مرحبا بك زائرنا الكريم

أهلا و سهلا بك في منتديات الحقوق و العلوم القانونية , إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل معنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه

Register تسجيل الدخول

خاتمة مذكرتي في الماجيستير بعنوان الانحراف في استعمال السلطة في القرارات الإدارية

المشاركات
22
الإعجابات
1
النقاط
3
الإقامة
الجزائر
حاولت من خلال كل ما سبق تناوله في هذا البحث حول عيب الانحراف في استعمال السلطة، أن أبرز المكانـة الحقيقية التي كان يحظى بها داخل القضاء الإداري، كوجه من أوجه الإلغاء بالنسبة للقرارت الإدارية المعيبة في أهدافها، سواء بإستهدافها غاية لا تمتّ للصالح العام بصلة، أو بمخالفتها لقاعدة تخصيص الأهداف، أين لا حظت بأنّ هذا العيب كان يطبّق بصورة واسعة، ودون أيّ حرج من القاضي الإداري، الذي اجتهد في تكريس عدّة وسائل إثبات، ساهمت بشكل ملحوظ في التقليل من صعوبـة إثباته، على اعتبار أنّه عيب يتميّز بالدقـة و الخفاء، كما سهلت بالمقابل من مسألة الاعتماد عليه من القاضي و المتقاضي على حدّ سواء.
لقد حرص القاضي الإداري منذ ظهور عيب الانحراف في استعمال السلطة على تطبيقه بنفس النسبة تقريبا التي يطبق بها باقي العيوب الأخرى، فلم يكن للصفة الاحتياطية التي يتميّز بها أيّ تأثير على الأخذ به، متى استبانت معالمه وقام الدليل عليه.
بل إنّ الملاحظ من خلال استقراء العديد من الأحكام القضائية- سواءا تلك الصادرة عن مجلس الدولة الفرنسي أو عن نظيره المصري-، و التي تتبنّى تطبيقا صريحا لعيب الانحراف في استعمال السلطة، أنّ القاضي الإداري كان يتجاوز في حكمـه حلّ النزاع المعروض عليه إلى انتهاز الفرصـة لإبراز معالم هذا العيب، من حيث مضمونه وتعداد حالاته، و وسائل إثباته.
لقد كان لمثل تلك الأعمال القضائية المتميّزة الدور الكبير في إرساء أسس متينة لهذا العيب، وفتح المجال واسعا أمام القاضي الإداري، لمراقبة القرارات الإداريـة الصادرة في إطار السلطة التقديرية للإدارة من حيث مدى اتجاهها نحو تحقيق المصلحة العامـة، و الهدف المخصّص من المشرّع، وهي بهذا الشكل قد مكنت القاضي الإداري الذي يمنع عليه أن يراقب مدى ملاءمـة ذلك النوع من القرارت الإدارية من فرض رقابـة على أهداف تلك القرارات، على اعتبار أنّ الإدارة مقيّدة دائما باستهداف المصلحة العامـة ولا تملك أيّ تقدير حيال ذلك.
كما تطرّقت في هذا البحث إلى جزاء عيب الإنحراف في استعمال السلطـة، أين حصرته أساسا في إلغاء القرار الإداري المشوب بهذا العيب، و التعويض عن الأضرار التي لحقت بالفرد من جرائه، وقد لاحظت بأنّ هذا الجزاء، وإن كان لا يختلف عمّا يمكن أن يترتب عن باقي العيوب الأخرى، إلاّ أنه يحوي نوعا من الخصوصية، خاصة فيما يتعلّق بعملية الإلغاء.
حاولت في آخر هذا البحث ان أشير بوضوح إلى أنّ عيب الإنحراف في استعمال السلطة، لم يعد يطبّق في وقتنا الراهن بنفس النسبة التي كان يطبق بها في وقت مضى، بل إنّ الفرق شاسع بين سنوات الأربعينيات و الخمسينيات، و بين ما نلاحظه اليوم، فالقاضي الإداري صار يتحاشى بصورة متعمّدة تطبيق هذا العيب، على الرغم من أهمّيته الكبيرة التي لا يمكن أن تتراجع مهما مرّ الزمن.
لقد وضحت قبل التطرق إلى هذه الأزمة –كما سبق وأن أشرت-صورة عيب الانحراف في استعمال السلطة في وقت إزدهاره وانتشاره داخل القضاء الإداري، وركزت بالخصوص على القضاء الإداري الفرنسي والمصري، وهذا راجع إلى اتساع دائرة تطبيق هذا العيب في كلّ من الدولتين، كما أنّ القاضي الإداري سواءا في فرنسا أو مصر يقدّم –كما سبقت الإشارة إليه- عملا قضائيا يتميّز بالدقة والوضوح، عكس ما هو عليه الحال عندنا، أين نجد الفرق شاسعا بين ما يكتبه رجال القانون في مادة المنازعات الإدارية، وما نلاحظه يوميا من قرارات قضائية صادرة عن قمة هرم القضاء الإداري، لا تتماشى في أكثرها مع ما هو مكرس في الفقه أو في القضاء الإداري المقارن، وأمام هذه الحقيقة المؤسفة –التي لست سباقا لاكتشافها وكشفها- أدعو إلى مراجعة جهاز القضاء الإداري في بلادنا، ليس في هيكلته - كما يحدث اليوم- وإنّما في سلطاته وأشخاصه، فتخصّص القاضي الإداري في مادة المنازعات الإدارية صار أمرا أكثر من مطلوب لتفعيل الرقابة القضائية عندنا، وإعطائها مركزها المستحق، الذي نراه اليوم مغيّبا إلى أقصى الحدود.
سيبقى انحراف الإدارة بسلطتها أمرا قائما ومنتشرا، ما دام القاضي الإداري يتحاشى مراقبة أهداف القرارات الإدارية، وسيبقى بذلك الفساد الإداري منتشرا، أمام تخاذل من لهم القدرة الكافية على الوقوف في وجهه.
لا يتحمّل المشرّع بالدرجة الأولى مسؤولية تراجع الاعتماد على هذا العيب، بل المسؤولية على القاضي الإداري، الذي جعل عيب الانحراف في استعمال السلطة عيبا احتياطيا، لا يلجأ إليه إلا إذا تأكد من خلو القرار الإداري من باقي العيوب الأخرى، محتجا بصعوبة اثباته ظاهرا، وفي الخفاء يحتج بخطورة اتهام الإدارة به، وهو بهذا يغفل عن الخطر الأكبر الذي يحيط بحقوق الأفراد وحريّاتهم، من جراء انحراف الإدارة في استعمال سلطتها.
عندما أقول أنّ القاضي الإداري جعل عيب الإنحراف في استعمال السلطة عيبا إحتياطيا، فإنّني أقصد بهذا القاضي الإداري في فرنسا ومصر، ولا أقصد القاضي الإداري الجزائري، فهذا الأخير لا يكاد يأخذ بهذا العيب على الإطلاق، وإن كانت هناك بعض التطبيقات القليلة- التي توحي بوجود ما يشبه التطبيق لهذا العيب- فالأكيد أن القارىء قد لاحظ غموضها، وأنّه ليس من السهل استساغة ربطها بعيب الانحراف في استعمال السلطة.
أرجع أغلب فقهاء القانون العام أزمة عيب الانحراف في استعمال السلطة إلى ظهور الرقابة على أسباب القرار الإداري، وإلى تراجع القاضي الإداري عن موقفه من انحراف الإدارة بسلطتها للمصلحة المالية، وإن كان الأمر مستساغا بالنسبة إلى السبب الأخير، فإّنه غير مستساغ بالنسبة للسبب الأول، ذلك لأنّ عيب السبب لا يغني عن الاعتماد على عيب الانحراف في استعمال السلطة، بل إنّ النعي على القرار الإداري بأنّه مشوب بعيب في أسبابه بدل أهدافه يهوّن من خطورة الجرم الذي ارتكبه مصدر ذلك القرار (ونحن هنا بصدد الإشارة إلى حالة الإنحراف عن المصلحة العامة كلية)، فالقرار الإداري الذي يتعمّد مصدره بناءه على أسباب غير موجودة من أجل تحقيق أغراض تجانب المصلحة العامة، يجب أن يلغى على أساس عيب الانحراف في استعمال السلطة، لا على أساس عيب السبب، وذلك من أجل دفع الإدارة إلى اتخاذ عقوبات تأديبية ضد من اتخذ من وظيفته ووسائل القانون العام مطيّة نحو بلوغ أهدافه الشخصية، ومن هذا الباب تظهر الأهمّية الكبيرة للإبقاء على عيب الانحراف في استعمال السلطة، بدل الاستعاضة عنه بعيب لا يمكن أن يؤدي هذه الوظيفة عل الوجه المطلوب.
كما توصلت من خلال بحثي في هذا الموضوع، إلى أنّ تطور الرقابة القضائية على السلطة التقديرية للإدارة أدى بدوره إلى تراجع الاعتماد على عيب الانحراف في استعمال السلطة، كونه كان العيب الأكثر فعالية من حيث التقليل من خطورة ممارسة هذا النوع من السلطة، وذلك بضمان اتجاه قرار الإدارة نحو هدف المصلحة العامة، وقد تمثّل هذا التطوّر على وجه الخصوص في ظهور الرقابة على الخطأ الواضح في التقدير، وكذا الرقابة على الموازنة بين المزايا والتكاليف، ولعلّ لهاتين الوسيلتين أهمّية لا يمارى فيها في الحدّ من خطورة ممارسة السلطة التقديرية من الإدارة، غير أنّ هذا لا يبرّر التخلّي عن الاعتماد على عيب الانحراف في استعمال السلطة، كونه –كما سبق وأن أشرت- العيب الأقدر على كشف فساد الموظف الإداري، فهو بهذا يساهم في تطهير الوسط الإداري من الموظفين الذين يسعون من وراء وظيفتهم إلى تحقيق منافع شخصية غير مشروعة، ملحقين بذلك ضررا بالغا بحقوق الأفراد وحريّاتهم.
 
أعلى