم ، إني جمعتكم لخير ، إنه أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه; وأنه والله للنبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتبنا ، فهلموا فلنتبعه ونصدقه ، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا» [2]، لكنهم رفضوا مقالته .
في عام 8هـ/629م أرسل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) جيشاً لقتال الروم يتألف من ثلاثة آلاف محارب ، حيث التقى الجيشان في واقعة مؤتة ، التي خسر فيها الجيش الإسلامي واستشهد قادته الثلاثة [3] . ولم يكن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مطمئناً لنوايا الروم ، ففي عام 9هـ/630م وصلته أنباء عن حشود على الحدود مع الجزيرة ، فجهز جيشاً قاده بنفسه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لكنه لم تحدث معركة ، ووصل الجيش الإسلامي حتى منطقة تبوك .
وبعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بدأ الخليفة أبو بكر الصديق ستراتيجية جديدة تمثلت بالتوسع في الفتوحات شمال الجزيرة العربية . بدأت الحملات العسكرية بفتح العراق عام 12هـ/633م ودحر الامبراطورية الساسانية ، ثم سوريا عام 13هج/634 م ثم عاصمتها دمشق عام 14هـ/635م التي خسرتها الامبراطورية البيزنطية .
وفي العام التالي حقق خالد بن الوليد انتصاراً ظافراً على جيش هرقل في معركة اليرموك ، حيث واجه الجيش الإسلامي وتعداده 25 ألف رجل الجيش البيزنطي وهو ضعف عدده . وخلال سبع سنوات (633 ـ 640م) أصبحت كل الشام تحت الحكم الإسلامي ، من البحر الأحمر حتى جبال طوروس [4] .
واستطاع قائد آخر هو عمرو بن العاص أن يفتح مصر ، المقاطعة البيزنطية الشقيقة ، عام 20هـ/641م. وكانت مصر تمثل مخزن قمح الامبراطورية الرومانية الشرقية ، وأغنى ممتلكاتها . إذ كانت مصر نقطة انطلاق لبقية النفوذ البيزنطي في شمال أفريقيا لينتهي في صقلية وإسبانيا
العلاقات الاسلامية الاوربية في التاريخ
إسبانيا
تقدمت الفتوحات الاسلامية بسرعة فائقة ، حتى قيل أن العرب فتحوا نصف العالم في نصف قرن ، أو مقولة نابليون أن العرب فتحوا في 90 عاماً ما فتحه الرومان في 900 عام . وبعد مصر وأفريقيا(تونس) اتجهت الجيوش الإسلامية غرباً لتحرر شمال أفريقيا بكامله إلى وصلت على ضفاف الأطلسي . وأصبحت القيروان ، في تونس، مركز قيادة موسى بن نصير وجنوده من البربر الذين اعتنقوا الإسلام وساهموا في نشره في تلك المنطقة . في عام 92هـ/711م أرسل موسى أحد قواده الأشداء ، طارق بن زياد ، على رأس قوة مؤلفة من 700 جندي ليعبروا البحر باتجاه الساحل الإسباني [1] . وكانت القوة قد عبرت مضيق جبل طارق بمراكب أرسلها الحاكم البيزنطي جوليان Julianلمدينة سيوتا Ceuta، وكان الحاكم في صراع مع الملك القوطي رودريك Roderick [2]، فاستنجد بالمسلمين لمساعدته ، فأمده موسى بقوة عسكرية من العرب والبربر . لقد استنجد جوليان بقوة أجنبية لمواجهة الملك رودريك . وكان يعتقد أنها قوات نجدة فقط ، ولكن قوات طارق بن زياد استمرت في تقدمها ، لتصبح نواة دولة مسلمة تحكم إسبانيا لمدة ثمانية قرون (711 ـ 1492م) [3] . وقد عزز موسى قوات طارق ، فجهز جيشاً من عشرة آلاف يقوده بنفسه . وعاد موسى بن نصير بالغنائم والأسرى ، ومن بينهم 400 أمير قوطي يلبسون التيجان والملابس الفاخرة . وهو اول مشهد يرى فيه المسلمون عائلة ملكية غربية في الأسر .
أسس المسلمون دولة عظيمة في الأندلس ، وكانت لديهم خطط للتوسع في العمق الأوربي . ففي عام 717 م ، أي بعد ست سنوات على دخولهم إسبانيا ، قام القائد عبد الرحمن الغافقي بحملة عسكرية ، إذ عبر جبال البرانس Pyreneesباتجاه فرنسا . وصل عبد الرحمن مقاطعة بوردو Bordeaux وتوقف بجوار تور Tours على مشهد من كنيسة سانت مارتن . St.Martin، وفي تشرين الأول 732م التقى جيش عبد الرحمن مع قوات تشارلس Charles، الذي لقب فيما بعد بمارتل Martel (أي المطرقة) . وكان شارل مارتل رئيس البلاط الفرنسي ، وجد شارلمان [4] . وقد خسر المسلمون في معركة بلاط الشهداء خسارة كبيرة ، واستشهد قائدهم. وفي الليل غادر الجنود المنطقة منسحبين إلى إسبانيا ، ولم يعد يفكر أحد بفتح فرنسا .
صقلية
كان بنو الأغلب يحكمون شمال أفريقيا في العصر العباسي . وكان حاكم القيروان زيادة الله (حكم 817 ـ 838 م) قد تلقى طلباً من مجموعة من الثوار على الحكم البيزنطي لصقلية Sicily وسرقوسة Syracuse، فأرسل حملة بحرية تمكنت من فتح باليرمو Palermo عاصمة الجزيرة . وتقدم الجيش الإسلامي ليحكم سيطرته على بقية أنحاء الجزيرة ، ولتبقى 240 عاماً بأيدي المسلمين . وأصبحت صقلية أكبر قاعدة بحرية للأسطول الإسلامي في البحر المتوسط . وامتد تأثير المسلمين ليس إلى الأطراف الجنوبية لإيطاليا فحسب ، بل وصل التهديد إلى نابولي Naples وبقية المدن الشمالية ، وحتى روما نفسها تعرضت للتهديد عام 846 م .
وفي عام 1071 سقطت باليرمو بأيدي الفاتحين النورمان Norman، وعادت صقلية مرة أخرى للنفوذ المسيحي . وكان النورمان قبائل غير متحضرة ، ولذلك أبقوا على الإدارة والتنظيمات القانونية التي أقامها المسلمون ، وحتى الموظفين المسلمين بقوا يزاولون أعمالهم في الكتابة والترجمة والحسابات والرسائل . وقد أحاط الملوك النورمان أنفسهم بالعلماء المسلمين من فلكيين وأطباء وفلاسفة . وقد كتب الجغرافي المسلم الإدريسي (ت 1166م) كتابه المعروف (كتاب روجر) بناءً على طلب الملك روجر Roger [1] .
لقد مثلت إسبانيا وصقلية جسراً عبرت عليه الثقافة الإسلامية فكراً وعلماً وفلسفة إلى أوربا . ومن خلالهما وصلت كتب العلماء والفلاسفة المسلمين إلى المراكز العلمية الأوربية بعد ترجمتها إلى اللغات الأوربية . وبقيت بعض الكتب العربية مراجعاً لعدة قرون في أوربا ، مثل كتاب (القانون) لابن سينا الذي طبع 30 طبعة لاتينية في الثلاثين سنة الأخيرة من القرن الخامس عشر . وكتاب الزهراوي في الطب بقي مرجعاً في مدارس الطب مثل مدرسة Salerno في إيطاليا ومدرسة Montpeller في فرنسا . وكان مزيناً بالصور مما يدل على خبرة الزهراوي بالتشريح وتقنيته وآلاته . وكان كتاب الكيمياء لجابر بن حيان وجداول الخوارزمي الفلكية مراجع معتمدة في هذه العلوم . وكان لابن رشد Averroes ه( 1126 ـ 1198م) دور في الفلسفة الأوربية . فقد اطلع الأوربيون على آراء أرسطو من خلال تعليقاته والنصوص التي يوردها في مقالاته . وكان للمدرسة الرشدية Averroism تأثير كبير في الأوساط الفكرية والعلمية الأوربية ، وهيمنت على جامعات باريس ونابولي . وقد درس توما الإكويني AquinasThomas (ت 1274) الإيطالي رائد الفلسفة في جامعة نابولي . ودرس روجر بيكون Bacon Roger (ت 1294) الإنجليزي في جامعة باريس . ويعد بيكون رائد المنهج التجريبي في الفكر
العلاقات في العصور الأولى (Middle Ages)
كانت الكراهية والعداء هما الملامح البارزة التي هيمنت على العلاقات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي . وخلال قرون نشأت مصالح مشتركة بين العالم الإسلامي وأوربا . وكانت التجارة المحور الرئيس للنشاط الاقتصادي في تلك المرحلة . فكانت حركة الاستيراد والتصدير على أوجها لنقل المنتجات والبضائع في أرجاء العالم ، من الصين شرقاً إلى إسبانيا غرباً ، تعبر القوافل التجارية الصحارى والجبال وتمر بمختلف الدول والأمم والشعوب ، وتمخر السفن عباب البحار من أجل إيصال بضائعها ، متحملة الأهوال والمخاطر .وكان لهذه النشاطات التجارية دور في نشوء علاقات بين الملوك والأمراء والسلاطين والشعوب . فكان التجار ورجالهم يرحلون من بلد إلى بلد ، ويقيمون في هذه المدينة وتلك من أجل تجارتهم . واستمرار التجارة والنقل والسفر يحتاج إلى اتفاقيات سلم ومعاهدات تسمح بالمرور والإقامة وتنظيم الضرائب على القوافل والسفن . فكان الحكام يقومون بهذه المعاهدات لتشجيع التجارة وما تجلبه من خير ودخل للحاكم .
بالإضافة إلى التجارة ، كانت هناك أنواع أخرى من الارتباطات ، فكانت هناك علاقات ثقافية ودبلوماسية وسياحة وحج وسفر طلباً للعلم وغيره . في عام 765م أرسل ملك فرنسا Pippin بعثة دبلوماسية إلى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور . عادت البعثة بعد ثلاث سنوات ترافقها سفارة عباسية مع هدايا من الخليفة . إستقبل الملك (ببين) المبعوثين المسلمين باحترام وحفاوة ، ثم أذن لهم بالعودة عن طريق مرسيليا Marseilles [1]. وفي عهد هارون الرشيد (حكم 786 ـ 809م) وولده المأمون (حكم 813 ـ 833م) شهدت العلاقات مع أوربا ذروتها . فقد غدت بغداد عاصمة دولية للتجارة ومركزاً صناعياً . وكانت ثروات البلاط العباسي تزداد غنىً ، من الجزية السنوية التي يدفعها امبراطور بيزنطة ، إثر انتصار هارون عليه في وقت مبكر . وكان الرشيد والمأمون يتبادلان الهدايا مع شارلمان Charlemagne، الذي غدا حليفاً أوربياً جيداً ضد الدولة الأموية في الأندلس .
يصف أحد المؤرخين الفارق الشاسع بين البلاطين العباسي والفرنسي فيقول: «كان شارلمان ومساعدوه يواجهون مصاعب في القراءة والكتابة ، في حين كان البلاط العباسي يعجّ بالشعراء والكتّاب والعلماء والفقهاء والموسيقيين والمغنين . وكان بينهم عدد من المترجمين الذين يجيدون عدة لغات أجنبية» [2]. وكانت هناك رسائل متبادلة بين الملوك ، وقد ذكرت التواريخ بعض هذه الرسائل . فكانت تتضمن شتى المواضيع والشؤون كالاتفاقيات السلمية ، وتهديدات بشن الحرب ، ودعوة للإسلام ، وجدل ديني حول الألوهية والنبوة ، وطلب كتب أو شراء عبيد ، وتبادل أسرى أو معاهدات تجارية . وكانت العلاقات تعتمد كلياً على طبيعة مواقف الحكام وأمزجتهم ومصالحهم ، والظروف التي تمر بها الدول ، والاستقرار والأمن على الحدود .
وقد أرسل شارلمان ملك فرنسا وابن ببين ، عدة بعثات إلى الشرق ، إثنتين منها إلى هارون الرشيد عامي 797 و802 م. أما العداء مع بيزنطة فقد كان قاسماً مشتركاً بين الدولة العباسية وأوربا الرومانية. وفي العصر العباسي ساءت العلاقات مع بيزنطة في فترات متلاحقة . ففي عام 782م شن الخليفة المهدي (حكم 775 ـ 805م) حملة عسكرية على القسطنطينية ، أدت إلى توقيع معاهدة مهينة للروم البيزنطيين ، إذ تضمنت أن تدفع الإمبراطورة إيرينا Irene جزية سنوية مقدارها 70 ألف درهم . وحاول خليفتها الإمبراطور نقفور الأول Nicephorus (802 ـ 811م) أن يتخلص من هذا الالتزام المالي الباهض ، وطالب الرشيد بإعادة ما دفع من مبالغ . وأرسل رسالة ذات لهجة حادة إلى هارون جاء فيها :
من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب .
أما بعد : فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ ، وأقامت نفسها مقام البيدق ، فحملت إليك من أموالها ما كنتَ حقيقاً بحمل أضعافه لها ، ولكن ذلك ضعف النساء وحمقهن . فإذا قرأت كتابي هذا أردد ما حصل لك من أموالها ، وإلا فالسيف بيننا وبينك [3] .
غضب الرشيد كثيراً من تهديد نقفور ، فكتب له جواباً جاء فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم
من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم ، وقد قرأت كتابك يا ابن الكافرة ، والجواب ما تراه لا ما تسمعه [4] . فشن حملة عسكرية هاجم فيها آسيا الصغرى ومدينة هرقلية Heraclea على البحر الأسود ، فاحتلها وسبى أهلها . ثم عقد صلحاً مع نقفور مع دفع جزية سنوية ، وجزية شخصية عن نقفور وعائلته [5] . وخلال الهجوم الإسلامي ، اُسرت إحدى الفتيات الروميات ، وكانت خطيبة لابن الامبراطور نقفور ، فأرسل رسالة إلى الرشيد راجياً إياه أن يعيدها ، فلبى الرشيد طلبه وأرسلها له مع هدايا [6] .
ولم تكن العلاقات متوترة طوال الوقت ، بل تخللتها فترات من الهدوء والاستقرار والأمن ، وكانت الدولة الإسلامية تمارس وظيفتها في الدعوة إلى الإسلام وتبليغ مبادئه وأحكامه إلى الناس كافة . فكتب التاريخ تنقل بعض هذه الجهود ، سواء بالسفارات أو بالرسائل . فقد أرسل هارون الرشيد رسالة طويلة ، كتبها الفقيه إبن الليث ، إلى الامبراطور قسطنطين Constantine يشرح فيها عقائد الإسلام بأدلة عقلية ، وتاريخ الإسلام ، واحتجاجات ومناقشات دينية حول صحة نبوة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتفنيد العقيدة المسيحية ، ويحبذ له دخول الإسلام ونتائجه وعواقبه [7] . وأرسل المأمون رسالة إلى الامبراطور ثيوفيل Theofel يعلمه فيها بقبول الهدنة بين الدولتين ، والتي تضمنتها رسالة الامبراطور إليه .
ومن القضايا الإنسانية الشائعة بين الدولتين ، هي تبادل الأسرى . وتحتاج عمليات التبادل إلى مفاوضات واتفاقيات يتم فيها تثبيت أعداد الأسرى من كلا الطرفين ، ومواعيد التسليم ، ومكان التبادل ، الذي يكون غالباً عند الحدود ، ويشرف عليها حكام المقاطعات الحدودية . في عام 283هـ/896م ، مثلا; حدثت عملية تبادل أسرى بين الامبراطوريتين العباسية والبيزنطية ، بإشراف حاكم طرسوس ، أحمد بن طغان ، والذي أرسل رسالة إلى الخليفة المعتضد يخبره فيها بنجاح المهمة التي أوكلت إليه . وقد استغرقت العملية إثني عشر يوماً تم فيها استرجاع 2504 أسيراً مسلماً من رجال ونساء وأطفال . وفي اليوم التالي تم إطلاق سراح المبعوث الرومي سيمون ، وأطلق الروم سراح المبعوث العباسي يحيى بن عبد الباقي [8] .
ولا يقتصر تبادل العلاقات مع أوربا على العصر العباسي ، بل كان للدول الإسلامية عبر التاريخ علاقات واسعة معها ، كالدولة الإخشيدية والطولونية والفاطمية والأيوبية والمملوكية .
مرحلة الحروب الصليبية
تمثل المرحلة الصليبية فترة مظلمة في تاريخ العلاقات بين أوربا والعالم الإسلامي ، مرحلة مليئة بالعنف والحروب والنهب والمذابح الوحشية وتدمير المدن ، وتصاعد الحقد والكراهية وعدم الاستقرار . من جانب آخر كانت مناسبة لاكتشاف كل طرف الطرف الآخر عن قرب ، وعبر التعامل المباشر . يعلق الباحث نورمان دانييل Norman Daniel على المزاعم المسيحية فيقول : «لقد اعتبر المسيحيون الحروب الصليبية حرباً مقدسة War Holy من أجل انتزاع الأرض التي تعود للمسيحيين . ولا زالوا يعتقدون بأنهم الأمة الوحيدة التي نهب منها ثلث أفضل ممتلكات الكنيسة بعد ظهور الإسلام» [1].
بدأت الخطوة الأولى من الحروب الصليبية ، عندما وجه الإمبراطور البيزنطي الكسيوس كومونيس Communes Alexius (حكم 1081 ـ 1118م) نداءات متكررة طالباً مساعدة بابوية لمواجهة احتلال الأتراك السلاجقة جزءاً من أراضي الإمبراطورية، ليس بعيداً عن العاصمة القسطنطينية. ورداً على استغاثته ، ألقى البابا أوربان الثاني II Urban (1088 ـ 1099م) خطاباً في عام 1095 ، جنوب فرنسا ، قريباً من الحدود الإسلامية لإسبانيا . وكان خطابه مليئاً بالإشاعات عن وحشية المسلمين وفظاعتهم ، ملمحاً إلى الأطماع الشخصية ومؤكداً على أتباعه «في دخول الطريق إلى الضريح المقدس ، وانتزاعه من العنصر الشرير ، ووضعه بأيديهم» [2]. ورفع شعاراً دينياً يبرر الحملات المرتقبة ويشجع الناس عليه ، فكان شعار (هذه مشيئة الله) هو القادر على تعبئة الجماهير . وسرعان ما انتشرت دعوة البابا مثل النار في الهشيم من فرنسا إلى بقية الأوربيين ، غني وفقير ، شاب وكهل . فقد تبنى التبشير بالحركة الصليبية بطرس الناسك الذي كان يتمتع بالفصاحة والقدرة على التأثير ، فطاف أقاليم فرنسا ليخرج منها بخمسة عشر ألف متطوع معهم نساؤهم وأطفالهم .
وبحلول عام 1097 كان هناك 000ر150 محارب صليبي قد وصلوا القسطنطينية ، معظمهم قدم من فرنسا والنورمان
وهناك عدة أسباب داخلية وخارجية مهدت الأجواء لتنامي الحملات الصليبية وهي :
1 ـ يدعي الباحث أرنست باركر Barker Ernest أن السلاجقة قد احتلوا القدس عام 1071 ، وهم قوم قساة ، لا يعرفون التسامح مثل الحكام المسلمين السابقين ، أي الفاطميين . فكان المسيحيون يواجهون صعوبات كثيرة أثناء رحلتهم إلى حج القدس [3] . «فأدرك المسيحيون في الغرب ما يعترض طريقهم ، ويمنع حركتهم الطبيعية نحو منبع ديانتهم ، فكان من الطبيعي أنه لا بد لهم آخر الأمر أن يبذلوا جهدهم في تمهيد طريقهم».
وهذا السبب الذي يعرضه باركر مبالغ فيه لأن طريق القدس بقي مفتوحاً أمام المسيحيين في كل العصور ، وحتى في المرحلة الصليبية وما بعدها مما يشير إلى التسامح الإسلامي الفريد من نوعه . ومتناسياً أنه عام 1021 م أصبح الإشراف على الأماكن المقدسة ، مثل كنيسة القيامة وبيت لحم والمؤسسات الملحقة بها كالمستشفى والمدرسة ، من قبل الإمبراطورية البيزنطية ، بعد أن كانت حتى ذلك الوقت برعاية الكنيسة اللاتينية الرومانية . ويعترف باركر أن «البيزنطيين لم يحرصوا على أن يجعلوا طريق الحجاج هيناً سهلاً . وكان لزاماً على البابا فكتور الثاني أن يجأر بالشكوى إلى الإمبراطورة تيودورا ، بسبب ما لجأ إليه موظفوها من ابتزاز الحجاج وإهانتهم» [4].
2 ـ إن البحث عن وسائل جديدة مباشرة للاتصال بطرق التجارة الشرقية ، يعتبر من الأغراض التي انطوت عليها الحروب الصليبية ذاتها . وأدت إلى ما يصح تسميته اكتشاف آسيا في القرن الثالث عشر [5] .
فالمدن الإيطالية التي اشتهرت بتجارتها كانت تبحث عن طرق مباشرة لشراء المنتجات الشرقية من الهند والصين ، دون وساطة العرب المسلمين . فالطرق البحرية كانت غالية ومحفوفة بالمخاطر .
3 ـ كان الأمراء الأوربيون يبحثون عن ثروات وأراض جديدة . فكانت الأطماع متوجهة نحو الشرق ، حيث الكنوز والثراء والتجارة والذهب والحرير والجواري . فهذه الأحلام لعبت دوراً في تأجيج الحماسة .
4 ـ كان الناس العاديون في أوربا يعيشون في أوضاع مزرية من الفقر وتكرر المجاعات والأوبئة التي فتكت بعشرات الآلاف . ففي عام 1094 إنتشر الطاعون من الفلاندرز Flanders إلى بوهيميا Bohemia. وفي عام 1095 حدثت مجاعة في منطقة اللورين Lauren بفرنسا . وتعرضت الكثير من الأراضي الزراعية للخراب نتيجة غزوات الفايكنغ والبرابرة ، فقلّت الأقوات في الوقت الذي ازدادت أعداد السكان . ثم أن الحروب والمنازعات بين الأمراء والإقطاعيين أسهمت في الإخلال بالأمن وتعريض أرواح الناس للهلاك وممتلكاتهم للنهب ، مما جعل الغالبية العظمى من أهالي غرب أوربا يعيشون في حالة يرثى لها من الفقر والحرمان والخوف ، دون أن يجدوا أي ضمان لحماية أرواحهم وممتلكاتهم وأرزاقهم [6] .
فاعتقد هؤلاء البسطاء أن مشاكلهم ستحل بهجرتهم إلى الشرق . ففي عام 1096 نجح الصليبيون بتجنيد خمسة جيوش من هؤلاء المعدمين .
5 ـ كان هناك عدد كبير من المغامرين ، المفلسين مثل الزعيم الصليبي والتر المفلس ، وقطاع الطرق ، والعبيد الهاربين والرهبان المستائين. لقد كانت هناك دوافع كثيرة للبحث عن مناجم الذهب الموعودة في الشرق .
وعلى الرغم من أن الجنود الأوربيين كان يحملون علامات الصليب ، دليلاً على الدافع الديني للحملات الصليبية ، لكن الدين كان آخر سبب وراءها . فخلال عبورهم هنغاريا ثم أراضي الدولة البيزنطية ، نسيت الجموع أنهم يخترقون بلاداً مسيحية ، فأخذوا ينهبون ويسلبون ويعتدون على الأهالي الآمنين [7] . وأثناء انتظارهم العبور إلى الجانب الآسيوي من الإمبراطورية البيزنطية ، كان تجمع الصليبيين أمام أسوار القسطنطينية يثير مخاوف الدولة ومتاعبها ، إذ أخذ الصليبيون يواصلون نهب القرى والضياع المجاورة ، ويعتدون على الأهالي ويسلبونهم أقواتهم وأمتعتهم ، بل أن الكنائس لم تسلم من إعتداءات أولئك الرعاع [8]. فأسرع الإمبراطور الكسيوس إلى نقلهم إلى الشاطئ الآخر . واستمر ذلك السلوك الوحشي بمهاجمة القرى المسيحية والمزارع والمواشي والكنائس [9] .
وعندما احتل الصليبيون مدينة القدس ، لم يرحموا أحداً «وحتى إخوانهم في الدين لم يوفروهم ، وكان من أول ما اتخذوه من تدابير أنهم طردوا من كنيسة القيامة جميع الكهنة من الكنيسة الشرقية ، روماً وجيورجيين وأرمنيين وأقباطاً وسرياناً ، والذي كانوا يقيمون القداسات معاً تبعاً لمذهب كان جميع الفاتحين قد احترموه حتى ذلك الحين .وإذ ذهل وجهاء الطوائف المسيحية أمام هذا القدر من التعصب ، فقد عزموا على المقاومة ، ورفضوا أن يكشفوا للمحتل عن المكان الذي خبأوا فيه الصليب الحقيقي الذي مات عليه المسيح .وإذ قبض الأوربيون على الكهنة المكلفين بحراسة الصليب ، وأخضعوهم للتعذيب فقد تمكنوا من انتزاع سرهم والحصول منهم بالقوة على أغلى ما يملكون من ذخائر» [10].
وقد ذبح الصليبيون آلاف المدنيين الأبرياء من سكان القدس دون سبب ، فقط لمجرد الإنتقام من المسلمين. ففي يوم 15 تموز 1099 دخل الصليبيون المدينة المقدسة وارتكبوا مذابح فظيعة . يصف أحد المؤرخين اللاتينيين المشاهد المريعة فيقول «كانت أكداس الرؤوس والأيدي ترى من بعيد في الساحات والشوارع» [11].
ويصف مؤرخ آخر ذلك اليوم العصيب فيقول «ولا يزال النازحون يرتجفون كلما تحدثوا بذلك وتجمد أبصارهم وكأنهم لا يزالون يرون بأعينهم أولئك المقاتلين الشُّقر المدرعين المعتمرين الخُوَذ وقد انتشروا في الشوارع شاهرين سيوفهم ، ذابحين الرجال والنساء والأطفال ، ناهبين البيوت ، مخربين المساجد . وعندما توقفت المذبحة بعد يومين لم يكن قد بقي مسلم واحد داخل الأسوار . فقد انتهز بعضهم فرصة الهرج فانسلوا إلى الخارج من الأبواب التي كان المحاصِرون قد خلعوها . وأما الآخرون فكانوا مطروحين بالآلاف في مناقع الدم عند أعتاب مساكنهم أو بجوار المساجد ، وكان بينهم عدد كبير من الأئمة والعلماء والزهاد المتصوفين الذين كانوا قد غادروا بلادهم وجاؤوا يقضون بقية أيامهم في عزلة في هذه الأماكن المقدسة . ولقد أُكرِه من بقوا على قيد الحياة على القيام بأشق الأعمال : أن يحملوا جثث ذويهم فوق ظهورهم ويكدسوها بلا قبور في الأراضي البور ثم يحرقوها قبل أن يُذبحوا بدورهم أو يباعوا في أسواق النخاسة» [12].
أما المؤرخ والدبلوماسي المسلم أسامة بن منقذ (488 ـ 584 هـ /1091 ـ 1188م) الذي عاصر الحروب الصليبية ، فقد كتب في مذكراته عن تلك الأحداث ووصف تفاصيلها . فكان قد شاهد الأحداث عن قرب لأنه كان كاتباً (سكرتيراً) لدى صلاح الدين الأيوبي [13] . وأورد إبن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ) بعض جرائم الصليبيين ، إذ ينقل الحادثة التالية التي تعبر عن الوحشية والقسوة . فقد هاجم الصليبيون مدينة المعرة في سوريا ، «وعند الفجر وصل الفرنج ، إنها المذبحة ، فوضع الفرنج فيهم السيف ثلاثة أيام فقتلوا ما يزيد على مائة ألف وسَبَوا السبي الكثير» [14]. ويصف أحد المؤرخين الصليبيين ، راول دي كين ، المرافق للجيش الذي دخل المعرة فيقول «كان جماعتنا في المعرة يغلون وثنيين بالغين في القدور ، ويشكون الأولاد في سفافيد ويلتهمونهم مشويين» [15].
ويرى أرنست باركر أن الحروب الصليبية ، أصلاً ، مشروع فرنسي . فقد زرعت بذورها في أرض فرنسية ، بلدة كليرمون Clermonte، وكان أول مبشر بها هـو بابا فرنسي الأصل ، أوربان الثاني . وأنها والمملكة التي أقامها الصليبيون في الشرق كانت في جـوهـرها مملكـة فرنسية ، في لغتها وعاداتها ، وفي فضائلها ورذائلها [16] . ولعل ما يؤيد ذلك أن العرب كانوا يسمونهم بالفرنجـة ، وهـو لقب يخص الفرنسيين ، ولكـن استخدامـه يعم كل الغربيين . من جانب آخـر لا تتحدث المراجع العربية عن (حروب صليبية) بل عن حروب وغزوات ضد الفرنجـة . إن مصطلـح (صليبي) هـو ما أطلقه الأوربيـون على أنفسهم في تلـك الفتـرة ، لإسباغ البعد الديني على حروبهم ، ويمثل الصليب المسيحية ، إذ صار شعاراً لها .
رغم المقاومة التي أبداها المسلمون في الدفاع عن أنفسهم ، إلا أن الحركة الحقيقية بدأت بعد قرن ونصف من وصول الصليبيين . فقد تمكن زنكي ، وهو تركي يحكم الموصل ، عام 1144 م أن يستعيد مدينة الرها Edessa. وأكمل إبنه نور الدين حركة التحرير ، إنطلاقاً من عاصمته دمشق . إذ بدأ بعمليات عسكرية ومناوشات ضد القوات الصليبية . وبلغت المقاومة الإسلامية ذروتها حين وصل صلاح الدين إلى عرش مصر بعد الفاطميين . إذ استطاع صلاح الدين أن يوحد مصر وسوريا تحت هيمنته ، فوضع الصليبيين بين حجري الرحى ، سوريا شمالاً وغرباً ، ومصر جنوباً وغرباً . وحقق صلاح الدين إنتصاراً كبيراً في معركة حطين في 4 تموز 1187 م ، حين هزم الملك الصليبي غي دو لوزينيان Guy de Lusignan، ملك القدس ، وتمزق جيشه البالغ 000ر20 محارب ، ووقع الملك أسيراً . ودخل صلاح الدين القدس دون مقاومة ، فأكرم الأسرى وأطلق سراحهم ، وعامل المسيحيين بالإحسان والتسامح.
بعد فشل الحروب الصليبية ، بقي الأوربيون يبحثون عن أرض جديدة قادرة على استيعاب طموحاتهم وأطماعهم . فبدأت حركة استكشافات جغرافية واسعة . لقد كانوا يبحثون عن خيار آخر غير أوربا التي ضاقت بهم ، وضاقت إمكاناتها فأصبحت الحروب هي لغة التعامل في التنازع على الثروات والموارد الطبيعية والأراضي . أصبح البحث عن أرض جديدة بمثابة الحل الأمثل للمشاكل التي تعانيها القارة الأوربية ، الصراعات السياسية ، الأزمات الإقتصادية ، الخلافات المذهبية والإضطهاد الديني . في عام 1492 م تم اكتشاف أميركا ، واكتشفت أستراليا عام 1606 م فكانتا الحل الذي انتظره الأوربيون قروناً . فأخذت موجات المهاجرين تتدفق على الأرض الجديدة ، لكنهم لم يجدوا حضارة مزدهرة كما في الشرق ، بل قبائل بدائية وشعوباً متأخرة ، سرعان ما أبادوها ، وليقيموا فيها إلى الأبد
العلاقات في الفترة الصليبية
بقي الصليبيون قرنين في الشرق الأوسط ، أسسوا فيها بضع دول ، يحيط بها المسلمون من أهل البلاد . وكان الصليبيون يحملون السمات الأوربية آنذاك من التأخر العلمي والجمود الفكري ، إضافة إلى فظاظة وقسوة واضحة ، فلم يكن لديهم ما يعطونه بقدر ما تعلموه من المسلمين . وعلى الرغم من أن الحضارة الإسلامية في القرن الثاني عشر قد فقدت بريقها وأبهتها ، ولكنها كانت ما تزال على مستوىً عال مقارنة بالوضع الأوربي . ولا يسع المجال للتطرق إلى تفاصيل التأثير الإسلامي على الغازين الصليبيين ، ولكن سنذكر بعضها . فعلى الصعيد العسكري تعلم الأوربيون استخدام الحمام لنقل البريد ، واستعمال النار لإعطاء إشارات ضوئية ليلاً والتخاطب عن بعد . وأصبحت زهرة الزنبق ، شعار الطبقة الأرستقراطية المسلمة ، من مظاهر النبلاء والأمراء الأوربيين . وتعلم الأوربيون استخدام السكر ، الذي كان ينتج بكميات كبيرة . وكانوا حتى ذلك الوقت يستخدمون العسل في الطعام والأدوية .
وأصبحت الألفاظ والكلمات العربية متداولة ، إذ وجدت طريقها إلى اللغات الأوربية إلى يومنا هذا . وهيأ الإتصال المباشر مع العرب المسلمين فرصة للأوربيين في التعرف إلى الأدب العربي والعادات والتقاليد . يقول المؤرخ توماس آرنولد : في القرن الثاني عشر ، جذب الإسلام الكثير من الصليبيين ، الذين إعتنقوه . ولم يقتصر ذلك على الناس العاديين ، بل الأمراء والقادة . ففي الليلة السابقة لمعركة حطين ، إعتنق الإسلام ستة أمراء من مملكة القدس ، والتحقوا بقوات العدو (المسلمين) ، دون إكراه [1] .
كانت الوضعية السياسية للمنطقة عبارة عن مجموعة من الإمارات الصغيرة ، المتداخلة الحدود ، بعضها يحكمها مسلمون والأخرى يحكمها مسيحيون . وكانت العلاقات بينها تتراوح بين التعاون والمصالح وبين التوتر والحروب . وكل حاكم أو أمير يرتبط بعلاقات مع جيرانه المسلمين والمسيحيين وفق ما تمليه مصالحه . فكانوا يعقدون معاهدات واتفاقيات تنظم شؤون العلاقات والتجارة والضرائب ومرور القوافل والحجاج والمسافرين . مثلاً ، سمح ريموند Raymond حاكم طرابلس الصليبي لقوات الملك الأفضل بالمرور في أراضيه لخوض حرب ضد عدوه . وكان رتشارد الأول I Richard على علاقة ودية مع الملك العادل .
لقد كان من الطبيعي أن تقوى العلاقات بين الأمراء والحكام المسلمين والمسيحيين معاً . وقد تصل العلاقات إلى مستوى التحالف العسكري بين المسلمين والصليبيين ، فتجد حلفاً يضم حكاماً مسلمين ومسيحيين يناوئ حلفاً آخر يضم أيضاً مسلمين وصليبيين . ففي عام 1115م أرسل السلطان السلجوقي محمد حملة لتأديب حكام حلب ودمشق الذين اتهمهم بقتل حاكم الموصل عشية الاستعداد للهجوم على الفرنج . «وعندما وصلت الحملة كانت تنتظرها مفاجأة ، فقد كان بغدوين Bagdwin ملك القدس الصليبي يقف إلى جانب طغتكين حاكم دمشق محاطين بعساكرهما وعساكر إنطاكية وحلب وطرابلس . فإذ كان أمراء الشام ، مسلمين وفرنجاً على السواء ، قد أحسوا بأنهم مهددون من قبل السلطان فقد قرروا أن يتحالفوا ، واضطر الجيش السلجوقي إلى الانسحاب بشكل مخجل بعد عدة اشهر . وعندها أقسم السلطان محمد بألا يهتم بالمشكلة الفرنجية . ولسوف يبر بقسمه» [2].
لقد بات من الأمور العادية أن يستعين الحاكم بقوة حاكم مجاور دون النظر إلى دينه ، مسيحي أم مسلم ، فالمهم هو أن ينجد الحاكم بقوة عسكرية لمواجهة وضع متأزم ، عصيان داخلي أو غزو من خارج الإمارة. ففي عام 1130م قتل بيمند الثانيBohemond II حاكم إنطاكية Antioch على يد غازي إبن الأمير دانشمند «وأرسل رأسه الأشقر محنطاً بعناية وموضوعاً في علبة من الفضة هدية إلى الخليفة العباسي في بغداد . وعندما وصل نبأ موته إلى إنطاكية نظمت أرملته (أليكس) إبنة بغدوين الثاني ، ملك القدس ، إنقلاباً حقيقياً . فتعاونت مع المسيحيين الشرقيين المقيمين في المدينة ، وأرسلت رسالة إلى زنكي الأتابكي تعرض فيه حلفاً ضد أبيها بالذات ، وتعده بالاعتراف بسلطانه المطلق . قبض أبوها على الرسول وعلى الحصان المهدى إلى زنكي ، ودخل إنطاكية بجيشه لإعادة الأمور إلى ما كانت ، بيد الصليبيين» [3].
يعلق أحد المؤرخين على هذا الموقف فيقول: «إنه لموقف غريب يعلن عن ولادة جيل جديد من الفرنج ، الجيل الثاني ، ليس بينه وبين رواد الغزو أي شيء مشترك . فإذ كانت الأميرة الشابة من أم أرمنية ، ولم تكن قد عرفت أوربا أبداً ، فإنها تشعر بأنها شرقية وتتصرف على هذا الأساس» [4].
وكانت الكنيسة الرومانية ترى أن هذه الوضعية مخالفة للتعاليم المسيحية «وأن الذين يتاجرون بالأمتعة الحربية مع المسلمين ، على الرغم من تحريم ذلك من قبل المجالس الكنسية ، يعتبرون أبناء شريرين للكنيسة ، وهم مسيحيون مزيفون ، يؤمنون بعقيدة الكنيسة الرومانية بالكلام فقط ، وينكرونها بأفعالهم» [5]. وتطرق وليم William of Adamإلى أنواع التعامل مع (الظالمين) الذين «يدمرون ميراث الرب» . ووضعت مقررات كنسية وصدرت أوامر بابوية تقيد التجارة بالمواد الحربية فأصبح ممنوعاً، التجارة بالسلاح ، الحديد ، الخشب وبناء السفن ، أو الإبحار نحو موانئ العدو في كل الأحوال . وأما المتاجرة بالأغذية وغيرها فتصبح ممنوعة في حالة الحرب فقط [6] . ومع ذلك بقيت التجارة مزدهرة مع المسلمين ، وبقيت الإتصالات غير التجارية جارية بين الجماعات المسيحية والعالم الإسلامي .
ولقد دهش الرحالة الأندلسي إبن جبير الذي كان يزور دمشق في تلك السنة ، 1183م حين كان صلاح الدين يستعد لمعركة حطين ، لرؤية القوافل تذهب وتجيء بيسر بين مصر ودمشق عبر بلاد الفرنج . وقد لاحظ أن للنصارى على المسلمين ضريبة يؤدون في بلادهم ، وهي من الأمَنَة على غاية . وتجار النصارى أيضاً يؤدون في بلاد المسلمين على سلعهم . والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال . وأهل الحرب مشتغلون بحربهم ، والناس في عافية» [7].
أما أهل الحرب فكان يملأهم الملل والتعب من حصار المدن والقلاع ، والمناوشات الحربية الدائمة . «وشيئاً فشيئاً قامت صيغة تعايش ، فكان فرسان الفرنج وأمراء المسلمين يتداعَون بين مناوشتين إلى مآدب ، ويتحادثون بدعة ، ويمارسون الألعاب معاً في بعض الأحيان كما يروي بهاء الدين : ذات يوم قرر الرجال من الفريقين ، وقد أتعبهم القتال أن ينظموا معركة بين الأولاد ، فخرج فَتَيان من المدينة لمقارعة فتيين من الكفار . وفي حمأة المصارعة وثب أحد الصبيين المسلمين على نظيره وطرحه أرضاً وأخذ بخناقه . وعندما رأى الفرنج أنه يوشك أن يقتله اقتربوا منه وقالوا له : دعه ! لقد صار حقاً أسيرك وسوف نفتديه منك . وأخذ دينارين وتركه» [8].
وكانت تجارة العبيد من التجارات المزدهرة في تلك العصور . وقد مارس المسلمون والمسيحيون هذه التجارة ، وكان العبيد من كل الأديان أيضاً ، مسلمين ومسيحيين ويهوداً . فأصحاب المزارع والملاك والأمراء كانوا يشترون العبيد للعمل في الأرض والزراعة وتربية المواشي . وكانت المصالح الذاتية هي الأساس في تعاملهم مع الواقع . وقد نشأت أعراف وتقاليد بعضها متعصب وبعيد عن التسامح ، مثلاً لا يستطيع أمير مسيحي طرد مسلم من أرضه دون سبب ، لا يؤذيه . من جانب آخر كان الحكام المسيحيون يمنعون المسيحي من العمل في منزل مسلم أو يهودي . وأن لا يعمل المسلمون واليهود في الوظائف العامة ، وعليهم أن يرتدوا ملابس معينة . وكانت لائحة كليمنتينا Clementinaeتمنع نداءات الصلاة أو الحج في الأراضي الخاضعة للسيطرة المسيحية .


  رد مع اقتباس
droitvb
قديم 28-06-2011 ~ 06:51
droitvb غير متصل
افتراضي رد: محاضرات في مقياس المؤسسات والعلاقات الدولية لطلبة السنة أولى حقوق ل م د (01)
  مشاركة رقم 2
 
الصورة الرمزية لـ droitvb
 
عضو
تاريخ الانتساب : Aug 2009
droitvb سيحقق الشهرة بما فيه الكفاية قريباً


مشكور اخي
علي الموضوع
  رد مع اقتباس
smail31
قديم 28-06-2011 ~ 07:00
smail31 غير متصل
افتراضي رد: محاضرات في مقياس المؤسسات والعلاقات الدولية لطلبة السنة أولى حقوق ل م د (01)
  مشاركة رقم 3
 
عضو
تاريخ الانتساب : Jun 2011
smail31 سيحقق الشهرة بما فيه الكفاية قريباً


شكرا جزيلا
  رد مع اقتباس
youcef66dz
قديم 13-07-2011 ~ 05:35
youcef66dz غير متصل
افتراضي رد: محاضرات في مقياس المؤسسات والعلاقات الدولية لطلبة السنة أولى حقوق ل م د (01)
  مشاركة رقم 4
 
الصورة الرمزية لـ youcef66dz
 
عضو ممتاز
تاريخ الانتساب : Oct 2009
youcef66dz سيحقق الشهرة بما فيه الكفاية قريباًyoucef66dz سيحقق الشهرة بما فيه الكفاية قريباً

الاوسمة



العفو ... شكرا على المرور الكريم .
  رد مع اقتباس
العدالة
قديم 06-01-2012 ~ 09:40
العدالة غير متصل
افتراضي رد: محاضرات في مقياس المؤسسات والعلاقات الدولية لطلبة السنة أولى حقوق ل م د (01)
  مشاركة رقم 5
 
الصورة الرمزية لـ العدالة
 
مشرفة قسم السنة الـاولى و الثانية LMD
تاريخ الانتساب : Jul 2011
المكان : حيث يوجد الظلم حتى أقضي عليه بعون الله و توفيقه
العدالة سيحقق الشهرة بما فيه الكفاية قريباً

الاوسمة



شكرا على المعلومات الجيدة
تم نقله لقسمه المناسب
لأنه لا يتعلق بنظام ل م د
  رد مع اقتباس
HOUCINE AISSANI
قديم 15-10-2014 ~ 11:56
HOUCINE AISSANI غير متصل
افتراضي رد: محاضرات في مقياس المؤسسات والعلاقات الدولية لطلبة السنة أولى حقوق ل م د (01)
  مشاركة رقم 6
 
عضو جديد
تاريخ الانتساب : Oct 2014
HOUCINE AISSANI سيحقق الشهرة بما فيه الكفاية قريباً


عرض المشاركة الكاتب : youcef66dz عرض المشاركة
محاضرات في مقياس المؤسسات والعلاقات الدولية لطلبة السنة أولى حقوق ل م د .
مقدمة
الجذور التاريخية والفكرية التي سبقت نشأة القانون الدولي
العلاقات الدولية ثمرة مساع مشتركة قامت بها الشعوب قديماً
قانون الشعوب ارتضته الدول لتنظيم العلاقة فيما بينها في السلم والحرب
ثلاثة قرون هي عمر نشأة القانون الدولي إثر المنازعات الأوروبية
● العلاقات الدولية هي ثمرة مساع مشتركة قامت بها الشعوب قديما وفرضتها عليها المنازعات والمصالح التجارية، ومنها انبثق ما يسمى بالقانون الدولي ومن ثم تفرع إلى قانون دولي عام وخاص بمفهومه الواسع حديثا.
وكما تسرد الدراسة التالية أن نشأة القانون الدولي تمتد تاريخيا فقط من ثلاثة قرون وبالطبع سبقته العلاقات الدولية بين الدول بعضها ببعض.. الأمر الذي يؤكد فطرة الله التي خلق الناس عليها وهي حاجتهم لبعضهم البعض مهما تعددت مصالحهم واختلفت مشاربهم وتناقضت أهواؤهم.. إلا أن الفطرة البشرية هي الغالبة عليهم ولهذا لابد من تنظيم هذه العلاقة. والدراسة التالية تحكى قصة نشأة العلاقات الدولية ومن ثم القانون الدولي..
عندما خلق الله تعالى الإنسان جعل فيه نوعا من النزوع إلى الحياة مع الآخرين والالتقاء بهم، إذ أنه لا يستطيع أن يعيش منعزلا بمفرده عن بني جنسه، يستوي في ذلك الأفراد والجماعات والدول. ومن هنا نشأت العلاقات بين الأمم البشرية، بل وحتى بين الأمم غير البشرية، حيث قال سبحانه وتعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) الأنعام 38.
وقد جعل الله تعالى الناس شعوبا وقبائل وميَّز بينهم ليكون هذا التمايز سببا للتعارف والتعاون، فقال: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) الحجرات 13.
ومن هنا كان للأمم في علاقاتها مع غيرها قواعد مرعية ومبادئ تعارفت عليها منذ العصور الغابرة، وعليها أقامت أساس العلاقات في حالي السلم والحرب حتى قال مونتسكيو: «ما من أمة إلا ولها في حقوق الدول نظام، حتى قبائل إركوا ـ في أمريكا الشمالية ـ الذين يأكلون أسراهم لهم نظام من هذا القبيل! فإنهم يرسلون رسلهم ويستقبلون رسل غيرهم، ويعرفون أحكام السلم والحرب. ولكن من سوء أمرهم أن نظام حقوقهم غير مبني على الصحيح من الأصول».
وقال بعض الكاتبين: « إن مجرد تعايش الشعوب جنبا إلى جنب يخلق في نفوسها شعورا بالواجب الخلقي والشرعي يتبلور ويستحيل على مرِّ الزمن إلى نظام من القانون الدولي».
فالعلاقات الدولية والقانون الدولي ثمرة المساعي المشتركة التي تقوم بها الشعوب وتتعاقب عليها الأجيال. ويكفي أن توجد جماعتان حتى تشتبك بينهما المصالح، وتضطرهما إلى التعامل والتعاقد قواعد وتقرير قواعد الحرب والسَّلم، فلذلك ترى الأوضاع الدولية ـ على رغم ما فيها من ضعف ظاهر ـ قليلة التحول، كثيرة التشابه، ولابد لكل جماعة ذات كيان أن تحرص على توثيق عُرى الصلات بمجاوريها، وأن تحافظ بقدر ما تستطيع في صلاتها على المبادئ الشريفة والقواعد العادلة، التي يحترمها ـ في الغالب ـ أهل العصر، ويوحي بها الوجدان والعقل.
وجدت هذه القواعد بوجود الجماعات الإنسانية ذاتها، وقبل أن تكتسب صفة الدولة كما يعرفها القانون الدولي الحديث، فكان ذلك بداية لنشأة العلاقات الدولية أو القانون الدولي العام، على تسامح في التعبير، لأن القانون الدولي بمعناه الحديث لا يتجاوز عمره ثلاثة قرون منذ أواسط القرن السابع عشر الميلادي على إثر المنازعات الأوربية التي انتهت بإبرام معاهدة وستفاليا سنة (1648م) والتي تعتبر فاتحة عهد جديد للعلاقات الدولية والنقطة التي يبدأ عندها تاريخ القانون الدولي في وضعه الحالي، حيث نشأ ـ في الأصل ـ في أوربا ثم امتدَّ سلطانه خارجها إلى الدول التي اعتنقت المدنية الأوربية. ولذلك كان القانون الدولي ظاهرة حديثة ذات جذور بعيدة موغلة في القدم.
وقد كان الكاتبون الغربيون الذين يبدؤون البحث في القانون الدولي يتلمسون طريقهم وسط الإبهام والغموض اللَّذَيْن يرافقان معظم حقول البحث الجديدة. وكان الإبهام الذي اتصف به القانون الدولي في بداية نشأته ظاهرا بوجه خاص في النظريات المشوشة التي اعتمدت لتفسير طبيعته ومصادره. ثم بسبب انعدام القوة القهرية الكافية لتأمين احترام القواعد الدولية ومحدودية المخاطبين بأحكامها، تردّد بعض الكتاب حتى في إعطاء صفة القانون الإلزامي لمثل هذه القواعد.
ولذلك نجد ضرورة لدراسة التطور في العلاقات الدولية بين الأمم والشعوب في الحضارات القديمة ثمَ ما يليها من العصور حتى نصل إلى العصر الحديث، لأن ذلك ضروري لفهم قواعد العلاقات والتعرف على حوادثها التاريخية وكيفية وقوعها وأسبابها، لئلا نقبل قواعد على أنها حقة لا تقبل المناقشة، وهي في الواقع مخالفة له، وقابلة للرد ومن الواجب العمل على إلغائها واستبدالها.
العلاقات الدولية في العصور القديمة
يقصد بالعصور القديمة تلك الحقبة الزمنية الممتدة منذ اكتشاف الإنسانية الكتابة، المعتبر بداية التاريخ، إلى انقسام الإمبراطورية الرومانية في عام (395) أو إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام (476م).
ويرجع بعض الشراح من القانونيين في بحثهم التاريخي عن أصول العلاقات الدولية في العصور القديمة إلى الشعوب الآسيوية والإفريقية، حيث ازدهرت المدنيات الكبرى على التوالي في مصر وسوريا و قرطاجة وبلاد اليونان وروما، وكلها على البحر المتوسط، وقد كشفت آثار بابل وآشور ومصر والصين والهند عن قيام علاقات دولية ووجود عدد من القواعد التي كانت تحكم هذه العلاقات.
(أ) ففي مصر: أبرم رمسيس الثاني معاهدة صلح مع ملك الحيثيين في شمال سوريا في آسيا الصغرى، في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، بقصد إقامة سلام دائم وتحالف وصداقة وتبادل تجاري. كما نصت المعاهدة على تسليم المذنبين على ألا توقع عليهم عقوبات معينة. وكان ذلك حينما أغار خيتا ملك الحيثيين على حدود مملكة فرعون في سورية، فهزمه رمسيس وطلب خيتا الصلح واقترح شروطا سلَّم فيها بكل ما طلبه رمسيس، وكتبه باللغة الهيروغليفية في نسختين على صحائف من الفضة وأرسلها مع الهدايا إلى فرعون مصر.
كما نجد في الوثائق التاريخية التي تحدثت عن المصريين والبابليين القدماء نصوصا لاتفاقات ومعاهدات عقدت مع جيرانه تتعلق بقضية مياه الأنهار المشتركة وحق كل دولة منها باستهلاك الماء وتسوية الخلافات حول الحدود وتبادل الأسرى.
(ب) وأما في مملكة الحيثيين، التي ظهرت قبل الميلاد بسبعة عشر قرنا: فقد أظهرت الكشوف الحديثة في بداية القرن العشرين وثائق غنية بالمعلومات عن هذه المملكة التي كان لها دور في أحداث آسيا الصغرى وما جاورها، في مرحلة من تاريخ الإنسانية هامة، وقد كشفت الوثائق ما كان عندهم من نشاط دبلوماسي وافر، وكانت معاهداتهم مع مصر الفرعونية ـ كما تقدم ـ نوعا هاما من أنواعه. وكان الحيثيون يعتبرون العالم فيما وراء حدود بلادهم ـ وباستثناء من تربطهم بهم معاهدات يقوم على احترامها السلم المتبادل ـ دار حرب، للأقوى فيها أن ينال ما تَقْدِرُ جيوشه على تناوله، غُنْما مباحا، لا يحميه دونها قانونٌ مّا.
(ج) وكانت الصين ترسل البعثات الدبلوماسية للدول المجاورة، واحتوى قانون «مانو» الذي انتشر في الهند سنة ألف قبل الميلاد، على قواعد تتعلق بالعلاقات الدولية من حرب ومعاهدات وسفارات.
(د) أما اليهود، فقد كانت علاقتهم مع الآخرين ـ كالعمالقة ـ علاقة عداء لم تعرف السلم بأي حال. وعند القتال لم يقتلوا المحاربين وحدهم، بل أعملوا القتل في الشيوخ والنساء والأطفال في عقر دورهم، ففي سفر صموئيل «قال صموئيل لشاول: فالآن اذهب واضرب عماليق، وحرِّموا كل ماله، ولا تَعْفُ عنهم، بل اقتلهم رجلاً وامرأة، طفلا ورضيعا، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً».
وكانوا ينظرون ـ ولا يزالون ـ إلى الأمم الأخرى نظرتهم إلى شعوب وضيعة في سلَّم الإنسانية، وتضع نظمها وقوانينها على هذا الأساس، فيتم التفريق بين هؤلاء وأولئك أمام القانون وفي كثير من شؤون الاجتماع. فمن ذلك مثلا أن الإسرائيليين محرّم عليهم أن يقتل بعضهم بعضا وأن يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، على حين أنه مباح للإسرائيليين، بل واجب عليهم أن يغزوا الشعوب الأخرى و«أن يضربوا رقاب جميع رجالها بحدّ السيف ولا يُبْقٌوا على أحد منهم، وأن يسترقُّوا جميع نسائها وأطفالها، ويستولوا على جميع ما فيها من مال وعقار ومتاع أو ينهبوه نهباً».
ومن ذلك أيضا: أنه لا يجوز للإسرائيلي أن يتعامل بالربا مع أخيه الإسرائيلي، ولا أن يأخذ منه رهنا بدينه، أما غير الإسرائيلي فيجوز له أن يتعامل معه بأشنع أنواع الربا الفاحش.
وأما الشعوب الأخرى التي لم يكن بينها وبين اليهود عداء، فقد أقاموا معهم علاقات دولية واحترموا المعاهدات التي كانوا يبرمونها مع الشعوب الصديقة، وذلك نزولا على حكم الضرورة، أو التزاما بحكم الدين قبل أن يحرّفوه، حيث عقد سليمان عليه السلام مع حيرام ملك صور الفينيقي عهد سلام وتجارة، كانا فيه نِدَّيْن متكافئين. وكان ملوك إسرائيل ويهودا يعاهدون ملوك آرام في دمشق وغيرهم من أمراء الشام ومصر وجزيرة العرب. وفي هذا أيضا نجد في كتابهم ما يدل على ذلك كما في سفر التثنية، حيث جاء فيه:
«حين تقترب من مدينة (غير مدن الأعداء التقليديين) لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك. وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء الأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا (مدن غير الأعداء التقليديين) التي ليس من هؤلاء الأمم هنا (الأعداء التقليديين) وأما من هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة مّا».
(هـ) وأما اليونان: فقد بلغت شأواً عظيما في الفلسفة والعلوم والفنون والآداب في ذلك الوقت، وكان لهذا أثره في تنظيم العلاقات بين المدن اليونانية التي تشكل الوحدات السياسية الدولية، كأثينا وإسبارطة وتيرا وبولوني، وكانت علاقة هذه المدن ببعضها ـ إلى ما قبل الغزو المقدوني ـ على قدر كبير من الاستقرار، تسيطر عليها فكرة المصلحة المشتركة والرغبة في بقاء العلاقات الودية بحكم ما بينها من صلات الجنس واللغة والدين. وبسبب التكامل الاقتصادي الذي طبع علاقاتها. لذلك كانت تتبادل الممثلين، وتعقد الاتفاقات فيما بينها، وتشترك في المؤتمرات، وتقبل التحكيم في المنازعات في وقت السلم. أما في وقت الحرب فكانت تراعي قواعد معينة في إعلان الحرب ومعاملة الأسرى ودفن الموتى، وحرمة أماكن العبادة والأماكن التي تقام بها الألعاب الرياضية.
وأما الوجه الثاني، وهو علاقات هذه المدن بغيرها من البلاد غير اليونانية، فكان أساسه نظرة الاستعلاء والتفوق على سائر الشعوب الأخرى، لأنهم يعتبرون أنفسهم عصرا ممتازا، من حقهم استعباد الشعوب الهمجية ـ بنظرهم ـ والسيطرة عليها وإخضاعها، لأنها شعوب بربرية، لذلك يؤكد أرسطو أن الطبيعة قد قضت أن يكون البرابرة عبيدا، حيث قال: إنما الطبيعة وهي ترمي إلى البقاء هي التي خلقت بعض الكائنات للإمرة وبعضها للطاعة.
وعلى الرغم من أن أفلاطون قد نصح مواطنيه أن يكونوا أكثر تساهلا في معاملاتهم المتبادلة، إلا أنه لم يستسغ قطّ فكرة أن غير الإغريق يستحقون أي نصيب مما يقترح من معاملات أكثر ليناً أو تسامحاً. ولذلك كانت علاقتهم بغير الإغريق علاقات حروب وعداء، لا تخضع لأي قواعد أخلاقية، ولا تراعى فيها أي اعتبارات إنسانية.
وأَنَّى للوطنية الضيقة، التي كانت سائدة في اليونان، أن تقبل فكرة عالمية دولية! ولذلك كانت «الفكرة العالمية التي نطق بها بعض حكمائهم كسقراط وانسكاغوراس شاذة لم تنل أنصارا وانتصارا في اليونان، فكان نظام أرسطو طاليس الأخلاقي مبنيا على التمييز بين اليوناني وغير اليوناني، وكان حب الوطن يتقدم فضائل الأخلاق التي أجمع عليها حكماء اليونان، وأن أرسطو طاليس لم يكتف بحب وطنه والولاء له، بل قال: إن اليونانيين ينبغي لهم أن يعاملوا الأجانب بما يعاملون به البهائم، وقد راجت هذه الفكرة الوطنية الضيقة في الأوساط اليونانية وتغلغلت في الأحشاء، حتى لما قال فيلسوف إنه لا يخص مواطنيه بمواساته بل سيكون برُّه عاما لجميع اليونانيين، استشرفه الناس عجبا ونظروا إليه شزرا».
(و) الرمان: وبعد سقوط الحضارة الإغريقية، قام ورثتها الرومان فبسطوا سيطرة الإمبراطورية الرومانية على كل ما جاورها من البلاد وأخضعوها لحكمهم، فكانت بمثابة الدول التابعة، ولم يختلف الرومان كثيرا عن الإغريق في نظرتهم إلى ما سواهم من الشعوب، وفي ادعائهم التفوق والسيطرة على العالم، «فإن روما قد غزت اليونان سياسيا ولكنها ما لبثت أن تلقَّت هي بدورها غزو اليونان فكريا، حيث نشروا قوانينهم وأقاموا معهدا من الأحبار الذين تولوا إدارة العلاقات مع البلدان الأجنبية عند إعلان الحرب أو السلم وعقد معاهدات الصداقة أو التحالف».
قانون الشعوب
وفي روما ظهرت مجموعة من القواعد القانونية ذات الطابع الديني، تحكم العلاقات التي تنشأ بين الرعايا الرومان ورعايا الشعوب التابعة لروما، متميزة عن قواعد القانون المدني المحلي. وكان ذلك القانون يسمى بـ«قانون الشعوب» أو «قانون الأمم» وكان يقوم على وضع هذا النظام والإشراف على تنفيذه هيئة مكونة من عشرين من رجال الدين، ولم يكن «قانون الأمم» قانونا دوليا. أي إنه لم يكن طائفة من الالتزامات والأحكام ارتضته الدول بوجه عام لتحديد علاقاتها بعضها ببعض... فقد كانت بعض العادات العامة تراعى ويتقيد بها في السلم والحرب، كالحماية المتبادلة للتجار والدبلوماسيين الدوليين ووقف القتال لدفن الموتى، والامتناع عن استخدام السهام المسمومة، وما إلى ذلك.
وكان شرَّاح القانون الروماني يصفون قانون الأمم هذا بأنه قانون عام يشمل الأمم جميعها. ولكن هذا لم يكن إلا من قبيل التفاخر الوطني الكاذب. فلم يكن هناك إلا قوانين محلية كُيِّفتْ بحيث تتفق مع السيادة الرومانية. وكان الغرض منها أن يستطاع بها حكم شعوب إيطاليا والولايات التابعة للدولة الرومانية من غير أن يعطى لأهلها حق المواطنية الرومانية وغيرها من الحقوق المنصوص عليها في القانون المدني.
أما رعايا الشعوب الأخرى، فلم يكونوا يتمتعون بأية حماية قانونية. بل كان يجوز استرقاقهم أو قتلهم، وكان كل أجنبي يدخل روما يصبح هو وماله ملكا لمن يقبض عليه من سكان روما الأصليين.
وعلى أي حال، فقد تميز هذا العصر بطابع العداء المتبادل بين الشعوب، وكان التعاون بينها في أضيق الحدود وبحرص شديد. ومن الطبيعي أن يكون الأمر كذلك في مجتمع يرفع شعار القوة والعنصرية، ويعيش على أساس سيطرة الدولة القوية على باقي دول العالم.
والذي يلاحظ على فكرة القانون الدولي في كل تلك الحضارات والأمم القديمة: أنه لم يكن قانونا مشتركا بين كل الدول القديمة، ولا يعترف بالمساواة أمام القانون لمختلف الأجناس، ويعوزه الأساس الذي يكسبه وصف الإلزام، ومن ثم فإن الأسس الاجتماعية لقانون دولي كانت ناقصة تماما، على الرغم من ازدهار كثير من القواعد والتشريعات في النواحي المدنية ـ عند بعضهم ـ بشكل لم يسبق له مثيل في الأمم والحضارات السابقة. ولم تجد الأحكام الدولية أساسا مكينا يكسبها وصف الإلزام إلا في ظل الدين، فعندئذ اكتسبت من العقيدة الدينية قدسيتها ومن العقاب الإلهي الجزاء المترتب على مخالفتها.
ويمكن أن نوجز الكلام على هذه المرحلة: بأن القانون الدولي كان في التاريخ القديم يقوم على الاحتكاك المباشر بين الشعوب، ولم يصل إلى درجة قانون تنظيمي إقليمي فضلا عن أن يكون تنظيما دوليا. وتوجد شواهد تاريخية عديدة على أن كثيرا من الشعوب الشرقية كانت لهم بعض أنظمة تشابه من بعض الوجوه ما يوجد في القانون الدولي الحديث.
العلاقات الدولية في العصور الوسطى
يمكن تحديد العصور الوسطى تاريخيا بالقرون العشرة الواقعة بين سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام (476م) إلى فتح المسلمين للقسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية، على يد السلطان محمد الفاتح عام (1453م). ويذهب بعض المؤرخين إلى أنها تمتد إلى نهاية القرن الخامس عشر.
وفي هذه العصور ظهرت الممالك الإقطاعية في أوربا، ولم تكن المملكة وحدة تباشر السيادة الداخلية والخارجية. وكان السلطان للقوة والحق للأقوى.
ثم جدَّت مؤثرات كان لها دورها في العلاقات الدولية، ومن ذلك:
(أ) انتشار النصرانية في أوربا، حيث أصبحت الديانة الرسمية للدولة الرومانية، بعد أن اعتلى قسطنطين ـ الذي اعتنق النصرانية في آخر حياته ـ عرض الإمبراطورية سنة (306)، وكان من آثار ذلك قيام رابطة دينية بين مجموعة الدول الأوربية، أدت إلى نشوء ما يسمى بالأسرة الدولية المسيحية، يتساوى أفرادها في الحقوق ولهم المُثُل والمبادئ المشتركة نفسها، ويسلِّم الجميع للبابا الكاثوليكي بالسلطة الروحية العليا. وظهرت فكرة جديدة للسلام العالمي في صورة دينية تبسط بواسطة الكنيسة الكاثوليكية أجنحتها على العالم النصراني وتحاول وفق نظرياتها الدينية وأطماعها في السيادة العالمية أن تفرضه على رعاياها. وبدأت فكرة السلام بما يسمى «هدنة الرب» وتضافرت جهود البابا والإمبراطور للقضاء على العنف في العالم المسيحي، ونشر السلام بين الرعايا المؤمنين في سبيل السعادة الأبدية.
وقد ساعد على تضامن الجماعة النصرانية ظهور الدين الإسلامي وانتشاره حتى شمل مجموعة كبرى من الدول بات يخشى ازدياد نفوذها وانتزاعها لسيادة العالم من النصرانية. وكان من أثر ذلك قيام الحروب الصليبية وما تركته من آثار. وعلى الرغم من هذا، فإن النصرانية في أوربا كانت عقبة أمام نمو القانون الدولي بمعناه الحالي، لأمرين:
● أولهما: أن الرابطة التي قامت عليها العلاقات الدولية كان من شأنها أن تقصر هذه العلاقات على الدول النصرانية فيما بينها، وتقصي عن الجماعة الدولية سائر الدول غير النصرانية كالشعوب الإسلامية. فلا عجب إذن أن يصدر البابا نقولا الرابع (1292م) والبابا أوربانوس السادس (1389م) فتوى دينية تاريخية تقول: «إن الغدر إثم، ولكن الوفاء مع المسلمين أكبر إثما».
● ثانيهما: أن سلطة البابا الدينية وسيطرة الكنيسة على الشؤون الداخلية والخارجية تتنافى مع استقلال الدول ومساواتها، وهو أساس القانون الدولي العام التقليدي.
على أن تسلط الكنيسة ومحاولتها التدخل في كل شؤون الدول النصرانية أدى إلى قيام نوعين من الصراع في العصور الوسطى الأول: صراع مع الدولة لكي تتغلب على أمراء الإقطاع تحقيقا لوحدتها ومصلحتها، وتأكيدا لسيادتها، وكان لها الغلبة في ذلك.
والثاني: صراع الدول لكي تؤكد استقلالها في مواجهة الكنيسة وسلطان البابا، وقد انتهى هذا الصراع في حروب الثلاثين سنة التي انتهت بمعاهدة وستفاليا سنة (1648)، وبموجبها أعيد إنشاء العلاقات الدولية بين القوى الأوربية التي تقود أعنَّة الحياة السياسية لسنوات عديدة، ووضعت أسس جديدة لتحديد حقوقها تحديدا واضحا مرسوما، كما انتهى نظام القرون الوسطى وقواعد القانون العام القديمة وفكرة الطموح في إنشاء إمبراطورية عالمية واحدة، وحلّ محلها اتحاد الدول الجرمانية بعد شطر أوربا الوسطى إلى دول كاثوليكية وأخرى بروتستانتية، وبرزت فكرة توازن القوى في العلاقات السياسية الدولية في عالم ما بعد الإصلاح الديني.
(ب) ومن العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية: اكتشاف القارة الأمريكية سنة (1492م) فقد أثار هذا الاكتشاف فيما بعد، مسائل دولية جديدة، في مقدمتها مسألتا الاستعمار وحرية البحار. ودفع ذلك فقهاء القانون الدولي إلى معالجة هذه المسائل، وظهرت فيها مؤلفات أهمها كتاب جروسيوس «البحر الحر» دعم فيه مبدأ حرية البحار وحرية التجارة مع البلاد المكتشفة حديثا، والذي كان له أعظم الأثر في توجيه القواعد الدولية في هذا الشأن إلى ما أصبحت عليه في الوقت الحاضر.
(ج) وما أن بدأ تيار الأفكار يسير نحو المبادئ الملائمة حتى صدمته حركة رجعية، إذْ ظهر كتاب ماكيافلي «الأمير» في سنة (1513م)، الذي يمثل هذه الحركة، ونشر به مذهبا يقوم على أنه «لا وجه لتطبيق علم الأخلاق في أمور الدولة»، وأباح للأمير أن يتظاهر بالرحمة والإنسانية والشفقة والتدين، ويفعل عكس ذلك متى دعت إليه المصلحة. وكان يدعو إلى تكوين دول أكبر من الإمارات الصغرى للوقوف في وجه الدين الإسلامي الجديد. وانتشرت تعاليم ماكيافلي ودانت لها أوربا، واتخذ الملوك والقواد العسكريون مبادئه شعارا لهم، واتجهت ميول السياسة نحو الفوضى الأخلاقية، وقامت على أساس الغش والخداع والوقيعة والدسائس. فكانت الحروب في غاية القسوة والغدر والجور، قتلٌ للكبار والنساء والصغار، وتخريب للبلاد، وتعذيب للأسرى ثم إعدامهم بعد ذلك.
مات ماكيافلي سنة (1527)، لكن مذهبه بقي شائعا من بعده زهاء قرن من الزمان بين رجال دول اوربا الذين تحرروا من قيود الأخلاق الفاضلة، فرحبوا بالفلسفة السياسية الحديثة المكيافيلية، وخلاصتها: «أن الأنانية والمنفعة الذاتية شعار الدولة السياسي». ولا يزال مذهب ماكيافلي منتشرا في معظم دول العالم.
إن كل ما وصفه ماكيافيلي في كتابه «الأمير» كان طابع ذلك العهد وما يتبعه السادة، بل لم تك ثمة أساليب وردت في هذا الكتاب لم يرتكبها الحكام منذ مدة طويلة ولم يتخذها كثير من رجال السياسة ديدنهم دائما قبل ظهور «ماكيافيلي» بلا حاجة إلى الاسترشاد بكتاب «الأمير». (د) وما كان لتلك الأفكار والمبادئ أن تنتشر دون أن تثير الشكوى وتدعو إلى شيء من الإصلاح والعلاج الشافي من تلك الأدواء، فقام مفكرون يعارضون تعاليم ماكيافيلي وأتباعه قائلين: إن العلاقات الدولية يحكمها في حالتي الحرب والسلم قانون أساسه العرف والعادة والحقوق الطبيعية للإنسان وللدول. ومن هؤلاء راهب اسباني اسمه «فيتوريا» وآخر اسمه «سوارس». وقام في إيطاليا محام هولندي اسمه «جينتيليس» وغيرهم من المفكرين الذين مهدوا لكتابات المحامي الهولندي «جروسيوس» الذي وضع كتابه عن «قانون الشعوب» وفيه تنظيم لكتابات أسلافه وتأصيل لها على أساس من التاريخ والمنطق، مستفيدا من نظريات كانت موضع احترام وقبول من المفكرين في ذلك العصر. ولذلك ينعت كُتَّاب الغرب جروسيوس بأنه «أبو القانون الدولي العام». وبهذه الحلقة انتهت مرحلة العصور الوسطى في القانون الدولي الأوربي، وبدأت مرحلة علمية جديدة هي العصر الحديث للعلاقات الدولية.
ومن الجدير بالذكر هنا أننا لم نخصص في هذا المبحث فقرة للعلاقات الدولية في الإسلام ـ وقد قامت دولته في هذا العصر ـ لأن ذلك يحتاج إلى مبحث مستقل قائم

القانون الدولي والعلاقات الدولية عند المسلمين-
.الدول الإسلامية ، كغيرها من الكيانات السياسية ، تقيم علاقات خارجية ، تنضم إلى المنظمات الدولية ، وتلتزم بالقانون الدولي والمبادئ العامة كمعايير تنظم علاقاتها مع الآخرين . فقد عاد من المستحيل ، في العالم المعاصر ، الانعزال عن الاتصالات الخارجية ، سياسياً واقتصادياً .وحتى أولئك الذين يبدون عداءً للغرب أو غير المسلمين ، إذا ما وصلوا للسلطة ، سيجدون أنفسهم مجبرين على إقامة علاقات خارجية ، وعقد معاهدات و اتفاقيات مع الدول غير الإسلامية . إن إدارة الدولة لا يمكنها أن تعتمد على الشعارات الثورية أو الأفكار المجردة ، ولا حتى على الحماس الديني ، بل بالتعامل بواقعية مع مفردات العصر ومتطلبات المجتمع الذي تدير شؤونه .
منذ عقد الثلاثينات في هذا القرن ، بدأت الدول الإسلامية في الانضمام إلى المنظمات الدولية; في البداية عصبة الأمم ، ثم منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها . إن مشاركة الدول الإسلامية في النظام العالمي يمكن اعتباره ظاهرة رائعة في التاريخ الحديث للدول الإسلامية . هذه الظاهرة لها جذور تاريخية عندما كان العالم الإسلامي يقيم علاقات وثيقة مع الغرب منذ القرون الوسطى . وامتدت تلك العلاقات على مدى قرون طويلة ، وتضمنت أشكالاً وأبعاداً مختلفة . لقد أثر كل طرف بالآخر في كل المجالات والنشاطات بين الدول ، في السياسة والاقتصاد والثقافة والقانون والعلم . فكان هناك تأثير متبادل بين الطرفين .
وقد جهد فقهاء القانون أنفسهم في محاولة تقريب وجهات النظر الفقهية والقانونية بين العقل الغربي والواقع الإسلامي المتمثل بالنظم والحكومات الإسلامية وعطاء المفكرين والفلاسفة المسلمين فهل وفقوا في ذلك؟ هذا هو جوهر موضوع هذه الدراسة
إن هدف هذه الدراسة هو تقييم ومتابعة تطور القانون الدولي في الإسلام من خلال علاقة العالم الإسلامي بالغرب . إذ سيقتصر البحث حول تأثير هذه العلاقة على القانون الدولي الإسلامي ، دون بقية العوامل الأخرى .
مفهوم القانون الدولي
يعرّف القانون الدولي بأنه مجموعة القواعد التي تعين حقوق الدول وواجباتها المختلفة في علاقاتها المتبادلة ، أو مجموعة القواعد القانونية الملزمة للدول والشخصيات القانونية الدولية الأخرى في علاقاتها المتبادلة . فالموضوع الذي يتعامل به القانون الدولي يقع خارج الدولة وليس في أنظمتها الداخلية . فهو ينصبّ على حقوق الدول وعلاقاتها مع بعضها . وقد أضيف إليه بعض الأفراد الذين يمثلون شخصيات دولية كالأمين العام للأمم المتحدة .
وتعود جذور القواعد الدولية إلى عصور سحيقة في التاريخ . فرغم عدم وجود علاقات وثيقة بين الوحدات الدولية والشعوب المتجاورة لكن الحاجة كانت تقتضي تنظيم بعض القضايا أو العلاقات المتبادلة في ظروف محدودة . فغالباً ما تنشأ حروب بينها ، وتنتهي بانتصار إحداها ، فيجتمع الفريقان لتنظيم قضايا تبادل الأسرى أو دفع الجزية أو الاتفاق على إنهاء حالة العداء بينهما ، أو المرور في أراضي الدولة الأخرى . وقد حفلت المصادر التاريخية باتفاقيات دولية في عهود الفراعنة والسومريين والآشوريين والبابليين واليونان والرومان والهند والصين وغيرهم . وشهدت روما والمدن والأقاليم المجاورة لها معاهدات صداقة تنص على احترام السفراء والمبعوثين ، وعلى التحكيم عند نشوء نزاع . ومنها نشأت بعض قواعد العرف الدولي ، وبتكرارها صارت قواعد قانونية دولية .
وبسبب النظرة الاستعلائية للرومان واليونان ، حيث أنها تعتبر نفسها شعوباً ممتازة ، وتعتبر الشعوب الأخرى همجية يجوز استعبادها بالقوة ، نشأت فكرة التمييز العنصري بين الدول; حيث امتازت تشريعات القانون الروماني بالكثير من المساواة بين أفراد الشعب الروماني ، في حين اختلفت تلك التشريعات عن التي وضعت لحكم شعوب الدول التابعة لروما أو ما كان يطلق عليهم البرابرة . وعندما يقع خلاف بين هذه الدويلات التابعة كانت روما هي التي تفصل فيه ، فنشأت بذلك فكرة وجود دولة كبرى لها صفة الرئاسة العليا بين الدول . وظلت هذه الرئاسة لأباطرة الرومان في عهد الدولة الرومانية الغربية (اللاتينية) . وبعد سقوطها عام 476 م انتقلت إلى الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) . ومن بعدها للإمبراطورية الجرمانية التي نشأت عندما قام البابا ليو الثالث بتتويج شارلمان في روما عام 800 م . فلما ضعفت هذه انتقلت سلطة الرئاسة للبابا ، فجمع في يديه سلطة الرئاسة الدينية ، التي كانت له على جميع أنحاء العالم المسيحي ، وسلطة الرئاسة الدنيوية على أمراء وملوك الدول المسيحية [3] .
تأثير المسيحية على القانون الدولي
في العصور الوسطى بات من الضروري قيام البابا بتتويج الملك ومنحه بركته ، وأخذت المجالس الكنسية تضع القواعد الدولية وتعمل على إيجاد أسرة دولية تجمع بين دول أوربا الغربية تحت السلطة العليا للبابا . ومن القواعد التي وضعتها (صلح الإله) و (هدنة الرب) التي تنظم الصلح والهدنة بين الدول المسيحية المتحاربة . ووضعت قاعدة (هدنة الرب) في القرن الحادي عشر، ومفادها : أنه لا يحل لمسيحي أن يحارب مسيحياً آخر من غروب شمس الجمعة حتى مطلع يوم الاثنين ، وشمل التحريم أيام الأعياد . وهي تشابه الأشهر الحرم في الشريعة الإسلامية ، وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم لتأمين انتقال الحجاج من وإلى مكة المكرمة ، ورابع (رجب) يتوسط باقي أشهر العام .
وكثرت المؤتمرات الدينية والدولية التي يدعو إليها البابا ويحضرها الأمراء والملوك من دول أوربا المسيحية . وكان للحروب الصليبية دور رئيس في تشكيل الهوية الأوربية للشعوب المسيحية في أوربا . فقد كانت عاملاً هاماً في تكتل وتماسك الدول الأوربية بهدف تعبئة الناس للمشاركة في الأهداف المعلنة للحروب وهي (تخليص الأراضي المقدسة من أيدي الوثنيين وتحرير الصليب) . فلأول مرة تجتمع القارة الأوربية متخلصة من حواجز التباين والصراعات بين القبائل والشعوب والأجناس المتنوعة (فرنج وسكسون وجرمان ونورمانديين ولومبارديين وصقليين وبورغنديين) ، فعزز ذلك الجهد المشترك في الحروب ، عزز المفهوم السياسي والديني للعالم المسيحي ، والذي خلق بدوره المفهوم الثقافي لأوربا . وعندما حض البابا أوريان الثاني في خطابه الشهير الذي ألقاه في كليرمون (فرنسا) في تشرين الثاني 1095 المسيحيين على شنّ حرب على (الجنس الشرير) الذي كان يمتلك الأرض المقدسة ، إنما كان يعلن ميثاق المدنية الغربية [1] ، وقد أثر تماس المسيحيين مع المسلمين طوال قرنين من الحروب الصليبية على نمط المبادئ والأعراف التي اعتمدها الأوربيون فيما بعد . فقد كان للقواعد الشرعية الإسلامية كقواعد الحرب والسلم والهدنة والصلح وغيرها تأثير في القانون الدولي الأوربي ، فعندما عاد الملوك وأمراء الإقطاع إلى أوربا نقلوا معهم بعض النظم السياسية والإدارية ، فمثلاً كانت الدول الأوربية على شكل إقطاعيات كثيرة ، لكل جيشه وضرائبه وعلاقاته الداخلية والخارجية ، ورأوا أن الإسلام أرسى قواعد الدولة المركزية حيث يرأسها شخص واحد ، يقوم بتعيين وعزل الولاة على الأقاليم . فبدأ ملوك فرنسا بالقضاء على نظام الإقطاع ووحدوا دولهم ، وتبعهم ملوك إيطاليا وألمانيا . فأدى ذلك إلى ظهور دول في أوربا متحدة يستطيع رؤساؤها التحدث باسمها ، والارتباط مع الدول الأخرى بعلاقات دولية عامة ثابتة [2].
القانون الدولي عند المسلمين
بدأ الاهتمام بالعلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم خارج الجزيرة العربية في المرحلة المكية ، عندما نصح الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعض أصحابه من المسلمين الأوائل بالهجرة إلى الحبشة للتخلص من ظلم قريش لهم . وجاءت سورة الروم تتحدث عن حرب بين دولتين عظميين في المنطقة (الروم والفرس) ، وحدد القرآن الموقف الإسلامي من تلك الحرب التي انتصر فيها الفرس ، وبشر المسلمين بانتصار الروم بعد بضع سنين . وحالما استقرت دولة المدينة باشر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بإرسال رسائل إلى الدول الكبرى في المنطقة (بيزنطة وفارس ومصر واليمن والحبشة) يدعو زعماءها وشعوبها إلى الإسلام . وبعد ثمانين عاماً كانت الدولة الإسلامية أكبر امبراطورية في المنطقة تمتد من الهند شرقاً إلى إسبانيا غرباً . فأصبحت لها حدود مشتركة وطويلة مع العديد من الدول والشعوب غير المسلمة . وكانت علاقات الدولة الإسلامية (الأموية والعباسية) متوترة مع جميع جيرانها عدا الحبشة . وبسبب الحروب والمعارك كانت هناك حاجة ماسة لتنظيم فترات الهدنة والصلح والجزية وتبادل الأسرى وإقرار السلم .
بدأ الفقهاء المسلمون يتناولون قضايا القانون الدولي في كتب الفقه فيما يعرف بالسِّيَر (جمع سيرة) والتي يقصد بها طريقة معاملة المسلمين لغير المسلمين خارج (دار الإسلام) . وتتضمن لفظة السيرة معنيين ، الأول : والذي كان المؤرخون وأصحاب السير يستعملونه ، يعني قصة أو سيرة حياة الرجل . والثاني : وكان الفقهاء يستعملونه ويعني تصرف الدولة في علاقاتها مع الشعوب الأخرى [1] . يقول السرخسي في شرحه الوافي لكتاب (السير الكبير للشيباني) : إعلم أن السير جمع سيرة ، وبه سمي هذا الكتاب لأنه يبين فيه سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب ومع أهل العهد منهم من المستأمنين وأهل الذمة ومع المرتدين الذين هم أخبث من الكفار بالانكار بعد الإقرار ، ومع أهل البغي الذين حالهم دون حال المشركين وإن كانوا جاهلين وفي التأويل مبطلين [2] .
ومن أوائل الفقهاء المسلمين الذين تناولوا قضايا السير هو محمد بن الحسن الشيباني الذي كتب مؤلفه (السّيَر الكبير) ، وعبد الرحمن الأوزاعي (توفي 157 هـ، 774 م) من الذين عالجوا السير كموضوع مستقل من مواضيع الفقه . وكان سفيان الثوري (توفي عام 161 هـ، 778 م) والشعبي (توفي عام 104 هـ، 723 م) شديدي الاهتمام بموضوع الحرب . ويبدو أن آراءهما كان لها تأثير في أبي حنيفة (توفي عام 150 هـ، 768 م) وفي نفوس تلاميذه من بعده وخاصة أبو يوسف والشيباني اللذين عالجا الموضوع بإسهاب . ولم يعر فقهاء الحجاز كمالك بن أنس (توفي عام 179 هـ، 796 م) أقل اهتمام لأنهم كانوا بعيدين عن المناطقالتي حصل فيها الاتصال المباشر بين الإسلام وبين شعوب أخرى ، فلم يبالوا كثيراً بالمشكلات التي كانت تنشأ نتيجة لهذا الاحتكاك بين المسلمين وبين الشعوب الأخرى [3] . في حين كان فقهاء العراق من الحنفيين وفقهاء المغرب المالكيين على تماس مباشر مع الشعوب والدول غير الإسلامية .
وجرى تصنيف العالم إلى (دار الإسلام) و(دار الحرب) ، وهي تسميات لم ترد لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ، بل مجرد مصطلحات ابتكرها الفقهاء للتمييز بين الأرض الإسلامية التي يسودها القانون الإسلامي والأراضي التي تعود لغير المسلمين وتسودها قوانين غير إسلامية . وكان الفقهاء القدامى يتناولون موضوع السير إما في باب الجهاد أو أبواب أخرى كالمغازي والغنائم والردة وعهد الأمان . ويشبه التقسيم الإسلامي من حيث المبدأ على الأقل ، ما قبله البلشفيك في روسيا ، فهذه البلاد هي الوطن العام لكل شيوعي و(دار السلام) للقائلين بهذه الأيديولوجيا ، وما بقي من العالم حيث يسود أصحاب الأموال فهي (دار حرب) يتعين فيها على كل ثائر شيوعي أن يتخذ جميع الوسائل ، هو وحزبه ، للإستيلاء على مقاليد السلطة فيها [4] .
وقد تناول أبو حنيفة وتلامذته بعض المفاهيم ذات الصلة بالقانون الدولي مثل مبدأ المعاملة بالمثل أي معاملة غير المسلمين الداخلين إلى دار الإسلام كما يعامل المسلمون في دار الحرب . كما ينطبق هذا المبدأ أيضاً على التمثيل الدبلوماسي رغم أن حصانة الممثل الدبلوماسي كان عرفاً متبعاً في التمثيل الدبلوماسي . ويطبق أيضاً في تبادل الأسرى وفي دفع الفدية . وكانوا يعتبرون المسلمين وغير المسلمين شخصيتين لكل منهما وضعها القانوني سواء كانوا أفراداً أو جماعات . وكان لانفصال الأقاليم آثار قانونية تمس علاقات المسلمين مع غيرهم من الشعوب . وهكذا نجد أن أبا حنيفة ، في الوقت الذي كانت فيه الشريعة الإسلامية ملزمة لكل مسلم في أي إقليم يقيم فيه ، يدخل فكرة الإقليمية في العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين . وعليه صار استنباط الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الموضوع يستند إلى العرف والقياس وإلى الإقليمية أو (الدار) بالاصطلاح الإسلامي . وقد اختلف فقهاء آخرون كالأوزاعي مع أبي حنيفة حول فكرة الإقليمية
وينشأ عن هذا المبدأ الأساسي قضية أخرى وهي أنه على المسلمين أن يعترفوا بأحكام البلدان غير الإسلامية وقوانينها على أنها ملزمة للمسلمين عندما يكونون مقيمين في دار الحرب . وكان أبو حنيفة يعتبر أعمال الأفراد المسلمين المقيمين في دار الحرب التي تخالف قوانين البلاد أعمال سرقة وقطع سبيل .
وإذا كان الغرب يعتبر العالم والسياسي الهولندي هوجو دي غروت HugoDE Groot الذي عاش في القرن السابع عشر هو أبو القانون الدولي فإن بعض الباحثين الغربيين يعتبرون الشيباني (دي غروت الإسلام) . وقد اعترف هانس روزه (إن إحلال الشيباني محلاً رفيعاً في تاريخ القانون الدولي محلاً يستحقه بجدارة) ، فأسس عام 1955 (جمعية الشيباني للقانون الدولي) [5].
الدولة الإسلامية والقانون الدولي الحديث
بقي العالم منقسماً إلى وحدات دولية على أساس ديني ، أوربا المسيحية ، والشرق الأوسط الإسلامي ، والهند والصين وما جاورها هندوسية وبوذية وكونفشيوسية . ورغم وجود عدة دول ووحدات سياسية داخل الكيان الديني لكن العامل الديني بقي يسيطر على فكرة التقسيم الدولي . وبدأ القانون الدولي يتطور حين أقر مبدأ الفصل بين العقائد الدينية وبين العلاقات الخارجية . وقد أدى هذا المبدأ إلى إعادة القضايا الدينية إلى إطارها الداخلي الوطني ، بالخلاف من العقيدة الإسلامية التي تعتبر المسلمين كياناً واحداً أو ما يعرف بالأمة الإسلامية ، رغم وجودهم في دول متعددة جغرافياً وسياسياً . ففي مطلع القرن السادس عشر كان العالم الإسلامي ينقسم إلى ثلاث وحدات سياسية مستقلة هي الدولة العثمانية في تركيا والدولة الصفوية في إيران والدولة المغولية في الهند . ورغم وجود تنافس واختلاف مذهبي وحروب دامية بين العثمانيين والصفويين لكنهم اضطروا إلى تنظيم علاقاتهما على أسس علمانية واعتراف كل دولة بالأخرى . في حين كانتا ترفضان تنظيم علاقاتهما على أساس المساواة والمعاملة بالمثل . فعندما أعلنت إيران المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة ، غضب الباب العالي ، ولم يعترف بحق هذه الدولة بالإعلان عن مذهبها الرسمي كما تعلن الدولة العثمانية عن مذهبها السني ، فأصدر السلطان أوامره بطرد وقتل المواطنين الشيعة المقيمين داخل الدولة العثمانية . ورداً على ذلك وحسب مبدأ المعاملة بالمثل راحت إيران تطرد أو تقتل المواطنين السنة القاطنين في بلادها .
ولعل أهم التغييرات التي تناولت العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين هو إقرار العلاقات السلمية بين الشعوب المختلفة ديناً وعرقاً . فقد عقد السلطان سليمان القانوني عام 1535 معاهدة مع ملك فرنسا ، فرنسيس الأول ، تضمنت الاعتراف بأن السلم هو القاعدة التي تنظم علاقات المسلمين بغيرهم . واعتبرت المعاهدة ملك فرنسا ومبعوثيه على قدم المساواة مع السلطان العثماني وممثليه . وتنص المادة الأولى على قيام سلام قانوني وأكيد بين السلطان العثماني وملك فرنسا ، ما داما على قيد الحياة ، وعلى منح رعاياهما المقيمين في بلاديهما حقوقاً متبادلة . وقد أعفي الرعايا الفرنسيون من دفع الجزية . كما أنهم منحوا حرية ممارسة عقائدهم الدينية ، وحق المقاضاة في محاكمهم القنصلية بحسب قوانين بلادهم [1] . وهو أمر يحدث لأول مرة حيث يطبق قانون غير إسلامي في محاكم على أراض إسلامية . كما أنه جرى إعفاء غير المسلمين المقيمين في الأراضي الإسلامية من دفع الجزية . ولم يجرِ تحديد إقامتهم كما في السابق حيث لا يتجاوز عهد الأمان السنة الواحدة . كما أن المعاهدة غير محددة الأمد في حين كان الفقهاء القدامى يشترطون أن لا تزيد مدة الصلح على عشر سنوات .
ومن التغييرات الهامة في نظرة المسلمين وعلاقاتهم بغيرهم هو قبولهم بمبدأ سيادة الأرض وسيادة قانون ذلك الإقليم ، تلك السيادة التي تفرضها طبيعة انفصال الإقليم عن غيره من الأقاليم . فقد كانت نظرة الدولة الإسلامية أنها دولة عالمية والقانون شخصي لا علاقة له بالأرض . فأصبح المواطن يظهر ولاءه للدولة المستقلة داخل إطارها استقلالاً كاملاً وليس للدولة العالمية الشاملة . وجرى تعزيز المفهوم الأوربي لفصل الإقليم واحترام حدوده وتطبيق قانونه فوق أراضيه . إن مبدأ تبعية المواطن لدين حاكمه الذي تبنته الدول الأوربية أول مرة في معاهدة الصلح المعروفة بمعاهدة أوجزبرج سنة 1555 أصبح أساساً للنظام الأوربي بعد معاهدة وستفاليا عام 1648 ، كما أنه كان عاملاً فعالاً في تنسيق العلاقات بين الدول المسيحية في أوربا ، ثم في تنسيق علاقتها مع العالم الخارجي الذي لا يدين بالمسيحية وفي تمهيد السبيل لخلق مجتمع دولي [2] .
لقد تطور القانون الدولي المسيحي منذ معاهدة وستفاليا التي حققت ما يلي :
1 ـ أنها قضت على نفوذ البابا في رئاسته على الدول ، فقضت بذلك على فكرة وجود رئيس أعلى يسيطر على الدول الأوربية .
2 ـ أقرت مبدأ المساواة بين الدول المسيحية جميعها سواء الكاثوليكية أو البروتستانتية ، الملكية أو الإقطاعية ، وذلك باجتماعها في مؤتمر عام لم يدع إليه البابا .
3 ـ أحلت نظام السفارات الدائمة محل السفارات المؤقتة ، مما أدى إلى دوام اتصال الدول بعضها ببعض.
4 ـ أنشأت المعاهدة فكرة التوازن الدولي في أوربا ، كوسيلة أساسية من وسائل حفظ السلام ، ومفادها أن تتكاتف الدول على الحيلولة دون توسع أي دولة على حساب دولة أخرى . فقررت استقلال كثير من الدول التي التهمتها الامبراطورية الجرمانية من قبل .
5 ـ فتحت باب تدوين قواعد القانون الدولي العام بتسجيلها في المعاهدات المقبلة تباعاً .
ومن الأحداث السياسية الهامة هو انضمام روسيا إلى جماعة الدول الأوربية واعتبارها دولة كبرى ، وإعلان استقلال أمريكا عام 1776 ثم قيام الثورة الفرنسية عام 1789 التي نادت بحق الأمم في اختيار نظمها الدستورية بحيث لا يفرض على دولة ما نظام ملكي بحجة التوازن الدولي أو الإبقاء على العروش المسيحية الأصيلة . وقد حققت أوربا انجازاً كبيراً حين اتفقت جميعاً ضد نابليون الذي أخذ يتوسع من اجل تكوين امبراطورية عظيمة ، فهزمته أوربا ، ثم اجتمعت في مؤتمر فينا عام 1815 حيث وضعت قواعد دولية جديدة . فقد أعاد الملكية إلى بروسيا (ألمانيا) والنمسا ، وضم السويد إلى النرويج وجعل منهما دولة اتحاد حقيقي . كما ضم بلجيكا إلى هولندا كدولة ملكية قوية ، وجعل سويسرا دولة محايدة لتكون سداً يصد التوسع الفرنسي مستقبلاً [3] .
لم تكن الدول الأوربية تعتبر الدولة العثمانية عضواً في المجموعة الأوربية ولا خاضعة للقانون الدولي الأوربي لأن العرف الأوربي لم يكن ملزماً لغير الأوربيين . وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ارتأت الدول الأوربية أن تعامل تركيا بوصفها عضواً في المجموعة الأوربية . كما سمحت لتركيا أن تكون عضواً يشترك في القانون العام ضمن مجموعة الأسرة الأوربية بدعوة من الدول التي وقعت معاهدة باريس (30 آذار 1856). وكانت تركيا قد أخذت قبل عام 1856 سنوات كثيرة تعمل طبقاً للقانون الدولي بإقامتها علاقات دبلوماسية وبعقدها معاهدات مع الشعوب الأوربية .
الإسلام المعاصر والقانون الدولي
بعد انهيار الدولة العثمانية عام 1918 بهزيمتها في الحرب العالمية الأولى ، وقعت بقية الأقاليم الإسلامية تحت الاحتلال الأجنبي . فأصبح نصف العالم الإسلامي تحت الاحتلال البريطاني والنصف الآخر تحت الحكم الفرنسي والهولندي والإيطالي والإسباني . ولم يأت عام 1920 حتى قررت عصبة الأمم فرض الانتداب على العراق وسوريا وفلسطين والأردن ومصـر تنفيذاً للقرار الدولي . وفي السنوات اللاحقة بذل المسلمون تضحيات جسيمة من أجل نيل الاستقلال . وعندما حققـت هذا الهـدف أرادت ممارسـة حقوقها بما تتطلبه منها شخصيتها الدولية ، فأخذت تعقـد الاتفاقيات ، وتنضـم إلى المعاهـدات والمنظمـات الدوليـة .
ولما كان القانون الدولي المطبق في هذه المنظمات والمعاهدات يستند أساساً إلى قواعد وأعراف غير إسلامية ، ولما كانت الحكومات والدول التي أقيمت بعد الاستقلال دولا قومية وعلمانية فلم تكن هناك صعوبات أو مشاكل فيما يتعلق بطبيعة التعامل مع القانون الدولي . ولكن بعد الصحوة الإسلامية وتأسيس أول جمهورية إسلامية عام 1979 ، وسعي العديد من الأنظمة والحكومات إلى الانسجام مع القواعد والتعاليم الإسلامية بدأت إثارة بعض التساؤلات والإشكالات حول تعامل الإسلام مع القانون الدولي ، أي هل يوجد مانع شرعي وفقهي من القبول بالتعامل مع مبادئ القانون الدولي ؟ وهل الأفضل التعامل معه أم تأسيس قانون دولي إسلامي ؟ وهل تختلف مبادئ ومصادر القانون الدولي عن مصادر القانون الدولي الإسلامي ؟
يرى بعض الباحثين أن مصادر القانون الدولي الإسلامي بموجب مفاهيم القانون الدولي المعاصر تتفق عموماً مع القواعد الكلية التي حددها الفقهاء المعاصرون وفقهاء القانون ، والمنصوص عليها في القانون الأساسي لمحكمة العدل الدولية . ويمكن جمع هذه المصادر في أربع فئات: العرف والسلطة والعقد والعقل . فالسنّة والعادات المحلية هي ما نسميه بالعرف . وأما القرآن الكريم والسنة الشريفة فهي المصدر الذي نسميه السلطة . وأما المبادئ والقوانين التي كانت تتضمنها المعاهدات التي كان يبرمها المسلمون مع غيرهم من الشعوب فإنها تمثل مبدأ العقد . وأما المؤلفات الفقهية التي ترتكز على مصادر الشريعة فهي التي تمثل العقل [1] .
ونرى أن التشريع الإسلامي يمتلك من الاتساع والمرونة ما يمكنه أن يتعامل مع القانون الدولي بمنحى إسلامي دون فقدان حالة المعاصرة والتطور التشريعي والتغييرات الدولية . وقد اخترت بعض المفردات الدولية كدليل على قابلية الفقه الإسلامي لاستيعاب تطور العقل البشري وتغير النظم والقوانين ومسايرة مصلحة الإنسانية طالما أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان .
العلاقات الإسلامية ـ الأوربية في التاريخ
تمثل العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي دوراً متبادلاً في المشهد التاريخي . أحياناً يأتي المسلمون إلى أوربا (إسبانيا ، صقلية والبلقان) ، وأحياناً يذهب الغرب إلى العالم الإسلامي (الصليبيون ، الاستعمار) . وتتغير العلاقات ، حسب الظروف ، من المصالح الاقتصادية المشتركة والدبلوماسية المتبادلة إلى الحروب والمعارك . وكان سوء الفهم وعدم الثقة هما أبرز معالم العلاقات التاريخية بينهما .
لقد كان أول انطباع لامبراطور بيزنطة هرقل Heraclius (حكم610 ـ 641 م) إيجابياً تجاه الإسلام . فقد وصلته رسالة من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عام 6 هـ/628م يدعوه فيها إلى الإسلام . وقبل أن يتخذ أي موقف من الدين الجديد أخذ يسأل عن الرسول الجديد . يقول الطبري «فلما قدم عليه كتاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع دحية بن خليفة ، أخذه هرقل ، فجعله بين فخذيه وخاصرته» [1]، وطلب معلومات حول النبي(ص) ، فجلب له أبو سفيان إذ تصادف أنه كان في تجارة له بالشام ، فسأله عنه . وتقول بعض المصادر الإسلامية أن هرقل كاد أن يعتنق الإسلام ، «وأنه قد جمع البطارقة والقساوسة وقال لهم : يا معشر الروم ، إني جمعتكم لخير ، إنه أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه; وأنه والله للنبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتبنا ، فهلموا فلنتبعه ونصدقه ، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا» [2]، لكنهم رفضوا مقالته .
في عام 8هـ/629م أرسل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) جيشاً لقتال الروم يتألف من ثلاثة آلاف محارب ، حيث التقى الجيشان في واقعة مؤتة ، التي خسر فيها الجيش الإسلامي واستشهد قادته الثلاثة [3] . ولم يكن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مطمئناً لنوايا الروم ، ففي عام 9هـ/630م وصلته أنباء عن حشود على الحدود مع الجزيرة ، فجهز جيشاً قاده بنفسه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لكنه لم تحدث معركة ، ووصل الجيش الإسلامي حتى منطقة تبوك .
وبعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بدأ الخليفة أبو بكر الصديق ستراتيجية جديدة تمثلت بالتوسع في الفتوحات شمال الجزيرة العربية . بدأت الحملات العسكرية بفتح العراق عام 12هـ/633م ودحر الامبراطورية الساسانية ، ثم سوريا عام 13هج/634 م ثم عاصمتها دمشق عام 14هـ/635م التي خسرتها الامبراطورية البيزنطية .
وفي العام التالي حقق خالد بن الوليد انتصاراً ظافراً على جيش هرقل في معركة اليرموك ، حيث واجه الجيش الإسلامي وتعداده 25 ألف رجل الجيش البيزنطي وهو ضعف عدده . وخلال سبع سنوات (633 ـ 640م) أصبحت كل الشام تحت الحكم الإسلامي ، من البحر الأحمر حتى جبال طوروس [4] .
واستطاع قائد آخر هو عمرو بن العاص أن يفتح مصر ، المقاطعة البيزنطية الشقيقة ، عام 20هـ/641م. وكانت مصر تمثل مخزن قمح الامبراطورية الرومانية الشرقية ، وأغنى ممتلكاتها . إذ كانت مصر نقطة انطلاق لبقية النفوذ البيزنطي في شمال أفريقيا لينتهي في صقلية وإسبانيا
العلاقات الاسلامية الاوربية في التاريخ
إسبانيا
تقدمت الفتوحات الاسلامية بسرعة فائقة ، حتى قيل أن العرب فتحوا نصف العالم في نصف قرن ، أو مقولة نابليون أن العرب فتحوا في 90 عاماً ما فتحه الرومان في 900 عام . وبعد مصر وأفريقيا(تونس) اتجهت الجيوش الإسلامية غرباً لتحرر شمال أفريقيا بكامله إلى وصلت على ضفاف الأطلسي . وأصبحت القيروان ، في تونس، مركز قيادة موسى بن نصير وجنوده من البربر الذين اعتنقوا الإسلام وساهموا في نشره في تلك المنطقة . في عام 92هـ/711م أرسل موسى أحد قواده الأشداء ، طارق بن زياد ، على رأس قوة مؤلفة من 700 جندي ليعبروا البحر باتجاه الساحل الإسباني [1] . وكانت القوة قد عبرت مضيق جبل طارق بمراكب أرسلها الحاكم البيزنطي جوليان Julianلمدينة سيوتا Ceuta، وكان الحاكم في صراع مع الملك القوطي رودريك Roderick [2]، فاستنجد بالمسلمين لمساعدته ، فأمده موسى بقوة عسكرية من العرب والبربر . لقد استنجد جوليان بقوة أجنبية لمواجهة الملك رودريك . وكان يعتقد أنها قوات نجدة فقط ، ولكن قوات طارق بن زياد استمرت في تقدمها ، لتصبح نواة دولة مسلمة تحكم إسبانيا لمدة ثمانية قرون (711 ـ 1492م) [3] . وقد عزز موسى قوات طارق ، فجهز جيشاً من عشرة آلاف يقوده بنفسه . وعاد موسى بن نصير بالغنائم والأسرى ، ومن بينهم 400 أمير قوطي يلبسون التيجان والملابس الفاخرة . وهو اول مشهد يرى فيه المسلمون عائلة ملكية غربية في الأسر .
أسس المسلمون دولة عظيمة في الأندلس ، وكانت لديهم خطط للتوسع في العمق الأوربي . ففي عام 717 م ، أي بعد ست سنوات على دخولهم إسبانيا ، قام القائد عبد الرحمن الغافقي بحملة عسكرية ، إذ عبر جبال البرانس Pyreneesباتجاه فرنسا . وصل عبد الرحمن مقاطعة بوردو Bordeaux وتوقف بجوار تور Tours على مشهد من كنيسة سانت مارتن . St.Martin، وفي تشرين الأول 732م التقى جيش عبد الرحمن مع قوات تشارلس Charles، الذي لقب فيما بعد بمارتل Martel (أي المطرقة) . وكان شارل مارتل رئيس البلاط الفرنسي ، وجد شارلمان [4] . وقد خسر المسلمون في معركة بلاط الشهداء خسارة كبيرة ، واستشهد قائدهم. وفي الليل غادر الجنود المنطقة منسحبين إلى إسبانيا ، ولم يعد يفكر أحد بفتح فرنسا .
صقلية
كان بنو الأغلب يحكمون شمال أفريقيا في العصر العباسي . وكان حاكم القيروان زيادة الله (حكم 817 ـ 838 م) قد تلقى طلباً من مجموعة من الثوار على الحكم البيزنطي لصقلية Sicily وسرقوسة Syracuse، فأرسل حملة بحرية تمكنت من فتح باليرمو Palermo عاصمة الجزيرة . وتقدم الجيش الإسلامي ليحكم سيطرته على بقية أنحاء الجزيرة ، ولتبقى 240 عاماً بأيدي المسلمين . وأصبحت صقلية أكبر قاعدة بحرية للأسطول الإسلامي في البحر المتوسط . وامتد تأثير المسلمين ليس إلى الأطراف الجنوبية لإيطاليا فحسب ، بل وصل التهديد إلى نابولي Naples وبقية المدن الشمالية ، وحتى روما نفسها تعرضت للتهديد عام 846 م .
وفي عام 1071 سقطت باليرمو بأيدي الفاتحين النورمان Norman، وعادت صقلية مرة أخرى للنفوذ المسيحي . وكان النورمان قبائل غير متحضرة ، ولذلك أبقوا على الإدارة والتنظيمات القانونية التي أقامها المسلمون ، وحتى الموظفين المسلمين بقوا يزاولون أعمالهم في الكتابة والترجمة والحسابات والرسائل . وقد أحاط الملوك النورمان أنفسهم بالعلماء المسلمين من فلكيين وأطباء وفلاسفة . وقد كتب الجغرافي المسلم الإدريسي (ت 1166م) كتابه المعروف (كتاب روجر) بناءً على طلب الملك روجر Roger [1] .
لقد مثلت إسبانيا وصقلية جسراً عبرت عليه الثقافة الإسلامية فكراً وعلماً وفلسفة إلى أوربا . ومن خلالهما وصلت كتب العلماء والفلاسفة المسلمين إلى المراكز العلمية الأوربية بعد ترجمتها إلى اللغات الأوربية . وبقيت بعض الكتب العربية مراجعاً لعدة قرون في أوربا ، مثل كتاب (القانون) لابن سينا الذي طبع 30 طبعة لاتينية في الثلاثين سنة الأخيرة من القرن الخامس عشر . وكتاب الزهراوي في الطب بقي مرجعاً في مدارس الطب مثل مدرسة Salerno في إيطاليا ومدرسة Montpeller في فرنسا . وكان مزيناً بالصور مما يدل على خبرة الزهراوي بالتشريح وتقنيته وآلاته . وكان كتاب الكيمياء لجابر بن حيان وجداول الخوارزمي الفلكية مراجع معتمدة في هذه العلوم . وكان لابن رشد Averroes ه( 1126 ـ 1198م) دور في الفلسفة الأوربية . فقد اطلع الأوربيون على آراء أرسطو من خلال تعليقاته والنصوص التي يوردها في مقالاته . وكان للمدرسة الرشدية Averroism تأثير كبير في الأوساط الفكرية والعلمية الأوربية ، وهيمنت على جامعات باريس ونابولي . وقد درس توما الإكويني AquinasThomas (ت 1274) الإيطالي رائد الفلسفة في جامعة نابولي . ودرس روجر بيكون Bacon Roger (ت 1294) الإنجليزي في جامعة باريس . ويعد بيكون رائد المنهج التجريبي في الفكر
العلاقات في العصور الأولى (Middle Ages)
كانت الكراهية والعداء هما الملامح البارزة التي هيمنت على العلاقات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي . وخلال قرون نشأت مصالح مشتركة بين العالم الإسلامي وأوربا . وكانت التجارة المحور الرئيس للنشاط الاقتصادي في تلك المرحلة . فكانت حركة الاستيراد والتصدير على أوجها لنقل المنتجات والبضائع في أرجاء العالم ، من الصين شرقاً إلى إسبانيا غرباً ، تعبر القوافل التجارية الصحارى والجبال وتمر بمختلف الدول والأمم والشعوب ، وتمخر السفن عباب البحار من أجل إيصال بضائعها ، متحملة الأهوال والمخاطر .وكان لهذه النشاطات التجارية دور في نشوء علاقات بين الملوك والأمراء والسلاطين والشعوب . فكان التجار ورجالهم يرحلون من بلد إلى بلد ، ويقيمون في هذه المدينة وتلك من أجل تجارتهم . واستمرار التجارة والنقل والسفر يحتاج إلى اتفاقيات سلم ومعاهدات تسمح بالمرور والإقامة وتنظيم الضرائب على القوافل والسفن . فكان الحكام يقومون بهذه المعاهدات لتشجيع التجارة وما تجلبه من خير ودخل للحاكم .
بالإضافة إلى التجارة ، كانت هناك أنواع أخرى من الارتباطات ، فكانت هناك علاقات ثقافية ودبلوماسية وسياحة وحج وسفر طلباً للعلم وغيره . في عام 765م أرسل ملك فرنسا Pippin بعثة دبلوماسية إلى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور . عادت البعثة بعد ثلاث سنوات ترافقها سفارة عباسية مع هدايا من الخليفة . إستقبل الملك (ببين) المبعوثين المسلمين باحترام وحفاوة ، ثم أذن لهم بالعودة عن طريق مرسيليا Marseilles [1]. وفي عهد هارون الرشيد (حكم 786 ـ 809م) وولده المأمون (حكم 813 ـ 833م) شهدت العلاقات مع أوربا ذروتها . فقد غدت بغداد عاصمة دولية للتجارة ومركزاً صناعياً . وكانت ثروات البلاط العباسي تزداد غنىً ، من الجزية السنوية التي يدفعها امبراطور بيزنطة ، إثر انتصار هارون عليه في وقت مبكر . وكان الرشيد والمأمون يتبادلان الهدايا مع شارلمان Charlemagne، الذي غدا حليفاً أوربياً جيداً ضد الدولة الأموية في الأندلس .
يصف أحد المؤرخين الفارق الشاسع بين البلاطين العباسي والفرنسي فيقول: «كان شارلمان ومساعدوه يواجهون مصاعب في القراءة والكتابة ، في حين كان البلاط العباسي يعجّ بالشعراء والكتّاب والعلماء والفقهاء والموسيقيين والمغنين . وكان بينهم عدد من المترجمين الذين يجيدون عدة لغات أجنبية» [2]. وكانت هناك رسائل متبادلة بين الملوك ، وقد ذكرت التواريخ بعض هذه الرسائل . فكانت تتضمن شتى المواضيع والشؤون كالاتفاقيات السلمية ، وتهديدات بشن الحرب ، ودعوة للإسلام ، وجدل ديني حول الألوهية والنبوة ، وطلب كتب أو شراء عبيد ، وتبادل أسرى أو معاهدات تجارية . وكانت العلاقات تعتمد كلياً على طبيعة مواقف الحكام وأمزجتهم ومصالحهم ، والظروف التي تمر بها الدول ، والاستقرار والأمن على الحدود .
وقد أرسل شارلمان ملك فرنسا وابن ببين ، عدة بعثات إلى الشرق ، إثنتين منها إلى هارون الرشيد عامي 797 و802 م. أما العداء مع بيزنطة فقد كان قاسماً مشتركاً بين الدولة العباسية وأوربا الرومانية. وفي العصر العباسي ساءت العلاقات مع بيزنطة في فترات متلاحقة . ففي عام 782م شن الخليفة المهدي (حكم 775 ـ 805م) حملة عسكرية على القسطنطينية ، أدت إلى توقيع معاهدة مهينة للروم البيزنطيين ، إذ تضمنت أن تدفع الإمبراطورة إيرينا Irene جزية سنوية مقدارها 70 ألف درهم . وحاول خليفتها الإمبراطور نقفور الأول Nicephorus (802 ـ 811م) أن يتخلص من هذا الالتزام المالي الباهض ، وطالب الرشيد بإعادة ما دفع من مبالغ . وأرسل رسالة ذات لهجة حادة إلى هارون جاء فيها :
من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب .
أما بعد : فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ ، وأقامت نفسها مقام البيدق ، فحملت إليك من أموالها ما كنتَ حقيقاً بحمل أضعافه لها ، ولكن ذلك ضعف النساء وحمقهن . فإذا قرأت كتابي هذا أردد ما حصل لك من أموالها ، وإلا فالسيف بيننا وبينك [3] .
غضب الرشيد كثيراً من تهديد نقفور ، فكتب له جواباً جاء فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم
من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم ، وقد قرأت كتابك يا ابن الكافرة ، والجواب ما تراه لا ما تسمعه [4] . فشن حملة عسكرية هاجم فيها آسيا الصغرى ومدينة هرقلية Heraclea على البحر الأسود ، فاحتلها وسبى أهلها . ثم عقد صلحاً مع نقفور مع دفع جزية سنوية ، وجزية شخصية عن نقفور وعائلته [5] . وخلال الهجوم الإسلامي ، اُسرت إحدى الفتيات الروميات ، وكانت خطيبة لابن الامبراطور نقفور ، فأرسل رسالة إلى الرشيد راجياً إياه أن يعيدها ، فلبى الرشيد طلبه وأرسلها له مع هدايا [6] .
ولم تكن العلاقات متوترة طوال الوقت ، بل تخللتها فترات من الهدوء والاستقرار والأمن ، وكانت الدولة الإسلامية تمارس وظيفتها في الدعوة إلى الإسلام وتبليغ مبادئه وأحكامه إلى الناس كافة . فكتب التاريخ تنقل بعض هذه الجهود ، سواء بالسفارات أو بالرسائل . فقد أرسل هارون الرشيد رسالة طويلة ، كتبها الفقيه إبن الليث ، إلى الامبراطور قسطنطين Constantine يشرح فيها عقائد الإسلام بأدلة عقلية ، وتاريخ الإسلام ، واحتجاجات ومناقشات دينية حول صحة نبوة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتفنيد العقيدة المسيحية ، ويحبذ له دخول الإسلام ونتائجه وعواقبه [7] . وأرسل المأمون رسالة إلى الامبراطور ثيوفيل Theofel يعلمه فيها بقبول الهدنة بين الدولتين ، والتي تضمنتها رسالة الامبراطور إليه .
ومن القضايا الإنسانية الشائعة بين الدولتين ، هي تبادل الأسرى . وتحتاج عمليات التبادل إلى مفاوضات واتفاقيات يتم فيها تثبيت أعداد الأسرى من كلا الطرفين ، ومواعيد التسليم ، ومكان التبادل ، الذي يكون غالباً عند الحدود ، ويشرف عليها حكام المقاطعات الحدودية . في عام 283هـ/896م ، مثلا; حدثت عملية تبادل أسرى بين الامبراطوريتين العباسية والبيزنطية ، بإشراف حاكم طرسوس ، أحمد بن طغان ، والذي أرسل رسالة إلى الخليفة المعتضد يخبره فيها بنجاح المهمة التي أوكلت إليه . وقد استغرقت العملية إثني عشر يوماً تم فيها استرجاع 2504 أسيراً مسلماً من رجال ونساء وأطفال . وفي اليوم التالي تم إطلاق سراح المبعوث الرومي سيمون ، وأطلق الروم سراح المبعوث العباسي يحيى بن عبد الباقي [8] .
ولا يقتصر تبادل العلاقات مع أوربا على العصر العباسي ، بل كان للدول الإسلامية عبر التاريخ علاقات واسعة معها ، كالدولة الإخشيدية والطولونية والفاطمية والأيوبية والمملوكية .
مرحلة الحروب الصليبية
تمثل المرحلة الصليبية فترة مظلمة في تاريخ العلاقات بين أوربا والعالم الإسلامي ، مرحلة مليئة بالعنف والحروب والنهب والمذابح الوحشية وتدمير المدن ، وتصاعد الحقد والكراهية وعدم الاستقرار . من جانب آخر كانت مناسبة لاكتشاف كل طرف الطرف الآخر عن قرب ، وعبر التعامل المباشر . يعلق الباحث نورمان دانييل Norman Daniel على المزاعم المسيحية فيقول : «لقد اعتبر المسيحيون الحروب الصليبية حرباً مقدسة War Holy من أجل انتزاع الأرض التي تعود للمسيحيين . ولا زالوا يعتقدون بأنهم الأمة الوحيدة التي نهب منها ثلث أفضل ممتلكات الكنيسة بعد ظهور الإسلام» [1].
بدأت الخطوة الأولى من الحروب الصليبية ، عندما وجه الإمبراطور البيزنطي الكسيوس كومونيس Communes Alexius (حكم 1081 ـ 1118م) نداءات متكررة طالباً مساعدة بابوية لمواجهة احتلال الأتراك السلاجقة جزءاً من أراضي الإمبراطورية، ليس بعيداً عن العاصمة القسطنطينية. ورداً على استغاثته ، ألقى البابا أوربان الثاني II Urban (1088 ـ 1099م) خطاباً في عام 1095 ، جنوب فرنسا ، قريباً من الحدود الإسلامية لإسبانيا . وكان خطابه مليئاً بالإشاعات عن وحشية المسلمين وفظاعتهم ، ملمحاً إلى الأطماع الشخصية ومؤكداً على أتباعه «في دخول الطريق إلى الضريح المقدس ، وانتزاعه من العنصر الشرير ، ووضعه بأيديهم» [2]. ورفع شعاراً دينياً يبرر الحملات المرتقبة ويشجع الناس عليه ، فكان شعار (هذه مشيئة الله) هو القادر على تعبئة الجماهير . وسرعان ما انتشرت دعوة البابا مثل النار في الهشيم من فرنسا إلى بقية الأوربيين ، غني وفقير ، شاب وكهل . فقد تبنى التبشير بالحركة الصليبية بطرس الناسك الذي كان يتمتع بالفصاحة والقدرة على التأثير ، فطاف أقاليم فرنسا ليخرج منها بخمسة عشر ألف متطوع معهم نساؤهم وأطفالهم .
وبحلول عام 1097 كان هناك 000ر150 محارب صليبي قد وصلوا القسطنطينية ، معظمهم قدم من فرنسا والنورمان
وهناك عدة أسباب داخلية وخارجية مهدت الأجواء لتنامي الحملات الصليبية وهي :
1 ـ يدعي الباحث أرنست باركر Barker Ernest أن السلاجقة قد احتلوا القدس عام 1071 ، وهم قوم قساة ، لا يعرفون التسامح مثل الحكام المسلمين السابقين ، أي الفاطميين . فكان المسيحيون يواجهون صعوبات كثيرة أثناء رحلتهم إلى حج القدس [3] . «فأدرك المسيحيون في الغرب ما يعترض طريقهم ، ويمنع حركتهم الطبيعية نحو منبع ديانتهم ، فكان من الطبيعي أنه لا بد لهم آخر الأمر أن يبذلوا جهدهم في تمهيد طريقهم».
وهذا السبب الذي يعرضه باركر مبالغ فيه لأن طريق القدس بقي مفتوحاً أمام المسيحيين في كل العصور ، وحتى في المرحلة الصليبية وما بعدها مما يشير إلى التسامح الإسلامي الفريد من نوعه . ومتناسياً أنه عام 1021 م أصبح الإشراف على الأماكن المقدسة ، مثل كنيسة القيامة وبيت لحم والمؤسسات الملحقة بها كالمستشفى والمدرسة ، من قبل الإمبراطورية البيزنطية ، بعد أن كانت حتى ذلك الوقت برعاية الكنيسة اللاتينية الرومانية . ويعترف باركر أن «البيزنطيين لم يحرصوا على أن يجعلوا طريق الحجاج هيناً سهلاً . وكان لزاماً على البابا فكتور الثاني أن يجأر بالشكوى إلى الإمبراطورة تيودورا ، بسبب ما لجأ إليه موظفوها من ابتزاز الحجاج وإهانتهم» [4].
2 ـ إن البحث عن وسائل جديدة مباشرة للاتصال بطرق التجارة الشرقية ، يعتبر من الأغراض التي انطوت عليها الحروب الصليبية ذاتها . وأدت إلى ما يصح تسميته اكتشاف آسيا في القرن الثالث عشر [5] .
فالمدن الإيطالية التي اشتهرت بتجارتها كانت تبحث عن طرق مباشرة لشراء المنتجات الشرقية من الهند والصين ، دون وساطة العرب المسلمين . فالطرق البحرية كانت غالية ومحفوفة بالمخاطر .
3 ـ كان الأمراء الأوربيون يبحثون عن ثروات وأراض جديدة . فكانت الأطماع متوجهة نحو الشرق ، حيث الكنوز والثراء والتجارة والذهب والحرير والجواري . فهذه الأحلام لعبت دوراً في تأجيج الحماسة .
4 ـ كان الناس العاديون في أوربا يعيشون في أوضاع مزرية من الفقر وتكرر المجاعات والأوبئة التي فتكت بعشرات الآلاف . ففي عام 1094 إنتشر الطاعون من الفلاندرز Flanders إلى بوهيميا Bohemia. وفي عام 1095 حدثت مجاعة في منطقة اللورين Lauren بفرنسا . وتعرضت الكثير من الأراضي الزراعية للخراب نتيجة غزوات الفايكنغ والبرابرة ، فقلّت الأقوات في الوقت الذي ازدادت أعداد السكان . ثم أن الحروب والمنازعات بين الأمراء والإقطاعيين أسهمت في الإخلال بالأمن وتعريض أرواح الناس للهلاك وممتلكاتهم للنهب ، مما جعل الغالبية العظمى من أهالي غرب أوربا يعيشون في حالة يرثى لها من الفقر والحرمان والخوف ، دون أن يجدوا أي ضمان لحماية أرواحهم وممتلكاتهم وأرزاقهم [6] .
فاعتقد هؤلاء البسطاء أن مشاكلهم ستحل بهجرتهم إلى الشرق . ففي عام 1096 نجح الصليبيون بتجنيد خمسة جيوش من هؤلاء المعدمين .
5 ـ كان هناك عدد كبير من المغامرين ، المفلسين مثل الزعيم الصليبي والتر المفلس ، وقطاع الطرق ، والعبيد الهاربين والرهبان المستائين. لقد كانت هناك دوافع كثيرة للبحث عن مناجم الذهب الموعودة في الشرق .
وعلى الرغم من أن الجنود الأوربيين كان يحملون علامات الصليب ، دليلاً على الدافع الديني للحملات الصليبية ، لكن الدين كان آخر سبب وراءها . فخلال عبورهم هنغاريا ثم أراضي الدولة البيزنطية ، نسيت الجموع أنهم يخترقون بلاداً مسيحية ، فأخذوا ينهبون ويسلبون ويعتدون على الأهالي الآمنين [7] . وأثناء انتظارهم العبور إلى الجانب الآسيوي من الإمبراطورية البيزنطية ، كان تجمع الصليبيين أمام أسوار القسطنطينية يثير مخاوف الدولة ومتاعبها ، إذ أخذ الصليبيون يواصلون نهب القرى والضياع المجاورة ، ويعتدون على الأهالي ويسلبونهم أقواتهم وأمتعتهم ، بل أن الكنائس لم تسلم من إعتداءات أولئك الرعاع [8]. فأسرع الإمبراطور الكسيوس إلى نقلهم إلى الشاطئ الآخر . واستمر ذلك السلوك الوحشي بمهاجمة القرى المسيحية والمزارع والمواشي والكنائس [9] .
وعندما احتل الصليبيون مدينة القدس ، لم يرحموا أحداً «وحتى إخوانهم في الدين لم يوفروهم ، وكان من أول ما اتخذوه من تدابير أنهم طردوا من كنيسة القيامة جميع الكهنة من الكنيسة الشرقية ، روماً وجيورجيين وأرمنيين وأقباطاً وسرياناً ، والذي كانوا يقيمون القداسات معاً تبعاً لمذهب كان جميع الفاتحين قد احترموه حتى ذلك الحين .وإذ ذهل وجهاء الطوائف المسيحية أمام هذا القدر من التعصب ، فقد عزموا على المقاومة ، ورفضوا أن يكشفوا للمحتل عن المكان الذي خبأوا فيه الصليب الحقيقي الذي مات عليه المسيح .وإذ قبض الأوربيون على الكهنة المكلفين بحراسة الصليب ، وأخضعوهم للتعذيب فقد تمكنوا من انتزاع سرهم والحصول منهم بالقوة على أغلى ما يملكون من ذخائر» [10].
وقد ذبح الصليبيون آلاف المدنيين الأبرياء من سكان القدس دون سبب ، فقط لمجرد الإنتقام من المسلمين. ففي يوم 15 تموز 1099 دخل الصليبيون المدينة المقدسة وارتكبوا مذابح فظيعة . يصف أحد المؤرخين اللاتينيين المشاهد المريعة فيقول «كانت أكداس الرؤوس والأيدي ترى من بعيد في الساحات والشوارع» [11].
ويصف مؤرخ آخر ذلك اليوم العصيب فيقول «ولا يزال النازحون يرتجفون كلما تحدثوا بذلك وتجمد أبصارهم وكأنهم لا يزالون يرون بأعينهم أولئك المقاتلين الشُّقر المدرعين المعتمرين الخُوَذ وقد انتشروا في الشوارع شاهرين سيوفهم ، ذابحين الرجال والنساء والأطفال ، ناهبين البيوت ، مخربين المساجد . وعندما توقفت المذبحة بعد يومين لم يكن قد بقي مسلم واحد داخل الأسوار . فقد انتهز بعضهم فرصة الهرج فانسلوا إلى الخارج من الأبواب التي كان المحاصِرون قد خلعوها . وأما الآخرون فكانوا مطروحين بالآلاف في مناقع الدم عند أعتاب مساكنهم أو بجوار المساجد ، وكان بينهم عدد كبير من الأئمة والعلماء والزهاد المتصوفين الذين كانوا قد غادروا بلادهم وجاؤوا يقضون بقية أيامهم في عزلة في هذه الأماكن المقدسة . ولقد أُكرِه من بقوا على قيد الحياة على القيام بأشق الأعمال : أن يحملوا جثث ذويهم فوق ظهورهم ويكدسوها بلا قبور في الأراضي البور ثم يحرقوها قبل أن يُذبحوا بدورهم أو يباعوا في أسواق النخاسة» [12].
أما المؤرخ والدبلوماسي المسلم أسامة بن منقذ (488 ـ 584 هـ /1091 ـ 1188م) الذي عاصر الحروب الصليبية ، فقد كتب في مذكراته عن تلك الأحداث ووصف تفاصيلها . فكان قد شاهد الأحداث عن قرب لأنه كان كاتباً (سكرتيراً) لدى صلاح الدين الأيوبي [13] . وأورد إبن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ) بعض جرائم الصليبيين ، إذ ينقل الحادثة التالية التي تعبر عن الوحشية والقسوة . فقد هاجم الصليبيون مدينة المعرة في سوريا ، «وعند الفجر وصل الفرنج ، إنها المذبحة ، فوضع الفرنج فيهم السيف ثلاثة أيام فقتلوا ما يزيد على مائة ألف وسَبَوا السبي الكثير» [14]. ويصف أحد المؤرخين الصليبيين ، راول دي كين ، المرافق للجيش الذي دخل المعرة فيقول «كان جماعتنا في المعرة يغلون وثنيين بالغين في القدور ، ويشكون الأولاد في سفافيد ويلتهمونهم مشويين» [15].
ويرى أرنست باركر أن الحروب الصليبية ، أصلاً ، مشروع فرنسي . فقد زرعت بذورها في أرض فرنسية ، بلدة كليرمون Clermonte، وكان أول مبشر بها هـو بابا فرنسي الأصل ، أوربان الثاني . وأنها والمملكة التي أقامها الصليبيون في الشرق كانت في جـوهـرها مملكـة فرنسية ، في لغتها وعاداتها ، وفي فضائلها ورذائلها [16] . ولعل ما يؤيد ذلك أن العرب كانوا يسمونهم بالفرنجـة ، وهـو لقب يخص الفرنسيين ، ولكـن استخدامـه يعم كل الغربيين . من جانب آخـر لا تتحدث المراجع العربية عن (حروب صليبية) بل عن حروب وغزوات ضد الفرنجـة . إن مصطلـح (صليبي) هـو ما أطلقه الأوربيـون على أنفسهم في تلـك الفتـرة ، لإسباغ البعد الديني على حروبهم ، ويمثل الصليب المسيحية ، إذ صار شعاراً لها .
رغم المقاومة التي أبداها المسلمون في الدفاع عن أنفسهم ، إلا أن الحركة الحقيقية بدأت بعد قرن ونصف من وصول الصليبيين . فقد تمكن زنكي ، وهو تركي يحكم الموصل ، عام 1144 م أن يستعيد مدينة الرها Edessa. وأكمل إبنه نور الدين حركة التحرير ، إنطلاقاً من عاصمته دمشق . إذ بدأ بعمليات عسكرية ومناوشات ضد القوات الصليبية . وبلغت المقاومة الإسلامية ذروتها حين وصل صلاح الدين إلى عرش مصر بعد الفاطميين . إذ استطاع صلاح الدين أن يوحد مصر وسوريا تحت هيمنته ، فوضع الصليبيين بين حجري الرحى ، سوريا شمالاً وغرباً ، ومصر جنوباً وغرباً . وحقق صلاح الدين إنتصاراً كبيراً في معركة حطين في 4 تموز 1187 م ، حين هزم الملك الصليبي غي دو لوزينيان Guy de Lusignan، ملك القدس ، وتمزق جيشه البالغ 000ر20 محارب ، ووقع الملك أسيراً . ودخل صلاح الدين القدس دون مقاومة ، فأكرم الأسرى وأطلق سراحهم ، وعامل المسيحيين بالإحسان والتسامح.
بعد فشل الحروب الصليبية ، بقي الأوربيون يبحثون عن أرض جديدة قادرة على استيعاب طموحاتهم وأطماعهم . فبدأت حركة استكشافات جغرافية واسعة . لقد كانوا يبحثون عن خيار آخر غير أوربا التي ضاقت بهم ، وضاقت إمكاناتها فأصبحت الحروب هي لغة التعامل في التنازع على الثروات والموارد الطبيعية والأراضي . أصبح البحث عن أرض جديدة بمثابة الحل الأمثل للمشاكل التي تعانيها القارة الأوربية ، الصراعات السياسية ، الأزمات الإقتصادية ، الخلافات المذهبية والإضطهاد الديني . في عام 1492 م تم اكتشاف أميركا ، واكتشفت أستراليا عام 1606 م فكانتا الحل الذي انتظره الأوربيون قروناً . فأخذت موجات المهاجرين تتدفق على الأرض الجديدة ، لكنهم لم يجدوا حضارة مزدهرة كما في الشرق ، بل قبائل بدائية وشعوباً متأخرة ، سرعان ما أبادوها ، وليقيموا فيها إلى الأبد
العلاقات في الفترة الصليبية
بقي الصليبيون قرنين في الشرق الأوسط ، أسسوا فيها بضع دول ، يحيط بها المسلمون من أهل البلاد . وكان الصليبيون يحملون السمات الأوربية آنذاك من التأخر العلمي والجمود الفكري ، إضافة إلى فظاظة وقسوة واضحة ، فلم يكن لديهم ما يعطونه بقدر ما تعلموه من المسلمين . وعلى الرغم من أن الحضارة الإسلامية في القرن الثاني عشر قد فقدت بريقها وأبهتها ، ولكنها كانت ما تزال على مستوىً عال مقارنة بالوضع الأوربي . ولا يسع المجال للتطرق إلى تفاصيل التأثير الإسلامي على الغازين الصليبيين ، ولكن سنذكر بعضها . فعلى الصعيد العسكري تعلم الأوربيون استخدام الحمام لنقل البريد ، واستعمال النار لإعطاء إشارات ضوئية ليلاً والتخاطب عن بعد . وأصبحت زهرة الزنبق ، شعار الطبقة الأرستقراطية المسلمة ، من مظاهر النبلاء والأمراء الأوربيين . وتعلم الأوربيون استخدام السكر ، الذي كان ينتج بكميات كبيرة . وكانوا حتى ذلك الوقت يستخدمون العسل في الطعام والأدوية .
وأصبحت الألفاظ والكلمات العربية متداولة ، إذ وجدت طريقها إلى اللغات الأوربية إلى يومنا هذا . وهيأ الإتصال المباشر مع العرب المسلمين فرصة للأوربيين في التعرف إلى الأدب العربي والعادات والتقاليد . يقول المؤرخ توماس آرنولد : في القرن الثاني عشر ، جذب الإسلام الكثير من الصليبيين ، الذين إعتنقوه . ولم يقتصر ذلك على الناس العاديين ، بل الأمراء والقادة . ففي الليلة السابقة لمعركة حطين ، إعتنق الإسلام ستة أمراء من مملكة القدس ، والتحقوا بقوات العدو (المسلمين) ، دون إكراه [1] .
كانت الوضعية السياسية للمنطقة عبارة عن مجموعة من الإمارات الصغيرة ، المتداخلة الحدود ، بعضها يحكمها مسلمون والأخرى يحكمها مسيحيون . وكانت العلاقات بينها تتراوح بين التعاون والمصالح وبين التوتر والحروب . وكل حاكم أو أمير يرتبط بعلاقات مع جيرانه المسلمين والمسيحيين وفق ما تمليه مصالحه . فكانوا يعقدون معاهدات واتفاقيات تنظم شؤون العلاقات والتجارة والضرائب ومرور القوافل والحجاج والمسافرين . مثلاً ، سمح ريموند Raymond حاكم طرابلس الصليبي لقوات الملك الأفضل بالمرور في أراضيه لخوض حرب ضد عدوه . وكان رتشارد الأول I Richard على علاقة ودية مع الملك العادل .
لقد كان من الطبيعي أن تقوى العلاقات بين الأمراء والحكام المسلمين والمسيحيين معاً . وقد تصل العلاقات إلى مستوى التحالف العسكري بين المسلمين والصليبيين ، فتجد حلفاً يضم حكاماً مسلمين ومسيحيين يناوئ حلفاً آخر يضم أيضاً مسلمين وصليبيين . ففي عام 1115م أرسل السلطان السلجوقي محمد حملة لتأديب حكام حلب ودمشق الذين اتهمهم بقتل حاكم الموصل عشية الاستعداد للهجوم على الفرنج . «وعندما وصلت الحملة كانت تنتظرها مفاجأة ، فقد كان بغدوين Bagdwin ملك القدس الصليبي يقف إلى جانب طغتكين حاكم دمشق محاطين بعساكرهما وعساكر إنطاكية وحلب وطرابلس . فإذ كان أمراء الشام ، مسلمين وفرنجاً على السواء ، قد أحسوا بأنهم مهددون من قبل السلطان فقد قرروا أن يتحالفوا ، واضطر الجيش السلجوقي إلى الانسحاب بشكل مخجل بعد عدة اشهر . وعندها أقسم السلطان محمد بألا يهتم بالمشكلة الفرنجية . ولسوف يبر بقسمه» [2].
لقد بات من الأمور العادية أن يستعين الحاكم بقوة حاكم مجاور دون النظر إلى دينه ، مسيحي أم مسلم ، فالمهم هو أن ينجد الحاكم بقوة عسكرية لمواجهة وضع متأزم ، عصيان داخلي أو غزو من خارج الإمارة. ففي عام 1130م قتل بيمند الثانيBohemond II حاكم إنطاكية Antioch على يد غازي إبن الأمير دانشمند «وأرسل رأسه الأشقر محنطاً بعناية وموضوعاً في علبة من الفضة هدية إلى الخليفة العباسي في بغداد . وعندما وصل نبأ موته إلى إنطاكية نظمت أرملته (أليكس) إبنة بغدوين الثاني ، ملك القدس ، إنقلاباً حقيقياً . فتعاونت مع المسيحيين الشرقيين المقيمين في المدينة ، وأرسلت رسالة إلى زنكي الأتابكي تعرض فيه حلفاً ضد أبيها بالذات ، وتعده بالاعتراف بسلطانه المطلق . قبض أبوها على الرسول وعلى الحصان المهدى إلى زنكي ، ودخل إنطاكية بجيشه لإعادة الأمور إلى ما كانت ، بيد الصليبيين» [3].
يعلق أحد المؤرخين على هذا الموقف فيقول: «إنه لموقف غريب يعلن عن ولادة جيل جديد من الفرنج ، الجيل الثاني ، ليس بينه وبين رواد الغزو أي شيء مشترك . فإذ كانت الأميرة الشابة من أم أرمنية ، ولم تكن قد عرفت أوربا أبداً ، فإنها تشعر بأنها شرقية وتتصرف على هذا الأساس» [4].
وكانت الكنيسة الرومانية ترى أن هذه الوضعية مخالفة للتعاليم المسيحية «وأن الذين يتاجرون بالأمتعة الحربية مع المسلمين ، على الرغم من تحريم ذلك من قبل المجالس الكنسية ، يعتبرون أبناء شريرين للكنيسة ، وهم مسيحيون مزيفون ، يؤمنون بعقيدة الكنيسة الرومانية بالكلام فقط ، وينكرونها بأفعالهم» [5]. وتطرق وليم William of Adamإلى أنواع التعامل مع (الظالمين) الذين «يدمرون ميراث الرب» . ووضعت مقررات كنسية وصدرت أوامر بابوية تقيد التجارة بالمواد الحربية فأصبح ممنوعاً، التجارة بالسلاح ، الحديد ، الخشب وبناء السفن ، أو الإبحار نحو موانئ العدو في كل الأحوال . وأما المتاجرة بالأغذية وغيرها فتصبح ممنوعة في حالة الحرب فقط [6] . ومع ذلك بقيت التجارة مزدهرة مع المسلمين ، وبقيت الإتصالات غير التجارية جارية بين الجماعات المسيحية والعالم الإسلامي .
ولقد دهش الرحالة الأندلسي إبن جبير الذي كان يزور دمشق في تلك السنة ، 1183م حين كان صلاح الدين يستعد لمعركة حطين ، لرؤية القوافل تذهب وتجيء بيسر بين مصر ودمشق عبر بلاد الفرنج . وقد لاحظ أن للنصارى على المسلمين ضريبة يؤدون في بلادهم ، وهي من الأمَنَة على غاية . وتجار النصارى أيضاً يؤدون في بلاد المسلمين على سلعهم . والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال . وأهل الحرب مشتغلون بحربهم ، والناس في عافية» [7].
أما أهل الحرب فكان يملأهم الملل والتعب من حصار المدن والقلاع ، والمناوشات الحربية الدائمة . «وشيئاً فشيئاً قامت صيغة تعايش ، فكان فرسان الفرنج وأمراء المسلمين يتداعَون بين مناوشتين إلى مآدب ، ويتحادثون بدعة ، ويمارسون الألعاب معاً في بعض الأحيان كما يروي بهاء الدين : ذات يوم قرر الرجال من الفريقين ، وقد أتعبهم القتال أن ينظموا معركة بين الأولاد ، فخرج فَتَيان من المدينة لمقارعة فتيين من الكفار . وفي حمأة المصارعة وثب أحد الصبيين المسلمين على نظيره وطرحه أرضاً وأخذ بخناقه . وعندما رأى الفرنج أنه يوشك أن يقتله اقتربوا منه وقالوا له : دعه ! لقد صار حقاً أسيرك وسوف نفتديه منك . وأخذ دينارين وتركه» [8].
وكانت تجارة العبيد من التجارات المزدهرة في تلك العصور . وقد مارس المسلمون والمسيحيون هذه التجارة ، وكان العبيد من كل الأديان أيضاً ، مسلمين ومسيحيين ويهوداً . فأصحاب المزارع والملاك والأمراء كانوا يشترون العبيد للعمل في الأرض والزراعة وتربية المواشي . وكانت المصالح الذاتية هي الأساس في تعاملهم مع الواقع . وقد نشأت أعراف وتقاليد بعضها متعصب وبعيد عن التسامح ، مثلاً لا يستطيع أمير مسيحي طرد مسلم من أرضه دون سبب ، لا يؤذيه . من جانب آخر كان الحكام المسيحيون يمنعون المسيحي من العمل في منزل مسلم أو يهودي . وأن لا يعمل المسلمون واليهود في الوظائف العامة ، وعليهم أن يرتدوا ملابس معينة . وكانت لائحة كليمنتينا Clementinaeتمنع نداءات الصلاة أو الحج في الأراضي الخاضعة للسيطرة المسيحية .
  رد مع اقتباس
إضافة رد

علامات

أدوات الموضوع
طريقة العرض
عادي عادي

ضوابط المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : نشيط
كود [IMG] : نشيط
كود هتمل : خامل

الانتقال السريع

مواضيع ذات صلة للموضوع: محاضرات في مقياس المؤسسات والعلاقات الدولية لطلبة السنة أولى حقوق ل م د (01)
الموضوع الكاتب المجلس المشاركات المشاركة الأخيرة
محاضرات في مقياس المؤسسات والعلاقات الدولية لطلبة السنة أولى حقوق ل م د (02) youcef66dz المؤسسات و العلاقات الدولية 7 15-01-2012 08:03
دروس في التنظيم الدولي (05) youcef66dz منتدى السنة الثانية LMD 4 15-12-2011 11:41
محاضرات في مقياس المؤسسات والعلاقات الدولية لطلبة السنة أولى حقوق ل م د (03) youcef66dz المؤسسات و العلاقات الدولية 4 22-11-2011 03:35
دروس في مقياس المنظمات الدولية و الإقليمية (01) youcef66dz منتدى السنة الثالثة LMD 2 23-07-2011 04:20
موسوعة الامتحنات لطلبة الحقوق "جميع السنوات فرح الامتحانات 8 29-03-2011 10:35


اعلان نصي الرئيسية روابط نصية الحقوق روابط نصية العلوم القانونية روابط نصية LMD روابط نصية اعلان نصي

التوقيت حسب جرينتش +1. الساعة الآن 05:05.
Powered by vBulletin® Copyright ©2000-2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
Translated By alkahf©