للتسجيل اضغط هـنـا



الظروف المشددة و الأعذار لجريمة القتل العمد في القانون الجزائري(ج1)

مذكرة التخرج لنيل إجازة المعهد الوطني للقضاء بعنوان : الظروف المشددة و الأعذار لجريمة القتل العمد في القانون الجزائري من إعداد الطالبة القاضية: نوال عبد اللا وي الدفعة الثانية

إضافة رد
  #1  
قديم 22-09-2011, 10:52
الصورة الرمزية youcef66dz
youcef66dz youcef66dz غير متواجد حالياً
عضو ممتاز
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجزائر
المشاركات: 3,822
مقالات المدونة: 14
youcef66dz will become famous soon enoughyoucef66dz will become famous soon enough

الاوسمة

افتراضي الظروف المشددة و الأعذار لجريمة القتل العمد في القانون الجزائري(ج1)

مذكرة التخرج لنيل إجازة المعهد الوطني للقضاء

بعنوان : الظروف المشددة و الأعذار لجريمة القتل العمد في القانون الجزائري
من إعداد الطالبة القاضية: نوال عبد اللا وي الدفعة الثانية عشر:

خطة المذكرة:
المقدمــة
الفصل الأول : الظروف المشددة لجريمة القتل العمد في القانون الجزائري.
المبحث الأول: الظروف المشددة بالنظر إلى النية المبيتة لدى الجاني.
المطلب الأول: القتل مع سبق الإصرار
الفرع الأول: عناصر ظرف سبق الإصرار
الفرع الثاني: مالا يؤثر في قيام ظرف سبق الإصرار.
الفرع الثالث: بيانه في الحكم.
المطلب الثاني: القتل مع الترصد.
الفرع الأول: عناصر الترصد.
الفرع الثاني: مقارنة بين ظرف الترصد وظرف سبق الإصرار.
الفرع الثالث: إثبات الترصد واستظهاره في الحكم.
المبحث الثاني: الظروف المشددة بالنظر إلى الوسيلة المستعملة.
المطلب الأول: التسميم.
الفرع الأول: شروطه.
الفرع الثاني: إثباته وبيانه في الحكم
المطلب الثاني: القتل باستخدام وسائل التعذيب أو أعمال وحشية.
الفرع الأول: العناصر المكونة للجريمة.
الفرع الثاني: إثباته وبيانه في الحكم.
المبحث الثالث : الظروف المشددة بالنظر لغرض الجاني لبلوغ جريمة أخرى
المطلب الأول: اقتران القتل بجناية.
الفرع الأول: شروط التشديد
الفرع الثاني: الأثر القانوني للإقتران
المطلب الثاني: ارتباط القتل بجنحة.
الفرع الأول: شروط التشديد
الفرع الثاني:الأثر القانوني للإرتباط
المبحث الرابع : الظروف المشددة بالنظر إلى صفة المجني عليه.
المطلب الأول: قتل الأصول
الفرع الأول: شروط تحقق جناية قتل الأصول
الفرع الثاني:إثباته وبيانه في الحكم.
المطلب الثاني: قتل الفروع.
الفرع الأول: الرأي الذي يرى أن قتل الفروع ظرف مشدد.
الفرع الثاني: رأينا في الموضوع.
الفصل الثاني : الأعذار القانونية المخففة لجريمة القتل العمد في القانون الجزائري.
المبحث الأول : قتل الأم لإبنها حديث العهد بالولادة.
المطلب الأول : أركان الجريمة
الفرع الأول: الأركان العامة
الفرع الثاني: العناصر الخاصة لجريمة قتل الأم لإبنها الحديث العهد بالولادة
المطلب الثاني: إثباته وبيانه في الحكم
المبحث الثاني: عذر تجاوز حد الدفاع الشرعي.
المطلب الأول : القتل لدفع اعتداء شديد.
الفرع الأول: أعمال الإثارة التي تبرر عذر التجاوز.
الفرع الثاني: شروط تطبيق العذر.
الفرع الثالث: الفرق بين عذر التجاوز وحالة الدفاع الشرعي.
المطلب الثاني: عذر التسلق أو ثقب الأسوار أو تحطيم مداخل المنازل الذي يبرء القتل
الفرع الأول: الأفعال المادية المنصوص عليها في مضمون المادة.
الفرع الثاني: شروط تطبيق هذا العذر.
المطلب الثالث: استظهار عذر التجاوز والعقوبة المقررة له.
الفرع الأول: استظهار العذر.
الفرع الثاني: العقوبة المقررة له
المبحث الثالث : عذر تلبس أحد الزوجين بالزنا.
المطلب الأول : شروط تطبيق العذر
الفرع الأول: صفة الجاني
الفرع الثاني: مفاجأة أحد الزوجين متلبسا بالزنا
الفرع الثالث: القتل في الحال
المطلب الثاني : إثبات عذر التلبس بالزنا والعقوبة المقررة له.
الفرع الأول: إثباته.
الفرع الثاني: العقوبة المقررة له.
الخاتمـــة

مقدمــة

إن جريمة القتل لا ريب أنها من أفضع الجرائم على الإطلاق، وأقدمها على وجه البسيطة إذ تعود إلى ما روي عن نبأ بني آدم في قوله تعالى في سورة المائدة، الآية 22 "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من النادمين".
ومما لاشك فيه أيضا أن أطماع النفس وأهوائها قد تحيد بها عن الطريق السليم، لهذا كان لابد من وجود ضابط يكبحها، فتكفلت الشرائع السماوية بذلك فوضعت معيار العقاب تلتها بعد ذلك القوانين الوضعية هادفة إلى المحافظة على المجتمع وحمايته، ففرضت الجزاء على من يقترف جريمة تخالف نظمه وأحكامه، هذا الجزاء الذي تطور مع مرور الأزمان والعصور تطورا سريعا مما جعل المشرع ينشط في بيان الأسباب التي دعت إلى وجوده والأفعال التي يطبق عليها وتفصيل كل ما يمكن أن يتداخل في تحديده وأخيرا بيان تلك الظروف التي قد تؤثر فيه تشديدا أو تخفيفا أو إعفاءا كليا منه.
لأجل كل هذا فإن المشرع الجزائري على غرار التشريعات الأخرى قدر سلفا أن هناك ظروفا تقترن بالجريمة وتلازمها وتلازم مرتكبيها فتؤثر على وجه الخصوص على العقوبة، فنص على عدة ظروف جعلها سببا للتشديد أو التخفيف، إلا أن سياسته في بيان ذلك اقتصرت على ذكرها بمناسبة تحديد بعض الجرائم ولم يضع لها نظرية عامة تنظمها الأمر الذي جعل كلا من الفقه والقضاء يتولى البحث لكي يصل إلى دقائق وجزئيات الظروف المشددة والأعذار المخففة التي قد تحيط بالجريمة والتي قد يلتمسها على وجه الخصوص رجال القضاء عند ممارستهم لمهامهم وتطبيقهم لمواد قانون العقوبات التي توحي أحيانا بالتوسع في مثل هذه الظروف وبالتطبيق أحيانا أخرى وفي هذا اختلاف في التفسير.
وقد يكون هذا هو الإشكال الرئيسي الذي يصادفه القاضي في حياته العملية إذا ما اقترنت الجريمة المطروحة عليه بظروف وملابسات يصعب تفسيرها ما إذا كانت تدخل ضمن الظرف الذي قصده المشرع في مواده فتشدد العقوبة أو تخفف أم أنه لا يدخل في المعنى المقصود فيلتزم بتطبيق العقوبة كما حددها القانون للجريمة البسيطة، غير المقترنة بأي ظرف.
وإيمانا منا بأهمية الموضوع وما يطرحه من إشكاليات في الحياة العملية وإيمانا منا كذلك بفضاعة جريمة القتل العمد وانتشارها الواسع في الوقت الراهن فقد وقع اختيارنا على موضوع الظروف المشددة والأعذار المخففة لجريمة القتل العمد في القانون الجزائري.
وقد حرصنا على أن يكون هذا البحث شاملا وجامعا لكل جزئيات هذا الموضوع، كل ذلك في بيان سهل في خطة مبسطة متبوع برأي الفقه والقضاء أي الأحكام الصادرة عن المحكمة العليا وقرارات المجالس القضائية التي أحطناها بتعليق منا، وبطبيعة الحال سوف نعالج هذا الموضوع من خلال مواد قانون العقوبات الجزائري المنظمة له.
وسوف نستعرض في الفصل الأول من هذه الدراسة الظروف المشددة لجريمة القتل العمد، ونخصص
الفصل الثاني إلى الأعذار القانونية المخففة لجريمة القتل العمد.

الفصل الأول: الظروف المشددة لجريمة القتل العمد في القانون الجزائري.

الظروف المشددة هي تلك الوقائع أو الملابسات التي إذا ما اقترنت بالجريمة شددت عقوبتها سواء كان هذا التشديد مغيرا لوصف الجريمة أو مبقيا لهذا الوصف.

وقد صدر قرار عن الغرفة الجنائية الأولى بالمحكمة العليا بتاريخ : 18/04/1984 في الطعن رقم 646-36 جاء فيه: "يعتبر ركنا من أركان الجريمة العنصر الذي يشترط توافره لتحقيقها بينما يعد ظرفا مشددا العنصر الذي يضاف إلى أركان الجريمة ويشدد عقوبتها"(1)

والظروف المشددة نوعان(2): ظروف مشددة خاصة وتنقسم إلى ظروف واقعية وظروف شخصية وظرف مشدد عام ويتعلق الأمر بظرف العود.

وجريمة القتل العمد من الجرائم التي شدد المشرع الجزائري عقوبتها إذا ما اقترنت بها بعض الظروف التي أشارت إليها مواد قانون العقوبات على سبيل الحصر والتي يجوز للقاضي فيها أن يتجاوز الحد الأقصى للعقوبة المقررة قانونا لجريمة القتل العمد البسيط بل يجب عليه ذلك، فالظروف المشددة هي وجوبيه للقاضي بحيث تلزمه إذا توافرت بتطبيقها وترتيب أثرها برفع عقوبتها إلى الحد الذي قرره القانون.

وسوف نتناول الظروف المشددة لجريمة القتل العمد من خلال المباحث التالية:
المبحث الأول: الظروف المشددة بالنظر إلى النية المبيتة لدى الجاني.
المبحث الثاني: الظروف المشددة بالنظر إلى الوسيلة المستعملة.
المبحث الثالث: الظروف المشددة بالنظر إلى الغرض المراد الوصول إليه من طرف الجاني.
المبحث الرابع: الظروف المشددة بالنظر إلى صفة المجني عليه.

(1) أنظر المجلة القضائية للمحكمة العليا، العدد 02 لسنة 1990 ص:242.
(2) أنظر الدكتور أحسن بوسقيعة، الوجيز في القانون الجنائي العام، طبع الديوان الوطني للأشغال التربوية 2002، ص: 258 و 259، فقد عرف الظروف المشددة الواقعية هي تلك التي تتصل بالوقائع الخارجية التي رافقت الجريمة وهذه الظروف تغلظ إجرام الفعل أما الظروف المشددة الشخصية فهي ظروف ذاتية تتصل بالصفة الشخصية للفاعل والشريك ومن شأنها تغليظ عقوبة من تتصل به.

المبحث الأول: الظروف المشددة بالنظر إلى النية المبيتة لدى الجاني.

تنص المادة 255 من ق.ع.ج. على أن: "القتل قد يقترن بسبق الإصرار أو الترصد". ويتضح من نص هذه المادة أن القتل العمد يرجع في هذه الحالة إلى النية الداخلية لدى الجاني والتي تتضح وتتجلى من خلال إصراره على ارتكاب الجريمة أو ترصده بالمجني عليه.

وسبق الإصرار والترصد من الظروف التي لا يمكن اكتشافها أو إثباتها إلا إذا توجت بمظاهر خارجية وهي الأفعال المادية التي تقع من الجاني والتي تدل على ما كان يضمره في نفسه من قبل(1) وسوف نتناول أحكام الظرفين المشددين الواردين في المادة 255 ق.ع فنتكلم في المطلب الأول عن ظرف سبق الإصرار وفي المطلب الثاني عن ظرف الترصد.

المطلب الأول:القتل مع سبق الإصرار.

عرفت المادة 256 ق.ع.ج. سبق الإصرار بأنه: "عقد العزم قبل ارتكاب الفعل على الاعتداء على شخص معين أو حتى على شخص يتصادف وجوده أو مقابلته وحتى لو كانت هذه النية متوقفة على أي ظرف أو شرط كان"(2).

أول ما يلاحظ أن هذه المادة تضمنت تعريفا لظرف سبق الإصرار ولكن ليس كظرف خاص بالقتل العمد وحده وإنما يمتد إلى أي جناية أو جنحة عمدية يقرر المشرع تشديد عقوبتها عند توافر سبق الإصرار، كما هو الحال في جرائم الضرب والجرح العمدي المنصوص عليها بالمادة 265 ق.ع.

والسؤال الذي يطرح في شأن المادة 265 ق.ع. هو ما مدى ضرورة ذكرها في الحكم ؟

لم نعثر على قرار للمحكمة العليا يفصل في هذه الإشكالية غير أن القضاء المصري(3) قد فصل فيها إذ قرر بأن ذكر المادة المتعلقة بظرف سبق الإصرار ليس ضروريا كونها لا تتضمن عقوبة أو جزاء معينا إلا أنه وحسب رأينا وخلافا لما جاء في الإجتهاد المصري السابق الذكر وإن كان فعلا نص المادة 256 ق.ع يعطي تعريفا وليس جزاءا معينا إلا أنه وفي نفس الوقت يعد الحدود التي رسم بموجبها المشرع الخطوط الرئيسية للقاضي عند تقديره لهذا الظرف وعليه فإننا نرى ضرورة أن يذكر في الحكم القاضي بإدانة المتهم من أجل جناية القتل مع سبق الإصرار نص المادة 256 ق.ع إلى حين صدور قرار عن المحكمة العليا يفصل نهائيا في هذا التساؤل.

(1) أنظر د: سيد البغال الظروف المشددة والمخففة في قانون العقوبات فقها وقضاءا دار الفكر العربي ص: 113.
(2) تقابلها المادة 297 ق.ع فرنسي، 231 ق.مصري، أما الشريعة الإسلامية والنظام الأنجلو سكسوني فلم يعرفا سبق الإصرار.
(3) أنظر د:سيد البغال، موسوعة التعليقات على قانون العقوبات والقوانين المكملة ج 01، دار الفكر العربي ص 489.

الفرع الأول: عناصر سبق الإصرار.

العنصر الأول: العزم أو التصميم السابق.
وهو العنصر الذي أشار إليه المشرع في سياق عباراته فقال:"سبق الإصرار هو عقد العزم قبل ارتكاب الفعل..." فهو يقتضي مرور مدة من الزمن تمضي بين العزم على ارتكاب الجريمة وبين تنفيذها فعلا.

العنصر الثاني: التفكير والتدبير.
فعلى الرغم من عدم تطرق المشرع لهذا العنصر في نص المادة 256 ق.ع إلا أن جل الفقهاء بما فيهم المصريون والفرنسيون اتفقوا على وجوب توافره لكي يتوفر الظرف المشدد إذ يجب أن يكون الجاني قد تدبر وفكر فيما يريد إتيانه ورتب عواقبه ثم ينفذ جريمته فعلا وهو مطمئن هادئ البال(1).

فالعبرة إذن لا بالزمن طال أم قصر بل بالزمن الكافي للتدبير والتفكير وبناءا على ذلك قضي في فرنسا باستبعاد سبق الإصرار في حالة القتل المرتكب تحت تأثير الهوى(2).
وسبق الإصرار بهذا المعنى ليس هو القصد الجنائي إنما هو في جوهره أمر نفسي آخر يحيط بالقصد الجنائي(3).

الفرع الثاني: ما لا يؤثر في قيام سبق الإصرار.

متى توفر لسبق الإصرار عنصراه الزمني والنفسي (عنصر التفكير والتدبير)، يتحقق الظرف وينتج أثره في تشديد العقوبة، ولا يؤثر في قيامه بعد ذلك أن يكون قصد القاتل محددا بإنسان معين أو غير معين وهذا ما جاء صراحة في نص المادة 256 ق.ع عند قولها:"أو حتى على شخص يتصادف وجوده أو مقابلته".

وتطبيقا لذلك فقد قضي بتوافر ظرف سبق الإصرار في حق المتهمة (ب، ف) التي أصدرت محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة(4) في حقها حكما بالإعدام لأجل اقترافها لجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار، حيث أننا وبرجوعنا إلى قرار الإحالة الصادر عن غرفة الإتهام للوقوف على ملابسات القضية، تبين أن المتهمة فعلا كانت قد فكرت في أمر جريمتها وخططت لها انتقاما لابنتها التي سبق الاعتداء عليها جنسيا من أحد أفراد عائلة الضحية، فعقدت العزم منذ تلك الواقعة على أن تثأر لإبنها، فضلا على ذلك فإن النية المبينة من طرف القاتلة لم تكن مقتصرة على الضحية بل أنها عقدت العزم على أن تقتل أي شخص من عائلة الضحية يأتي إلى منزلها، فهذا مفاده وأن المجني عليها كانت ممن شملهم التصميم السابق وعليه يكون هذا القتل وليد إصرار سابق لذلك أصاب قضاة المجلس عند إجابتهم عن السؤال المتعلق بالظرف المشدد بنعم بالأغلبية "الإيجاب".

(1) أنظر د: احسن بوسقيعة، الوجيز في القانون الجنائي الخاص، الجزء الأول، دار هومة، ص: 27 + د: محمد صبحي نجم، شرح قانون العقوبات الجزائري، قسم خاص، الطبعة الثانية، ص 44، ديوان المطبوعات الجامعية، + د: رؤوف عبيد ص: 58، وفي الفقه الفرنسي Michel Véron, Droit Pénal Spécial, 07ème édition armand colin, p 25.
(2) أنظر: د.احسن بوسقيعة، المرجع السابق ص: 27 + Michel véron Op.cit p M 25.
(3) إذ أن هناك جانبا من الفقه ركز لا على عنصر الهدوء والتفكير لدى الجاني بتوافر سبق الإصرار بل على استمرارية القصد الجنائي وإلحاح فكرته على صاحبه وعدم العدول عنه. أنظر د. رمسيس بهنام، بعض الجرائم المنصوص عليها في المدونة العقابية- الجرائم المضرة بالمصلحة العمومية والعدوان على الناس في أشخاصهم وأموالهم، الناشر المعارف الإسكندرية ص 359.
(4) حكم صادر عن محكمة الجنايات لمجلس قضاء تبسة بتاريخ 01/07/2002 قضية رقم 30/2002.

كذلك لا ينال من توفر ظرف سبق الإصرار أن يكون باتا أو معلقا على شرط مثال ذلك أن تصمم امرأة على قتل عشيقها إن لم يتزوج بها أو التصميم على قتل إنسان إذا عاد إلى قرية بعد هروبه منها(1).

وأخيرا لا أثر للغلط في الشخص أو الشخصية فالقتل يعتبر مقترنا بسبق الإصرار ولو أصاب القاتل شخصا غير الذي صمم على قتله أو أخطأه وأصاب غيره.

كما أن رضا الضحية لا يمنع قيام سبق الإصرار كحالة القتل بدافع الشفقة أو بطلب منه بل إنه يظهر جليا وواضحا وجود تفكير وتنظيم سابق في مثل هذا الفعل(2).

لذلك فقد قضي بتوافر سبق الإصرار لوجود ضغينة سابقة بين القاتلة والمقتولة(3)، كما حكم بتوافره أيضا من إعداد آلة القتل والسلاح المسبق(4) أيضا ثم إثبات توافره من تدبير الجناة لقتل المجني عليه وذلك باستدراجه للركوب معه في سيارته لتنفيذ ما عقدوا العزم عليه(5).

- فمتى ثبت توافر سبق الإصرار فعلى المحكمة أن تستظهره بسؤال يشترط أن يكون مستقل ومتميز، وهذا ما قضت به المحكمة العليا في القرار الصادر عن الغرفة الجنائية والذي جاء فيه: "إذ كان السؤال المطروح على المحكمة قد تضمن فعلا رئيسيا وهو القتل العمد وظرفا مشددا، وهو سبق الإصرار، فإن مثل هذا السؤال يعد متشعبا ويؤدي إلى النقض(6)".

كما صدر عنها قرار آخر بتاريخ 6 نوفمبر 1984 في الطعن رقم 506-35 جاء فيه:"كما يشترط أن يكون كل فعل وكل ظرف مشدد محل سؤال مستقل ومتميز حتى يتمكن أعضاء محكمة الجنايات من الإجابة عليه بكل ارتياح واطمئنان"(7).

- ولا يشترط أن يذكر لفظ سبق الإصرار صراحة فيمكن أن يكون السؤال يتضمن العبارات الدالة على قيامه عند المتهم.

فكل متهم متابع بجناية القتل العمد مع سبق الإصرار فإنه يجب أن يطرح السؤال عن أركان القتل ثم سؤال مستقل ومميز عن الظرف المشدد كما يلي.

(1) أنظر: د علي عبد القادر القهوجي ود. فتوح عبد الله الشاذلي، شرح قانون العقوبات، القسم الخاص الجرائم المضرة بالمصلحة العامة وجرائم الاعتداء على الأشخاص والأموال، دار المطبوعات الجديدة، الاسكندرية ص 68. وفي هذا المعنى فقد قضت محكمة النقض المصرية بأن إصرار المتهم على استعمال القوة على المجني عليهما إذا منعاه من إزالة السد وتصميمهما على ذلك منذ اليوم السابق ثم حضوره فعلا إلى محل الحادث ومعه سلاح ليدل على سبق الإصرار كما عرفه القانون.
(2) أنظر:Michel véron op cit p 25.
يلاحظ أن قانون العقوبات الجزائري لم ينص على هذا الظرف المخفف في القتل العمد ولم يخفف العقوبة على القاتل إذا ما قتل المجني عليه إشفاقا أو حتى بناءا على طلب منه وذلك لأنه لا يعتد بالباعث على القتل وهذا ما يجعل الفاعل في أغلب الأحوال واقعا تحت سلطان النصوص العادية للقتل بل وخاضعا للظروف المشددة التي ترفع من العقوبة بدلا من تخفيضها كظرف سبق الإصرار، وأن القتل بدافع الشفقة قد أثار جدلا كبيرا بين الفقهاء، أنظر في ذلك الدكتور: أحسن بوسقيعة، الوجيز في القانون الجنائي الخاص، المرجع السابق، ص 15 وما يليها + القسم الخاص في قانون العقوبات لرمسيس بهنام، ص 344 وما بعدها.
(3) حكم صادر عن محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة بتاريخ 01/07/2002 قضية رقم 30/2002.
(4) حكم صادر عن محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة بتاريخ 02/12/2003 قضية رقم 24/2003.
(5) حكم صادر عن محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة بتاريخ 06/7/2003 قضية رقم 28/2003.
(6) جنائي 24 مارس 1981 نشرة القضاة 1982 ص 203 أنظر الدكتور أحسن بوسقيعة، قانون الإجراءات الجزائية في ضوء الممارسة القضائية. الطبعة الثانية، طبع الديوان الوطني للأشغال التربوية 2002 ص 116.
(7) أنظر المجلة القضائية للمحكمة العليا- العدد الأول سنة 1989 صفحة 314.

السؤال الأول: هل أن المتهم مذنب لإرتكابه بتاريخ ........ومنذ زمن لم يمض عليه أهم التقادم بالمكان......اختصاص......محكمة......بمجلس قضاء.......محكمة الجنايات....جريمة القتل العمد وهي إزهاق روح الضحية الفعل المنصوص والمعاقب عليه بالمادة 254 ق.ع.

السؤال الثاني: هل أن المتهم مذنب لإرتكاب بنفس الظروف الزمانية والمكانية المذكورة فعل القتل العمد مع ظرف سبق الإصرار المنصوص عليه بالمادة 256 ق.ع.
-ومتى انتهت المحكمة إلى توفر سبق الإصرار بأن أجيب عن السؤال المتعلق به بالإيجاب فإنه يتعين عليها ترتيب أثره من حيث تشديد العقاب ورفعه إلى الإعدام طبقا للمادة 261 ق.ع/01. وهذا ما يتضح من مراجعة نص المادة السابقة الذكر باللغة الفرنسية الذي استخدم لفظ « Assassinat » أي القتل اغتيالا والذي يعبر عن ظرفي سبق الإصرار أو الترصد كما جاء في المادة 25 ق.ع.
-وبعدها ليس للمحكمة العليا إذا ما تم الطعن بالنقض في حكم من الأحكام المتعلقة بجريمة القتل مع ظرف سبق الإصرار. إلا مراقبة طريقة طرح السؤال أما ما توصلت إليه المحكمة من اقتناع حول توافر الظرف من عدم توافره فلا رقابة للمحكمة العليا عليه. ذلك أن الأمر يتعلق بمسألة اقتناع شخصي لقضاة محكمة الجنايات طبقا للمادة 307 ق.إ.ج.

المطلب الثاني: القتل مع الترصد.

الترصد حسب ما عرفته المادة 257 ق.ع هو:" انتظار شخص لفترة طالت أو قصرت في مكان أو أكثر وذلك لإزهاق روحه أو الإعتداء عليه"(1).

أول ما يلاحظ أن ظرف الترصد كسبق الإصرار ظرف مشدد ليس خاصا بجريمة القتل العمد فقط بل يطبق على جرائم أخرى التي قرر المشرع تشديد عقوبتها إذا توفر هذا الظرف كجرائم الضرب والجرح العمدي.

وإن العلة من اعتباره ظرفا مشددا في نظر الرأي الغالب في الفقه(2) هو المفاجئة والمباغثة التي تمكن الجاني من الإقتناص من غنيمة دون صعوبة فهو ظرف يبلور لنا خطورة الجاني لما يكنه في نفسه من غدر ونذالة.

الفرع الأول : عناصر الترصد.

قيام الترصد يستلزم توافر عنصرين:

العنصر الزمني: مؤداه أن ينتظر الجاني ضحيته فترة من الزمن طالت أو قصرت قبل أن ينفذ جريمته وهذا ما هو واضح في نص المادة 257 بقولها: "انتظار شخص لفترة طالت أو قصرت....".

(1) تقابلها المادة 232 ق.ع مصري، كما بينت مدلوله محكمة النقض المصرية حين قضت بأن "العبرة في قيام الترصد هي تربص الجاني وترقبه للمجني عليه فترة من الزمن طالت أم قصرت في مكان يتوقع قدومه إليه ليتوصل بذلك إلى الإعتداء عليه دون أن يؤثر في ذلك أن يكون الترصد في مكان خاص بالجاني (أنظر د.علي عبد القادر القهوجي ود.فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 76 + د.أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 28.
(2) أنظر د.إسحاق ابراهيم منصور شرح قانون العقوبات الجزائري الطبعة الثانية 1988 ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر ص 30 + د.أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 28 + د. محمد صبحي نجم المرجع السابق ص 45.

العنصر المكاني: مقتضاه انتظار الجاني للمجني عليه في مكان ما يمكنه من تنفيذ جريمته، ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا المكان لا يتطلب شروطا خاصة فقد يكون مكانا عاما مثل مسجد، مستشفى أو محطة الحافلات،...وقد يكون خاصا كمنزل أو سيارة...وقد يكون هذا المكان مملوكا للمجني عليه أو لغيره أو للجاني نفسه، وقد يكون المكان منفردا بعيدا عن العمران وقد لا يكون كذلك(1).

كما أنه لا يشترط أن يكون الجاني متخفيا ذلك أن الاختفاء ليس شرط من شروط الترصد(2) فالمهم هو عنصر المفاجئة والمباغتة.

العنصر الغائي: لقد جاء في نص المادة 257 العبارة التالية: ".....وذلك لإزهاق روحه". ويتبين من قراءتها أنه يجب لتوافر ظرف الترصد أن يكون الهدف أو الغاية من تواجد الجاني في هذا المكان هو الإعتداء على حياة الغير، وعليه فإنه لا يكفي لتوافر الترصد أن ينتظر الجاني لساعات عديدة أمام منزل المجني عليه في مقهى ولما قدم المجني عليه قتله، لأنه قد يكون جلوس الجاني في هذا المكان عرضا أو بحكم العادة مع أصدقائه دون أن تكون لديه نية القتل، فلما رأى المجني عليه قادما ثارت ثائرته وقتله في الحال(3).

الفرع الثاني : مقارنة بين ظرف الترصد وظرف سبق الإصرار.

- من تعريف الترصد وسبق الإصرار على النحو الذي سبق، نستنتج وأن كلاهما ظرفا مشددا لجريمة القتل العمد ولكن هناك بعض الاختلاف بينهما، إذ يعد سبق الإصرار من الظروف الشخصية التي تتصل بالركن المعنوي للجريمة في حين الترصد ظرف عيني يتعلق بالركن المادي وبالنظر إلى ذلك فإن أثره ينصرف طبقا للقواعد العامة إلى كل المساهمين في الجريمة فاعلين أصليين أم شركاء، علموا به أم لم يعلموا به وذلك على عكس سبق الإصرار الذي يقتصره أثره على من توافر فيه فقط لأنه ظرف شخصي.

إلا أنه صدر قرار مبدئي عن الغرفة الجنائية للمحكمة العليا بتاريخ 29/04/2003 تحت رقم303401 يقضي بجعل سبق الإصرار والترصد في جريمة القتل العمدي ظرفين مشددين شخصيين يتعلقان بالفاعل الأصلي وحده ولا تجوز معاقبة الشريك بهما(4).

- والرأي السائد في القضاء الفرنسي وجانب من الفقه أن الترصد نوع من سبق الإصرار لأجل ذلك استقر على أنه لا ترصد دون سبق إصرار(5). بمعنى أنه حيث يتوافر الترصد يتوافر سبق الإصرار بالضرورة وأن الثاني يحوي الأول.

(1) أنظر د. علي عبد القادر القهوجي + د.فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 76.
(2) لذلك قضي في مصر بأنه يعتبر متربصا من ينتظر المجني عليه على مرأى من الناس ويفاجئه بالقتل العمد (أنظر د.أحسن بوسقيعة الوجيز في القانون الجنائي الخاص المرجع السابق ص 28 + د.إسحاق ابراهيم منصور المرجع السابق ص 30).
(3) أنظر الدكتور علي عبد القادر القهوجي والدكتور فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 74.
(4) أنظر الإجتهاد القضائي للغرفة الجنائية عدد خاص 2003 المحكمة العليا قسم الوثائق ص 118.
(5) أنظر د. أحسن بوسقيعة الوجيز في القانون الجنائي الخاص المرجع السابق ص 28.


كنتيجة لذلك فقد رأى الأستاذ بن شيخ لحسين(1) أنه إذا كان تصريح محكمة الجنايات إيجابيا فيما يخص سؤال الترصد و بالنفي حول سؤال سبق الإصرار فإنه يكون متناقضا. إلا أن هذا الرأي انتقد من طرف بعض الفقهاء(2) الذين يرون وأنه من الجائز أن يقترن القتل العمد بترصد دون سبق إصرار كمن ينتظر خصمه عقب مشاجرة بينهما ويقتله وهو في ثورة غضبه فيكون هذا القتل مصحوبا بترصد وحده دون سبق إصرار وذلك كون أهم عناصر سبق الإصرار اختفى في الترصد وهو عنصر هدوء البال، فحسب هذا الرأي أنه لا يصح القول أن الترصد عنصر من سبق الإصرار.

في حين الكل يتفق على إمكانية توفر سبق الإصرار دون أن يصحب ترصد.
وأمام الاختلاف المطروح حول ما إذا كان الترصد عنصر من سبق الإصرار وأمام غياب اجتهاد قضائي صادر عن المحكمة العليا يؤكد وأن الترصد نوع من سبق الإصرار، فإنه حسب رأينا أن كلا من الطرفين مستقلين ولا تداخل بينهما وإن كنا في الغالب والواقع العملي نجد اقتران الترصد بسبق الإصرار إلا أن هذا التلازم ليس حتميا خاصة وأن المشرع نص في المادة 255 ق.ع على القتل يقترن بسبق الإصرار أو الترصد. أي أنه ميز بين الظرفين، وإذا أراد مستقبلا غير ذلك فعلية أن يكتفي في التعديلات اللاحقة بالنص على ظرف سبق الأصرار دون الترصد كما فعله المشرع الفرنسي صراحة في قانون العقوبات الجديد لسنة 1992(3).

- كما أن ظرف الترصد يتوفر سواء كان القصد محددا أو غير محدد، معلقا على شرط أو موقوف على حدوث أمر أم لا رغم عدم نص المادة 257 صراحة على ذلك، كما لا ينتفي هذا الظرف نتيجة للغلط في الشخص المراد قتله، وهو في ذلك مثله مثل سبق الإصرار التي وردت هذه الأحكام صراحة بشأنه في المادة 256 ق.ع.

الفرع الثالث: إثبات الترصد واستظهاره في الحكم:

الترصد واقعة مادية يمكن إثباتها بكافة طرق الإثبات بما في ذلك الإعتراف وشهادة الشهود، ويقع على النيابة العامة عبىء إثبات الترصد. ذلك أن الإثبات من واجبات سلطة الإتهام، ذلك من خلال مرافعاتها في محكمة الجنايات، وتقدير هذه الأدلة يخضع بعد ذلك لسلطة محكمة الموضوع مما دار أمامها من مناقشات وما حصلته من ظروف الدعوى وقرائنها. ومتى ثبت اقتناعها بتوافره أو عدم توفره فلا رقابة للمحكمة العليا في ذلك، بل يكفي أن يطرح رئيس المحكمة السؤال المتعلق بظرف الترصد، ويجيب عليه أعضاء المحكمة بنعم أو لا بالأغلبية حسب ما توصلوا أليه لذلك فإننا نتصور عدم وجود ذلك الظرف ليس لأنه لم يحدث بل لأنه لم يثبت كون المحلفين والقضاة في محكمة الجنايات لم يعترفوا بوجوده.

وتطبيقا لذلك فقد حكمت محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة(4) بعدم توفر ظرف الترصد في حق المتهم (ص.ع) وذلك بإجابتها عن السؤال المتعلق بهذا الظرف بالنفي.

(1) أنظر الأستاذ: بن شيخ لحسين (مذكرات في القانون الجنائي الخاص، دار هومة ص 29 و 30.
(2) أنظر د.محمد صبحي نجم المرجع السابق ص 45 + د.فتوح عبدالله الشاذلي ود.علي عبد القادر القهوجي المرجع السابق ص 75.
(3) أنظر د.أحسن بوسقيعة الوجيز في القانون الجنائي الخاص المرجع السابق ص 29 المرجع السابق + Michel Néron Op.cit page 25.
(4) قرار بإحالة على محكمة الجنايات صادر عن غرفة الإتهام بمجلس قضاء تبسة بتاريخ 12/08/2003. قضية رقم 514/2003 فهرس رقم 514/2003.

- إلا أنه وبعد إطلاعنا على قرار الإحالة وكذا المناقشات التي دارت بالجلسة، يتبين لنا وأن كل الظروف والملابسات التي أحاطت بالجريمة توحي بتوفر عنصر الترصد في حق المتهم حسب التعريف الوارد في المادة 257 ق.ع. فضلا عن شهادة الشهود الذين أكدوا واقعة إنتظار المتهم للضحية في مكان الحادث على متن سيارة من نوع بيجو 204. وما أن وصل الضحية حتى تفاجئ بها تسير نحوه ولولا تفطنه لكان قد قضى على حياته، ولذلك كانت المتابعة و كذلك الإحالة على محكمة الجنايات بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد سليمة إلا أن الإجابة عن السؤال المتعلق بظرف الترصد والتي كانت بالنفي ستكون محل تعليق منا بعد أن نسرد المثال الثاني.

- وعلى العكس مما سبق ففي قضية أخرى(1) أين تمت متابعة المدعو(س.س) على أساس تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وكانت الإجابة عن السؤال المتعلق بالترصد بالإيجاب، إلا أنه لا يوجد في وقائع الدعوى ما يفيد وأن المتهم ترصد للضحية، سيما واقعة الإنتظار والتي تشكل أهم عناصر الترصد حسب التعريف الوارد في المادة 257 ق.ع.فقرارالإحالة الصادر عن غرفة الإتهام جاء خاليا من التعليل حول ثبوت هذا الظرف وذلك بعدم ذكره للوقائع والقرائن التي تبعث بالإعتقاد أنه فعلا ترصد للضحية، وحسب رأينا لو كان هذا القرار محلا للطعن لتم نقضه حتما لسوء تطبيق القانون على الوقائع وتشويهها.

- من خلال هذين المثالين ارتأينا أن نقول وإن كان ليس بإمكاننا أن نعقب على ما وصلت إليه محكمة الجنايات ذلك أن الأمر يتعلق بمسألة اقتناع شخصي لا رقابة للمحكمة العليا عليه، إلا أننا بالنظر إلى التعريف الوارد لظرف الترصد في المادة 257 باعتباره مسألة قانونية نعيب على ما توصلت إليه المحكمة. كما رأينا في المثال الأول الظرف كان قائما بكل عناصره ومع ذلك كانت الإجابة بالنفي عكس المثال الثاني والذي لم يكن يوجد ما يدل على توفره إلا أن الإجابة كانت بالإيجاب، وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على عدم تحكم قضاة الموضوع في المفهوم القانوني للظرف المشدد وفي العناصر المكونة له حسب التعريف الوارد في المادة 257 ق.ع السابقة الذكر. وإن في ذلك أثر على الحكم الذي سوف يصدر عن المحكمة والذي قد يشكل خطرا على المتهم المحال عليها خاصة إذا علمنا أن محكمة الجنايات هي محكمة اقتناع شخصي وأن الأحكام التي تصدر عنها قد تصل إلى الإعدام كما هو الحال في المثال السابق، إضافة إلى أنها تقضي ابتدائيا ونهائيا في القضايا المحالة أمامها فكل هذه الاعتبارات نرى أنه لا يجب أن تكون مسألة الاقتناع الشخصي سببا للخروج عن التطبيق السليم للمفاهيم القانونية: وإن كانت المحكمة العليا لا تراقب أو لا تناقش قناعة القاضي فيبقى ضمير القاضي الرقيب الأوحد عليه قبل الهيئات القضائية العليا.

ونقترح لتفادي مثل هذه النتائج أن يلتزم قضاة الموضوع عند طرح السؤال المستقل والمتعلق بالظرف المشدد بتبيان وجوبا توافر العناصر القانونية للظرف، ويكون ذلك طبعا بذكر مجموع الوقائع والملابسات التي استشف منها الظرف لا الإكتفاء بذكره بلفظة كما هو ساري عليه العمل حاليا فهذه الطريقة حسب اعتقادنا ناقصة وهي ما أدت إلى ما سبق ذكره.

وبهذا تكون الأحكام التي لا تتضمن بيان الوقائع التي استشف منها الظرف أحكاما قابلة للطعن فيها بالنقض على أساس القصور في التسبيب ذلك أن الأسئلة التي تطرح على مستوى محكمة الجنايات تعد بمثابة تسبيب للحكم الجنائي، وعليه فهي تخضع لرقابة المحكمة العليا باعتبارها مسألة قانونية وعادة ما تكون هي المجال الخصب لنقض أحكام محكمة الجنايات.


(1) حكم صادر عن محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة ، في قضية رقم 24/2003، جلسة 02/12/2003.

وأخيرا إذ ما ثبت توافر ظرف الترصد فعلى المحكمة أن ترتب أثره بأن ترفع العقوبة إلى الإعدام حسب ما هو مقرر في المادة 261 ق.ع على النحو الذي سبق شرحه.

أما إذا استبعدته المحكمة فلا يجوز الحكم على المدان طبقا للمادة 263 ق.ع بعقوبة القتل البسيط وهي السجن المؤبد.

لذلك فقد صدر قرار عن المحكمة العليا بتاريخ 10/03/199 في الملف رقم 63197 جاء فيه: "إذا كان مؤدى الفقرة الثالثة للمادة 263 ق.ع أنها تعاقب على القتل البسيط بالسجن المؤبد فإن محكمة الجنايات في قضية الحال متى إستبعدت ظرف سبق الإصرار والترصد وأدانت المتهم بالقتل العمد البسيط ومع ذلك طبقت المادة 261 ق.ع والتي تعاقب بالإعدام تكون بقضائها هذا قد أخطأت في تطبيق القانون"(1).

المبحث الثاني: الظروف المشددة بالنظر إلى الوسيلة المستعملة:

إذا كانت القاعدة العامة أن المشرع لا يهتم بالوسيلة التي تتم بها الجريمة، إلا أنه قد يلجأ أحيانا لجعل الوسيلة التي تستخدم لارتكاب الجريمة ظرفا مشددا، وهذا ما سلكه المشرع الجزائري عند تناوله لجريمة القتل العمد باعتبارها من الجرائم ذات الوسيلة المطلقة، بمعنى أنها قد تتم باستعمال أية وسيلة دون تمييز ثم خرج عن هذا الأصل من خلال اقراره بالوسيلة المقيدة، إذ قرر المشرع الجزائري أن استخدام السم في القتل أو استخدام وسائل التعذيب وأعمال وحشية يضعنا أمام نموذج خاص جدير بعقوبة شديدة وخاصة، بل أكثر من ذلك جعل مثل هذه الظروف تغير من وصف الجريمة.
فاستعمال السم كوسيلة للقتل يغير الجريمة من قتل عمد (254-263/3 من ق.ع) وعقوبتها السجن المؤبد إلى التسميم (260-261) وعقوبتها الإعدام. فالتسميم في القانون الجزائري يشكل جريمة مستقلة وقائمة بذاتها عن جريمة القتل العمد سيما عدم اشتراط جريمة التسميم للنتيجة وهي إزهاق الروح التي تعد من الأركان الأساسية لقيام جريمة القتل العمد، وهذا ما سوف نتناوله بالشرح في المطلب الأول.

ثم أن استعمال وسائل التعذيب والأعمال الوحشية يغير الجريمة من قتل عمد إلى قتل مكيف على أساس أنه اغتيال وهذا ما يتضح من نص المادة 262 ق.ع باللغة الفرنسية وهذا ما سوف نتطرق إليه في المطلب الثاني.

وقبل تفصيل ذلك تجدر بنا الملاحظة أن استخدام السم لو لم يستثنيه المشرع بنص خاص لكان حسب اعتقادنا داخلا في عموم استعمال وسائل التعذيب والأعمال الوحشية.

---------------------
(1) راجع الموسوعة القضائية (قرص مضغوط (CD بتاريخ/03/2003.

المطلب الأول: التسميم.

تنص المادة 260 ق.ع على مايلي: "التسميم هو الإعتداء على حياة إنسان بتأثير مواد يمكن أن تؤدي إلى الوفاة عاجلا أو آجلا أيا كان استعمال أو إعطاء هذه المواد ومهما كانت النتائج التي تؤدي إليها".

لقد اعتبر المشرع الجزائري استخدام المواد السامة كوسيلة للقتل جدير بالتشديد من غيره من الوسائل الأخرى ذلك أن القتل باستخدام وسائل سامة يدل على غدر ونذالة لا مثيل لهما في صور القتل الأخرى، فضلا عن سهولة تنفيذها وإخفاء آثارها ذلك أن المجني عليه في هذه الجريمة غالبا ما يتناول هذه المادة السامة ممن يثق فيهم ويأمن لهم.

لذلك لقد صدر قرار عن الغرفة الجنائية بالمحكمة العليا بتاريخ 09 ديسمبر 1980 في الطعن رقم 218-23 جاء فيه :"إن الوسيلة المستعملة في القتل لا تعد ظرفا مشددا فيما عدا التسميم الذي له حكم خاص"(1).

فهذا الإجتهاد يؤكد ما سبق وأن ذكرناه في مقدمة هذا المبحث من أن جريمة القتل من الجرائم ذات الوسيلة المطلقة بمعنى أنها تتم باستخدام أية وسيلة، إلا أن المشرع قد خرج على هذا الأصل وقرر أن استخدام السم في القتل يضعنا أمام نموذج خاص جديد بعقوبة شديدة وخاصة، فجريمة التسميم إذن من الجرائم ذات الوسيلة المقيدة.

على أن المشرع الجزائري على غرار المشرع الفرنسي لم يشأ أن يجعل من جريمة القتل بالسم جريمة تتحد مع جريمة القتل العمد في كل عناصرها وتتميز عنها فقط بعنصر الوسيلة، وإنما جعلها جريمة شكلية العبرة فيها باستخدام المادة السامة ولو لم تتم الوفاة بالفعل لذلك فإن جريمة التسميم تعتبر تامة لا مجرد شروع بمجرد استخدام السم ووضعه في متناول المجني عليه. فالنتيجة لا تتحقق بالقضاء على الحياة (بإزهاق الروح) شأن جريمة القتل العمد. وإنما يكفي لتحقق النتيجة الاعتداء بواسطة المادة السامة وهذا ما أكده الإجتهاد السابق الذكر عندما ذكر أن التسميم له حكم خاص وسوف نفصل كل ما سبق ذكره فيما يلي:

الفرع الأول: شروط تطبيق المادة 260.ق.ع.

I- الوسيلة المستعملة.
تشترط المادة 260 ق.ع وقوع الإعتداء على حياة إنسان بتأثير مواد يمكن أن تؤدي إلى الوفاة عاجلا أو آجلا(2).

أول تساؤل تطرحه هذه المادة هو ما هي طبيعة المواد المستعملة ؟

بالرجوع إلى نص المادة السابقة الذكر نلاحظ أن المشرع لم يحدد صراحة طبيعة المواد المستعملة مكتفيا بقوله: "مواد يمكن أن تؤدي إلى الوفاة…"

(1) أنظر جيلالي بغدادي. الإجتهاد القضائي في المواد الجزائية الجزء الأول الطبعة الأولى الديوان الوطني للأشغال التربوية 2002.ص 258.
(2) تقابلها المادة 233 ق.عقوبات مصري والتي تستعمل مصطلح جواهر+المادة 301 ق.ع فرنسي المعدلة بموجب المادة 221/05

وقد أثارت مسألة طبيعة المواد المستعملة جدلا واختلافا في الفقه الفرنسي(1) إلا أن الراجح في الجزائر فقها(2) وقضاءا أنه لكي ينطبق نص المادة 260 ق.ع يجب أن تكون المادة القاتلة سامة وهذا ما يستشف من سياق النص بقوله "التسميم".

كما أن المادة 260 ق.ع لا تتضمن وصف للمواد السامة، إلا أنه يشترط أن تكون صالحة بطبيعتها لإحداث نتيجة القتل ولا يهم بعد ذلك وقوع النتيجة حتما، وهذا ما يستشف من قوله: "يمكن أن…"بمعنى أنه قد يخيب أثرها كون الكمية المقدمة للمجني عليه غير كافية للقتل أو لعدم تناول المجني عليه للسم المقدم إليه، ففي كل هذه الأحوال يعاقب الجاني على أساس الشروع في جريمة القتل بالتسميم وهذا ما جرى عليه القضاء بأن الجريمة تعتبر خائبة لا مستحيلة.

وتطبيقا لذلك قضي في مصر(3) "أنه متى كانت المادة المستعملة للتسميم صالحة بطبيعتها لإحداث النتيجة المبتغاة فلا محل للأخذ بنظرية الجريمة المستحيلة، لأن مقتضى القول بهذه النظرية ألا يكون في الإمكان تحقق الجريمة مطلقا لإنعدام الغاية التي ارتكبت من أجلها الجريمة أو لعدم صلاحية الوسيلة التي استخدمت في ارتكابها. أما كون هذه المادة –سلفات النحاس- لا تحدث التسميم إلا إذا أخذت بكمية كبيرة وكونها يندر استعمالها في التسميم الجنائي لخواصها الظاهرة، فهذا كله لا يفيد استحالة تحقق الجريمة بواسطة تلك المادة، وإنما هي ظروف خارجة عن إرادة الجاني".

وبمفهوم المخالفة لما سبق ذكره فإنه إذا تم تقديم للمجني عليه مادة غير سامة وغير ضارة وكان الجاني يعتقد أنها مادة سامة، وقصد من ذلك قتل المجني عليه، إلا أن الوفاة لم تحدث لعدم صلاحية الوسيلة للقتل، فهنا الجاني لا يمكن أن يسأل لا عن جريمة القتل بالتسميم ولا الشروع فيها على أساس أن أهم ركن من أركان هذه الجريمة وهو الوسيلة المستعملة والتي يجب أن تكون صالحة بطبيعتها لإحداث نتيجة القتل لم تتوفر وأنه طبقا للقواعد العامة إذا إنتفى عنصر من عناصر قيام الجريمة إنتفت بذلك الجريمة وتبعا لذلك تنتفي المسؤولية. وعليه فإن عدم صلاحية الوسيلة المستعملة لإحداث القتل على حسب ما ورد في نص المادة 260 ق.ع يؤدي إلى عدم مساءلة الجاني في المثال السابق عن جريمة قتل بالتسميم ولا الشروع فيها حتى إن كانت نيته قد اتجهت إلى القتل فعلا.

وإن القول بأنه يجب أن تكون المادة بطبيعتها صالحة لإحداث التسميم فهذا يعني حسب بعض الفقهاء(4) أنه يمكن أن تكون المادة غير سامة ولكن إذا ما أضيفت لها مادة أخرى أصبحت كذلك كمادة الأنتيمونيا المعدنية فهي غير سامة بطبيعتها ولكنها تصبح سامة متى أخلطت بالنبيذ ومن ثمة نأخذ حكم المادة السامة، وعلى العكس من ذلك فقد تكون المادة سامة بطبيعتها ولكنها عندما يضاف إليها مادة أخرى تزيل أثرها السام وتصبح بالتالي مادة غير سامة.

(1) إذ ذهب رأي من الفقه إلى تطبيق حكم المادة 301 على القتل الذي يحدث باستعمال مادة يمكن أن تؤدي إلى الوفاة وهذا ما يستشف من عموم النص الذي لم يتطلب أن تكون تلك المادة سامة وعليه فالعقوبة تشدد سواء كانت المادة سامة أو غير سامة ولكنها قاتلة. أما الرأي الراجح فذهب إلى قصد تطبيق المادة 301 على حالة استعمال المادة السامة، لأن المشرع أشار إلى عبارة "القتل بالسم" لذلك فإن المحاكم الفرنسية تميل إلى هذا الرأي فقد اعتبرت قتلا عمدا لا قتلا بالتسميم. إعطاء زوجة لزوجها كمية كبيرة من الخمر تفصد قتله فمات فعلا. أنظر الدكتور علي عبد القادر القهوجي + فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 79.
(2) أنظر الدكتور أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 33 + د.عبد المجيد زعلاني قانون عقوبات خاص مطبعة الكاهنة الجزائري 2000 ص.86.
(3) أنظر إلى سيد البغال المرجع السابق ص 139 + د.أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 33 و 34.
(4) أنظر الدكتور علي عبدالقادر القهوجي والدكتور فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 81.

فالأمر إذن يتعلق بدراسة كل حالة على حدى لمعرفة ما إذا كانت المادة التي استعملت سامة أو غير سامة وأن تحديد هذا الأمر مسألة فنية يجوز فيها للقاضي أن يستعين برأي أهل الخبرة كالخبراء في السموم والكيميائيين والأطباء.

والمواد السامة قد تكون حيوانية –كسم الثعابين- أو معدنية –كالزرنيخ وسلفات النحاس- أو نباتية –كالكوكايين- كما قد تكون صلبة أو سائلة أو غازية.

* استعمال المادة السامة:

لم يحدد المشرع الجزائري طريقة استعمال المواد السامة وهذا ما أقرته المادة 260 ق.ع. بقولها: "أيا كان استعمال أو إعطاء هذه المواد…" وعلى هذا الأساس فلا فرق بين ما إذا وضعت هذه المواد في طعام أو شراب أو دواء ولا يهم إن كان المجني عليه تناولها عن طريق الفم أو الأنف أو الحقن، ولا أهمية كذلك أن يقدم دفعة واحدة أو على دفعات متقاربة.

ب-النتيجة :
ليس من الضروري لتكون جناية القتل بالتسميم قائمة أن تتوفى الضحية، فالإعتداء كاف بمفرده، فالمهم هو استعمال المواد السامة، ولا تهم بعد ذلك النتيجة فنص المادة 260 ق.ع صريح في ذلك بقوله "مهما كانت النتائج التي تؤدي إلى ذلك".

وعلى هذا الأساس متى تناولت الضحية المواد السامة تكون الجريمة تامة مهما كانت النتيجة والآثار المترتبة عنها(1) كأن تنجو الضحية من الوفاة أو لم يصبها مكروه لتناولها سائلا ضد السم أو ناولها إياه مرتكب جناية التسميم أو لأي دافع آخر فإن الجريمة تبقى قائمة.

فمعنى هذا أن الجاني طبقا لقانون العقوبات الجزائري يعد مسؤولا عن فعلته بمجرد وضع السم تحت تصرف المجني عليه وتناول هذا الأخير إياه ولو عدل الجاني بعد ذلك عدولا اختياريا وكشف عما فعله للمجني عليه وأسعفه بالعلاج.

أما إذا تدخل قبل تناول الضحية لهذه المواد فإن المحاولة لا توجد لكون الجريمة لم تحدث للعدول الإختياري والإرادي للفاعل.

وعليه فيسأل عن الشروع من وضع السم في متناول المجني عليه، ولم يتناوله لأسباب مستقلة عن إرادة الجاني(2) كما يسأل عن الشروع أيضا من يعطي خطأ مادة سامة بكمية ضعيفة.

ج- العلاقة السببية:
لكي يكتمل النشاط المادي لجريمة القتل بالتسميم فلا بد أن تتوافر الرابطة السببية بين تقديم المادة السامة والنتيجة التي حصلت فإذا انتفت هذه الرابطة فلا يعاقب الفاعل على جريمة القتل بالتسميم(3).


(1) أما القانون المصري فإن الجريمة تعد تامة متى حدثت الوفاة نتيجة تناول المجني عليه.أنظر الدكتور سيد البغال المرجع السابق ص 138 و 139.
(2) أنظر الأستاذ شيخ لحسين + الدكتور أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 39.
(3) أنظر الدكتور أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 34.

إلا أن إشتراط علاقة السببية في جريمة القتل بالتسميم، كانت محل نقاش في مصر(1)، وذلك بمناسبة قضية تتلخص وقائعها في أن شخص عزم على قتل أخته (هانم) نظرا لسوء سلوكها فوضع زرنيخا في قطعة حلوى ثم انتهز فرصة وجودها معه بالحقل فأعطاها الحلوى لتأكلها ولكنها أخذتها معها إلى المنزل وفي الصباح عثرت إبنة عمها (ندا) على تلك الحلوى فأكلت منها جزءا وسألت هانم عنها فأخبرتها هذه أن أخاها أعطاها لها، كما عرضت عليها أن تأخذها لتأكلها هي وأختها (فهيمة)، وبعد ذلك أكلت منها فهيمة أيضا وما لبث أن ظهرت أعراض التسميم على البنتين فماتت فهيمة وشفيت ندا وقدم المتهم للمحاكمة فبرأته محكمة الجنايات من تهمتي قتل فهيمة عمدا والشروع في قتل ندا وقد أيدت محكمة النقض المصرية محكمة الجنايات فيما ذهبت إليه.

فهذا الحكم كان محل تأييد من بعض الشراح المصريين وذهبوا إلى تعليل ذلك بالقول بعدم قيام مسؤولية الجاني عن قتل فهيمة وندا لإنقطاع علاقة السببية بين فعله وإصابة إحداهما ووفاة الأخرى. وذلك بتدخل إرادة المجني عليها المقصودة كعامل شاذ في حدوث تلك النتيجة.

في حين جانب آخر من الشراح المصريين ذهبوا إلى القول بأن الجاني يسأل عما وقع لكل من فهيمة وندى لأنه بفعله جعل المادة السامة تحت تصرف البنتين وأن الواقعة لا تخرج عن كونها غلط في شخص المجني عليها.

واعتبارا لما سبق فإننا نرى وأن اشتراط علاقة سببية في جناية القتل بالتسميم يتعارض فعلا مع فكرة الغلط في الشخص المجني عليها التي لا عبرة لها في قيام مسؤولية الجاني في القانون الجزائري، إذا توافرت نية القتل طبعا.

وإن فكرة الغلط في شخص المجني عليه هي تطبيقا لمسألة القصد الإحتمالي الذي يقتضي أن يسأل الجاني عن النتائج المحتمل وقوعها بمناسبة ارتكابه لجريمة معينة حتى وإن لم يكن يقصد اتيانها، وهذا ما حدث في المثال السابق.

وعلى هذا الأساس فإن الجاني في المثال السابق الذكر وطبقا للتشريع الجزائري يكون مرتكبا لجناية تسميم كل من فهيمة وندا على أساس أنه لا عبرة للغلط في شخص المجني عليه طالما لديه نية القتل والشروع في تسميم هانم.

د-نية القتل:

يستوجب التسميم توفر نية القتل، أي يتعين توفر القصد الجنائي بعنصرية العلم والإرادة، إذ يجب أن ينصرف علم الجاني إلى أن وسيلته في القتل هي مادة سامة وأنه يريد تحقيق النتيجة باستخدامها، وعليه إذا انتفى عنصر العلم والإرادة انتفت بذلك جريمة التسميم ولكن قد تقوم جريمة القتل الخطأ -قتل بالإهمال- مثال ذلك أن يخطىء الصيدلي فيضيف إلى الدواء مادة سامة فيتناولها المريض فيموت أو يزيد من كمية المادة السامة في تركيبة الدواء.

أو تقوم جريمة إعطاء مواد ضارة كاعتقاد الجاني على غير الحقيقة أن المادة ضارة لا سامة ويقدمها المجني عليه فلا يتناولها. كما تقوم نفس الجريمة في حالة تقديم الجاني للمجني عليه مادة سامة مع علمه بحقيقتها دون أن يقصد بذلك قتله فإنه إذا أضفى فعله إلى الموت فيسأل عن جريمة إعطاء مادة ضارة أفضت إلى الموت طبقا للمادة 275 لفقرة الأخيرة من قانون العقوبات.

(1) أنظر سيد البغال المرجع السابق ص 140 و 141.

* النية غير المحددة في جريمة التسميم:
تتحقق جناية القتل بالتسميم، ولو كانت نية الجاني غير محدودة أي ولو كان لم يقصد قتل شخص معنيا بذاته. وبالتالي يعد قاتلا بالتسميم من يضع سما في بئر يسقي منه عامة الناس سواء ترتب عن فعلة هذا موت شخص أو أكثر أو لم يترتب عليه ذلك.

* الخطأ في شخص المجني عليه:
متى توفرت نية القتل فإن الغلط في شخص المجني عليه لا ينفي قيام جريمة القتل بالتسميم، وعلى ذلك يعد قاتلا بالتسميم من يضع طعاما أو شرابا مسموما تحت تصرف شخص معين فيقوم آخر ويتناوله ويموت بسببه، إذ يعتبر موت هذا الشخص الآخر داخلا في القصد الإحتمالي للجاني وهذا ما سبق شرحه عندما تطرقنا لفكرة العلاقة السببية وتعارضها مع فكرة الغلط في شخص المجني عليه.

الفرع الثاني: إثبات التسميم وبيانه في الحكم:

- إثبات التسميم مسألة موضوعية تخضع للقواعد العامة في الإثبات، فللمحكمة أن تلجأ إلى الخبرة الطبية الشرعية ذات الأهمية القصوى في هذه المسألة الفنية المحضة فضلا على القرائن والإمارات وشهادة الشهود.

- ويقع عبئ الإثبات على النيابة العامة، ولقاضي الموضوع السلطة التقديرية بعد ذلك.
- وإن حكم القاضي بإدانة المتهم بجريمة القتل بالتسميم فلا بد أن يستظهر في حكمه الأسئلة المتعلقة بأركان الجريمة، سيما الوسيلة التي استعملها الجاني وهل كان يعلم أن المادة يمكن أن تؤدي إلى الوفاة وهل كان يقصد الإعتداء على حياة الضحية.

- فلا يشترط في جريمة التسميم أن يطرح سؤال عن فعلية القتل ثم سؤال آخر مستقل ومميز عن استعمال المواد السامة. وقد جاء في قرار صادر عن المحكمة العليا بتاريخ 22 جوان 1993(1).

"إن جريمة القتل بالتسميم هي جريمة خاصة بذاتها كاملة في تعريفها وذلك من خلال الوصف الذي منحه إياها القانون، وإن استعمال المادة السامة هو عنصر من عناصر الجريمة، إن طرح سؤال واحد يكفي للقضاة في التهمة بكاملها".

- وليس من الضروري بعد ذلك أن يبين مقدار المادة السامة ولا نوعها(2). أما عن طريقة فعل التسميم فقد صدر قرار عن المحكمة العليا- غرفة جنائية بتاريخ 15/5/2001 رقم الملف 151.264 جاء فيه: "كما أنه لم يوضح بالسؤال طريقة فعل تسميم الضحية زرفاوي نور الدين مما يجعل هذا السؤال لكل واحد من الطاعتين غير كامل(3).

(1) أنظر الموسوعة القضائية (قرص مضغوط C.D) بتاريخ 1/03/2003.
(2) الدكتور صبحي نجم المرجع السابق ص 46.
(3) طعن بالنقض رفعه كل من غلاب رضا ومالك عبد الحق ضد النيابة العامة في الحكم الصادر بتاريخ 14/06/2000 عن محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة.

وإن كنا نرى أن كيفية أو بطريقة تقديم السم لا أهمية لذكرها في الحكم إذا ما تم إثبات تقديم السم فعلا على النحو الذي سبق شرحه.

واستعمال السم هو عنصر من العناصر المكونة للركن المادي للجريمة لذلك فإن أثره يسري على جميع مرتكبي الجريمة سواء كانوا فاعلين أصليين أو مجرد شركاء وسواء علموا به أو لم يعلموا به.
وعقوبة التسميم تناولها المشرع في هذه المادة 261 ق.ع والمتمثلة في الإعدام بقولها "يعاقب بالإعدام....أو التسميم...".

المطلب الثاني: القتل باستخدام وسائل التعذيب أو أعمال وحشية.

لقد نص قانون العقوبات على تشديد عقوبة القتل العمد الذي ينفذ باستعمال وسائل التعذيب وأعمال وحشية وذلك في المادة 262 ق.ع بقوله: "يعاقب باعتباره قاتلا كل مجرم مهما كان وصفه استعمل التعذيب أو ارتكب أعمالا وحشية لإرتكاب جنايته". وإن النص باللغة الفرنسية أكثر وضوحا إذ جاء فيه: "يعاقب باعتباره قاتلا اغتيالا كل مجرم مهما كان وصفه استعمل التعذيب أو ارتكب أعمالا وحشية في تنفيذ جرائمه"(1)، لذلك يذهب بعض الفقهاء(2) إلى اعتبار اللجوء إلى التعذيب والأعمال الوحشية يأخذ تكييف الاغتيال أي أنه قتل عمد مكيف بأنه اغتيال.

وترجع علة التشديد إلى فضاعة ووحشية من طرف مرتكبيها وعدم إكتراثهم بحياة الآخرين، وبالتالي يستحق عقوبة أشد من العقوبة الإعتيادية بما يحقق الردع لمن تسول له نفسه أن يأخذ هذا المنحى لإرتكاب جنايته.

فركز المشرع نظره على "وسيلة" القتل ورأى أن القتل تعذيبا أو باستخدام وسائل وحشية أمر يجب أن يوضع في الاعتبار ومن ثمة رفع العقاب حتى يصل إلى الإعدام.

الفرع الأول: العناصر المكونة للجناية:

من خلال قراءتنا المتمعنة للمادة 262 ق.ع السالفة الذكر يستنتج وأن جناية القتل باستخدام وسائل التعذيب أو أعمال وحشية تتطلب توافر العنصرين التاليين:

العنصر الأول: أعمال التعذيب أو الوحشية.

لم يحدد المشرع الجزائري وسائل التعذيب ولا الأعمال الوحشية لذلك فهناك من يرى وأن المقصود منها هو أن الجاني لا يجهز على ضحيته دفعة واحدة بفعل يؤدي مباشرة إلى إزهاق روحه بل يعمد إلى تعذيبه بتقطيع أطرافه مثلا أو بتسليط تيارات كهربائية عليه بصفة متقطعة أو بتحريض كلاب شرسة عليه أو غير ذلك من أنواع الشراسة والتعذيب"(3).


(1) Article 262 c.p : "sont punis comme coupables d'assassinat, tous malfaiteurs, quelle que soit leur dénomination, qui pour l'exécution de leur crimes, emploient des tortures ou commettent des actes de cruauté.
(2) أنظر الأستاذ بن شيخ لحسين المرجع السابق ص 41 + د.عبد المجيد زعلاني المرجع السابق ص 85.
(3) أنظر الدكتور عبد المجيد زعلاني المرجع السابق ص 85.

وهناك من ذهب إلى اعتبار وسائل التعذيب هي كل عمل وحشي مبالغ فيه كالحرق أو نزع أجزاء من الجسم(1). كما يدخل في مدلوله أيضا قتل إنسان بعد حبسه ونزع أظافره أو حبس الماء أو الطعام أياما.

العنصر الثاني: أن يكون القصد من استعمال التعذيب هو تنفيذ الجنايات.

- وهذا العنصر واضح من نص المادة 262 بقولها: "لإرتكابه جنايته"
- أول ما يلاحظ وأن عبارة جنايته هناك من فسرها على أنها جاءت عامة فهي لا تتعلق بالقتل فحسب بل تتعدى إلى كل الجنايات التي قد ترتكب ضد الأشخاص وضد الأموال(2).

إلا أننا وعكس هذا التفسير نرى أن عبارة جنايته تنصرف إلى جناية القتل فقط ذلك أنه في بداية المادة ذكر الشرع "يعاقب باعتباره قاتلا" والهاء في عبارة جنايته إنما تعود على جريمة القتل لا إلى كل الجنايات الأخرى وإلا أدى ذلك إلى نتيجة غير معقولة فكيف يمكن أن نعتبر من يستعمل وسائل وحشية للسرقة قاتلا.

- كذلك يشترط أن يستعمل التعذيب والوسائل الوحشية لتنفيذ "جناية القتل ضد الأحياء إذ يجب أن يكون قصد الجاني من استعمال هذه الوسائل هو قتل المجني عليه وبالتالي إذا وقع القتل ثم تلته استخدام طرق وحشية فلا تعد هذه الوسائل ظرفا مشددا لجريمة القتل لأن الجاني يقصد هنا إخفاء معالم الجريمة ومحو آثارها.

- لذلك فقد تمت متابعة متهمين في قضية طرحت على مجلس قضاء تبسة(3) الذين بعدما تأكدوا من وفاة الضحية قاموا بإخراج كمية من البنزين من الخزان، رشوا بها الجثة وأشعلوا فيها النار بواسطة ولاعة سجائر ولاذوا بالفرار لطمس معالم جريمتهم واكتشاف أمرهم، فأتلفت السيارة وتضخمت الجثة فقد تمت متابعتهم إضافة إلى جريمة القتل العمدي مع سبق الإصرار والترصد بالحرق العمدي ولم يعتبروا ذلك من قبل الأعمال الوحشية وقد أصابوا في ذلك كون أن عملية الحرق جاءت بعد وفاة الضحية وليست عندما كان حيا.

الفرع الثاني: إثباته وبيانه في الحكم.

تطبق القواعد العامة في إثبات توفر هذا الظرف وهذا راجع لأنه يعد من الظروف الموضوعية التي يكن أن تثبت بكافة طرق الإثبات، لذلك فالقاضي عادة ما يلجأ في هذه الحالة إلى تعيين أطباء شرعيين من أجل إثبات استخدام وسائل التعذيب والطرق الوحشية في القتل.

وهذا الظرف كغيره من الظروف المشددة لا بد أن تبينه محكمة الجنايات في الحكم الفاصل في جريمة القتل العمد باستخدام وسائل التعذيب والطرق الوحشية وذلك بطرح سؤال مستقل يتعلق بهذا الظرف ثم الإجابة عنه من طرف تشكيلة محكمة الجنايات بعد المداولة بلا بالأغلبية أو بنعم بالأغلبية حسب ما توصل إليه اقتناعهم، ولا رقابة للمحكمة العليا بعد ذلك.

-----------------------------------------------------------------------------
(1) أنظر الأستاذ بن شيخ لحسين المرجع السابق ص 41.
(2) أنظر الأستاذ بن شيخ لحسين المرجع السابق ص 42.
(3) قضية رقم 28/2003 والتي صدر بشأنها الحكم المؤرخ في 06/11/2003 عن محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة

وما تجدر الملاحظة إليه في هذا الصدد وأن المادة 262 ق.ع قليلا ما تطبق من طرف القضاة حتى وإن كانت الوقائع تشكل جريمة القتل العمد مع استعمال وسائل التعذيب وأعمال وحشية ومثال ذلك(1) قضية (ب.ع) الذي توبع من طرف نيابة تبسة من أجل ارتكابه لجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد أضرارا بالضحية (ر.ز) وعلى هذا الأساس أحيل الملف على غرفة الإتهام التي أصدرت قرار بإحالة المتهم على محكمة الجنايات بنفس التهمة، وتتلخص وقائع هذه القضية في: "أن المتهم قام بأفعال شنيعة على الضحية قبل أن تتوفى إذ اعتدى عليها جنسيا ثم وضع لها مادة الفلفل داخل فرجها وقام بعدها بتقييدها ووضع قطعة قماش بفمها وعلى رأسها علب الموز وأكياس البلاستيك وصعد فوق بطنها وأخذ يضربها بركلات واستمر كذلك إلى غاية وفاتها، هذا كله بعد أن كان قد احتجزها لعدة أيام".

فحسب رأينا بعد دراستنا لهذا الظرف فإننا نرى كل هذه الأفعال لا تعدو أن تخرج من كونها أفعال وحشية شنيعة تخضع في تكييفها إلى نص المادة 262 ق.ع.

لذلك فيعاب على نيابة تبسة وكذا غرفة الإتهام أنهم أخطئوا في تكييف الوقائع بعدم إعطائها الوصف الصحيح وهو القتل العمدي مع استعمال وسائل التعذيب واستخدام الوسائل الوحشية.

وبناءا على قرار الإحالة تمت محاكمة المتهم على أساس القتل العمدي مع سبق الإصرار والترصد من طرف محكمة الجنايات التي يعاب على قضاتها عدم إعادة تكييفهم للوقائع وإعطائها الوصف الصحيح، لأنه لا يوجد ما يمنعهم من إعادة تكييف الوقائع على النحو الذي رأيناه سابقا.

بل أكثر من ذلك فقد أجابت على ظرف سبق الإصرار بنعم بالأغلبية رغم أنه لا يوجد في الوقائع المطروحة سابقا ما يفيد وأن المتهم كان قد عقد العزم فعلا على قتل الضحية وأنه كان هادئ البال وأنه فكر ودبر في فعلته.

لذلك نقول ونكرر أن هذا المثال وغيره من الأمثلة السابقة إن دلت على شيء فإنما تدل على عدم تحكم القضاة في مفهوم الظروف المشددة.

وإذا أدين المتهم على أساس تهمة قتل عمد باستخدام وسائل التعذيب وأعمال وحشية فيتعين على القاضي أن يرتب الأثر المباشر على توافر هذا الظرف ويرفع العقوبة إلى الإعدام طبقا للمادة 261 ق.ع.

(1) قضية رقم 203/2003 رقم الفهرس 413/2003 صدر فيها حكم بتاريخ 13/04/2003.

المبحث الثالث: الظروف المشددة بالنظر إلى غرض الجاني لبلوغ جريمة أخرى.

نصت المادة 263 من قانون العقوبات على ما يلي: "يعاقب على القتل بالإعدام إذا سبق أو صاحب أو تلى جناية أخرى.
كما يعاقب على القتل بالإعدام إذا كان الغرض منه إما إعداد أو تسهيل أو تنفيذ جنحة أو تسهيل فرار مرتكبي هذه الجنحة أو الشركاء فيها أو ضمان تخلصهم من عقوبتها"

- يتبين من هذه المادة وأنها جاءت بظرفين مشددين لجريمة القتل العمد، الظرف الأول هو اقتران جناية القتل العمد بجناية أخرى، والظرف الثاني هو ارتباط القتل العمدي بجنحة.

- وهناك من الفقهاء من اعتبروا أن المشرع في هذه المادة جاء بنظام قانوني للجمع بجعله الجريمة الأخف ظرفا مشددا للجريمة الأشد(1).

- لذلك فما جاءت به المادة السابقة الذكر يعد استثناءا من القواعد العامة المنصوص عليها في المادة 32 ق.ع في شأن تعدد الجرائم والعقوبات، فبدلا من توقيع العقوبة الأشد (احتراما لمبدأ عدم الجمع بين العقوبات) فإن المشرع وقع عقوبة واحدة لا هي عقوبة الجناية المقترنة ولا هي عقوبة القتل العمد وإنما هي عقوبة جديدة مشددة هي عقوبة الإعدام.

- والحكمة من التشديد مؤسسة على جسامة الجرم واستخفاف المجرم بالقوانين فضلا عن الخطورة الإجرامية البالغة التي لا تكفي في مواجهتها غير عقوبة الإعدام.

- وسوف نبين أحكام الظرفين المشددين الواردين في المادة 263 فنتكلم في المطلب الأول عن اقتران جناية القتل العمد بجناية أخرى ثم في المطلب الثاني نتناول حالة ارتباط القتل العمد بجنحة.

المطلب الأول: اقتران القتل بجناية.


نص المشرع الجزائري في الفقرة الأولى من المادة 263 ق.ع على أنه: "يعاقب على القتل بالإعدام إذا سبق أو صاحب أو تلى جناية أخرى"(2).

- باستقرائنا لهذه الفقرة نجد أن المشرع يتطلب توافر ثلاث شروط لتحقق الظرف المشدد الوارد بها.


(1) أنظر الأستاذ بن شيخ لحسين المرجع السابق ص 42.
(2) تقابلها المادة 234 من قانون العقوبات المصري.


الفرع الأول: شروط التشديد.

الشرط الأول: جناية القتل العمد.

- يشترط أن تكون جريمة القتل العمد تامة لا مجرد شروع فيها(1) وهذا ما هو واضح من نص المادة 263 ق.ع.

وعلى هذا الأساس فإن الشروع في القتل العمد رغم أنه جناية إلا أنه لا يتوفر به هذا الشرط لذلك فإذا اقترن بجناية أخرى غير القتل لا تطبق العقوبة المنصوص عليها في المادة 263 ق.ع أي الإعدام وإنما تطبق القواعد العامة في تعدد الجرائم طبقا للمادة 32 من ق.ع.

فنكون أمام شروع في قتل بسيط والجناية الأخرى المقترنة به.
أيضا لا يتوفر هذا الشرط إذا أصبح جنحة بتوفر عذر من الأعذار المخففة كعذر تلبس أحد الزوجين بالزنا المادة 279 ق.ع.

- كما لا يتوفر هذا الشرط إذا وقع من الجاني الجناية المنصوص عليها في المادة 267/04 ق.ع المتمثلة في جناية الضرب المقضي إلى الوفاة دون قصد إحداثها لأنها ليست جناية قتل عمدية.

- كما لا يتوفر هذا الشرط من باب أولى إذا كان ما وقع من الجاني جنحة قتل غير عمدي مقترنة بجناية أخرى كمن يقود سيارته بسرعة فائقة في شارع مزدحم بالمارة فيقتل شخصا ثم يحاول الهرب فيمسك به أحد شهود الحادث فيصيبه إصابة تفقده بصره(2).

الشرط الثاني: وجوب توفر جناية أخرى.

يشترط فيها أن تكون لها وصف جناية أي يستبعد المخالفة والجنحة(3) ثم لا يهم بعد ذلك أن تكون تامة أو شروعا فيها بل يجوز أن تكون هي الأخرى قتلا أو شروعا فيه.
كما لا يهم أن تكون من جرائم الإعتداء على الأشخاص أو الأموال.

ويشترط كذلك أن تكون الجناية الأخرى مستقلة ومتميزة عن جناية القتل العمد(4) بحيث أنه إذا قتل الجاني بطلقة نارية خارجة من بندقية واحدة شخصين فهنا لا يطبق هذا الظرف ولا تشدد العقوبة بالمفهوم الوارد في المادة 263 ق.ع. وإنما نكون بصدد التعدد المادي نظرا لوحدة النشاط الإجرامي الذي أدى إلى نتائج متعددة وبالتالي نطبق الوصف الأشد طبقا للمادة 32 ق.ع. وهنا حتما ستعتبر جناية واحدة لوحدة الفعل المادي.

(1)أنظر الدكتور أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 29 + سيد البغال المرجع السابق ص 145.
(2)أنظر الدكتور علي عبد القادر القهوجي والدكتور فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 78.
(3) إلا أنه إذا كانت الجريمة الأخرى لها وصف الجنحة فيمكن أن يتوفر ظرف آخر وهو ارتباط الجناية بجنحة إذا توفرت شروط الإرتباط..
(4)أنظر الدكتور زعلاني عبد المجيد المرجع السابق ص 88 + الدكتور بن شيخ لحسين المرجع السابق ص 43 + د.رمسيس بهنام المرجع السابق ص 378. فتكون الجناية المقترن بها القتل مستقلة عن القتل ولو كانت قتلا إذا ما ارتكب الجاني القتل مرتين متواليتين أي بفعلين ماديين كما إذا كان يطارده إثنان فقتل أحدهما ثم قتل الآخر.

الشرط الثالث: شرط المزامنة.

يجب أن تقوم بين جناية القتل العمد والجناية الأخرى رابطة زمنية، ولا يهم أي الجنايتين ارتكبت أولا. إلا أن ما تجدر الملاحظة إليه أن المشرع الجزائري لم يحدد فترة زمنية معينة ولكن يشترط أن تكون هذه الفترة قصيرة كي تتحقق فكرة الاقتران أي يشترط أن يكون هناك تقارب زمني بين الجنايتين، ومدى هذا التقارب متروك تقديره إلى قاضي الموضوع باعتباره مسألة موضوعية(1).

فالاقتران الزمني يكون قائما، إذا شرع شخص في قتل إمرأة فأطلق عليها عيارين ناريين قاصدا إزهاق روحها- أتبعها بطلقات متوالية على والدتها وشقيقتها وشخص ثالث –وجد على مسرح الجريمة- أتت عليهم جميعا طالما أن ذلك قد حصل في وقت متقارب(2)، لذلك فإننا نعيب على قضاة مجلس قضاء تبسة عند عدم تطبيقهم للفقرة الأولى من المادة 263 ق.ع على "من قتل عمدا زوجة خاله بطعنة خنجر ثم تلتها جناية أخرى هي قتل جدته بطعنة سكين أخرى"(3). ففي هذه الوقائع نلتمس وجود لفكرة الإقتران الزمني بين الجنايتين. إلا أن النيابة عند تكييف الوقائع، اقتصرت على متابعة المتهم بجناية القتل العمدي مع سبق الإصرار والترصد، وكذا قتل الأصول فكان يتعين عليها أن تتجنب مثل هذا التكييف وتعطي بهذه الوقائع تكييفا واحدا وهو اقتران جناية القتل بجناية أخرى.

الفرع الثاني: الأثر القانوني للإقتران:

إذا توافرت الشروط الثلاثة تحقق ظرف الإقتران فتصبح الجناية الثانية ظرفا مشددا لعقوبة القتل العمد فترفعها إلى الإعدام.
لا يمنع من تطبيق العقوبة المشددة توافر أكثر من ظرف مشدد في جناية القتل العمد، كسبق الإصرار والترصد أو التسميم حتى إذا استبعد إحداها قام الآخر محله.
وتسترد الجناية الأخرى استقلالها وتستحق العقاب عليها استقلالا بالعقوبة المقررة في القانون إذا قضى ببراءة المتهم من جناية القتل لأي سبب والعكس صحيح(4). ويتعين على القاضي أن يطرح الأسئلة المتعلقة بجناية القتل العمد ثم الأسئلة المتعلقة بأركان الجناية الثانية، ثم سؤال يتعلق بتحقق ظرف الإقتران على النحو التالي:
"هل أن جرم القتل تلته جناية السرقة بظروفها طبقا للمادة 263 ق.ع وبالطبع تكون الإجابة بلا بالأغلبية أو نعم بالأغلبية حسب الإقتناع الشخصي لمحكمة الموضوع.

المطلب الثاني: إرتباط القتل بجنحة.

نصت الفقرة الثانية من المادة 263 ق.ع على مايلي: "كما يعاقب على القتل بالإعدام إذا كان الغرض منه إما إعداد أو تسهيل أو تنفيذ جنحة أو تسهيل فرار مرتكبي هذه الجنحة أو الشركاء فيها أو ضمان تخلصهم من عقوبتها".

يتبين من خلال استقرائنا لنص هذه الفقرة وأن المشرع الجزائري تناول من خلالها مضمون ظرف إرتباط القتل بجنحة وذلك بتبيان الغرض منه وشروط تطبيقه، فيشترط للعقاب على القتل بالإعدام طبقا لهذا النص ما سوف يأتي بيانه.
-------------
(1) أنظر الدكتور أحسن بوسقيعة، الوجيز في القانون الجنائي الخاص المرجع السابق ص 29.
(2) أنظر الدكتور علي عبد القادر القهوجي والدكتور فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 96.
(3) قرار إحالة صادر عن غرفة الإتهام لدى مجلس قضاء تبسة بتاريخ 03/06/2003 في قضية رقم 323/2003 فهرس
رقم 323/2003. (دورة الجنايات لديسمبر 2003).
(4) أنظر الدكتور علي عبد القادر القهوجي والدكتور فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 93.
الفرع الأول: شروط التشديد.

الشرط الأول: جناية قتل عمد.
يشترط لتوافر هذا الظرف أن يتم القتل بوفاة المجني عليه، وإلا اعتبرت الجناية شروعا وهذا ما سبق بيانه في ظرف اقتران جناية القتل بجناية أخرى، إذ يشترط أن تكون هناك جناية قتل عمد تامة ولا يكفي الشروع فيها.

الشرط الثاني: الجريمة الأخرى.
- تشترط المادة 263/2 ق.ع أن الإرتباط لا يتحقق إلا بين القتل العمد وجنحة أخرى، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه يتعلق ببيان ما هو حكم ارتباط القتل بجناية ؟

- الراجح في الفقه أنه يجب أن تشدد العقوبة إذا ما ارتبط القتل بجناية وذلك حتى لا تصل إلى نتائج شاذة يرفضها العقل والمنطق، وذلك أن الأخذ بمنطق الرأي العكسي يؤدي إلى تشديد عقوبة القتل إذا ارتبط بجنحة سرقة بسيطة مثلا ورفضها إلى الإعدام. أما من يقتل بقصد ارتكاب سرقة من السرقات المرتبطة بظروف مشددة والتي بذلك تعد من الجنايات لا يعاقب عليها بالإعدام ومثل هذه النتيجة يأباها العقل والمنطق ولا سبيل لتفاديها إلا بالتسوية في الحكم بين حالة ارتباط القتل بجنحة وحالة ارتباط القتل بجناية(1).

- إلا أننا نرى وأنه في حالة ارتباط مثلا جناية القتل العمد مع جناية السرقة الموصوفة فيمكننا أن نكيف هذه الوقائع على أساس أنها اقتران جناية القتل العمد بجناية أخرى وهي جناية السرقة الموصوفة طبقا للمادة 263/01 ق.ع، وبهذا نكون في نفس الوقت قد إحترمنا قاعدة عدم القياس وإلتزمنا بحرفية النص هذا من جهة ومن جهة أخرى نكون قد تجنبنا الوصول إلى النتيجة التي يأباها العقل والمنطق والتي تطرق إليها الرأي السابق الذكر.

- كما يشترط أن تكون الجنحة مستقلة ومتميزة عن جريمة القتل لا أثرا من آثاره كإخفاء القاتل جثة القتيل مثلا، فهذا الإخفاء كجنحة لا يعاقب عليه إلا إذا وقع من غير القاتل ولا عبرة بعدئذ لنوع الجنحة، فقد تكون سرقة يرتكب في سبيلها قتل بواب المنزل مثلا، وقد تكون قتلا خطأ يرتكب في سبيل التخلص من المسؤولية عن قتل عمد على شاهد أو بوليس وسيان أن تكون الجنحة تامة أو شروعا(2).
غير أنه يشترط أن تكون الجنحة التي ارتكب القتل من أجلها معاقبا عليها وإلا فلا محل للتشديد ومثال ذلك إذا وقعت جنحة الإخفاء من الزوج أو الزوجة او الأصول أو الفروع فلا يصح هذا الإخفاء ظرفا مشددا لجناية القتل العمد لأن المادة 180/02 ق.ع لا تعاقب على مثل هذا الفعل(3).

لكن السؤال الذي يطرح هل ينطبق نفس الحكم في الحالة التي تكون الجنحة قد أدركها التقادم ؟
هناك من الشراح من ذهب إلى القول أنه لا يهم أن تكون الجنحة قد أدركها التقادم إذ تصلح رغم ذلك أن تكون ظرفا مشددا لجناية القتل العمد(4).
--------------
(1) أنظر د.علي عبد القادر القهوجي والدكتور فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 94، الدكتور أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 30 + في الفقه الفرنسي Michel véron OP.cit page 27.
أما الرأي المعاكس فيرى عدم تشديد عقوبة القتل في هذه الحالة لعدم ورود النص عليها صراحة هذا من جهة وهي امتناع قياس هذا الغرض مع الغرض المنصوص عليه إستنادا إلى ما هو مستقر عليه من الحظر القياس في مجال التجريم من جهة أخرى.
(2) أنظر الدكتور رمسيس بهنام المرجع السابق ص 382 + الدكتور أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 29.
(3) أنظر د.أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 29 + الدكتور سيد البغال المرجع السابق ص 154.
(4)أنظر الدكتور أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 30.

إلا أن هناك رأي في الفقه(1) وهو جدير بالتأييد والذي يرى بأن نفس الحكم الذي ينطبق على عدم تشديد العقوبة في حالة الإخفاء الذي يتم بين الأقارب أو الأصهار إلى الدرجة الرابعة لعدم العقاب عليها قانونا، ينطبق أو يسري في حالة ما إذا سقطت الدعوى العمومية في الجنحة بمضي المدة، إذ لا يمكن إعتبار مثل هذه الجنحة في حساب التشديد عند اقترانها بجناية القتل العمد، ما دام القانون قد أسقط عقوبتها وهذا فعلا ما نصت عليه المادة 06 من قانون الإجراءات الجزائية إذ اعتبرت أن التقادم يعد سببا من أسباب القضاء الدعوة العمومية وإذا نقصت هذه الأخيرة أصبحت الجنحة في هذه الحالة في حكم الجنحة غير المعاقب عليها بسقوط الدعوى العمومية.

الشرط الثالث: الإرتباط بين جناية القتل العمد والجريمة الأخرى.

يقتضي هذا الشرط الأخير أن يكون بين القتل والجنحة رابطة سببية وقد أفصح المشرع عن مضمون هذه العلاقة السببية حين قال أنه إذا كان الغرض من ارتكاب جناية القتل العمد إما إعداد أو تسهيل أو تنفيذ جنحة أو تسهيل فرار مرتكبي هذه الجنحة أو الشركاء فيها أو ضمان تخلصهم من عقوبتها.
ومثل ذلك قضية "سعودي سفيان" التي طرحت على مجلس قضاء تبسة(2) الذي انتهز فرصة وجود زوجة خاله وحدها في البيت فقام بقتلها من أجل سرقة ما لديها من مال.
فهذا القتل وقع إعدادا لإرتكاب جنحة السرقة التي لم يكن الجاني قد بدأ في ارتكابها، فالفقرة الثانية من المادة 263 هي التي كانت واجبة التطبيق إلا أن قضاة مجلس قضاء تبسة لم يشيروا إليها أصلا.

ومثال القتل الذي يحدث في فقرة ارتكاب الجريمة قصد تسهيلها أو إتمام تنفيذها، ما حدث في قضية "عبان سالم" الذي دخل إلى منزل الضحية بقصد سرقته، وأثناء تفتيش الغرفة وأخذهم لما وجدوا من نقود فزع صاحب المنزل من نومه، وإثر ذلك طعنة المتهم بسكين عدة طعنات فأرداه قتيلا(3) إلا أن المتابعة كانت على أساس تهمة القتل مع سبق الإصرار والترصد ثم أن غرفة الإتهام حال نظرها في أمر إرسال مستندات قررت قبل الفصل في الموضوع توجيه تهمة جديدة للمتهم وهي السرقة الموصوفة. وتمت إحالة المتهم على محكمة الجنايات على أساس هاتين التهمتين وحسبنا أنه كان يتعين أن يحال المتهم على أساس تهمة واحدة تتضمن الجرمين السابقين الذكر وهي تهمة ارتباط القتل بجناية (حسب ما رأيناه سابقا حول إمكانية ارتباط القتل بجناية – وتشدد العقوبة إلى الإعدام طبقا للمادة 362/02 ق.ع).

وحسبنا أنه طالما يوجد نص المادة 362/02 ق.ع. والذي يجعل ظرفا مشددا لجريمة القتل العمد إذا توافر ارتباط بينهما حسب ماهو واضح في قضية الحال فلما لم تكن الإحالة على أساس ارتباط جناية القتل العمد بجنحة السرقة وهنا لدينا جناية السرقة وقد سبق أن رأينا إمكانية ارتباط القتل بجناية- عوض أن تكون المتابعة على أساس المادتين 254 المتضمنة جريمة القتل والمادة 350 التي تنص على جريمة السرقة.

أما إذا وقع القتل خارج الأهداف السابقة الذكر إنتفت بذلك علاقة السببية بين القتل والجنحة ولا ينطبق بذلك نص المادة 362/02 ق.ع ولو قامت بينهما علاقة زمنية(4).

----------
(1) أنظر الدكتور سيد البغال المرجع السابق ص 154.
(2)أنظر القضية رقم 323/2003 قرار صادر عن غرفة الإتهام مجلس قضاء تبسة بتاريخ 03/06/2003.
(3) حكم صادر عن محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة بتاريخ 13/10/1999 في الملف 119/1999.
(4) أنظر الدكتور أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 30 + د.حسن البغال المرجع السابق ص 157 + الدكتور علي عبد القادر القهوجي والدكتور فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 98.

لذلك فمن الخطأ الاعتقاد بأن رابطة السببية توجد دائما كلما ارتكب القتل مع جنحة في زمان ومكان واحد، ففي كثير من الأحوال لا يتحقق هذا الشرط حتى ولو كانت الجنحة التي ارتكب من أجلها القتل هي جنحة السرقة، فقد يرتكب شخص أثناء مشاجرة جناية قتل ثم يخطر له بعد ذلك على غير قصد سابق بأن يسرق ما مع المجني عليه من النقود، ففي هذه الحالة لا يصح قانونا اعتبار السرقة ظرفا مشددا للقتل، لأن القتل إذا ارتكب في ثورة غضب وبقصد الإنتقام لم يكن القصد هنا ارتكاب السرقة.

كما أنه لا يشترط لقيام رابطة السببية أن يوجد ارتباط زمني بين الجناية والجنحة، فالفقرة الثانية من المادة 263 ق.ع. تتطلب ولو تباعد مكان الجريمتين أو فصلت بينهما مدة من الزمن كالشخص الذي يسرق وبعد مدة من الزمن يقتل الشاهد الذي رآه واستدعى للإلاء بشهادته(1).

ويتبين مما تقدم أنه يجب لإنطباق المادة 263/02 ق.ع أن تكون جناية القتل العمد قد ارتكبت تسهيلا لأرتكاب الجنحة، أي أن يكون ارتكاب الجنحة هو الغاية والهدف وأن القتل هو الوسيلة فإذا حدث العكس بأن تم ارتكاب الجنحة لتسهيل القتل فلا تشدد العقوبة على الجاني وإنما تطبق العقوبة الأشد طبقا لأحكام المادة 32 ق.ع.

ويستوي في تشديد العقوبة وحدة الجناة أو تعددهم، فقد يرتكب الجاني القتل من اجل تمكين غيره من ارتكاب جنحة أو جناية أخرى أو الفرار منها، أي لا يشترط أن يكون الجاني مساهما في الجريمتين.

كذلك لا يشترط وحدة المجني عليهم في الجريمتين أو تعددهم فتشدد العقوبة في الفرض الذي يشرع فيه شخص في سرقة مال آخر ففاجأه خفير فقتله وقر هاربا(2).


الفرع الثاني : الأثر القانوني للإرتباط.
يترتب على القول بتوفر الإرتباط بين جناية القتل العمد والجريمة الأخرى أن تفقد هذه الأخيرة استقلاليتها وذاتيتها وتصبح مجرد ظرف مشدد لعقوبة القتل العمد فترفع إلى الإعدام حسب ما نصت عليه المادة 362/02 ق.ع.

ونظرا لأهمية الرابطة السببية فإنه يجب أن يعني الحكم باستظهارها ويثبت بأن ارتكاب القتل كان لأحد المقاصد المبينة في النص أعلاه.

فمثلا في قضية "عبان سالم" التي طرحت على مجلس قضاء تبسة والتي سبق الإشارة إليها، كان يتعين على قضاة محكمة الجنايات أن يبينوا في حكمهم ما إذا كان ارتكاب جريمة القتل لإعداد السرقة أو لتسهيلها أو لإتمام ارتكابها، وهل أن السرقة كانت تمت أم شرع فيها قبل القتل، وبعد ذلك إذا ثبت أحد المقاصد المذكورة، توفرت بذلك رابطة السببية ويكون تشديد العقوبة أمر مستحق للمتهم.
ومع ذلك فتبقى مسألة إثبات توافر العلاقة السببية من عدمه من المسائل الموضوعية يستقل بها قاضي الموضوع ولا معقب عليه فيما بعد من طرف المحكمة العليا.

---------------------------------------------------------------------------
(1) أنظر سيد البغال المرجع السابق ص 104 + د.علي عبد القادر القهوجي والدكتور فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 98.
(2) أنظر الدكتور علي عبد القادر القهوجي والدكتور فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 99.
المهم إذا قرر القاضي في حكمه بتوافر ارتباط القتل بجنحة فيجب أن يشمل حكمه على بيان ما يلي : - جريمة القتل،
- الجريمة المرتبطة بها،
- ظرف الإرتباط: فيبين أن القتل قد ارتكب بسبب الجنحة لا باستقلال عنها.

وقد أكدت المحكمة العليا على وجوب توفر الرابطة السببية بين الجريمتين في قرار صادر عن الغرفة الجنائية بتاريخ 28 أكتوبر 1980 في الملف رقم 22518(1).

وما تجدر الملاحظة إليه في خاتمة هذا المبحث أنه على الصعيد العملي لا يعرف هذهين الظرفين المشددين تطبيقات كثيرة ويرجع الأمر لا بعدم توفرهما في الجرائم المطروحة على المحاكم بل لعدم تحكم القضاة في مفهوم هذا الظرف لذلك عادة ما تأخذ الوقائع تكييف غير التكييف المستحق لها ومثال ذلك قضية المتهم "سعودي سفيان" التي تتلخص وقائعها في أنه: "بتاريخ 25/09/2002 قام المتهم بزيارة مسكن خاله ليطلب منه مساعدته في إيجاد منصب عمل بالصحراء ففتحت له زوجة خاله التي كانت لوحدها وأخبرته أن خاله موجود بالصحراء فلاحظ أنها ترتدي مجوهرات على اعتبارها لا تزال عروسا فعقد العزم على ارتكاب جريمته لذلك بعدما خطط لكيفية ارتكاب الجريمة وتوجه يوم 28/09/2002 لمسكن الضحيتين أين فتحت له الباب زوجة خاله وقدمت له المشروب فأمسكها من شعرها وقام بذبحها فلما صرخت جاءت جدته تجري فطعنها عدة طعنات في صدرها وعند تأكد من وفاتهما قام بسرقة المجوهرات ثم توجه إلى بيت الغسيل أين أزال آثار الدم وغسل السكين وملابسه وخرج وغلق الباب...".

فالتكييف الصحيح لهذه الوقائع من المفروض أن يكون كما يلي :
أولا: قتل زوجة الخال من أجل السرقة يكيف على أساس أنه قتل مرتبط بجنحة طبقا للمادة 263/2 ق.ع.
ثانيا: قتل الجدة يكيف على أساس أنه قتل الأصول طبقا للمادتين 258 و 261 ق.ع.
ثالثا: قتل زوجة الخال ثم قتل الجدة في نفس الظروف الزمانية والمكانية يكيف على أساس أنه اقتران القتل بجناية 263/01/ق.ع.

استحضار وسيلة القتل (سكين) قتل عمد مع سبق الإصرار طبقا للمادة 254 و 256 ق.ع.
لذلك يعاب على النيابة متابعتها للمتهم على أساس القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد وقتل للأصول والسرقة متناسبة أو متجاهلة الظرفين الذين سبق ذكرهما والذين يجب أن يعاقب عليهما الجاني خاصة في الحالة التي يستبعد فيها أحد الظروف المشددة الأخرى على النحو الذي ذكرناه سابقا.

كما أنه يعاب كذلك على قضاة غرفة الإتهام عدم إضافة تهم أخرى للمتهم على أساس المادتين 263/1 و 02ق.ع وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عدم تحكم القضاة جيدا في الظروف المشددة لجريمة القتل العمد الأمر الذي يؤدي إلى بقاء بعض مواد ق.ع جامدة لا تعرف تطبيقا في الحياة العملية.

-----------------------------------------------------------------------------
(1) أنظر قانون العقوبات في ضوء الممارسات القضائية الدكتور أحسن بوسقيعة المرجع الساق الذكر ص 102.

المبحث الرابع: الظروف المشددة لجريمة القتل العمد
بالنظر إلى صفة المجني عليه.

إذا كانت القاعدة العامة أن عقوبة القتل البسيط هي السجن المؤبد إذا كان المجني عليه أي شخصا عاديا كان، لكن قد يرد على هذه القاعدة استثناءا إذا كان المجني عليه أحد أصول الجاني، فتصبح صفة إبن المجني عليه في هذه الحالة ظرفا مشددا. ولقد سبق عند تعريفنا للظروف المشددة أنها تلك الملابسات والوقائع التي إذا ما اقترنت بالجريمة شددت عقوبتها وسواء أبقت على وصف الجريمة أو غيرت من وصفها" وعلى هذا الأساس فإن صفة ابن المجني عليه في جريمة القتل العمد هي في الحقيقة ظرفا مشددا إذ أنه أدى إلى تشديد العقوبة إلى الإعدام لكنه أدى في نفس الوقت إلى تغيير وصف الجريمة فأصبحت جناية قتل الأصول وهذا هو الوصف الذي منحه إياها المشرع الجزائري من خلال نص المادة 258 ق.ع فأصبحت بذلك جريمة خاصة بذاتها وكاملة في تعريفها وهذا ما سوف نتطرق إليه في المطلب الأول.

وكصورة مقابلة للوصف الأول (قتل الأصول) سوف نتناول في المطلب الثاني قتل الفروع والذي وإن كنا بتتبعنا لمواد قانون العقوبات لا نجد ما يوحي وأن المشرع جعل من قتل الفروع جريمة قتل مشددة بالنظر إلى صفة المجني عليه وهو الفرع إلا أن هناك من يرى وأنه ظرف مشدد لذلك سوف نتعرض لهذا الرأي ثم نقدم رأينا بعد ذلك حول هذا الموضوع.

المطلب الأول: قتل الأصول Parricide

تنص المادة 258 ق.ع على أن: "قتل الأصول هو إزهاق روح الأب أو الأم أو أي من الأصول الشرعيين.." وتنص المادة 261 ق.ع على أنه: "يعاقب بالإعدام كل من ارتكب جريمة القتل أو قتل الأصول..." فقتل الأصول حسب هاتين المادتين يعد قتلا عمديا مشددا وعلة التشديد هي علاقة الأبوة التي تربط بين الجاني والمجني عليه وأن كانت كافة الأديان والشرائع توجب احترام الوالدين فشريعتنا السمحاء توجب احترامهم وطاعتهم وذلك من خلال قوله تعالى: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا..."سورة الإسراء الآية 23.

فقتل الأصول جريمة بشعة وأمرا من الفضاعة والاستهتار لدرجة كبيرة تستوجب تشديد العقاب، فتنكر الفرع لأهله ووصول الخطورة الإجرامية الكامنة في نفسه الشريرة إلى حد إزهاق روح أصوله جعل المشرع يتدخل ليقضي ويتخلص من هذا الفرع الفاسد وذلك بتسليط عليه عقوبة تصل إلى حد الإعدام، وتأكيدا من المشرع على تشديد العقاب نص في المادة 282 قانون عقوبات على أنه: "لا عذر إطلاقا لمن يقتل أباه أو أمه أو أحد أصوله".

وقد أكدت المحكمة العليا في قرار صادر من الغرفة الجنائية الأولى في الطعن رقم 771.34 بتاريخ 29/05/84 على أنه "يكون عنصر الأبوة ظرفا مشددا في جناية قتل الأصول وبهذه الصفة يجب أن يكون محل سؤال مستقل ومميز طبقا لمقتضيات المادة 305 من قانون الإجراءات الجزائية إلا كان باطلا وترتب على ذلك بطلان الحكم المبني عليه"(1).

-----------------------------------------------------------------------------
(1) أنظر المجلة القضائية للمحكمة العليا العدد 1 لسنة 1989 صفحة 294.


إلا أن المشرع لم يكتفي وكما سبق وأن ذكرنا بجعل صفة ابن المجني عليه في جريمة القتل ظرفا مشددا يرفع من العقوبة فحسب وإنما قرر أن هذه الصفة تضعنا أمام نموذج خاص أي أن من شأن هذا الظرف أن غير وصف الجريمة من قتل عمد إلى قتل الأصول.

الفرع الأول: شروط تحقق جناية قتل الأصول:

حتى يتحقق ظرف الأصول يجب أن تتوفر الشروط التالية:
أولا: أن يرتكب قتل عمدي بجميع عناصره القانونية.
ثانيا: العلاقة الأبوية ما بين القاتل والضحية.

الشرط الأول: أن يرتكب قتل عمدي.

فيجب في جريدة قتل الأصول أن يكون ثمة قتل عمد أو الشروع فيه، فإذا أفضى هذا الإعتداء إلى وفاة المجني عليه كانت جريمة القتل تامة. أما إذا لم تتوفر الضحية رغم الإعتداء عليها فتكون امام شروع في جناية قتل الأصول.

والفقه والقضاء متفق على أن الجريمة تقوم بغض النظر عن اقترانها بسبق الإصرار من عدمه(1) ولذلك لو فرضنا أن جناية قتل الأصول كانت عن سبق إصرار فإن ذلك لا يؤثر على العقوبة، وأنه ليس لازما على محكمة الجنايات أن تطرح أسئلة حول هذا الظرف إلا أنه إذا طرحت المحكمة أسئلة حول سبق الإصرار لا تكون باطلة(2).

الشرط الثاني: العلاقة الأبوية.

أي يجب أن يكون المجني عليه أحد أصول الجاني وهذا ماهو وارد في نص المادة 258 بقولها: "إزهاق روح الأب أو الأم أو أي من الأصول الشرعيين".
والمقصود بالأصول في المادة السابقة الذكر الأصول الشرعيون أي الأب، الأم والجد وإن علا والجدة وإن علت دون غيرهم، ومهما بلغت درجة قرابتهم بالجاني.

فالملاحظ إن المشرع الجزائري يأخذ بالشريعة الإسلامية في الأحوال الشخصية وهي لا تعترف إلا بالقرابة الشرعية ولا يوجد أي أثر لما يسمى في الشرائع الأوروبية بالقرابة الطبيعية ولا التبني، والكفالة لذلك فإن الفقه الجزائري(3) يجمع على أن هذا الظرف المشدد لا يطبق إلا في حالة القرابة الشرعية ولا يسري على القرابة الطبيعية ولا قرابة التبني.

ويترتب على ذلك أن القرابة التي يجب توافرها هي القرابة المباشرة(4) أما قرابة الحواشي فلا تؤلف الظرف المشدد المنصوص عليه في المادة 258 ق.ع ولهذا فلا سبيل لتشديد العقوبة في جريمة القتل العمد الذي يقع بين الأزواج والزوجات وبين الأخوة والأخوات أو بين الأعمام أو العمات او أولاد الأخ أو الأخت أو بين الصهر وحميه...إلخ.
-----------------------------------------------------------
(1) إلا أن الفقيه الإيطالي كرارا « carrara » يرى أن جناية القتل الأصول لا يمكن أن تكون إلا إذا وجد إضافة إلى القتل العمدي ظرف سبق الإصرار أنظر الأستاذ: بن شيخ لحسين المرجع السابق ص 30.
(2) أنظر: الأستاذ: بن شيخ لحسين المرجع السابق ص 31.
(3) أنظر: الأستاذ أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 31+ الأستاذ بن شيخ لحسين المرجع السابق ص 31 +د.عبد المجيد زعلاني، المرجع السابق ص 86.
(4) القرابة المباشرة عرفها قانون الأسرة في مادته 33 بأنها الصلة ما بين الفروع والأصول.

وهذا ما يجبرنا للتحدث على الغلط في الشخص، فإذا قتل شخص أحد أصوله نتيجة لغلط في شخص المجني عليه الذي كان يراد قتله أو أخطأ في التصويب فلا يعتبر الظرف المشدد متوفر وإنما يعاقب الفاعل على أساس جريمة قتل عمد فقط.

ولكن ما القول إذا انعكس الوضع، ووقع الجاني في الغلط المعاكس بأن أطلق النار ليقتل أباه وابنه فقتل هذا الشخص الغريب الذي لم يكن يقصده فهل تشدد عقوبته ويحكم عليه بالإعدام؟
الملاحظ أن أغلب التشريعات الجزائية تميل إلى الأخذ برأي العلامة الفرنسي "غارسون" في هذا الصدد بحيث أن الجاني الذي قصد قتل أحد أصوله أو فروعه فأصاب شخصا غريبا وقتله لغلط في الشخص أو لخطأ في التصويب إنما يعاقب بالعقوبة المقررة للقتل العمد ولا سبيل للأخذ بالظرف المشدد الناجم على القرابة المباشرة، وبهذا تنطوي هذه الواقعة على جريمتين جريمة القتل العمد الواقعة على الشخص الغريب المجني عليه وجريمة الشروع في قتل الأب وهي الجريمة الخائبة التي كان الجاني يهدف إلى تحقيقها في الأصل.

إلا أننا نرى وأن مبادئ العدالة توجب تشديد العقوبة المحددة للقتل العمد على الجاني الذي يطلق النار على أبيه مثلا فيخطئه ويقتل سواه.

الفرع الثاني: إثباته وبيانه في الحكم.

مسألة إثبات أن المجني عليه هو أصل الجاني مسألة موضوعية تخضع لتقدير القاضي بحيث يستعين بكافة طرق الإثبات كشهادة الشهود وغيرها من القرائن التي نصت عليها مدونة قانون الأسرة فيما يخص إثبات النسب كالإقرار والبينة.

إلا أنه وفي الحالة التي يدفع فيها المتهم أمام محكمة الجنايات بأنه ليس إبن المجني عليه (إنكار صفة البنوة) فهنا يكون القاضي أمام مسألة فرعية يتعين عليه في هذه الحالة أن يوقف الفصل في الدعوى الجنائية (الأصل) إلى غاية الفصل في المسألة الفرعية (الدفع).

ومتى ثبت لقاضي الموضوع أن المجني عليه هو أحد أصول الجاني طبق المادتين 258 و 261 ق.ع. وقد قضت المحكمة العليا في قرارها الصادر بتاريخ 22 جوان 1993 ملف رقم 103527، أنه "إذا كنا أمام حالة المتهم بالقتل مع سبق الإصرار والترصد فإنه لا بد من طرح سؤالين متميزين إلى القضاة والمحلفين المكونين لمحكمة الجنايات الأول حول القتل العمد والثاني حول ظرف سبق الإصرار والترصد فهذا لا يعني أننا ملزمون بطرح سؤالين كذلك فيما يتعلق بجريمة قتل الأصول إذ أنه سؤال واحد يكفي للقضاة في التهمة بكاملها، مع أنه لا يقع تحت طائلة البطلان في حالة طرح سؤالين الأول حول القتل العمد والثاني يتعلق بصلة القرابة"(1).

ومثال ذلك فإن الأسئلة التي طرحت في قضية(2) "برايس كمال" الذي أحيل على محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة بتهمة قتل الأصول طبقا للمواد 258-261 ق.ع كانت كما يلي :

(1) الموسوعة القضائية قرص مضغوط 2003 CD.
(2) حكم صادر عن محكمة الجنايات بمجلس قضاء تبسة في 13/02/2000 ملف رقم 41/99.

السؤال الأول: هل أن المتهم برايس كمال مذنب بإرتكابه بتاريخ…..ومنذ زمن لم يمض عليه التقادم بالمكان….اختصاص محكمة….مجلس قضاء…..محكمة الجنايات كذا جريمة القتل العمد وهي ازهاق روح الضحية غوتي مريم الفعل المنصوص والمعاقب عليه بالمواد 254، 258-261 ق.ع.

السؤال الثاني: هل أن الضحية غوتي مريم تعد أحد أصول المتهم.

السؤال الثالث: هل أن المتهم برايس كمال كان ينوي قتل الضحية غوتي مريم.

- ومتى توفرت الإقتناع الشخصي لأعضاء محكمة الجنايات بأن الجرم ثابت في حق المتهم وذلك بأن أجابت عن الأسئلة المطروحة بالإيجاب فإنه يتميز عليها أن تطبق أو تقضي في حق المتهم بالعقوبة المنصوص عليها في المادة 261 ق.ع والمتمثلة في الإعدام.

- ولا تأثير بعد ذلك للأعذار المخففة على عقوبة قتل الأصول وهذا ما نصت عليه المادة 282 ق.ع بنصها: "لا عذر لمن يقتل أباه أو أحد أصوله"

- بل لا تأثير حتى لرضا الضحية كان يقتل الابن والده بدافع الشفقة أو بطلب منه كونه يعاني من آلام حادة.

- وهذا على خلاف الأفعال المبررة أو المانعة للمسؤولية-أمر القانون-إذن القانون – الدفاع الشرعي أو الجنون-فإنها تطبق على قاتل الأصول.

وهذا ما حدث في قضية "برايس كمال" المتهم بقتل أمه، الذي أثبتت الخبرات الطبية الثلاث التي أجريت عليه من طرف اختصاصيين في الأمراض النفسية والعصبية والعقلية أنه لم يكن يتمتع بكل قواه العقلية أثناء ارتكابه الجريمة الحالية وأن مرضه مزمن يتمثل في انفصام شخصيته التي تصور له واقعا مشوها، وهذا يبدو في كل مراحل حياته ومن ثمة فهو غير قابل لتحمل المسؤولية الجزائية.

على هذا الأساس فقد طرحت محكمة الجنايات سؤالا احتياطيا بعد إعطاء الرأي للنيابة والدفاع طبقا لأحكام المادة 306 ق.إ.ج حول ما إذا كان المتهم وقت ارتكاب الوقائع المنسوبة إليه في حالة جنون طبقا لأحكام المادة 47 ق.ع وأجابت عن هذا السؤال بالإيجاب.

وبما انه وطبقا للمادة 47 ق.ع يعد الجنون مانع من موانع المسؤولية ويترتب عليه إعفاء المتهم من العقوبة وذلك دون الإخلال بأحكام الفقرة 02 مراعاة 21 (الأمر بالحجز القضائي في مؤسسة نفسية أو طبية للعلاج).

-فقد حكمت محكمة الجنايات بإدانة المتهم بجرم قتل الأصول وإعفائه من العقوبة طبقا لأحكام المادة 52 ق.ع والتي لم تميز بين نوع الجرائم، فللقاضي سلطة واسعة في تقدير العقوبة فإذا رأى أن هناك ما يدعو إلى تخفيف العقوبة فله أن يخففها على الجاني كما هو في الحكم التالي: "حيث أنه بتاريخ 30/12/78 قضت محكمة الجزائر في القضية رقم 23 بالسجن لمدة عشر سنوات على المتهم طبقا للمادتين 258 و 261 بعد استعمال الرأفة معه إذ أنه بتاريخ 29/04/77 أصاب والده بجروح خطيرة نتيجة طعنه بسكين وبعد نقله إلى المستشفى توفي متأثرا بجروحه وثبت للمحكمة أن المجني عليه اعتدى على والدة المتهم قبل الحادث والضرب بمنجل وأصابها بعدة إصابات مما أثار هذا الأخير ودفعه إلى ارتكاب الحادث". وواضح من هذا الحكم أن محكمة الجنايات قد استبدلت عقوبة الإعدام بعقوبة السجن لمدة عشر سنوات نظرا لأخذها بالظروف المخففة واستعمال الرأفة مع المتهم.

- وإن صفة ابن المجني عليه في جريمة القتل العمد تعد من الظروف المختلطة فهي ظرف شخصي وموضوعي في نفس الوقت فهي شخصية كونها تتصل بشخصية المعني بالأمر وهي موضوعية لكنها تؤثر في الإجرام(1).
- وعلى هذا الأساس فإنه في حالة مساهمة الإبن في قتل والده يكون الحال كالتالي(2):

-بالنسبة للإبن: سواء كان فاعلا أو شريكا تطبق عليه الظروف المشددة فيعاقب بالإعدام.
. إذا كان فاعلا اصليا يرتكب الابن جناية قتل الأصول عملا بالظروف الموضوعية تنطبق عليه عقوبة الإعدام.
. إذا كان شريكا لقاتل والده تطبق عليه عقوبة الإعدام أيضا عملا بقاعدة الظروف الشخصية.

- بالنسبة للمساهم الثاني في جريمة قتل الأصول: بحسب ما إذا كان يعلم بأن المجني عليه والد المساهم الأول أو لا يعلم بذلك تطبق عليه الظروف المشددة أو لا تطبق سواء كان فاعلا أو شريكا.
.يرتكب المساهم الثاني في القتل جناية القتل ويعاقب بالسجن المؤبد إذا كان يجهل صفة المجني عليه بالنسبة للمساهم الأول.
. يرتكب المساهم الثاني في القتل جناية قتل الأصول ويعاقب بالإعدام إذا كان يعلم صفة المجني عليه بالنسبة للمساهم الأول وهذا عملا بقاعدة الظروف الموضوعية.


(1) أنظر الدكتور أحسن بوسقيعة الوجيز في القانون الجزائي العام المرجع السابق ص 163 وما بعدها
(2) لقد تم التوصل لمثل هذا الحل تماشيا مع ما توصل إليه القضاء الفرنسي عندما طرحت عليه مسألة الظروف المختلطة إذا لم يتردد في اعتبار الشريك في المثال الذي يكون فيه الابن قاتلا لأبيه، فاعلا أصليا مساعدا coauteur حتى تطبق عليه العقوبة المقررة للفاعل الأصلي وهذا ما سلكه المشرع الجزائري في المادة 44 ق.ع أنظر الدكتور أحسن بوسقيعة الوجيز في القانون الجزائي العام المرجع السابق ص 164.


.../... يتبع

منقول للفائدة ...

رد مع اقتباس
قديم 25-01-2013, 11:09   #2
lindaliza
عضو جديد



تاريخ التسجيل: Oct 2011
المشاركات: 1
lindaliza will become famous soon enough
Thumbs up رد: الظروف المشددة و الأعذار لجريمة القتل العمد في القانون الجزائري(ج1)

شكرا لكم و بالتوفيق
lindaliza غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 31-01-2013, 11:34   #3
ahmed_2090
عضو فعال

الصورة الرمزية ahmed_2090


تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 600
ahmed_2090 will become famous soon enough
افتراضي رد: الظروف المشددة و الأعذار لجريمة القتل العمد في القانون الجزائري(ج1)

شكرا جزيلا واصل وبارك الله فيك
ahmed_2090 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-04-2013, 08:37   #4
رحيق
عضو جديد

الصورة الرمزية رحيق


تاريخ التسجيل: Oct 2012
الدولة: الجزائر البيضاء
المشاركات: 35
مقالات المدونة: 1
رحيق will become famous soon enough
افتراضي رد: الظروف المشددة و الأعذار لجريمة القتل العمد في القانون الجزائري(ج1)

شكرررررررررررررررررررررررررررررررررررررررا
رحيق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
محاضرات في مقياس القانون الإداري(01) youcef66dz القانون الاداري 7 25-03-2014 06:28
أساس تطبيق القانون الأجنبي ومركزه أمام القاضي الوطني BOKALI القانون الدولي الخاص 4 30-04-2013 11:28
حالات استبعاد تطبيق القانون الأجنبي المختص بحكم النزاع أمام القضاء الجزائري BOKALI القانون الدولي الخاص 3 08-02-2013 09:22
ملخص القانون الدولى الخاص BOKALI القانون الدولي الخاص 9 26-11-2012 09:33
محاضرات المدخل للعلوم القانونية ( النظرية العامة للقانون ) youcef66dz المدخل للعلوم القانونية 7 17-01-2012 10:49


الساعة الآن 06:30


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات
جميع المشاركات والمواضيع المطروحة لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها

Security team