نظرة قانونية: الوطني والدولي في التنظيم القانوني للعملية الانتخابية

الموضوع في 'منتدى السنة الثالثة LMD' بواسطة youcef66dz, بتاريخ ‏25/7/11.

  1. youcef66dz

    youcef66dz عضو متألق

    إنضم إلينا في:
    ‏3/10/09
    المشاركات:
    3,788
    الإعجابات المتلقاة:
    78
    نظرة قانونية: الوطني والدولي في التنظيم القانوني للعملية الانتخابية

    طرحت العقود الاخيرة من القرن الماضي جملة من المسائل التي كان من نتائجها اعادة النظر في الكثير من المفاهيم والطروحات النظرية التي ربما كانت تعتبر من المسلمات التي لا يمكن بأي حال التجاوز عليه. وربما كان القانون بكل فروعه الاكثر تأثراً بتلك التغيرات والتي بات يطلق عليها العولمة ذلك لأنه (القانون) الاكثر قربا من الدولة؛ حتى انه اصبح يسمى في الادبيات القانونية توأماً للدولة ورديفاً لها ومنظماً لكل علاقاتها. ان من المسائل التي اثارت ولا تزال تثير جدلاً متزايداً بين السياسيين والحقوقيين هي مسألة العلاقة بين التشريع المحلي (الوطني) والقانون الدولي ونقاط التقاءهما والمجالات التي تنفرد قواعد كل منهما في تنظيمها. فاذا كان الكثيرون حتى الى وقت قريب واثقين من ان قواعد القانون المدني؛ و قانون الاسرة على وجه التحديد؛ ابعد ما تكون عن تأثير القانون الدولى اوجدت العولمة واقعاً جديداً اصبح فيه من الممكن الطلب الى الدول الغاء القواعد القانونية التي من شأنها الاساءة الى المواطن والانتقاص من آدميته وايجاد اليات للرقابة على الالتزام بالمواثيق واللوائح الدولية ذات الشأن (مفوضيات حقوق الانسان مثالاً). ويكاد يكون من العسير في الوقت الراهن العثور على فرع للقانون المحلي لأي دولة لم تتأثر قواعده؛ وان بمستويات مختلفة ؛ بقواعد القانون الدولي؛ وربما يعود الفضل في ذلك الى ما توصل اليه علم القانون الدوّلي الذي اصبحت قواعد الكثير من لوائحه بمثابة المرشد والدليل خصوصاً بالنسبة للدول الفتيّة و حديثة العهد بالديمقراطية؛ على انه من الضروري التأكيد هنا على ان اغلب قواعد القانون الدولي لا زالت غير ملزمة للاطراف وتحمل ؛على الاغلب؛ طابعاً استشارياً مما يجعلها قابلة للتأويل وخاضعة لارادة الدوّل الاقوى مع غياب الآليات المناسبة لاجبار الاطراف على تطبيقها الأمر الذي جعلها وسيلة مستساغة للتدخل بالشوؤن الداخلية للدول الضعيفة (وحتى اجتياحها) وخصوصاً في ظل سيادة القطب الواحد. لكنه لابد من الاشارة هنا الى ان حجم التداخل بين القانون الدولي والقانون المحلي ومدى استعداد السلطات الوطنية واستجابتها لتطعيم تشريعها المحلي بما توصلت اليه البشرية من قواعد القانون الدولي الانساني محكوم بجملة عوامل ربما يقف في مقدمتها النظام السياسي للدولة (ديمقراطي؛ شمولي؛ ديكتاتوري قمعي....الخ) وشكل الحكم فيها (ملكي مطلق؛ ملكي برلماني؛ جمهوري رئاسي؛ جمهوري برلماني؛ رئاسي شرق - اوسطي "مطلق"....الخ). هذا بالاضافة الى التأثير الكبير للتقاليد الاجتماعية والتعاليم الدينية ومقدار تجذرها في الوعي الشعبي وكيفية استخدامها ومقدار تأثير القاعدة الدينية (الشرعية) على القاعدة القانونية.
    عند الحديث عن العلاقة بين التشريع الوطني والقانون الدولي لابد من التوقف عند واحدة من الاشكالات التي ابرزتها السنوات الاخيرة والتي باتت تشكل معضلة كبيرة ليس فقط بالنسبة للمنظرين وعلماء القانون وانما لمسوؤلي الدولة ايضاً وهي مسألة التداخل بين الدولي والوطني في مجالات سيا-حقوقية مثل التنظيم القانوني لاجراء العملية الانتخابية؛ ففي حين يرى البعض ان تشكيل اجهزة الدولة وخصوصاً العليا منها تعتبر من الاختصاصات السيادية للدولة وان التدخل فيها؛ وخصوصاً في مجال صياغة التشريع المنظم لعملية تشكيل تلك الاجهزة؛ يعتبر مساساً بسيادة الدولة وتجاوزاً على اختصاصاتها يرى آخرون في مشاركة المواطنين في تشكيل تلك الاجهزة من خلال الانتخاب المباشر او عن طريق ممثلين حقاً تظمنه المواثيق واللوائح الدولية مثلما تظمنته الدساتير والتشريعات الوطنية. وسواءاً تم تناول مسألة الحق الانتخابي من زاويتها الضيقة؛ اي حصرها فقط في اطار قضية الدفاع عن حقوق الانسان؛ او النظر اليها من خلال موشور الدولة والقانون بشكل عام فأن قضية تفعيل الحق الانتخابي باتت تشكل نقطة يلتقي عندها التشريع الوطني مع قواعد القانون الدولي. على انه ينبغي القول هنا ان هذا الالتقاء لا يلغي حقيقة ساطعة لا تقبل الدحض وهي ان القانون الدولي وقانون الدولة الوطني يشكلان مجالين منفصلين ومستقلين ولا مجال للحديث عن التابعية فيما يخص العلاقة بينهما؛ مع ان الكثير من الدوّل رأت في قواعد القانون الدوّلي (قواعد المعاهدات والعقود الدولية) مصدراً ذي قوة قانونية اكبر من القوة القانونية لقواعد تشريعها الوطني وخصوصاً في حال تنازع القوانين. بعبارة اخرى يمكننا القول هنا اننا ازاء ازدواجية واضحة في نظرية القانون الدولي وخصوصاً في مجال المعالجة القانونية لاجراء العملية الانتخابية. وهذا ما يجعل من هذه العملية الموضوعة الاكثر حساسية في العلاقات الدولية وخصوصاً تلك التي تقف على احد طرفيها انظمة شمولية تأخذ من مبدأ احترام السيادة ومبدأ عدم التدخل بالشوؤن الداخلية ومقولات اخرى على شاكلة احترام ثوابت الامة والكرامة القومية....الخ؛ اقول تأخذ من هذه المفاهيم ذريعة للتهرب من الرقابة الدولية في مجال احترام واحدٍ من من اهم الحقوق السياسية للمواطن. وكلما كانت الدولة اكثر شمولية كلما كانت اكثر حيطةً من "التدخل في شوؤنها الداخلية".
    عند الحديث عن الوطني والدولي في مجال تنظيم ممارسة الحق الانتخابي لابد من الاشارة الى ان هذه المسألة تكتسب اهمية استثنائية بالنسبة للدوّل حديثة التحرر او تلك الخارجة من ظروف الحكم التوتاليتاري ذلك لان الاجهزة المنبثقة عن الانتخابات في تلك الدوّل تحمل؛ في اغلب الاحيان؛ صفة تأسيسية وخصوصاً اذا ما اريد لتلك الاجهزة صياغة القانون الاساسي للدولة(الدستور الدائم). من هنا تبدو اهمية المزاوجة بين التشريعات الانتخابية لتلك الدول وقواعد القانون الدولي ذات العلاقة مع الاستفادة القصوى من الموروث الانساني في مجال تأسيس اجهزة الدولة في الظروف غير الطبيعية؛ وهذا ما يمكن تلمسه في التشريعات العراقية المنظمة للعملية الانتخابية القادمة (قانون ادارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية وقانون الانتخابات العراقية وانظمة المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق وغيرها). والتي تعتبر (رغم نواقصها) تجلياً واضحاً لتكامل الوطني والدولي في مجال التشريع المنظم للعملية الانتخابية. بالاضافة الى ذلك ارى من الضروري الاشارة هنا الى ان التجربة العراقية لم تقتصر في موضوع الموازنة بين المحلي والدولي على سن التشريعات وصياغة القواعد المنظمة للعملية الانتخابية وانما اشركت العنصر الدولي في انشاء آليات تنفيذ تلك القواعد والتشريعات ايضاً وهذا ما يمكن تلمسه في القرار رقم 92 والخاص بتشكيل المفوضية العليا للانتخابات العراقية المستقلة؛ حيث الحضور الواضح للعنصر الدولي.
    ان واحدة من الحقائق التي لابد من التأكيدعليها اثناء الحديث عن الوطني والدوّلي في مجال التشريع هي كون العلاقات الدولية لم تعد مقتصرة على الروابط بين اطراف القانون الدولي (اي الدوّل ذات السيادة). فالاحزاب السياسية والمنظمات المهنية على اختلافها وكل ما بات يعرف الآن بمنظمات المجتمع المدني اخذت تلعب دوراً متزايداً في الحياة السياسية سواءاً على المستوى المحلي والاقليمي او على المستوى الاممي فيما اصبحت الوثائق الصادرة عنها تؤثر بشكل ملموس في الحياة السياسية الداخلية للدول؛ مما يدفعنا الى وصفها بالعلاقات السياسية الدولية. على انه لابد من التنبيه هنا الى ان القواعد التي تتضمنها وثائق منظمات المجتمع المدني لا يمكن لها بأي حال ان تحل محل القواعد القانونية ذلك لان الاخيرة لابد وان تكون صادرة عن جهاز دولة ذي اختصاص دستوري. لكن اهمية القاعدة السياسية ؛ان صح التعبير؛ تكمن في كونها تؤلف البوصلة والدليل بالنسبة للقاعدة القانونية؛ وهذا ما يمكن العثور على تجلياته في الحالة العراقية الراهنة حيث جاء قانون ادارة الدولة العراقية والوثائق المكملة له كتتويج للمساومة السياسية بين مكونات المجتمع العراقي؛ ولابد ان يكون الدستور العراقي الدائم نتاجاً قانونياً للارادة السياسية لاطراف اللعبة الديمقراطية في العراق؛ تلك الاطراف التي سيكون من بين مسؤولياتها (الاخلاقية على الاقل) الحفاظ على الثوابت المعروفة والمتلخصة في صياغة دستور يؤمن بناءاً ديمقراطياً تعددياً فيدرالياً يكون فيه المواطن العراقي القيمة العليا حقاً.
    انني ارى ان التجربة العراقية في اجراء الانتخابات ستغني التجربة العالمية مثلما ستثري الفكر القانوني الانساني وخصوصاً في مجال تكامل الوطني والدولي عند تفعيل الحق الانتخابي.

    منقول ...
     

مشاركة هذه الصفحة