مرحبا بك زائرنا الكريم

أهلا و سهلا بك في منتديات الحقوق و العلوم القانونية , إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل معنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه

Register تسجيل الدخول

الشرعية الإجرائية

فرح

عضو نشيط
المشاركات
439
الإعجابات
4
النقاط
18
بادئ الموضوع #1
مفهوم الشرعية الإجرائية
تُعد الشرعية الإجرائية الجنائية إحدى حلقات الشرعية التي يخضع لها القانون الجنائي، حيث ظهرت الحلقة الأولى تحت اسم "لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون" وذلك لحماية الإنسان من خطر التجريم والعقاب بدون قانون، ولكي يكون في مأمن من رجعية القانون الجنائي وبمنأى عن خطر القياس في مجال التجريم والعقاب.
وهذه الحلقة الأولى فقط لا تكفي لحماية حرية الإنسان وحقوقه إذا كان في الإمكان اتخاذ إجراءات من شأنها المساس بها مع افتراض إدانته، لذلك كان لابد من ظهور الحلقة الثانية من حلقات الشرعية الجنائية ألا وهي الشرعية الإجرائية.
إن مبدأ الشرعية الإجرائية معناه أن يكون التشريع مصدر الإجراءات الجنائية، سواء كان تشريعاً دستورياً أم عادياً، لأن الإجراءات الجنائية تنطوي في جانب كبير منها على قدر من القهر والإجبار إزاء المتهم، وإزاء غيره في بعض الأحيان، كما تتضمن مساساً بحرية الأفراد وحقوقهم الأساسية، وقد تتخذ ضد أفراد لم تثبت إدانتهم بعد، أو تثبت براءتهم فيما بعد، ومن ثم تعين أن يكون التشريع مصدرها.
ولا تعني الشرعية الإجرائية اشتراط أن يقرر القانون الإجراء الجنائي فقط ، بل تتطلب أن يحدد القانون الشروط الشكلية والموضعية اللازمة لاتخاذ الإجراء، بحيث لو أغفلت أو تمت مخالفتها، صار مآل ذلك الإجراء البطلان ، وهي على هذا النحو تضمن سيادة القانون بوصفه أساس الحكم في الدولة، وتؤدي إلى الاستقرار القانوني الذي يُؤّمن الأفراد ضد المفاجآت التي تعرّض مراكزهم القانونية للخطر .
إن قانون الإجراءات الجنائية الذي تحكمه الشرعية الإجرائية لا يهتم أساساً بتحقيق الغاية من الإجراء الجنائي بقدر ما يهمه احترام الحرية الشخصية من خلال ما يقرره من ضمانات، فهذه الحرية هي المصلحة الأولى بالرعاية والأجدر بالحماية في نظر هذا القانون باعتباره أحد القوانين المنظمة للحرية الشخصية، ويُفترض في هذا القانون أن يكون مستنداً ومتفقاً مع المبادئ التي تضمن حرية وحقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق العالمية والقوانين الأساسية مثل الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية عام 1966، والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير عام 1988، والقانون رقم (20) لسنة 1991 بشأن تعزيز الحرية، ولذلك لا يجوز الوصول إلى الحقيقة وإقرار سلطة الدولة في العقاب إلا من خلال إجراءات جنائية تحترم الحريات والضمانات تحت إشراف ورقابة القضاء.
ومن ثم يقتضي مبدأ الشرعية الإجرائية احترام الحرية الشخصية للمتهمين وذلك باشتراط أن يكون القانون هو مصدر الإجراءات الجنائية - كما أسلفنا القول- وأن تفترض براءة المتهم في كل إجراء من الإجراءات التي تتخذ ضده، وأن يخضع تقدير تلك الإجراءات ورقابة سلامة تطبيقها للقضاء.
المطلب الثاني :علاقة الضرورة بالشرعية الإجرائية
تُعد الضرورة من النُظم القانونية المستقرة في جميع فروع القانون، وهي استثناء على الأصل، وتُمثل الخروج على النصوص القانونية، بغية التوفيق والتنسيق بين المصالح المتنازعة التي تثور في الظروف الحرجة التي تعجز النصوص عن معالجتها، لذا فقد حرصت فروع القانون على النص على حالة الضرورة، وكيفية التعامل معها والإجراءات التي تتخذ في ظلها ومن بينها قانون الإجراءات الجنائية.

إلا أن الأمر في هذا القانون الأخير يختلف عن غيره من فروع القانون الأخرى، حيث تضمنت تلك القوانين نصوصاً تحوي في طياتها مبادئ النظرية العامة للضرورة، وبالتالي يجوز العمل بها كنظرية عامة متى توافرت شروطها، ومن ثم فإنه لا إشكالية في تطبيقها.
أما في الإجراءات الجنائية فتطبيق الضرورة يثير إشكالية لا تزال محل خلاف في الفقه بين مؤيد ومعارض وتتمثل هذه الإشكالية في مدى إعمال الضرورة في الإجراءات الجنائية كنظرية عامة أو مدى تعارضها مع مبدأ الشرعية الإجرائية، ويمكن رد هذا الخلاف إلى اتجاهين :
- الاتجاه الأول : يرى العمل بالضرورة بناء على نص في قانون الإجراءات الجنائية: في هذه الحالة ينص المُشرّع على بعض تطبيقات الضرورة في الإجراءات الجنائية، ولا خلاف بين الفقهاء في العمل بالضرورة في هذا الشأن سواء كان من شأن تطبيقها المساس بحرية الأفراد، أي الإنقاص من ضمانتهم لمصلحة الهيئة الاجتماعية، أو زادت من ضمانتهم الإجرائية على حساب مصلحة المجتمع، فما دام التشريع مصدرها، فإنه من المفترض أن يكون المُشرّع قد وازن بين مصلحة الدولة في العقاب ومصلحة الأفراد في الحرية، ورأى أن من شأن إعمال الضرورة إنهاء النزاع بين المصلحتين وترجيح الأجدر بالرعاية.
ومن ثم فلا يوجد تصادم بين الضرورة والشرعية الإجرائية في هذه الحالة لأن الضرورة وجدت مصدرها في التشريع الإجرائي.
- الاتجاه الثاني : يرى العمل بالضرورة كنظرية عامة في الإجراءات الجنائية:
في هذه الحالة يُعمل فيها بأحكام الضرورة كنظرية عامة من قبل الجهة القائمة بتطبيق قانون الإجراءات الجنائية وهي ما أطلقنا عليها الضرورة العملية، للتفرقة بينها وبين الضرورة التشريعية التي تم تناولها في الحالة الأولى.

إذ قد تواجه الشخص الإجرائي ظروفاً ملجئة يضطر فيها إلى مخالفة التنظيم الإجرائي، وفي سبيل توضيح هذا الاتجاه ينبغي التمييز بين ثلاثة فروض :
* الفرض الأول :إذا كان من شأن العمل بالضرورة دعم حرية المتهم وزيادة ضماناته الإجرائية بالمخالفة للتنظيم الإجرائي، ففي هذه المسألة لا يتعارض العمل بالضرورة كمبدأ عام في الإجراءات الجنائية مع الشرعية الإجرائية، لأن إعمالها على هذا النحو من شأنه التأكيد على قاعدة أساسية تحكم التنظيم الإجرائي برمته، وهي أن الأصل في المتهم البراءة، والأمثلة على ذلك كثيرة : منها إجراء المحاكمة في غير علانية خلافاً للأصل الإجرائي، إذا كان من شأن ذلك تحقيق مصلحة للمتهم أولى بالرعاية من المصلحة التي رأي المُشرّع حمايتها وامتداد مواعيد الطعن بالنسبة للمحكوم عليه المريض الذي لم يستطع الطعن في الميعاد .
* الفرض الثاني :يُفترض في هذه الحالة أنه يعمل بأحكام الضرورة بمناسبة الخروج على بعض الإجراءات التنظيمية الواردة في الإجراءات الجنائية، وخاصة تلك التي لا يترتب على إعمال الضرورة بشأنها المساس بحريات الأفراد وحقوقهم الأساسية والأمثلة على ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر انتداب كاتب غير مختص لتدوين التحقيق الإبتدائي، وتجاوز مأمور الضبط القضائي لحدود الاختصاص المكاني للضرورة.
ففي هذه الحالات يتعين أن تمنح الجهات المخولة بتطبيق قانون الإجراءات الجنائية سلطة تقديرية لإعمال نظرية الضرورة في الإجراءات الجنائية متى توافرت شروطها، ذلك لأن جوهر الإجراءات الجنائية هو الكشف عن الحقيقية.. ومن ثم يجب أن تكون للجهات السابقة سلطة التقدير الذي يتيح لها التعامل مع الحالات الواقعية بالأسلوب الملائم، حيث قد تلتبس تلك الحالات بظروف مفاجئة، تقتضي حينئذ العمل بأحكام الضرورة، للوصول إلى الحقيقية لأن المجتمع بقدر ما يهمه براءة البريء يهمه في الوقت ذاته إثبات إدانة المذنب والقصاص منه، وبالتالي تحقيق العدالة.
وبناء عليه فإن إعمال الضرورة الإجرائية كمبدأ عام في هذا الفرض، ورغم مخالفته الشكل الإجرائي المقرر قانوناً، لا يتناقض مع الشرعية الإجرائية، لأنه مستند إلى شرعية الضرورة التي تُعد مبدأً عاماً في القانون ولا تحتاج إلى نص، فهي مشروعية ضد مشروعية، أي أن الإجراء الذي يتخذ في ظل الضرورة يكون مشروعاً، متى تحققت شروط الضرورة التي اقتضت ذلك، ويخضع تقدير شروط الضرورة ومدى توافرها لرقابة القضاء بدرجاته المتعددة.
وفي سبيل التفريق بين الإجراءات الجنائية التي يجوز إعمال الضرورة بشأنها وتلك التي لا يجوز فيها ذلك، يتعين الرجوع إلى علة التشريع، فإذا كانت إرادة المُشرّع قد ابتغت من وراء تنظيم الإجراء إعلاء حق من حقوق الفرد وإضفاء الحماية الخاصة عليه، فإنه لا يجوز إعمال الضرورة في هذا الشأن، أما إذا كان اتجاه إرادة المُشرّع غير ذلك، كأن تكون علة التشريع من وراء الإجراء غاية تنظيمية ليس من شأنها المساس بحرية الفرد وحقوقه الأساسية في الدفاع، فإنه لا ضير من إعمال الضرورة بشأنه متى توافرت شروطها، ويخضع ذلك لرقابة القضاء.

الفرض الثالث :إذا كان من شأن العمل بالضرورة في الإجراءات الجنائية كنظرية عامة، الإفتئات على حريات الأفراد والمساس بحقوقهم الأساسية الواردة في التنظيم الإجرائي التي كفلها لهم المُشرّع -الدستوري أو العادي- وأضفى عليها حماية خاصة، ففي هذه الحالة يجب ألا تكون حريات الأفراد وحقوقهم الأساسية التي أعلاها المُشرّع وأحاطها بسياج من الحماية والحصانة، محلاً للتقدير من قبل الجهات المناط بها تطبيق قانون الإجراءات الجنائية.
وبالتالي لا يجوز إعمال الضرورة في هذا الشأن كنظرية عامة، ذلك لأن الإجراءات الماسة بحريات الأفراد أوردها المُشرّع على سبيل الحصر والتحديد، وهي استثناء اقتضته ضرورة المحافظة على كيان الهيئة الاجتماعية، ومن ثم فإنه من هذا المنطلق لا يجوز إعمال الاستثناء على الاستثناء، وأنه وفقا للقاعدة الفقهية يجب ألا يُزال الضرر بالضرر.
بالإضافة إلى أن العمل بالضرورة في الإجراءات الجنائية بالنسبة للإجراءات التي تمس حريات الأفراد وضمانتهم الإجرائية يُعكر صفو الاستقرار القانوني الذي ينشده المُشرّع - ويطلق يد الجهات المناط بها تطبيق قانون الإجراءات في المساس بالضمانات المقررة لحماية حريات الأفراد تحت ستار الضرورة الإجرائية.
لذا فإنه يتعين عدم المساس بحريات الأفراد وحقوقهم الأساسية التي كفلها لهم المُشرّع إلا بالقدر الذي مُست به بموجب القواعد الواردة حصراً في التنظيم الإجرائي.
وعليه فإنه لا يجوز تفتيش الأنثى من قبل رجل في حالة عدم وجود أنثى حتى لو قامت الضرورة وتوافرت شروطها، لأن المُشرّع أوجب تفتيش الأنثى من قبل أنثى مثلها، وبالتالي يجب ألا يكون هذا الحق وتلك الضمانة محلا للتقدير.
كما أنه لا يجوز حرمان الفرد من قاضيه الطبيعي، أو اختصار درجات التقاضي بحجة ضرورة سرعة الفصل في الدعاوى، أو منع الطعن في بعض الأحكام، أو حرمان المتهم من بعض الضمانات الإجرائية، لأن ذلك لا يكون إلا على حساب الحقوق والحريات الفردية التي كفلتها القوانين الأساسية وتشريعات الإجراءات الجنائية.
الخاتمة
بعد أن انتهينا من سلسلة هذا البحث المتواضع، فإننا نخلص إلى نتيجة مؤداها أن الضرورة الإجرائية - وفقا للعرض السابق- والشرعية الإجرائية أمران غير متناقضين، بل يتفقان في سبيل تحقيق الهدف المنشود من النظام الجنائي بأكمله، وهو مكافحة ظاهرة الإجرام مع احترام حقوق الإنسان وحرياته في آن واحد.
 
أعلى