القانون الدولي للتنمية

الموضوع في 'منتدى السنة الثالثة LMD' بواسطة youcef66dz, بتاريخ ‏17/7/11.

  1. youcef66dz

    youcef66dz عضو متألق

    إنضم إلينا في:
    ‏3/10/09
    المشاركات:
    3,788
    الإعجابات المتلقاة:
    78
    قانون التنمية الدولي ومقتضيات العولمة في إفريقيا

    مدخل

    التنمية بمفهومها العادي هي مجموعة البرامج و السياسات الاقتصادية لأي مجتمع، هي تحول أي مجتمع من مرحلة التخلف إلى مرحلة التحضر، من مرحلة الندرة إلى مرحلة الوفرة، ومن مرحلة الفقر إلى مرحلة الغنى.
    إنها تعنى تبدلات في القيم، والحوافز و الموقف من العمل ، والتنظيم الاجتماعي و القدرة والتقنية بتضافرهما معاً لكي تؤدي إلى توسع الاقتصاد وتحسين مستواه وارتقاء القدرة الإنتاجية .
    ولقد ظهر هذا المفهوم بعد الخمسينات من القرن الماضي ويرجع ذلك إلى محاولة الدول النامية لتغيير واقعها المتخلف في جميع المستويات . إن الذي يحكم هذه العلاقات هو القانون الاقتصادي التفاعلي.
    أما على المستوى الدولي فإن مفهوم التنمية هو مفهوم يرتبط ظهوره بتصفية الاستعمار الذي سبب حالة متفاقمة من التخلف.
    إن العلاقات الاقتصادية الدولية ما قبل تصفية الاستعمار كانت تقوم على علاقات مادية ربحية وأنانية, فهي لا تهدف إلى الرفع من المستوى الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع وإنما تهدف إلى إحداث تنمية ذات طابع كمي للمجتمعات الأوروبية المستعمرة أو بالأحرى للطبقات الحاكمة.
    وعندما دخلت دول العالم الثالث معترك الحياة الدولية حاولت أن تصبغ على العلاقات الدولية الصبغة الإنسانية حتى ترقى بهذه المجتمعات إلى مستوى مجتمعات الدول المتقدمة التي حرمتها من أسس التقدم.

    في هذا الإطار برز مفهوم التنمية البشرية الذي ينطلق من مقولة (البشر هم صانعوا التنمية ويجب أن يكونوا هدفها) وهو مصطلح أطلقته الأمم المتحدة على برامجها المتعددة في عقود التنمية في ما بين 1960 - 1989 .
    إن العلاقات الدولية الاقتصادية التي قننتها الدول الغربية هي علاقات استعمارية, ذلك فان مبدأ "دعه يعمل دعه يمر" الذي يرتكز عليه هذا النظام قد أدى إلى غياب القانون العادل مما مهد إلى تكديس ثروات وموارد الشعوب الأكثر ضعفاً لدى الأكثر تحضراً، والقانون الدولي الكلاسيكي يسمح بذلك، إنه يعترف ويؤكد حق السيطرة لصالح الدول الاستعمارية . ولهذا السبب فإن العلاقات الاقتصادية الدولية الجديدة التي نشأت في إطار الأمم المتحدة, مفعلة من قبل دول العالم الثالث, وضع لها إطار جديد لإدارتها وهو ما يسمى بقانون التنمية الدولي.
    هذا القانون الجديد الذي حكم العلاقات الدولية الاقتصادية لما يقرب من 40 سنة بدأ في الضعف ثم في الاندثار منذ ظهور العولمة التى اعتمدت كقانون جديد غير شرعي لإدارة العلاقات الاقتصادية الدولية.
    فما هي مضامين قانون التنمية الدولي (I ) وكيف ساهمت العولمة فى انهيار هذا القانون وما هي انعكاسات هذا الانهيار على الدول الافريقية (2)، وما هي آثرها على اقتصاديات الدول الافريقية (3) ؟

    - اولا - مضامين ومحتويات قانون التنمية الدولي :

    إن قانون التنمية الدولي الذي تأسس بعد نهاية الحرب العالمية الثانية قام على مبادئ سياسية وقانونية حتى يعيد التوازن إلى العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة.
    إن أول مبدأ قام عليه قانون التنمية هو "حق الشعوب في تقرير مصيرها ". إن الأمم المتحدة عند تأسيسها لم تكن تضم سوى دول محددة في العدد والجغرافيا والأيديولوجيا، رأسمالية أو شيوعية, فكان من الطبيعي أن تنعكس هذه التركيبة على مواقف المنظمة الفتية. وبعد انضمام العدد الكبير من الدول الحديثة الاستقلال تغير خطاب الأمم المتحدة لتوظف هذه الشعوب مفاهيم حقوق الإنسان بالخصوص لتأكيد الحق في تقرير المصير والتنمية " (1). وقد جسدت هذه الشعوب فحوى هذا المبدأ فى عدد كثير من الوثائق الهامة, سواء كانت اتفاقيات او قرارات (2) حيث أفرزت آليات متعددة لتطبيق قانون التنمية الدولي (3).

    1- حق الشعوب في تقرير مصيرها وعاء معياري لقانون التنمية الدولي.

    إن حق تقرير المصير قد بدأ سياسياً، بمعنى مطالبة الدول المستعمرة بالاستقلال السياسي عن المستعمر، ولكن عندما حصلت هذه الدول على استقلالها فإنهـا ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث ربطت الاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي ، فالمستعمر عندما خرج من البلد ترك وراءه تركة كبيرة من التخلف والجهل والفقر وضعفاً في البنية التحتية أو عدمها في بعض الدول. كذلك فإن هذا المستعمر كان قد ترك قنوات من خلالها يمارس استغلاله وسيطرته على اقتصاد الدولة المستقلة ويمارس عليها سياسة استعمارية خفية .
    وقد حاولت هذه الدول أن ترقى بهذا الحق الاقتصادي إلى المبدأ القانوني الآمر وبالتالي فإن محتوى هذا الحق هو الحصول على فرص من أجل التنمية سواء بعدم التدخل في هذه الدول اقتصادياً والحق في سيطرة هذه الدول على ثرواتها، وسواء بالحصول على مساعدات من الدول المستعمرة من أموال وخبرة لازمة من أجل الخروج بها من دائرة التخلف الذي كان المستعمر أهم مسببيها. إن الحق في التنمية أصبح من مكونات حقوق الإنسان الأساسية حيث أن بناء تنمية قوية يمكن الدولة من تقرير مصيرها واستقلالها الكامل. إن حق التنمية كما يقول Jean Marie Dupuy" إنه بالنسبة لشعب ما، يمثل قيمة حقوق الإنسان بالنسبة للفرد. فهو يمثل نقل مفهوم حقوق الإنسان إلى مستوى الجماعة الدولية " .
    ولذلك فإن الحق في التنمية هو من الحقوق التضامنية والتي تم إدخالها في النظام القانوني لحقوق الإنسان فيما أطلق عليه الجيل الثالث من الحقوق. ولكن حتى وإن لم نعترف بهذا التصنيف، لأن حقوق الإنسان تكمل بعضها البعض، فليس هناك جيل أول أو ثان أو ثالث، فإن هذا الحق صار من أهم الحقوق التي طبقت النظام الاقتصادي الدولي الجديد.
    إن النظام الاقتصادي العالمي قد تم طبعه بالطابع الإنساني عندما تم تطويره من النظام الاقتصادي القائم على المنافسة إلى نظام اقتصادي تنموي.
    لقد تم ترجمة هذا التوجه الإنساني في كثير من المبادئ القانونية التى احتوتها وثائق دولية وإقليمية.

    2- القواعد القانونية الدولية لتأسيس الحق في التنمية:

    إن أول وثيقة مهمة يمكن الإشارة إليها هي القرار رقم1514 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14/2/1960 تحت عنوان: " إعلان منح الاستقلال للأقطار والشعوب الخاضعة للاستعمار", حيث يعلن في بنده الأول على أن إخضاع الشعوب لحكم أجنبي أو للسيطرة والاستغلال ، يعد إنكارا للحقوق الأساسية للإنسان" هذا يعني أن من بين هذه الحقوق هو الحق في التنمية. هذا الحق وإن كان سياسياً فإنه قد ترجم في وثيقة قانونية وهي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر في16/11/1966 الذي نص في مادته الأولى على أن لجميع الشعوب حق تقرير المصير، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي ، وحرة في السعي لتحقيق نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي .
    ويأتي إعلان الأمم المتحدة حول التقدم والإنماء في المجال الاجتماعي مجسدا لهذه التوجهات حيث نص فى ديباجته على أن الجمعية العامة تعرب عن يقينها بوجود اعتماد متبادل ومتكافئ وثيق بين السلم والأمن الدوليين من جانب والتقدم الاجتماعي والإنماء الاقتصادي من جانب آخر. وإن من المهم إعداد إستراتيجية متكافئة للإنماء الاقتصادي والاجتماعي تراعى في جميع المراحل، المظاهر الاجتماعية للإنماء .
    ولقد تجسدت ارادة الدول النامية فى خلق نظام اقتصادي عالمي جديد الذى تم الاعلان عنه من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة سنة 1974 والذى يقوم على العدالة والمساواة فى السيادة والتكامل والمصلحة الجماعية والتعاون بين الدول بعيدا عن املاءات الانظمة الاقتصادية التقليدية .
    وفي ديسمبر1974 وافقت الجمعية العامة على ميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول " الذي ألقى على عاتق كل دولة التزاما بالمشاركة في الجهود التي تبذلها الشعوب النامية لتعجيل ارتقائها الاقتصادي والاجتماعي, بأن تكفل لها ظروفا خارجية ملائمة وتقدم لها عوناً إيجابيا مطابقاً لحاجاتها وأهدافها في مجال التنمية مع مراعاة الاحترام الصارم للمساواة بين الدول في السيادة ومن دون شروط تمس سيادتها (م17) .
    ولقد تم التأكيد على هذه المبادئ وبلورتها وتقنينها في وثيقة إعلان الأمم المتحدة الصادرة 1986 والتي عنونت : " بالحق في التنمية " . إن كل هذه الوثائق المذكورة والتي لم تذكر, تؤكد جميعها على أنسنة العلاقات الاقتصادية في إطار قانون التنمية الدولي ، وذلك مواجهة للنظام الاقتصادي الدولي الاستغلالي. إن أنسنة الاقتصاد الدولي ظهرت واضحة في اعتماد المجتمع الدولي لآليات متعددة لتأسيس هذا القانون وهيكلته .
    3- آليات هيكلة قانون التنمية الدولي:
    تميزت فترة السبعينيات بارتفاع أصوات دول الجنوب بإعادة النظر في العلاقات الاقتصادية الدولية وتعديل ميكانيزمات (آليات) وقواعد هذه العلاقات، فى اتجاه يقر العدالة فى توزيع الثروات الإنسانية ويساعد على تعميم فوائد رفاهية الحضارة المعاصرة.
    إن هذه الأنظمة والقواعد التي جسدت قانون التنمية الدولي تمثلت فى الأدوات المعيارية والمؤسسات الدولية و الاستراتيجيات الدولية لتنفيذ برامج التنمية.
    أ‌- الأدوات المعيارية للتنمية الدولية
    ان هذه القواعد المعيارية الجديدة اختزلت فى مصطلح جديد أكدت عليه دول العلم الثالث وناضلوا من اجله وهو" النظام الاقتصادي العالمي الجديد" ان البيان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1974 يعرف هذا النظام على انه يقوم على العدالة والمساواة والاستقلالية والتعاون والمصالح المشتركة بين جميع الدول .
    ان فكرة المساواة تسيطر على هذا النظام ولكنها مساواة ذات مضمون ومحتوى جديد.
    إنها تربط بين المبدأ التقليدي للمساواة فى السيادة للدول فى السيطرة على ثرواتها وضبط أنشطتها الاقتصادية على أراضيها، وبتصحيح عدم المساواة الحقيقية والواقعية بين الدول .
    إن فحوى مبدأ المساواة في السيادة يقوم على السيادة الدائمة للدول على الموارد الطبيعية والأنشطة الاقتصادية.
    إن القرارات المبكرة للجمعية العامة استهدفت سيطرة الدول على الموارد الطبيعية فقط ولكنها أضافت سنة 1974السيطرة على الأنشطة الاقتصادية وذلك لوضع حد لاستغلال الشركات المتعددة الجنسية لأنشطة الدول النامية. لقد ربطت الجمعية العامة فى قرارها رقم3281 الصادر فى جلستها 24 والمتعلق باعتماد ميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية الممارسة بالدول وحدها، بين السيادة على الموارد والسيادة على الأنشطة التى تمارسها الدول باسم الشعوب والأمم. ولقد نصت المادة(2) فقرة(2) (الفصل الثاني) من ميثاق حقوق وواجبات الدول على ثلاثة مبادئ تمثل ضمانات لممارسة هذه السيادة وهي :
    1- تنظيم استثماراتها الخارجية في حدود تشريعاتها القومية.
    2- تنظيم ومراقبة أنشطة الشركات المتعددة الجنسية ضمن حدود تشريعاتها الوطنية.
    3- تأميم أو نزع ملكية أو نقل ملكية الممتلكات الأجنبية مع التعهد بتسديد التعويضات.
    إن السيادة هنا تمثل مصدر القانون والالتزام، وهو يعني حرية كل دولة في اختيار نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
    إن المفهوم الجديد للسيادة يقتضي أن يطبق في إطار قانون دولي جديد يقوم على الشرعية الجديدة التي تمارس قطيعة مع الشرعية التي أوجدها الاستعمار.
    وهذا يبرز أيضاً قاعدة معيارية جديدة وهي حق الدول المستعمرة (بفتح الميم) فى المطالبة بالتعويض عن أضرار الاستعمار ومطالبة الدول المستعمرة (بكسر الميم) باعلان اعترافها عن مسئوليتها عن الأضرار التى سببتها لهذه الدول .
    أيضاً فإن هذا النظام يقتضي ضرورة التخلي عن المبادئ التي تساوى بين المراكز القانونية غير المتوازنة بين الدول وذلك من خلال التخلي عن شرط الدولة الأكثر رعاية والتخلي عن مبدأ المعاملة بالمثل، وإقرار قواعد تكفل أفضلية للدول النامية مثل نظام الأفضليات المهمة system de preference generalise، ونظام تثبيت عوائد صادرات الدول الإفريقية Stabex بتقديمها كمساعدات لها وشرط الاستحقاق . وقد تم النص على هذه القواعد فى اتفاقيات لومي الأربع الموقعة بين الدول الأوروبية والدول الإفريقية ودول الكاراييبى ودول المحيط الهادي .
    كذلك فان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المنشئ لبرنامج الأمم المتحدة للتجارة والتنمية CNUCED نص على نظام الافضليات التجارية واعتبره مبدأ أساسيا يقوم على قانون التنمية الدولية . كذلك فان هذه المبدأ قد تم ادراجه فى المادة XXXV para. 8 من نظام الكات سنة 1964. وتطبيقا لهذا المبدأ فان الدول المتقدمة تعهدت فى مناقسات مائدة كندى سنة 1967 وطوكيو سنة 1979 واوروكواي سنة 1994 بعدم اخضاع معاملاتها التجارية مع الدول النامية لمبدأالمعاملة بالمثل .
    كذلك إن فكرة التراث المشترك للإنسانية التى تم النص عليها فى اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار وبعض الأدوات الدولية الأخرى شكلت منعطفا جديدا فى تفعيل وتاطير قانون التنمية الدولي وجعله يأخذ طابع العالمية .
    اذا نحن امام نظام قانوني دولي انساني قائم على العدالة والمساواة بفهومها الجديد. هذا النظام تأكد بتأسيس المنظمات الدولية للتنمية.

    ب‌- مؤسسية قانون التنمية الدولي

    بالإضافة إلى الأدوات المعيارية فإن الأمم المتحدة لكي تنهض بهذا النظام القانوني فإنها أنشأت منظمات تنموية هدفها تقديم المساعدات إلى الدول الفقيرة وخلق برامج تنموية في هذه البلدان مثل برنامج الأمم المتحدة للتنمية (PNUD وبمم المتحدة للتجارة والتنمية CNUCED وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية الصناعية والصندوق الدولي للتنمية الزراعية واللجان الاقليمية الاقتصادية الخ .
    إن أهم مبدأ أو قاعدة دولية أكد عليها القانون الدولي للتنمية هو مبدأ التفاوض الشامل والمستمر بين الدول الأعضاء فى الاتفاقيات التجارية بين الدول النامية والدول المتقدمة حتى تضمن هذه الدول حقها فى المطالبة بالتغيير والتطوير.
    لقد تجسد ذلك فى نظام "الكات" {اتفاق التجارة والتعريفة الجمركية} الذى أسس لكي يسند نظام التنمية الدولي ويخفف من وطأة المؤسسات الاقتصادية الدولية المستغلة..
    إن هذا المبدأ يكون للأسف قد انحسر أو صودر بفعل العولمة وحل محله نظام التجارة الدولية.

    ج- استراتجية الامم المتحدة للتنمية

    ثلاث خطط عملية اعتمدها الامم المتحدة من اجل تحقيق التنمية فى الدول النامية. ففى إطار هذه الخطط وضعت الأمم المتحدة برامج أكثر تقدما وأكثر فاعلية وذلك بان تم اعتماد عقود زمنية للتنمية بدأت سنة 1960 إلى 1990 . كذلك تم بلورة القواعد القانونية المذكورة فى اتفاقيات دولية تتعلق بالتجارة والاقتصاد والتنمية بين الدول ثنائية وجماعية تتعلق بانشاء مؤسسات للتمويل كبنوك التنمية الاقليمية وصناديق الساعدات التنموية.

    ولتفعيل هذه البرامج فان الامم المتحدة عمدت إلى تطبيق برنامج إداري فعال الا وهو إقليمية أنشطة مؤسسات التنمية الدولية وذلك فى إطار اللامركزية الإدارية التى تنبع من قيم الأمم المتحدة فى المشاركة والديموقراطية ومقاومة البيروقراطية التى تعترض تطبيق برامجها التنموية .
    ويقوم هذا النظام على انشاء لجان اقليمية اهمها اللجان الاقليمية الاقتصادية، وهي اربع لجان تم انشاؤها سنة 1948 ثم عهد اليها بتنفيد استراتيجيات الامم المتحدة فى التنمية . وفى اطار ذلك انشأت مؤسسات الامم المتحدة مثل: (PNUD, ONUD FIDA, CNUCED ) كذلك هو الحال بالنسبة لمنظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونسكوزمنظمة الفاو ، فقد انشأت هذه المنظمات مكاتب اقليمية فى كل قارات العالم.
    كذلك فإن العلاقات التنموية الاقتصادية فى اطار الامم المتحدة كانت تعالج فى نطاق المعالجة الجماعية، بمعنى النظر الى مشكلة التنمية عن طريق تقسيم الدول الى مجموعات على اساس مستوى تقدم الدول لا على اساس الاعتبارات المصلحية للدول المتقدمة كما هو عليه الحال الآن فى اطار العولمة. ان نظام التنمية كان يقوم على موضوعية انشطة التنمية الدولية، لا على انتقائية من حيث الدول او الانشطة.
    ان هذه النظام القانوني المتكامل لم يعد بإمكانه مواجهة تحديات جديدة فرضتها العولمة التى قامت على إحياء نظام اقتصادي استغلالي قديم.
    ان منظري العولمة الذين اجتمعوا فى واشنطن سنة1980 وضعوا اتفاقا سمي اتفاق واشنطن وقع بين الدول الغنية والشركات المتعددة الجنسية و ممثلى القطاع الخاص. انه يقوم على الاعتقاد من وجوب انسحاب الدولة من النشاط الاقتثصادي من اجل تشجيع التدفق الغير مقيد للمال ولتمكين السوق من ابراز ديناميكياته. وهوموجه بالذات الى اصلاح اقتصاد الدول النامية التى تعانى من المديونية. وقد ارسى عشرة مبادئ يقوم عليها النظام الاقتصادي الدولي الجديد (نظام العولمة)، والتى يمكن ايجازها كالاني:
    1- تحرير التجارة.
    2- إزالة العوائق امام الاستثمار الاجنبي .
    3- خصخصة القطاعات والشركات .
    4- إلغاء القيود التنظيمية .
    5- إعمال سياسة مالية فاعلة .
    6- إلغاء الدولة لكافة الاعانات والدعم المقدم للمشاريع الصغيرة الزراعية والصناعية .

    هذه المبادئ باعتبارها موجهة الى اصلاح اقتصاد الدول النامية فانها تهدف الى القضاء على نظام التنمية الدولي الذى منع الدول المستغلة من تحقيق مآربها واهدافها الانانية.

    ثانيا – انحسار نظام التنمية الدولي وأثره على الدول الإفريقية

    شهد العقد الأخير من القرن العشرين تحولات هامة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية, حيث أصبحت العلاقات الدولية تخضع لقطب واحد فرض هيمنة سياسية واقتصادية على بقية الدول و أرسى نظاماً اقتصادياًيحاول ان يجعل من الرأسمالية دينا جديداً لكل العالم.
    ان هذا النظام جسد، كما قال منظروه، انتصار الرأسمالية على بقية النظريات الاقتصادية الأخرى , فبدأت الدول الغريبة، وخاصة الولايات المتحدة, تنظّر من جديد لرأسمالية جديدة تطيح بكل الأنظمة الاقتصادية المناهضة لها سواء على المستوى الداخلي أو الدولي. وبما أن نظام قانون التنمية، كما رأينا، يقوم على الإنسانية، والذى رسخته دول في غالبيتها اشتراكية تنبذ الرأسمالية وتقاومها، فإن أنصار هذه الأخيرة دفعوا بنظام جديد يدمر كل هذه الأيدلوجيات ألا وهو نظام العولمة .
    فالعولمة إذن هي إستراتيجية اقتصادية واضحة ومحددة ، أوجدتها ويسعى إلى فرضها على العالم الدول الصناعية الثرية التى تخدم مصالح الشركات الكبرى والتى يطلق عليها الشركات المتعددة الجنسية العابرة للقارات . هي تنازل الدول المستقلة عن حقها في إدارة اقتصادها والتتنازل عن سلطتها في إصدار القوانين التي قد تعوق نشاط التجارة الدولية. إن نظام العولمة هو نظام مضاد لقانون التنمية الدولي، بسبب أن العولمة تقوم على مبدأ سائد وهو "التجارة قبل كل شيء" بمعنى أن الدول يجب أن تضع الحد الأقصى للتبادل التجاري الدولي فوق أي أهداف سياسية أو اجتماعية أخرى .
    إن هذا المضمون هو بكل المقاييس مضاد للأهداف الإنسانية والاجتماعية ، ذلك أن المقصود بالتجارة هنا تجارة الشركات المتعددة الجنسية التي تنتمي إلى الدول الكبرى التي تمثل جزءاً بسيطاً من المعمورة ، فهى إذن تعود بالنفع على ¼ سكان العالم (سكان الدول الغربية ) ، بعكس ما عليه نظام التنمية الذي يهدف الى بناء اقتصاد حيوي للدول النامية التي يمثل ¾ سكان العالم. فهو يدعو الى التضحية بالربح في مقابل التطور والنهوض التنموي .
    إنه بهذا المحدد يمكن أن نقول أن العولمة قد قضت على معظم محتويات قانون التنمية الدولي لتعيد تطبيق النظام الاقتصادي الاستعماري التقليدي.
    فما هي مكونات قانون التنمية الدولي التي تم استهدافها بفعل نظام العولمة؟؟

    1- انتهاء مبدأ سيادة الدول على مواردها الطبيعية وأنشطتها الاقتصادية
    إن مبدأ السيادة سواءً في إطاره التقليدي أو التقدمي بدأ يفقد محتواه. لقد أدت الهيمنة والعولمة إلى تآكل السيادة وفي بعض الحالات إلى مصادرة السيادة بالكامل.
    أنه بفعل العولمة فقد أصبح التدخل في الدول مبرراً ، وذلك إذا عرفنا إن أدوات العولمة مثل مجلس الأمن ومنظمة التجارة العالمية والشركات المتعددة الجنسية تقع تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، فباتت سيادة الدولة تساوى مسؤولية هذه الدولة عن كل ما يعكر أو يقلق النظام الاقتصادي المهمين . وكما يقول المهدى المنجره.. (إن السيادة الوطنية كمفهوم سياسي وقانوني قد انحسرت إلى حدودها الدنيا مع ظهور ما يسمى بالنظام العالمي الجديد أو عصا ما بعد الاستعمارية حيث يهيمن السلام الأمريكي ولا تجد الدول حرجا في تمويل الغزو الأجنبي لارا ضيها ، أو القبول بواقع الغزو) .
    إن انعكاس أفول مبدأ السيادة السياسية والاقتصادية على الدول الإفريقية كان مؤلماً وكبيراً ، حيث أن سيادة هذه الدولة استبيحت باسم تطبيق مبادئ انتهكت ( كما يزعمون ) من قبل هذه الدول ، مما أدى الى حرمان هذه الدول من السيطرة على مقوماتها السياسية والاقتصادية، فلقد تم غزو أفغانستان والعراق والصومال بدعوى تطبيق النظام العالمي الجديد وبما يسمى بالشرعية الدولية ( التي تتضمن الشرعية السياسية والاقتصادية ) المعمولة .
    إن هذا النظام العالمي الجديد لم يعلن لكي يصون استقلال هذه الدول أو يدعم اقتصادياتها وإنما جاء لكى يضع مبرراً للسيطرة على موارد هذه الدول الأساسية كالنفط والغاز والموارد الأولية الأخرى خاصة في أفريقيا .

    2- فرض الحصار كآلية جديدة للقضاء على نظام التنمية الدولي

    لقد تم استهداف عدد من الدول النامية تمثل قطبا جديداً في التنمية الدولية وتعتبرها أمريكا وحلفاؤها مناطق تشكل خطرا على مصالحها واستراتيجياتها في المنطقة. لذا فإن أهم سلاح تم استخدامه ضد ليبيا والعراق والسلطة الفلسطينية هو سلاح الحصار الاقتصادي الذي ادى إلى إنهاك هذه الدول وحولها من دول آيله إلى التقدم إلى دول مختلفة اقتصادياً واجتماعياً، وهو يعتبر بكل صريح العبارة " قتلا لنظام التنمية الدولي". إن هذا الحصار حقق أهدافه من ضرب للبنية التحتية لهذه الدول حتى تصبح معتمدة على الدول الغربية وتذعن للنظام الاقتصادي الدولي الجديد ( نظام العولمة ).
    إن الحصار الذي ضرب على العراق لمدة 10 سنوات انتهى بفرض برنامج الدواء مقابل الغذاء الذي كان فرصة لفرض هيمنة الاقتصاد المعولم وبفتح الباب للشركات المتعددة الجنسية لكى تستثمر في إطار تنفيذ هذا البرنامج.
    إن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا, في إطار المحافظة على تنمية دولية تنتمي إيديولوجيا إلى معسكرها ، قامت بخرق الحصار الذي فرضه المجتمع الدولي على دولة إفريقيا الجنوبية العنصرية، ولكنها تأتي اليوم لتفرض حصارا على دول، لا لأنها عنصرية، وإنما لأنها مضادة لمشروعها الاستعماري.

    3- اختفاء نظام الافضليات

    لقد أدت عولمة الاقتصاد إلى إلغاء نظام الكات GATTالذي يقوم على اتفاق الدول والتفاوض والتنسيق بين الدول في وضع السياسات التجارية الدولية " الغات تحترم بعض المبادئ المبسطة مثل المعاملة الوطنية والذي يعنى غياب التمييز ضد السلع المنتجة في الخارج" .
    لقد حلت منظمة التجارة العالمية محل ( الكات) فحولت المبادئ التجارية ذات الطبيعة التنموية إلى نظام قيم موحد وقرارات تكنو قراطية مسرفة .
    لقد تم إلغاء المنافسة الحرة واستبدالها بنظام الحماية و الاحتكار لبراءات الاختراع ، بواسطة الاتفاق الخاص بحقوق الملكية الثقافية المرتبطة بالتجارة والاتفاق الخاص بتنظيم الاستثمارات المرتبطة بالتجارة ، التى تمنع الحكومات من وضع شروط حتى وإن لم تكن تتميز به على الاستثمارات. وهكذا فإن السياسات التفضيلية للتطور المتبناة سابقاً ، وفرض محتوى مجانس بالنسبة للسلع المصنعة، ألغيت جميعها.
    لقد انعكس اعتماد مبدأ تحكمية التجارة الدولية عن طريق منظمة التجارة الدولية على الدول الافريقية والعربية بأن فرض على هذه الدول مثل مصر والسعودية وغيرها تبعية اقتصادية للدول الغربية، وتم إضعاف الاويبك التي من خلالها استطاعت الدول النامية ممارسة ضغوط على الدول الغربية المستهلكة للنفط حتى تدعم قانون التنمية الدولي. كذلك فان إلغاء نظام ( الكات ) ونظام التنمية جعل هذه الدول تقع فريسة سهلة للازمات الاقتصادية المتنوعة كالمديونية، والذى جعل هذه الدول تقبل تدخل مؤسسات التمويل الدولي في شؤونها الداخلية وتفرض عليها سياسات اقتصادية مجحفة .
    فعلى سبيل المثال فان مدخرات السعودية قبل 10سنوات كانت تزيد على 170 مليار دولار اما الآن فهى تستدين وتقدر ديونها 170 مليار دولار .
    الملاحظ أن علاقات المصالح بين الدول وخاصة المتقدمة منها والنامية كانت و لا تزال محكومة بحقيقة وهي ان ( هناك حد مسموح به من التطوير في الدول النامية, فعلى الدول النامية أن تقف عن حد معين من التطور) .
    إن الحصار العلمي على هذه الدول بدأ وبشكل منظم وفاعل عندما اجتمع قادة الدول المتقدمة الصناعية في منتصف السبعينات ووضعوا قائمة تمنع من استيراد بعض المواد من دول العالم الثالث .
    إن استحداث نظام الشراكة والنيباد( NEPAD) يعنى إلغاء النظام الاقتصادي الاقليمي التعاوني الغاء نظام الافضليات فى (الكات) سنة 1974 ، ونظام تثبيت عوائد صادرات الدول الإفريقيةSTABEX بين الدول الافريقية والاتحاد الاوروبي سنة 2002 وإحلال نظام اقتصادي جديد معولم يدين للغرب ويمكن هذه الدول الاستعمارية من السيطرة على المواد الأساسية والتحكم في الأنشطة الاقتصادية من جديد.

    4- نظام الشرق أوسطية إضعاف للتعاون الإقليمي الإفريقي

    لقد أفرزت العولمة مفاهيم جديدة تستخدمها كأدوات لتسويق سياستها الاقتصادية والثقافية. ولقد كانت أول مناطق العالم استهدافا من العولمة هي المنطقة العربية لما تحويه من أهمية استراتيجية واقتصادية وثقافية. فهي نقطة التقاء الحضارات والأديان، ولما تحويه من احتياطي إستراتيجي من الثروات النفطية والمواد الأولية الأخرى.
    ان تكالب الغرب على الوطن العربي وفكرة الشرق أوسطية ليست بالجديدة. لقد أعلن الغرب هذه الفكرة عندما أرادوا احتواء الدولة العثمانية والاستيلاء عن ممتلكاتها. فقد جاءوا بفكرة "المسالة الشرقية" للإطاحة بالدولة الإسلامية وبالأمة العربية. وفعلا تمكنوا من ذلك ووقع الوطن العربي تحت قبضة المستعمر الذى ما أراد من ذلك الا القضاء على قوة الآمة العربية وفرض نظام هيمنة سياسي واقتصادي دام ما يزيد على قرن من الزمان
    ان هذه المسالة الشرقية تعود من جديد عن طريق العولمة بسياسة شرق أوسطية وذلك لتفتيت قوة العرب وجعلها ممزقة ومجزئة حتى يسهل استنزاف خبراتها والسيطرة عليها .
    ان بعث هذه الفكرة هدفه السيطرة على اقتصاديات المنطقة وإيجاد مناخ مناسب وآمن للكيان الصهيوني حتى تعيش فى مأمن على حساب الدول الفقيرة من حواليها .
    ان برنامج التنمية الدولي وان لم يكن للوطن العرب منه نصيب كبير، فقد تم توظيفه كاستراتيجية لخلق مناخ امنى لاسرائيل . لذا فان نظام السوق الحرة هو النظام الذى تستطيع إسرائيل ان تعيش في محيطة وتحق هيمنتها على المنطقة بحرية اوسع وأكثرفاعلية .
    وبهذا المشروع يكون الاقتصاد الإفريقي قد فصل عن اقتصاد الوطن العربي الذى كان يشكل فى إطار التنمية الدولية نطاقا واسعا وقويا لدعم التنمية فى افريقيا. ولقد تاكد هذا الفصل بإقامة نظام شراكة جديد فى افريقيا وهو نظام النيباد (NEPAD) الذى حل محل التعاون الاقليمي الافريقي الذى عملت على تأسيسه وتفعيله منظمة الامم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية.

    5- نظام الشراكة الجديد إضعاف لقانون التنمية الدولي

    عرفنا سلفا ان العلاقات الاقتصادية القائمة بين الاتحاد الأوروبي والدول الإفريقية كانت تقوم على وجود نظام تعاوني مؤسسي قننته اتفاقية روما لسنة 1957 واتفاقية ماسترتش لسنة 1994 ونفذ فى إطار اتفاقيات لومى الأربع التى سبق الحديث عليها .
    ورغم ان هذا النظام كان فى اغلبه لصالح الدول الأوروبية حيث اسس ليضمن تدفق المواد الاولية الى السوق الأوروبية من الدول الافريقية والكاراييبي وجزر المحيط الهادي، فانه كان يعتمد نظام الافضليات ونظام تثبيت عائدات الواردات الإفريقية إلى أوروبا Stabex وكان يقوم ايضا على تقديم مساعدات للتنمية عن طريق البنك الأوروبي للتنمية وجدولة الديون وإلغاء الفوائد. هذا النظام أدى الى النهوض باقتصاد بعض الدول الإفريقية .
    وبفعل التداعيات الاقتصادية التى فرضتها العولمة المتمثلة فى منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي فقد تم الغاء هذا النظام واستبداله بنظام الشراكة اثر توقيع اتفاقية كوتونو والغاء اتفاقيات لومى سنة 2002. وبهدا تم الغاء نظام الافضليات ونظام Stabex.
    ولقد تم توسيع نظام الشراكة ليشمل دولا من خارج الاتحاد الأوروبي مثل الولايات المتحدة وكندا وهو دليل على عولمة نظام التنمية الدولي وذلك فى إطار النيباد.
    يقصد بالنيباد الشراكة الجديدة من اجل التنمية فى إفريقيا، وقد تأسس سنة 2001 نتيجة التوفيق بين مشروع نهضة إفريقيا المقترحة من قبل رئيس جمهورية جنوب إفريقيا والألفية الإفريقية للرئيس النيجيري والسنغالي والجزائري والمصري. وهو يقيم علاقة شراكة اقتصادية بين الدول الإفريقية الأعضاء فى الاتحاد الإفريقي من جهة والدول الصناعية الكبرى بالإضافة الى الاتحاد الأوروبي، هدفها تنمية القارة وإخراجها من مشاكلها المزمنة. انه يهدف بصورة عامة الى موائمة السوق الإفريقي والانسجام مع المعطيات الاقتصادية الجديدة التى تفرضها العولمة .
    والسؤال الذى يطرح نفسه، اذا كان مفهوم الشراكة يقتضى وجود ندين متساوين فى القوة الاقتصادية فما هي المساعدة الاقتصادية التى يمكن ان تقدمها دول فقيرة وضعيفة كالدول الإفريقية الى دول غنية ومتقدمة جدا؟. وهل يمكن ان دولا قد استعمرت القارة يمكن ان تكون سخية الى هدا الحد؟ هذه الاسئلة يجيب عليها الخبير الاقتصادي "الن كوتمان" "Alain Goutttman" حيث يقول: ان أحداث 11 سبتمبر أدخلت العالم فى عصر جديد. فى هذا العالم الجديد لا يوجد مكان للرحمة او للمساعدة او للشعور المرهف. ولذلك فان المساعدات المالية والاقتصادية التى يزمع الغرب واليابان تقديمها لإفريقيا فى إطار النيباد ليس الا لهدف أساسي وهو تامين القارة من اجل ضمان مصالحهم الخاصة. ان النيباد أنشئ فى مقابل الحصول على ضمانات أمنية ليس غير" .
    ان الدليل على ما قاله السيد "الن كوتمان " هو ان المساعدات الممنوحة من هذه الدول لافريقيا فى اطار النيباد لا تساوى الا نسبة ضعيفة من احتياجاتها للخروج من الفقر والذى يحتاج الى 54 مليار لتحقيق ذلك، كما ان نسبة الاستثمارات الخاصة التى يقوم عليها النيباد لم يوجه من مجملها الى إفريقيا سنة 2002 الا نسبة 5.1 بالمائة من حجم استثماراتهم العالمية. ان هذه الحقائق التي ترتبت على الغاء نظام التنمية الدولي واحلال نظام العولمة مكانه سوف تبرز من خلال عرضنا انعكاساتها السلبية على الاقتصاد الإفريقي.

    ثالثا : اثر العولمة على اقتصاديات الدول الإفريقية

    ان التقارير المتعددة والصادرة عن الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى تؤكد فشل النظام الدولي فى النهوض بالقارة الإفريقية .
    يؤكد هذا محاولات المنظمة الدولية والمنظمات الإقليمية بوضع خطط لإنقاذ إفريقيا من المأساة التى تعيشها خاصة بعد انهيار نظام القطبين وظهور العولمة. وما المحاولات المتعددة لزعماء القارة السمراء فى بناء نظام تنموي مؤسسي ينهض بالقارة الا دليل على فشل النظام الاقتصادي الدولي فى حل مشاكل القارة. لقد جاءت محاولات التكامل الاقتصادي الإفريقي ابتداء من خطة ليكوس لسنة 1980 التى قررت إتباع دول القارة نظام الاستقلال الذاتي وخطة معاهدة ابوجا لسنة 1991 التى قررت إنشاء سوق افريقية مشتركة ردا على هذا الفشل وعلى انانية وجشع الدول الغربية تجاه القارة . ان نظام العولمة جاء ردا على هذه المحاولات الجادة للقارة لإحكام السيطرة من جديد على ثروات هذه الدول. انه اذا كان تاسيس الاتحاد الإفريقي الذى يأطر ويفعل التعاون الاقتصادي الإفريقي قد جاء لمواجهة هذا الخطر الداهم، فان الدول الغربية دفعت من جديد بكل ثقلها داخل القارة عن طريق أدوات أخرى للعولمة كنظام الشراكة الأوربية الجديدة ونظام النيباد والاتحاد المتوسطي والتدخل فى الحروب الأهلية مثل دارفور والبحيرات الكبرى.
    ان التدخلات الجديدة للعولمة انعكست انعكاسا خطيرا على النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي لدول القارة فى الوقت الذى يدعى فيه أنصار العولمة انها جاءت كبديل لنظام التنمية الفاشل (حسب قولهم) وذلك من اجل النهوض بالقارة.

    -1 تفاقم الأزمات الاقتصادية

    شهدت القارة الإفريقية منذ انتهاء الحر ب الباردة العديد من الأحداث استهدفت البناء السياسي والاجتماعي للدولة الأفريقية فلم يعد القرار المركزي فى يديها مما أدى إلى نشوب الحروب الأهلية والعرقية فانهارت دول مثل الصومال وليبريا ورواندا وتأزم وضع الدولة فى السودان وتشاد. كان ذلك كله بسبب اعتماد بعض الدول الإفريقية نظام الحكم الغربي والنظام الاقتصادي الرأسمالي المتناقض مع طبيعة المجتمع الإفريقي . لقد كان ذلك مدعاة لحصول كثير من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التى انهكت الدولة الافريقية وجعلتها عرضة للانهيار .

    فمنذ ظهور العولمة والأزمات الاقتصادية تتوالى على العالم، فمن الأزمة المالية التى ضربت المكسيك سنة 1994 و الأزمة الاقتصادية التى عصفت بشرق آسيا سنة1997 وازمة البرازيل والأرجنتين سنة 1998 من القرن الماضي ،إلى الأزمة العقارية والمالية التى تواجهها الآن الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، كل هذه الازمات انعكست انعكاسا كبيرا على القارة الإفريقية باعتبارها القارة الأكثر ضعفا والاكثر تأثرا.
    مصداقا لذلك تأتى التقارير الدولية معلنة عن تدهور الأوضاع الاقتصادية فى دول القارة من فقر الى مجاعات الى مديونية الى انهيار المؤسسات الاقتصادية والإنتاجية ومؤسسات الدولة الاساسية.
    فمنذ بداية العولمة والإعلان عن تطبيق مبادئ وفاق واشنطن 1980 يكون المجتمع الدولي قد تخلى عن القارة الإفريقية بإضعاف مؤسسات التنمية الدولية التى كانت عاملا مساعدا فى بناء الدولة الافريبية.

    2- تفاقم أزمة الغذاء

    ان أزمة الغذاء التى تعانى منها القارة الافريقية اليوم هي انعكاس لإضعاف قانون التنمية الدولي. ذلك انه كما عرفنا ان التنمية الدولية تقوم على تقديم المساعدات للدول الفقيرة لتنهض بموارد الغذاء الرئيسية كالزراعة والصيد والماشية، فقد كانت مؤسسات الأمم المتحدة تولى اهتماما بالغا بهذه البرامج، الا انه بفعل العولمة فان التوجه صار ينصب على التجارة والخدمات. لقد حل محل هذه المؤسسات البنك الدولي للتعمير وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، فما هي النتيجة؟
    لقد أدت اصلاحات صندوق التقد والبنك الدوليين الى تفشى المجاعة كما حدث فى الصومال، اذ ان الجوع الذى حدث فى الصومال لم يكن ناتجا عن نقص فى الغذاء، بل كان نتيجة الإصلاحات الهيكلية التى فرضها الصندوق. والصومال ليست الدولة الوحيدة التى عانت من ويلات إصلاحات الصندوق، بل شاركتها فى ذلك رواندا وعموم إفريقيا. ويتضح من ذلك أن الإصلاحات ما هي الا تدمير للاقتصاديات الوطنية على مستوى عالمي .
    من أسباب هذه المجاعات هو تخلى المجتمع الدولي عن دعم قطاع الزراعة فى إفريقيا حيث تخلت الدول المانحة فى إطار منظمات التنمية عن تقديم الدعم وفرض ضرائب على واردات الدول الإفريقية من المواد الزراعية وذلك استجابة لقواعد منظمة التجارة العالمية. فى المؤتمر الوزاري الخامس لمنظمة التجارة العالمية الذى عقد فى كانكون فى المكسيك من 10/14 سبتمبر 2003 ركزت الدول النامية على تدهور قطاعها الزراعي بسبب قيام الدول الصناعية الكبرى ممثلة فى الولايات المتحدة الأمريكية بالإفراط فى الدعم المباشر وغير المباشر حيث يمنح المزارع الأمريكي دعما سنويا يصل احيانا الى 360 ألف دولار . ان الدول الصناعية المتقدمة تطالب الدول النامية بإلغاء القيود على نظام السلع الزراعية المستوردة من الدول الصناعية الى أسواق الدول النامية، ولكن من جهة أخرى تبقى الدول الصناعية على هذه القيود عندها لمنع صادرات الدول النامية من النفوذ إلى أسواقها مما احدث تدهورا خطيرا للقطاع الزراعي فى الدول النامية. لذا فقد قامت الدول بتقديم عدة طلبات الى المؤتمر تأخذ فى الاعتبار القطاع الزراعي للدول النامية . ولكن تعنت الدول المتقدمة ابقى هذه القيود. فى هذا الاطار يشير تقرير برنامج الأمم المتحدة الى الآثار المدمرة للقارة الإفريقية بسبب هذا التعنت: ( ان القيود المفروضة على الدول النامية للدخول فى السوق العالمية هي فى عمق التجارة الغير متكافئة. ان العوائق التجارية الاكثر حدة هى المفروضة على الدول الأكثر فقرا. فالقيود المفروضة على الدول النامية التى تصدر منتجاتها الى الدول الغنية هي ثلاثة مرات ضعف القيود المفروضة على الدول المتقدمة.. هذا أدى إلى أن ثلاثة أرباع سكان العالم القاطنين فى المناطق الريفية يعيشون بما يعادل دولارا واحدا فى اليوم. ان فرصة التخلص من الفقر تعتمد اعتمادا كبيرا على التجارة الناشة عن الزراعة ولكن الدعم المقدم لمزارعي الدول الاغنياء تستمر فى خنق إمكانيات التنمية الزراعية فى الدول النامية وهي فى ازدياد مضطرد) .
    كما أفاد الصندوق الدولي للتنمية الزراعية فى تقريره لسنة 2008، ان الفقر قد تضاعف فى إفريقيا خاصة فى المناطق الريفية حيث ان اكثر من 70ّ بالمائة من الفقراء يعيشون على هذا النشاط، الذى بدأ فى التناقص والضعف. انه بسبب العولمة فان مؤشرات الفقر بدأت فى الصعود . كما يشير تقرير برنامج الأمم المتحدة للتجارة والتنمية انه فى مؤتمر كانكان سنة 2003 رغم الأخذ فى الاعتبار بأهمية زراعة القطن فان المعونات المعتمدة من الشمال سببت فى تعطيل برنامج الدول الإفريقية الخاصة بمقاومة الفقر .
    ان ضعف التنمية الزراعية بسبب العولمة أدى إلى المجاعات المتعدد فى إفريقيا مما دفع الدول الإفريقية الى الاقتراض من مؤسسات العولمة التى أضافت عبئا جديدا على هذه الدول الا وهو المديونية.

    3- المديونية قتل بطئ لبرامج التنمية

    ان صندوق النقد الدولي ما هو الا وعاء توضع فيه أموال المستثمرين، فيقوم الصندوق بإقراضها للدول الفقيرة، ويفرض عليها تسديد الفوائد المقررة للقروض، بغض النظر عن نجاح او فشل المشروع الذى تم الاقتراض من اجله وفى حالة عدم تسديد الدول المستدينة ما عليها من قروض وفوائد يقوم الصندوق، كونه جهة دائنة، بالتدخل التعسفي فارضا برنامجا إصلاحيا على تلك الدولة، عادة ما يزيد من تفاقـم المشاكل. ولعل خير مثال على ذلك حالة زامبيا التى أخذت بإرشادات الصندوق ، فانتهى بها الأمر الى إغلاق ثلاثة أرباع مصانع النسيج الوطنية والاضطرار الى استيراد الملابس من الدول الغربية .

    وتشير إحدى الدراسات الحديثة الى ان الديون وصلت فى بعض الدول النامية الى التهام الناتج المحلي، ففى عام 1997 بلغ مجموع ديون البلدان النامية أكثر من 2،2 تريليون دولار وكانت للبلدان الأشد فقرا، البالغ عددها 41بلدا حسب تقرير التنمية البشرية لعام 1999، ويوجد 33 بلدا من هذه البلدان شديدة المديونية فى إفريقيا، حيث ان عبء ديونها تبلغ 245 بليون دولار عام 1996، والذى استنزف الميزانيات العامة والتهم الموارد اللازمة للتنمية البشرية، وحال دون النمو الاقتصادي ، حيث نجد ان عبء الديون قد تطور فى موريتانيا وظل ينمو بوتيرة منتظمة حتى بلغ 215 بالمائة من الناتج الإجمالي عام 1996. وفى زامبيا وصل نصيب الفرد من الدين الخارجي عام 1997 الى 700 دولار تقريبا مقارنة بمتوسط دخل الفرد من الناتج المحلي الذى يقل عن 200 دولار عن نسبة الدين الخارجي. وتمضى الدراسة فى الإشارة إلى ان المدفوعات خدمة الدين لتسعة بلدان من البلدان الأشد فقرا، تتجاوز الإنفاق السنوي على الصحة والتعليم، وتتجاوز خدمة الدين الإنفاق على الصحة فى 23 بلدا فى إفريقيا، فخدمات ديون تنزانيا تزيد تسعة أضعاف على ما تنفقه على الرعاية الصحية الأساسية وتزيد أربع مرات على ما تنفقه على التعليم الابتدائي . وفى الصومال وطبقا لأرقام البنك الدولي انخفضت المصروفات على الصحة بنسبة 78 بالمائة عن مستواها فى العام 1978 وصلت المصروفات على التعليم سنة 1989 الى 4 دولارات سنويا لتلميذ واحد . وقد أدى هذا التدني والعجز المالي الى إشاعة الفوضى فى البلاد مما ادخلها فى حرب أهلية لازالت تعانى منها الى اليوم. وهو أيضا بالنسبة لرواندا وتشاد وبقية الدول الإفريقية الأخرى التى تعانى من هذه الأزمات .
    ان منظمات التنمية التابعة للأمم المتحدة لم تعد تصمد أمام الاقتصاد الدولي المعولم الذى يقوم على المنافسة والربح دون مراعاة الجوانب الإنسانية ولتغيير آلياته من منظمة التجارة العالمية إلى الشركات المتعددة الجنسية ومؤسسات الاستغلال الدولي إلى نظام الشراكة ونظام النيباد. ولقد تسببت هذه الآليات البديلة والمضادة للتنمية فى إجهاض مشاريع التنمية فى إفريقيا حيث تنامى حدة الفقر وتوسيع دائرة اللامساواة بين الشمال والجنوب.

    4- فشل مؤسسات العولمة فى تحقيق النمو الاقتصادي فى افريقيا

    إن ادعاءات منظري العولمة بإيجاد حل جذري للمشاكل الاقتصادية التى تعانى منها دول العالم الثالث، من خلال تطبيق نظام السوق وتفعيله وتطبيق نظام الحكومة الرشيدة وحقوق الإنسان ، لم تسفر عن أي نتائج فعلية تذكر، بل انه على العكس من ذلك فان سيطرة الأنانية الربحية والجشع والنهب أدت الى انهيار نظام التنمية الدولي وادخل البشرية فى كارثة إنسانية خاصة الدول الإفريقية. ان مؤسسات العولمة فشلت فى ايجاد الحلول المناسبة لهذه الأزمات.
    فبالنسبة لنظام الشراكة (النيباد NEPAD، ونظام الشراكة الأوروبية الإفريقية الجديد الموقع سنة 2002 فى كوتونو ببنين) لم يسفر حتى الان عن تحسين الأوضاع الاقتصادية فى إفريقيا. بعد ثلاث سنين من تأسيسه اجتمع الرؤساء الخمسة المؤسسون فى جوهانسبرغ فى 22/10/2004 من اجل تقديم تقييم لعمل هذه المؤسسة، فكانت النتيجة كما صرح بها الرئيس السنغالى عبد الله واد: ( النيباد ليس الا فكرة او حلم، قليل هي الانجازات الملموسة التى حققها هذا البرنامج، انا محبط جدا من ذلك، ليس هناك فى الواقع أي مشروع انجز.)
    وحسب "الن كوتمان " (ان النتيجة الجديدة التى ينتظرها الأفارقة من النيباد عبر عنها تدنى الإنتاج الزراعي بسبب دعم الدول الغربية لمنتجاتها ورفع الدعم بالمقابل عن منتجات الدول الإفريقية..) حدث هذا كله بسبب إسناد هذه المشاريع للشركات المتعددة الجنسية التى ليس لها الا إستراتيجية واحدة وهي إستراتيجية الربح.
    أما بالنسبة لمنظمة التجارة العالمية فإننا نجدها "حين لوحت بالفوائد المقبلة، نجد الوضع على العكس- ازداد سوءا ، النتائج الاقتصادية معروفه: العالم كان فريسة عدم استقرار مالي لا سابق له ، يرجع جزئيا – الى إلغاء تنظيمات الاستثمار والخدمات المالية الذى فرضته دورة أوروغواي. الفروق فى المداخيل لا تتوقف عن الزيادة بين البلدان وفى داخلها. فى خمس سنوات من المنظمة العالمية للتجارة، حصة البلدان الأقل تطورا ، فى التجارة العالمية، جمدت، أسعار المواد الخام هبطت الى ادني حد تاريخي، مؤدية الى تدنى مستوى المعيشة بالنسبة لغالبية سكان الأرض. الدخل بالنسبة للفرد ، انهيار فى إفريقيا، وركود فى أمريكا اللاتينية. المعطيات الحديثة ، حول الفقر، والتى مصدرها أنصار الوضع القائم أنفسهم، تكشف أمورا كثيرة. إذا احتج هؤلاء بان عدد الأشخاص الذين يعيشون بأقل من دولار واحد فى اليوم قد خفض، فان أنصار المنظمة العالمية، هؤلاء المتحمسون، ينسون التدقيق فى ان هذا التحسن حدث فى الصين، وهو البلد الذى يرفض ، حتى اليوم، النموذج الغربي الجديد ويحمى تجارته، وإذا استثنينا الصين، فان عدد الموعزين فى الواقع قد ازداد ". الدليل على دلك ان معدلات الفقر فى إفريقيا جنوب الصحراء، قد ارتفعت بنسبة 38،5 فى 1987 الى 39،1 سنة 1993 . وحسب تقرير صندوق التنمية الزراعية الدولية فان تخفيض سرعة الهبوط نحو الفقرهي فى اغلب الدول الإفريقية فى تباطئ كامل منذ 1970 .
    لقد ساهمت بالطبع الشركات المتعددة الجنسية فى هذا التردى فى افريقيا. لقد ازداد عدد الشركات المتحكمة فى اقتصاد العالم وخاصة فى افريقيا، فيشير تقرير الاستثمار العالمي لسنة 1995 الصادر عن مؤتمر التجارة والتنمية التابع للأمم المتحدة بانه قد حدث توسع هائل فى عدد الشركات خلال السنوات الاخيرة حيث ارتفع عددها من 7000 سنة 1970 الى 37000 سنة 1995 تعمل من خلال 200000 فرع فى مختلف انحاء العالم .
    ويصل واردات الشركات الخمس الكيرى العابرة للقومية الى 11,4 تربليون دولار سنة 1995 وهي تساوى 45بالمائة من الناتج المحلي المذكور فى تقرير التنمية البشرية لعام 1995 والبالغ 25,3 تريليون دولار .
    ان سياسة الخصخصة التى تشجع عليها الشركات المتعددة الجنسية فى نيجيريا، تؤدى الى تمكين هذه الشركات من توطيد اركانها او الى تمكين اصحاب شركات القطاع الخاص فى الجنوب من التفوق على نظرائهم فى الشمال، و بالتالي زيادة تعميق الهوة الاقتصادية بين الشمال والجنوب .
    وبهذه السياسات يتحول العالم من حكومة عالمية إنسانية الى حكومة عالمية ربحية استغلالية حيث تحل الشركات الدولية محل الدول، فصار العالم من جديد يهفو الى زمن إمبراطوري، ذلك الزمن الذى يعقب زمن الدولة /الأمة، كما أعقب الإمبراطوريات القديمة زمن الدويلات ، وذلك كله من اجل ازدهار وسيطرة الرأسمالية التى توفر العيش الهانئ لعدد محدود من البشر وذلك للقضاء على العدالة والمساواة والتنمية المستدامة .

    فى الختام، نقول إن العالم قد خسر بانهيار قانون التنمية الدولي الذى تأسس فى إطار النهوض بالبشرية ودعم الإنسانية، وذلك عندما حلت محل هذه المؤسسات مؤسسات جديدة تزعم أنها ستحقق تنمية أفضل وتصحح أخطاء النظام الاقتصادي السابق. ان مؤسسات التنمية الدولية التابعة للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، حتى وان لم تلغ فإنها لم تعد تعمل فى إطار نظام اقتصادي إنساني، وإنما بدأت هي بدورها تخضع لنظام السوق. ان الإصلاحات الاقتصادية التى نادت بها مؤسسات العولمة القائمة على اقتصاد السوق، أضعفت الى حد كبير المؤسسات التى تحملت فى السابق خدمة الرفاه الإنساني ونقلت الى غيرها أعباء لا يتوقع ان تكون قادرة عليها .
    ان الأمم المتحدة التى تتوفر فيها أغلبية ساحقة لدول العالم الثالث ساهمت بفعل هذه الأغلبية فى إرساء قواعد دولية لإدارة التنمية فى إفريقيا وغيرها. انها مؤسسات تعمل وتدار بواسطة الدول النامية وتهتم بالدول الفقيرة. اما اليوم فان العولمة ومؤسساتها تعمل بآلية الدول الغنية من اجل زيادة غناء هذه الدول، لانه فى كل الاحوال كيف لنا ان نصدق وكما أشار "موكو كو بريزو " ان تقدم الدول المستعمرة والمستقلة(بفتح الميم) لا يمكن ان يتم من قبل الدولة المستعمرة (بكسر الميم)، حيث ان التاريخ الإنساني لم يقدم لنا أي دولة تقدمت بسبب دول كانت تسيطر عليها. اننا اذا صدقنا هذه الحالة فهذا ليس بالمعقول . ان إفريقيا اليوم يجب ان تعتمد على نفسها وقدرة ابنائها وان تطالب مع دول الجنوب بتفعيل مؤسسات التنمية الدولية والاقليمية بعيدا عن مؤسسات العولمة.

    د. عبد السلام الطيف - كلية القانون- جامعة الفاتح

    منقول ...
     

مشاركة هذه الصفحة