1. رمضانكم مبارك و كل عام و انتم بالف خير , تقبل الله منا الصيام و القيام و صالح الاعمال

العقود التجارية الدولية – الجزء 6 -

الموضوع في 'منتدى السنة الثالثة LMD' بواسطة youcef66dz, بتاريخ ‏10/2/12.

  1. youcef66dz

    youcef66dz عضو متألق

    إنضم إلينا في:
    ‏3/10/09
    المشاركات:
    3,788
    الإعجابات المتلقاة:
    78
    العقود التجارية الدولية – الجزء 6 -

    دراسة خاصة لعقد البيع الدولى للبضائع

    الفصل الثانى
    تكوين عقد البيع
    64 – تمهيد :
    رأينا فيما تقدم أن اتفاقية فيينا قد جمعت فى نصوصها بين الأحكام التى تتعلق بتكوين عقد البيع الدولى للبضائع ، والأحكام الموضوعية لهذا العقد وهما الموضوعان اللذان كانا ينظم كل منهما اتفاقية مستقلة من اتفاقيتى لاهاى سنة 1964 .
    وقد تضمن القسم الثانى من الاتفاقية أحكام تكوين عقد البيع بينما نظم القسم الثالث الأحكام الموضوعية للعقد ، وأجازت المادة 92 من اتفاقية فيينا لكل دولة متعاقدة أن تلتزم فقط بأحد القسمين الثانى أو الثالث من الاتفاقية عند التوقيع أو التصديق أو الموافقة أو الانضمام إليها (1) .
    ولم تعالج اتفاقية فيينا من قواعد تكوين عقد البيع سوى ركن الرضاء فلم تنظم ركنى السبب والمحل ، بل انها لم تعالج كل أحكام الرضاء ، إذ أنها أغفلت عمداً تنظيم عيوب الرضا لأنها من الأمور التى تختلف فيها التشريعات الوطنية واقتصر التنظيم الذى أتت به الاتفاقية على الإيجاب والقبول ، ذلك لأن اتفاقية فيينا اقتفت أثر اتفاقية لاهاى سنة 1964 بشأن تكوين عقد البيع الدولى وقد اكتفت هذه الاتفاقية الأخيرة أيضا بتنظيم جزء من ركن واحد من أركان العقد هو الرضاء ، ولم تتناول منه إلا الإيجاب والقبول ، فأهملت تنظيم { صفحة 85 } قواعد الأهلية والأحكام المتعلقة بعيوب الرضاء لصعوبة الوصول إلى التوحيد التشريعى فيها (2) .
    ونلاحظ أن اتفاقية فيينا قد وردت فيها نصوص تتعلق بتفسير العقد وإثباته ضمن القواعد العامة للاتفاقية وقبل النصوص المنظمة لتكوين العقد . ولما كانت أحكام تفسير العقد وإثباته من الأمور التى تتصل بدراسة تكوين العقد ، فإننا سندرس هذه القواعد فى هذا الباب الذى يتعلق بتكوين عقد البيع ، بعد دراسة أحكام الإيجاب والقبول .
    ونقسم دراستنا فى هذا الفصل إذن إلى فرعين ، نتناول فى الأول قواعد الإيجاب والقبول ، ونخصص الثانى لتفسير العقد وإثباته . { صفحة 86 }

    الفرع الأول
    الإيجاب والقبول
    65 – تقديم وتقسيم :
    ينعقد العقد بإيجاب وقبول يصدران عن طرفى العقد ، دون أن يشترط فى ذلك أن يصدر الإيجاب عن المشترى والقبول عن البائع أو العكس ، إذ العبرة باتصال القبول بالإيجاب الذى يوجهه أحد طرفى العقد إلى الطرف الآخر .
    على أن الأمر لا يتم بهذه الصورة البسيطة فى نطاق عقد البيع الدولى ، لأن هذا العقد تسبقه عادة إما مفاوضات بين طرفى البيع ، أو معاملات سابقة بين الطرفين ، بحيث يعتبر سلوك الطرفين كافياً لانعقاد العقد دون حاجة إلى تميز أو تجسيد كل من الإيجاب والقبول .
    ووفقاً لأحكام القانون الموحد لاتفاقية لاهاى سنة 1964 ، فإن الإيجاب والقبول لا ينتجان أثرهما إلا إذا وصلا إلى علم الطرف الآخر ، ويعتبر تسليم التعبير عن الإرادة إلى الطرف الذى وجه له بمثابة وصول هذا التعبير إلى الطرف الذى وجه إليه ، وما يصدق على الإيجاب والقبول ، يصدق أيضا فى القانون الموحد على الرجوع فيهما .
    وقد عالجت اتفاقية فيينا أحكام الإيجاب والقبول بنصوص تتشابه فى مجموعها مع أحكام اتفاقية لاهاى سنة 1964 بشأن تكوين العقد (3) . وعالجت المواد من 14 إلى 17 من اتفاقية فيينا قواعد { صفحة 87 } الإيجاب offer ، ونظمت المواد من 18 إلى 22 أحكام القبول acceptance .
    وندرس فى مبحثين على التوالى كل من الإيجاب والقبول وفقاً لاتفاقية فيينا . ثم نتكلم فى مبحث ثالث عن اقتران الإيجاب بالقبول .

    المبحث الأول
    الإيجاب
    66 – تعريف الإيجاب :
    تنص المادة 14 من اتفاقية فيينا فى فقرتها الأولى على أن الإيجاب يعتبر عرضاً محدداً بطريقة كافية ، ويعبر عن إرادة الموجب فى أن يلتزم فى حالة صدور القبول من الطرف الموجه إليه الإيجاب .
    ويعنى هذا التعريف بأمرين ، الأول أن الإيجاب لابد أن يتضمن عرضا محددا من الطرف الذى يصدر عنه إلى الطرف الذى يوجه إليه ، أما الأمر الثانى فهو التعبير عن التزام الموجب بالبقاء على ايجابه متى صدر القبول من الطرف الذى وجه إليه الموجب إيجابه .
    ويعتبر الإيجاب فى القانون المصرى تعبيراً عن إرادة الموجب ، يصدر بقصد إحداث أثر قانونى هو إنشاء الالتزام ، لذلك لا عبرة بالإرادة التى لم تتجه لإحداث أثر قانونى (4) .
    وتعرف محكمة النقص المصرية الإيجاب بأنه : " العرض الذى يعبر به الشخص الصادر منه على وجه جازم عن إرادته فى إبرام عقد معين بحيث إذا اقترن به قبول مطابق له انعقد العقد " (5) . { صفحة 88 }
    والغالب أن يبدأ أحد المتعاقدين بالإيجاب يتلوه قبول المتعاقد الآخر ، ولكن ليس من الضرورى أن يأتى الإيجاب سابقاً على القبول ، فقد يتم العقد بتلاقى تعبيرين متعاصرين عن إرادتين متطابقتين .
    67 – المفاوضات لا تعتبر إيجابا :
    تعتبر المفاوضات فى بعض العقود ، لا سيما فى عقد البيع ، هى المرحلة السابقة على التعاقد ، ولا يصدر عن أحد المتعاقدين إيجابا نهائيا إلا بعد مفاوضات مع الطرف الآخر، فالإيجاب إذن هو نتيجة المفاوضات .
    ولا يرتب القانون بحسب الأصل ، على المفاوضات ، أى أثر قانونى ، إذ من حق المتفاوض أن يقطع المفاوضة فى أى وقت ، ولا مسئولية عليه فى هذا المسلك إلا إذا اقترن العدول عن التفاوض بخطأ ممن قطع المفاوضات وتعد المسئولية هنا تقصيرية أساسها الخطأ وليست تعاقدية ترتكز على العدول عن التفاوض . وعلى من يدعى الضرر من العدول أن يثبت خطأ المتفاوض فى قطع المفاوضات (6) .
    وقضت محكمة النقض المصرية بأن المفاوضات ليست إلا عملاً مادياً ولا يترتب عليها بذاتها أى أثر قانونى ، فكل متفاوض حر فى قطع المفاوضة فى الوقت الذى يريد دون أن يتعرض لأية مسئولية أو يطالب ببيان المبرر لعدوله ، ولا يرتب هذا العدول مسئولية على من عدل إلا إذا اقترن به خطأ تتحقق معه المسئولية التقصيرية ، ولا يعد مجرد العدول عن إتمام المفاوضة فى ذاته خطأ ، فلابد أن يثبت الخطأ من وقائع أخرى اقترنت بهذا العدول (7) .{ صفحة 89 }
    وقد تنتهى المفاوضات إما إلى إيجاب معلق أو إيجاب نهائى ، فالإيجاب المعلق على شرط هو إيجاب لا مفاوضة ، ولكنه لا ينعقد إلا إذا تحقق الشرط الذى علق عليه ، كما لو عرض شخص التعاقد بثمن معين مع الاحتفاظ بحقه فى تعديل الثمن طبقاً لتغير الأسعار ، فالإيجاب هنا معلق على شرط عدم تغير الأسعار (8) .
    وإذا خرج الإيجاب من دور المفاوضة ودور التعليق ، أصبح إيجابا نهائيا . ويعد تقرير ما إذا كان الإيجاب قد وصل إلى هذا الدور من مسائل الواقع لا من مسائل القانون فيفصل فيه قاضى الموضوع طبقاً لظروف كل حالة (9) .
    68 – التفرقة بين الإيجاب والدعوة إلى الإيجاب :
    تقضى الفقرة الثانية من المادة 14 من اتفاقية فيينا ، بأن توجيه العرض إلى مجموعة غير محددة من الأشخاص يعتبر مجرد دعوة إلى توجيه إيجاب أى مجرد دعوة إلى التعاقد ، ما لم يتبين أن الموجب قد أفصح بوضوح عن العكس ، أى ما لم يكن الموجب قد قرر صراحة أن يوجه إيجابا إلى الجمهور (10 ) .
    ويعالج هذا النص الحالة التى يوجه فيها شخص دعوة إلى الجمهور للتعاقد ، وفى هذا الصدد يجب أن نفرق بين توجيه الإيجاب { صفحة 90 } إلى الجمهور ودعوة الجمهور إلى التعاقد أو إلى تقديم ايجاب للتعاقد ، فالإيجاب الموجه إلى الجمهور يحدث عندما تعرض البضائع على الجمهور من البائع مع تحديد ثمنها ، أما النشر والإعلان وبيان الأسعار الجارى التعامل بها وكل بيان آخر متعلق بعروض أو طلبات موجهة للجمهور أو للأفراد فلا يعتبر عند الشك ايجابا وإنما يكون دعوة إلى التفاوض ، وكان المشروع التمهيدى للتقنين المدنى المصرى يشتمل على نص صريح فى هذا المعنى هو نص المادة 134 ، وقد حذف هذا النص فى لجنة المراجعة لعدم الحاجة إليه ، إذ يسهل على القضاء تطبيق هذا الحكم دون نص عليه (11) .
    ويعنى ما تقدم أن الإيجاب يختلف عن الدعوة إلى التعاقد والأمر يتوقف على مضمون التعبير عن الإرادة ، فإذا قام التاجر بعرض بضائعه على الجمهور مع بيان أسعارها فإن هذا يعد بلا شك إيجابا صريحاً موجها إلى الجمهور ، أما مجرد الإعلان عن السلعة حتى مع بيان سعرها فإنه يعد دعوة إلى التعاقد وليس إيجاباً ما لم يتبين صراحة أن التاجر قصد توجيه إيجاب صريح إلى الجمهور .
    69 – متى ينتج الإيجاب أثره ؟ :
    رأينا أن الفقرة الأولى من المادة 14 من اتفاقية فيينا تقضى بأن العرض المقدم لإبرام عقد والموجه إلى شخص أو أشخاص معينين يعتبر ايجابا ، إذا كان العرض محددا بطريقة كافية ويعبر عن إرادة الموجب فى أن يلتزم فى حالة صدور القبول من الطرف الموجه إليه الإيجاب ، وتضيف هذه الفقرة بيانا بالمقصود بالعرض المحدد بطريقة كافية ، فهو العرض الذى يعين البضائع التى ستكون محلاً للبيع ، والذى يحدد صراحة أو ضمنا الكمية والثمن أو ينص على طريقة تحديد الكمية والثمن .{ صفحة 91 }
    ويمكن تحديد الثمن ضمناً عن طريق الإشارة إلى قائمة أسعار أو أسعار واردة فى كتالوج خاص بالسلعة محل الإيجاب ويمكن أيضا أن يحدد الثمن صراحة أو ضمناً بالإشارة إلى سعر السوق عند التسليم أو فى أى وقت يحدده الموجب فى عرضه .
    ومتى تضمن الإيجاب عرضاً محدداً بطريقة كافية على النحو السابق ، فإنه ينتج أثره متى وصل إلى الموجب له أى الموجه إليه الإيجاب وفى هذا تنص الفقرة الأولى من المادة 15 من اتفاقية فيينا على أن ينتج الإيجاب أثره متى وصل إلى الموجب له ، أى المتعاقد الآخر الذى يوجه إليه الإيجاب . ومعنى ذلك أن الإيجاب من وقت وصوله إلى الموجب له يعتبر قائماً ويلزم الموجب بالتعاقد إذا تقدم له من يقبل إيجابه .
    فالإيجاب متى استكمل وجوده القانونى يلزم الموجب بالتعاقد فى حالة قبول الموجه إليه ولكن لا يعنى هذا أن الإيجاب يعتبر باتاً منذ صدوره إذ يظل الرجوع فيه جائزاً قبل أن يستكمل الإيجاب وجوده القانونى . والإيجاب ، يستكمل هذا الوجود كما قدمنا ، متى تضمن عرضاً محدداً على النحو السالف بيانه ، ومتى وصل إلى الموجه إليه العرض .
    ويلاحظ أن الإيجاب الذى يلزم صاحبه عند قبول الموجب له أى الذى ينتج أثره لا يعتبر بالضرورة إيجاباً باتاً إذ يجوز الرجوع فيه . فالرجوع فى الإيجاب لا يكون إلا متى استكمل الإيجاب وجوده القانونى لأنه قبل ذلك لا يكون هناك إيجاب ملزم ، أما بعد استكمال وجوده القانونى بتوافر شرطى استكمال هذا الوجود ( عرض محدد ووصوله إلى الموجب له ) فيجوز الرجوع فيه ، ما لم يكن باتاً ، لأن الإيجاب البات هو الإيجاب الذى لا يجوز الرجوع فيه (12) . وسنعرض فيما بعد المقصود بالإيجاب البات .{ صفحة 92}
    وتطبيقاً لما تقدم ، تقضى الفقرة الثانية من المادة 15 من اتفاقية فيينا بأن الإيجاب ولو كان ملزما irrevocable يمكن سحبه withdrawal أى الرجوع فيه إذا وصل الرجوع إلى الموجب له قبل أو عند وصول الإيجاب إليه .
    ويعنى النص السابق أن الإيجاب بعد أن يستكمل وجوده القانونى بأن كان مشتملاً على عرض محدد ووصل إلى علم الموجب له ، ويعتبر بالتالى غير قابل للعدول عنه أو تعديله ، لأن التعديل صورة من صور العدول ، وإنما يمكن سحبه ، إذا وصل السحب إلى الموجه إليه الإيجاب قبل أو عند وصول الإيجاب إلى هذا الأخير .
    ويأخذ القانون المصرى بحكم مشابه لما قضت به اتفاقية فيينا . إذ تنص المادة 91 من التقنين المدنى على أن ينتج التعبير عن الإرادة أثره فى الوقت الذى يتصل فيه بعلم من وجه إليه ، ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك .
    ويعنى النص المتقدم أن التعبير عن الإرادة متى كان ايجابا ، فإنه لا ينتج أثره إلا إذا وصل إلى علم المتعاقد الآخر الذى يوجه إليه الإيجاب وأقام النص قرينة على أن وصول الإيجاب يعتبر قرينة على العلم ، ولكنها قرينة بسيطة ، فيجوز أن يثبت الموجه إليه الإيجاب أنه لم يعلم به بالرغم من وصوله . ولا يجوز الرجوع فى الإيجاب متى قبله الموجب له أو كان باتاً .
    70 – الإيجاب البات :
    لم يتضمن التقنين المدنى المصرى السابق نصاً يلزم الموجب بالبقاء على إيجابه مدة كافية لاقتران القبول به ، وذهب القضاء إلى منح الموجب حق العدول قبل أن يقترن الإيجاب بالقبول ، على أن يلتزم الموجب بالبقاء على إيجابه إذا حدد أجلا للقبول سواء كان هذا { صفحة 93 } التحديد صريحاً أو ضمنياً وقرر القضاء أن أساس التزام الموجب بالبقاء على ايجابه هو العقد الضمنى بين الموجب والموجه إليه الإيجاب يلزم الأول بالبقاء على إيجابه طيلة المدة المحددة من جانب الموجب ، وأقر الفقه موقف القضاء فى إلزام الموجب بالبقاء على إيجابه خلال الأجل المحدد متى اقترن الإيجاب بأجل ، ولكن اختلف الفقه حول أساس التزام الموجب بين نظرية الإرادة المنفردة ونظرية العقد الضمنى ، ونظرية المسئولية التقصيرية (13) .
    وأقر التقنين المدنى الجديد الوضع بنص صريح هو نص المادة 93 الذى يقضى بأنه إذا عين ميعاد للقبول ، التزام الموجب بالبقاء على ايجابه إلى أن ينقضى هذا الميعاد. والنص صريح فى أن أساس التزام الموجب بالبقاء على إيجابه هنا ، هو الإرادة المنفردة وهى إحدى الحالات التى جعل منها التقنين المدنى الجديد ، الإرادة المنفردة أساسا للالتزام (14) .
    وقد نصت المادة 93 مدنى مصرى على أن تحديد ميعاد القبول كما يكون صريحا فقد يكون ضمنياً ، يستخلص من ظروف الحال أو من طبيعة المعاملة .
    وهذا التقديم السابق للإيجاب الملزم فى ظل القانون المصرى لازم لفهم المقصود بالإيجاب البات فى اتفاقية فيينا ، إذ تنص المادة 16 من هذه الاتفاقية على ما يأتى :-
    " 1 – يمكن العدول عن الإيجاب إلى الوقت الذى يبرم فيه العقد ، إذا وصل هذا العدول إلى الموجه إليه الإيجاب قبل أن يرسل هذا الأخير قبوله .
    2 – ومع ذلك ، لا يجوز العدول عن الإيجاب فى الحالتين الآتيتين : - {صفحة94}
    (أ) إذا تبين أنه غير قابل للعدول عنه ، سواء بتحديد ميعاد ثابت للقبول أو بأى طريق آخر .
    (ب) إذا وجد ما يبرر أن يعتمد الموجب له على الإيجاب باعتباره غير قابل للعدول عنه ، وتصرف هذا الأخير اعتماداً على بقاء الإيجاب " .
    ويعنى هذا النص أن الإيجاب متى صدر من الموجب متضمناً عرضاً محدداً ووصل إلى الموجب له يعتبر قائماً منتجاً لأثره ، ولكنه يمكن للموجب العدول عنه حتى إبرام العقد أى مادام لم يقترن القبول بالإيجاب ، أى متى وصل العدول إلى الموجه إليه الإيجاب قبل أن يقوم هذا الأخير بإرسال أو تصدير قبوله إلى الموجب .
    فالإيجاب فى هذه الصورة التى نصت عليها الفقرة (1) من المادة 16 من اتفاقية فيينا يعتبر قائماً منتجاً لأثره ولكنه ليس باتاً . وقد نصت الفقرة (2) على حالتين يعتبر فيهما الإيجاب باتا ، وهما : -
    1 – حالة تحديد مدة للقبول أو استخلاص أن الموجب ملزم بعدم العدول عن ايجابه من واقع ظروف الحال المرتبطة بتفسير الإيجاب .
    2 – إذا اعتمد الموجه إليه الإيجاب اعتماداً له ما يبرره على عدم قابلية الإيجاب للعدول عنه وتصرف على ضوء ذلك . ولا يغطى هذا النص فقط الحالات التى يكون فيها الإيجاب بذاته غير قابل للعدول عنه صراحة ، ولكن أيضا متى كان مسلك الموجب أو الظروف الخاصة أو متطلبات العرض المقدم منه أو طبيعة الصفقة المقترحة تبرر اعتبار الإيجاب غير قابل للعدول عنه لمدة معقولة (15) . من ذلك مثلا لو كان { صفحة 95} محل البيع آلات تباع تحت شرط التجربة ، فإنه يستفاد من ذلك أن الموجب يظل ملتزما بالبقاء على ايجابه المدة اللازمة للتجربة ، وعند النزاع حول تحديد هذه المدة تولى القاضى تقديرها (16) . كذلك لو صدر الإيجاب إلى شخص يقيم فى دولة أخرى ، فإن الفرض أن الموجب ينبغى عليه أن يبقى على إيجابه المدة المناسبة لوصول القبول إليه بفرض أن الإيجاب قد وصل فى الميعاد المقرر لوصوله (17 ) .
    71 – سقوط الإيجاب :
    نصت المادة 17 من اتفاقية فيينا على أن يسقط الإيجاب ولو كان غير قابل للعدول عنه ، عندما يصل إلى الموجب رفض الموجه إليه الإيجاب .
    ومؤدى هذا النص أن الإيجاب ولو كان باتا ، فإنه يسقط متى رفضه الموجه إليه ولو لم تنقض المدة التى حددها الموجب للقبول .
    ويسقط الإيجاب منذ اللحظة التى يصل فيها إلى الموجب رفض الإيجاب من الموجه إليه . وقد يقع هذا الرفض بصورة قاطعة ، وقد يتضمن تعديلاً فى الإيجاب فلا يعد هذا قبولا ينعقد به العقد بل يعد ايجاباً جديداً ، وسنعرض لذلك الكلام عن القبول ، وقد يتضمن الرفض عرضا لإيجاب جديد يختلف تماما عن الإيجاب الأول .
    وتأخذ اتفاقية فيينا بنظرية وصول التعبير عن الإرادة ، لكى ينتج هذا التعبير أثره فقد رأينا أن المادة 15 منها تعتبر الإيجاب منتجاً لأثره متى وصل إلى الموجه إليه الإيجاب ، كذلك يسقط الإيجاب وفقا للمادة 17 من الاتفاقية متى وصل رفض الموجه إليه الإيجاب إلى الموجب ولو كان الإيجاب غير قابل للعدول عنه ، وسنرى عند الكلام عن القبول أن اتفاقية فيينا تتبنى أيضا نظرية وصول التعبير عن { صفحة 96 } الإرادة ، وتحدد المقصود من تعبير الوصول فى المادة 24 على ما سنرى فى الفرع الثالث من هذا الفصل .
    ولم تتضمن اتفاقية فيينا حكماً مماثلاً لحكم المادة 11 من القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى سنة 1964 بشأن تكوين عقد بيع المنقولات المادية ، والتى تقضى بأنه لا تحول وفاة أحد أطراف العقد أو فقدانه الأهلية قبل القبول دون تكوين العقد إلا إذا تبين عكس ذلك من قصد المتعاقدين أو من العرف أو من طبيعة التعامل . وهذا هو ذات الحكم الذى أخذ به التقنين المدنى المصرى فى المادة 92 والتى تقضى بأنه إذا مات من صدر عنه التعبير عن الإرادة أو فقد أهليته قبل أن ينتج التعبير أثره ، فإن ذلك لا يمنع من ترتب هذا الأثر عند اتصال التعبير بعلم من وجه إليه ، هذا ما لم يتبين العكس من التعبير أو من طبيعة التعامل .
    ويعنى هذا الحل سواء فى ظل القانون الموحد أو القانون المصرى ، أنه لا يترتب على الوفاة أو فقدان الأهلية سقوط الإيجاب بل يظل الإيجاب قائماً .
    ونلاحظ مع أستاذنا الدكتور محسن شفيق أن هذه المسألة ليست لها أهمية تذكر فى البيوع الدولية لأنها تجرى عادة بين أشخاص اعتبارية لا يعتريها الوفاة أو فقدان الأهلية (18) . ولعل هذا هو السبب الذى أدى بلجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية إلى إغفال تنظيم هذا الموضوع فى اتفاقية فيينا سنة 1980 . { صفحة 97 }
    المبحث الثانى
    القبول
    72 – تعريف القبول :
    القبول هو التعبير الذى يصدر عن الموجه إليه الإيجاب ، معلناً عن إرادته بالرضاء بالعرض الذى وجهه إليه الموجب دون تعديل فيه .
    وقد نصت المادة 18 من اتفاقية فيينا فى فقرتها الأولى على أن " يعتبر قبولا ، التعبير أو السلوك الذى يصدر عن الموجه إليه الإيجاب والذى يدل على موافقته على هذا الإيجاب . ولا يعتبر السكوت أو الموقف السلبى فى ذاتهما قبولاً " .
    ويعنى هذا التعريف أن القبول كما يكون صريحاً بصدور تعبير محدد يدل عليه ، من الموجب له ، فإنه قد يكون ضمنيا باتخاذ الموجب له سلوكا يعبر عن موافقته على الإيجاب الموجه إليه كما لو قام المشترى بدفع الثمن أو قام البائع بتسليم المبيع .
    وقد أكدت الفقرة الثانية من المادة 18 أن السكوت لا يعد فى ذاته قبولاً ، كذلك فإن الموقف السلبى من جانب الموجب له لا يصل إلى درجة القبول . فسكوت الموجه إليه الإيجاب لا يرقى إلى درجة القبول الضمنى . وقد نصت المادة 2 من القانون الموحد لاتفاقية لاهاى سنة 1964 بشأن تكوين عقد البيع على أن كل شرط يرد فى الإيجاب ليشترط اعتبار السكوت قبولاً يعتبر باطلاً. وهذا النص الذى يعتبره البعض ، النص الآمر الوحيد فى اتفاقيات لاهاى (19) ، لم يرد ما يماثله فى اتفاقية فيينا .{ صفحة 98}
    وتقضى المادة 98 من التقنين المدنى المصرى بأنه إذا كانت طبيعة المعاملة أو العرف التجارى أو غير ذلك من الظروف تدل على أن الموجب لم يكن لينتظر تصريحا بالقبول ، فإن العقد يعتبر قد تم ، إذا لم يرفض الإيجاب فى وقت مناسب ويعتبر السكوت عن الرد قبولا ، إذا كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين واتصل الإيجاب بهذا التعامل ، أو إذا تمخض الإيجاب لمنفعة من وجه إليه .
    وهذا النص يعنى أن السكوت فى ذاته مجرداً عن أى ظرف ملابس له ، لا يكون تعبيراً عن الإرادة ولو قبولاً ، لأن الإرادة عمل إيجابى والسكوت موقف سلبى ، والقاعدة الشرعية أنه " لا ينسب لساكت قول " ، وإذا كان هذا هو الأصل فإن الاستثناء أن يعتبر السكوت قبولاً إذا أحاطت به ظروف ملابسة من شأنها أن تجعله يدل على الرضا ويسمى السكوت فى هذه الحالة " السكوت الملابس " (20) .
    وقد عرض المشرع المصرى للأمثلة التى تحيط فيها بالسكوت ظروف ملابسة ، كما لو جرى العرف التجارى على أن يعتبر السكوت رضاء ، أو كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين أو تمخض الإيجاب لمنفعة من وجه إليه ، وسكت هذا فيعد سكوته رضاء.
    وبالرغم من أن اتفاقية فيينا لم يرد فيها نص صريح يؤدى إلى اعتبار السكوت الملابس قبولاً ، فإنه يمكن أن يستخلص هذا الحكم من عبارة الجملة الثانية من الفقرة الأولى من المادة 18 التى تقضى - كما ذكرنا - بأن السكوت أو الموقف السلبى لا يعتبران فى ذاتهما in itself قبولاً ، ومؤدى هذا التعبير الأخير أنه متى ارتبط بالسكوت ظرف من الظروف فإنه يمكن اعتباره قبولا ، ويجد هذا التفسير صدى له فى نص الفقرة الثالثة من المادة الثامنة من اتفاقية فيينا ، وهو نص خاص بتفسير العقد ، فيعطى للظروف الملابسة أهمية { صفحة 99 } خاصة فى تحديد إرادة المتعاقدين ، على النحو الذى سنعرض له عند الكلام عن تفسير العقد فى الفصل الثانى من هذا الباب ، هذا فضلا عن أن السكوت قد يعتبر ، استثناء ، من القاعدة العامة فى اتفاقية فيينا ، بمثابة قبول ، وفقاً للعادات التجارية السارية (21) .
    73 – متى ينتج القبول أثره ؟ :
    الأصل أن القبول لا ينتج أثره وفقاً لأحكام المادة 18/2 من اتفاقية فيينا إلا متى وصل إلى الموجب ، ويمكن سحب القبول أو الرجوع فيه متى وصل هذا الرجوع إلى الموجب قبل أو على الأقل فى نفس وقت وصول القبول طبقاً لنص المادة 22 من اتفاقية فيينا .
    ولا يعتبر القبول منتجاً لأثره إذا لم يصل إلى الموجب خلال الميعاد الذى حدده فى إيجابه أو خلال ميعاد معقول ، إذا لم يحدد الموجب ميعاداً للقبول ، ويجب أن يؤخذ فى الاعتبار فى تحديد الميعاد المعقول ظروف التعامل بما فى ذلك سرعة وسائل المواصلات التى استخدمها الموجب . وإذا كان الإيجاب شفوياً وجب أن يكون القبول فورياً ، إلا إذا اتضح من الظروف غير ذلك ( المادة 18/2 من اتفاقية فيينا ) .
    وعلى أية حال ، فإنه متى تضمن الإيجاب أو دل التعامل السابق بين المتعاقدين أو قضى العرف بأن الموجه إليه الإيجاب ، عليه أن يعبر عن قبوله بالقيام بعمل معين كإرسال البضاعة المبيعة أو دفع الثمن ، دون إخطار الموجب ، فإن القبول ينتج أثره منذ اللحظة التى يقوم فيها الموجه إليه الإيجاب بهذا العمل ، بشرط أن يتم هذا العمل { صفحة 100} خلال الميعاد المحدد فى الإيجاب لصدور القبول أو خلال الميعاد المعقول إذا لم يحدد الموجب ميعاداً للقبول ( المادة 18/3 من اتفاقية فيينا ) .
    وقد رأينا فيما تقدم أن القانون المصرى يلزم الموجب بالبقاء على إيجابه إذا حدد ميعاداً للقبول سواء أكان هذا التحديد صريحاً أم ضمنياً ( المادة 93 مدنى ) كما تقضى المادة 94 بأنه إذا صدر الإيجاب فى مجلس العقد دون أن يعين ميعاد للقبول فإن الموجب يتحلل من ايجابه إذا لم يصدر القبول فوراً ، على أن العقد يتم مع ذلك ولو لم يصدر القبول فوراً ، إذا لم يوجد ما يدل على أن الموجب قد عدل عن ايجابه فى الفترة ما بين الإيجاب والقبول وكان القبول قد صدر قبل أن ينقضى مجلس العقد .
    74– عدم تطابق القبول مع الإيجاب :
    تنص المادة 96 من التقنين المدنى المصرى على أنه " إذا اقترن القبول بما يزيد فى الإيجاب أو يقيد منه أو يعدل فيه ، اعتبر رفضا يتضمن ايجابا جديدا " ويعنى هذا النص أن القبول الذى يؤدى إلى إبرام العقد ، هو القبول المطابق للإيجاب بحيث إذا اقترن به ، يؤدى هذا إلى تطابق إرادتى الموجب والقابل فينعقد العقد . أما إذا تضمن القبول ما يغير فى الإيجاب زيادة أو بوضع قيد عليه أو بتعديل لما تضمنه ، فإنه ليس من شأن هذا القبول ، أن يعد تعبيراً عن إرادة الموجب له يطابق الإيجاب الصادر من الموجب بحيث يؤدى إلى انعقاد العقد ، فاختلاف تطاق التعبيرين يؤدى إلى عدم تكوين العقد . لذلك يعتبر التعبير الصادر عن الموجب له متى تضمن تغييراً فى الإيجاب بالزيادة أو التقييد أو التعديل ، رفضا يتضمن ايجابا جديداً أى يحتاج إلى قبول من الموجب لكى ينعقد العقد . ويسمى التعبير الصادر من الموجب له المتضمن تقييداً للإيجاب ، " القبول الموصوف " فإذا وجه إلى الموجب كان بمثابة إيجاب جديد فإذا قبله { صفحة 101} الموجب ، فان العقد يتم بالشروط الجديدة ، كما لو أرسل المشترى ايجابا الى البائع يطلب منه شراء كمية معينة من البضاعة بثمن التزم به في العرض ، فيقبل البائع هذا العرض مع زيادة الثمن او بشرط التزام المشترى بمصاريف التعبئة أو بمصاريف نقل البضاعة أو اذا تضمن القبول الموافقة على الصفقة على أن يدفع الثمن فورا مع أن عرض المشترى الشراء كان على أساس دفع الثمن على دفعات .
    وقد تضمنت اتفاقية فيينا نصا مماثلا هو نص المادة 19/1 الذى يقضى بأنه " متى تضمن الرد بقبول العرض الموجه الى الموجب له بعض الإضافات او القيود أو أية تعديلات أخرى ، فانه يعتبر رفضا للإيجاب ويشكل ايجابا جديدا ".
    وعلى ذلك فالنص واضح تماما في أن عدم تطابق القبول مع الإيجاب ليس من شأنه أن يؤدى الى انعقاد عقد البيع الدولى للبضائع ، ولكن تعتبر الإضافة addition أو القيد limitation أو التعديل modification بمثابة إيجاب جديد counter-offer يحتاج الى قبول من الموجب حتى ينعقد العقد وفقا للتغيير المقترح من الموجب له .
    ويطابق نص المادة 19/1 من اتفاقية فيينا ، ما تضمنته المادة 7/1 من القانون الموحد لاتفاقية لاهاى سنة 1964 .
    وتنص الفقرة الثانية من المادة 19 من اتفاقية فيينا على أنه : " ومع ذلك فان الرد على الإيجاب بقصد القبول ، متى تضمن عبارات إضافية او مختلفة ، لا تغير من جوهر الإيجاب ، يعتبر قبولا مالم يبادر الموجب دون تأخير له ما يبرره ، بالاعتراض شفوياً على التعديل المقترح أو بإرسال إخطار بذلك ، فإذا لم يعترض الموجب على هذا النحو ، فان العقد يتم بالشروط التى تضمنها الإيجاب مع التعديلات الواردة في القبول " .{صفحة 102}
    ويهدف النص المتقدم الى تيسير تكوين العقد ، فمتى كانت هناك تعديلات في الإيجاب لاتغير في جوهر شروطه ، فان العقد يتم طبقا لهذه الشروط التى يتضمنها الإيجاب والمعدلة وفقا للتغييرات غير الجوهرية الواردة في القبول ، ما لم يعترض الموجب على هذه التغييرات شفاهة أو بإرسال إخطار فورى الى الموجب له بحل هذا الاعتراض .
    وتضمنت المادة 7/2 من القانون الموحد لاتفاقية لاهاى حكما يشابه هذا الحكم ، ويذهب الأستاذ محسن شفيق الى التشبيه بين الحكم المتقدم وحكم المادة 95 مدنى مصرى ، فهو يرى أن الحكمين وان كانا غير متطابقين ، فان حكم المادة 95 مدنى مصرى قريب من حكم المادة 7/2 من اتفاقية لاهاى ويقوم على علة حكمها ( 22) .
    وتنص المادة 95 من التقنين المدنى المصرى على أنه : " إذا اتفق الطرفان على جميع المسائل الجوهرية في العقد واحتفظا بمسائل تفصيلية يتفقان عليها فيما بعد ولم يشترطا أن العقد لا يتم عند عدم الاتفاق عليها ، اعتبر العقد قد تم . واذا قام خلاف على المسائل التى لم يتم الاتفاق عليها ، فان المحكمة تقضى فيها طبقا لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة " .
    ويعنى ذلك " أن المتعاقدين متى اتفقا على المسائل الجوهرية في العقد وتركا بعض المسائل غير الجوهرية دون اتفاق ، فان العقد يتم مع ذلك ، إذ يفترض القانون أن نية الطرفين قد انصرفت إلى إبرامه حتى لو قام خلاف بينهما على هذه المسائل مادام انهما لم يشترطا أن العقد لا يتم عند عدم الاتفاق عليها ، وأباح القانون للقاضى في هذه الحالة أن يقضى فيما اختلف المتعاقدان فيه ، ولا تقتصر مهمة القاضى في هذا الفرض على مجرد تفسير ما اتفقا عليه ، وإنما يجاوز ذلك الى تدبير ما اختلفا فيه فهو إذن يساهم في صنع العقد . وعلة هذا { صفحة 103} الحكم أنه مادام المفروض أن المتعاقدين قد أرادا إبرام العقد ولو لم يتفقا على هذه المسائل غير الجوهرية استتبع ذلك أن نفرض أيضا أنهما أرادا أن يحل القاضى محلهما ليبت فيما اختلفا فيه " (23) .
    وعندما يحل القاضى محل المتعاقدين عند تفسير نيتهما ، فإنه يكمل المسائل غير المتفق عليها وفقا لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة .
    ووجه الاتفاق بين نص المادة 7/2 من القانون الموحد لاتفاقية لاهاى سنة 1964 والتى تشابه المادة 19/2 من اتفاقية فيينا والمادة 95 مدنى مصرى أن حسم المسائل غير الجوهرية فى التعاقد لا يؤثر على انعقاد العقد وليس من شأنها أن تشكل عقبة فى سبيل إبرامه أو تكوينه ، وإنما ينعقد العقد بمجرد الاتفاق بين طرفيه على المسائل الجوهرية .
    ولما كانت التفرقة بين التغييرات الجوهرية وغير الجوهرية وفقاً لما نصت عليه المادة 19/2 من اتفاقية فيينا ليست يسيرة وتكتنفها صعوبات عملية ، فقد حاولت الفقرة الثالثة من المادة 19 أن تتغلب على هذه الصعوبات وذلك بتحديد شروط العقد التى يعتبر التغيير فيها من قبيل التغييرات الجوهرية . وتنص المادة 19/3 من اتفاقية فيينا على أن :
    " تعتبر من قبيل التغييرات الجوهرية للإيجاب ، أية إضافات أو تغييرات تتصل بصفة خاصة ، بالثمن والوفاء به ، وبالكمية ونوع البضائع ، أو بمكان وزمان التسليم ، أو بنطاق مسئولية أحد الطرفين فى مواجهة الآخر ، أو بتسوية المنازعات الناشئة عن العقد " .
    ونلاحظ أن هذا التحديد للشروط التعاقدية التى يعتبر تعديلها من قبيل التغييرات الجوهرية ، لم يرد فى المادة 19/3 من اتفاقية { صفحة 104} فيينا على سبيل الحصر وإنما على سبيل المثال ، إذ يفهم من عبارة " بصفة خاصة " (24) الواردة فى النص أن هذا التحديد ليس حصريا .
    ونلاحظ أنه أثناء مناقشة حكم المادة 19 من اتفاقية فيينا المتعلقة بحكم عدم تطابق القبول مع الإيجاب ، قدم الوفد الهولندى اقتراحا يقضى بالسماح للموجب له ، أى الموجه إليه الإيجاب ، بأن يسحب أية تعديلات للإيجاب يرفضها الموجب ، حتى ينقذ العقد ويتفادى أية عقبة فى سبيل تكوينه ، إذ يسمح هذا الاقتراح بدلا من اعتبار القبول الموصوف بمثابة رفض للإيجاب إلا إذا كان متضمنا لتغييرات غير جوهرية لم يعترض عليها الموجب ، بأن يعدل الموجب له عن التعديلات التى يقترحها فى حالة رفض الموجب له . بيد أن لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية رفضت هذا الاقتراح (25).
    75 – متى يبدأ الميعاد المحدد للقبول ؟ :
    تنص المادة 20/1 من اتفاقية فيينا على أن : " يبدأ الميعاد المحدد للقبول من الموجب فى برقية أو خطاب منذ اللحظة التى تسلم فيها البرقية لإرسالها أو من التاريخ المذكور فى الخطاب ، فإن لم يذكر مثل هذا التاريخ فى الخطاب ، فمن التاريخ الذى يظهر على المظروف . ويبدأ الميعاد المحدد للقبول من الموجب تليفونيا أو بالتلكس أو بأية وسيلة للاتصال الفورى منذ اللحظة التى يصل فيها الإيجاب إلى الموجب له " . بينما تقضى المادة 8/2 من القانون الموحد بأنه إذا أرسل الإيجاب المتضمن ميعاداً للقبول بخطاب سرت مدة القبول من { صفحة 105 } تاريخ الخطاب والعبرة بتاريخ خاتم البريد على الخطاب ، وإذا أرسل الإيجاب المتضمن ميعاداً للقبول ببرقية ، سرى الميعاد من ساعة اليوم الذى سلمت فيه البرقية للإرسال .
    ويعنى ذلك أنه وفقاً لاتفاقية فيينا يبدأ الميعاد الذى يحدده الموجب للقبول منذ تاريخ تسليم البرقية لإرسالها إلى الموجب له ، وتتفق اتفاقية فيينا مع القانون الموحد للاهاى فى هذا الشأن ، فإذا حدد الميعاد فى خطاب فالعبرة بالتاريخ المذكور فى الخطاب ، أو على المظروف إذا لم يذكر تاريخ فى الخطاب ، بينما يعتد القانون الموحد للاهاى بالتاريخ الموجود على المظروف ولو وجد تاريخ فى الخطاب ، إذ قد يكون مكذوباً (26) .
    وأضافت اتفاقية فيينا حكماً لم يرد فى القانون الموحد للاهاى ، متى حدد الميعاد من الموجب تليفونياً أو بالتلكس أو بأية وسيلة أخرى للاتصال الفورى كالفاكسميل ، فيبدأ الميعاد منذ وصول الإيجاب إلى الموجب له (27 ) .
    ووفقا للفقرة الثانية من المادة 20 من اتفاقية فيينا ، فإنه يدخل فى حساب الميعاد المحدد للقبول أيام الإجازات الرسمية أو الأيام التى يتعطل فيها العمل إذا وقعت هذه الأيام خلال الميعاد . وعلى أية حال فإنه إذا لم يمكن تسليم الإخطار بالقبول فى عنوان الموجب فى اليوم الأخير للميعاد المحدد للقبول لأنه يقع فى يوم إجازة رسمية أو فى يوم يتعطل فيه العمل فى المكان الذى يوجد فيه مركز أعمال الموجب فإن الميعاد يمتد إلى أول يوم عمل تال . { صفحة 106 }
    76 – القبول المتأخر :
    تنص المادة 21/1 من اتفاقية فيينا على أن " يعتبر القبول المتأخر منتجاً لأثره كقبول متى بادر الموجب إلى إبلاغ الموجب له شفوياً أو بإخطار فورى بذلك " .
    ويقصد بهذا الحكم الذى ورد مثيل له فى المادة 9/1 من القانون الموحد لاتفاقية لاهاى ، أن يتفادى تفويت الصفقة على الموجب إذا أراد التمسك بها ، وفكر الموجب له فى التنصل منها مستنداً إلى تأخر القبول ، ويكفى لاعتماد القبول المتأخر من جانب الموجب مجرد إخطار الموجب له بذلك (28) .
    ومتى تضمن الخطاب أو أية وسيلة مكتوبة قبولاً متأخراً ، وتبين أن هذا الخطاب أو هذه الوسيلة المكتوبة أرسلت فى ظروف كان من الممكن معها أن تصل إلى الموجب فى الميعاد المحدد لو تم نقلها بالطريق المعتاد ، فإن القبول المتأخر ينتج أثره كقبول ما لم يبادر الموجب شفوياً أو بإخطار يرسله بإبلاغ الموجب له بأنه يعتبر الإيجاب غير قائم ( المادة 21/2 من اتفاقية فيينا ) .
    ويهدف هذا الحكم إلى منح الموجب فرصة الحصول على البضاعة التى يريدها إذا كان مشترياً أو فرصة بيع البضاعة التى يعرض بيعها إذا كان بائعاً متى تأخر وصول القبول إليه عن الميعاد المحدد فى ايجابه للقبول ، فيلتزم الموجب بالقبول المتأخر الذى كان من المفروض أن يصل فى الميعاد المحدد لو تم نقله بالطريق المعتاد بحسب الظروف التى أرسل فيها ما لم يعبر الموجب بأسرع طريقة ممكنة أو كما يعبر النص الإنجليزى للمادة 21/2 without delay ، فى التحلل من إيجابه باعتباره غير قائم ، فإذا حدد الموجب للموجب له مثلا يوم 10 مارس ميعاداً للقبول ، فأرسل الموجب له قبوله يوم 3 مارس على { صفحة 107 } أساس أن المدة العادية لوصول الخطاب الى عنوان الموجب لاتزيد عن خمسة أيام فإذا تأخر وصول الخطاب لأسباب غير عادية ولم يصل إلا فى 15 مارس فإن الموجب يلتزم بالقبول ما لم يخطر الموجب له بإلغاء ايجابه يوم 12 مارس على الأكثر حتى تكون أمامه الفرصة للبحث عن متعاقد آخر.
    77 – الرجوع فى القبول :
    رأينا أنه متى كان التعبير عن الإرادة ايجابا ، فإنه يعتبر قائما ومنتجاً أثره متى وصل إلى الموجب له ولا يجوز العدول عنه وان جاز الرجوع فيه ، أما أن كان الإيجاب باتا فإنه لا يجوز العدول عنه ولا الرجوع فيه (29) .
    أما إذا كان التعبير عن الإرادة قبولا ، فإنه لا ينتج أثره أيضا كما قدمنا ، إلا متى وصل إلى الموجب . ويعتبر أثر القبول أكثر وضوحاً من أثر الإيجاب ، لأن القبول إذا أنتج أثره ، كان هذا الأثر هو تمام العقد (30) . ومن ذلك نرى أن القبول متى صدر من الموجب له لا يتم به العقد إلا من وقت وصوله إلى الموجب . والأصل أنه متى صدر القبول فلا يجوز الرجوع فيه أو سحبه من القابل ، على أن المادة 22 من اتفاقية فيينا ، مقتفيه فى ذلك أثر المادة 10 من القانون الموحد لاتفاقية لاهاى نصت على أنه : " يمكن سحب القبول إذا وصل السحب إلى الموجب قبل أو فى نفس الوقت الذى يعتبر فيه القبول منتجاً لأثره " . ويعنى هذا النص أنه يجوز الرجوع فى القبول متى وصل الرجوع إلى الموجب قبل وصول القبول أو متى وصل الرجوع إلى الموجب فى نفس وقت وصول القبول ، لأن القبول يعتبر منتجاً لأثره بوصوله إلى الموجب ، وعلى ذلك يستطيع القابل سحب قبوله الذى أرسله بخطاب مثلا ، بإرسال برقية تفيد الرجوع فيه { صفحة 108} وينتج هذا الرجوع أثره إذا وصل إلى الموجب قبل أو فى نفس وقت وصول القبول .
    المبحث الثالث
    اقتران الإيجاب بالقبول
    78 – تمهيد :
    رأينا أن تطابق القبول مع الإيجاب هو الذى يؤدى إلى انعقاد العقد ، فالقبول غير المطابق للإيجاب زيادة أو نقصاً أو تعديلاً ، لا يؤدى إلى تمام العقد ويعتبر رفضاً يتضمن إيجاباً جديداً (31) .
    كما رأينا أن السكوت لا يعتبر فى ذاته قبولا ، إلا متى كان هذا السكوت ملابساً (32) .
    ونعرض هنا للحظة التى يتم فيها البيع الدولى للبضائع ، لأن هذا البيع تسبقه مفاوضات بين طرفيه ، تنتهى عادة بتوجيه ايجاب من أحد الطرفين إلى الآخر ، فإذا صدر القبول من الموجب له وكان تعبيراً مطابقاً للإيجاب ، فلا يحول شئ دون تكوين عقد البيع الدولى ، ولكى يتم العقد كان لابد من تحديد اللحظة التى يقترن فيها الإيجاب بالقبول .
    79 – متى يتم عقد البيع الدولى ؟ :
    وفقاً لنص المادة 23 من اتفاقية فيينا فإن " العقد يتم فى اللحظة التى يعتبر فيها القبول منتجاً لأثره طبقاً لنصوص هذه الاتفاقية " . { صفحة 109 }
    وتنص المادة 24 من الاتفاقية المشار إليها على أنه : " بالنسبة لهذا القسم من الاتفاقية – أى القسم الثانى المتعلق بأحكام تكوين عقد البيع الدولى للبضائع – فإن الإيجاب أو إعلان القبول أو أى تعبير آخر عن الإرادة " يصل " إلى الموجه إليه هذا التعبير ، متى وجه التعبير شفاهه إلى الطرف الآخر أو سلم إليه بأية وسيلة أخرى شخصياً أو إلى مركز أعماله أو أرسل بالبريد إلى عنوانه ، أو إذا أرسل إلى محل إقامته المعتاد عند عدم وجود مركز أعمال له أو عنوان بريدى " .
    وقد سبق أن رأينا أن المادة 15/1 تعتبر الإيجاب منتجاً لأثره بوصوله إلى الموجه له ، كما رأينا أن المادة 18/1 تقضى بأن يعتبر القبول منتجاً لأثره متى وصل إلى الموجب ، كما رأينا أن الرجوع فى الإيجاب أو القبول ينتج أثره بوصوله إلى الطرف الآخر ، إيجابا أو قبولا أو رجوعا فى أيهما . ويبين من جماع هذه النصوص أن التعبير عن الإرادة وفقا لاتفاقية فيينا ، ينتج أثره بوصوله إلى الموجه إليه التعبير .
    لذلك حرصت المادة 23 على أن تؤكد أن العقد يتم منذ اللحظة التى يعتبر فيها القبول منتجاً لأثره وفقاً لأحكام الاتفاقية أى منذ أن يصل القبول إلى الموجب ، ففى هذه اللحظة يقترن الإيجاب بالقبول .
    80 – وصول التعبير :
    تكفلت المادة 24 ببيان متى يصل reache التعبير عن الإرادة إلى الطرف الآخر وذلك فى الصور الآتية :
    1 – إذا وجه شفاهة إلى الموجه إليه التعبير ( الطرف الآخر ) .
    2 – إذا سلم من صاحب التعبير إلى الموجه إليه بأية وسيلة أخرى : { صفحة 110}
    ( أ ) شخصياً .
    (ب) أو إلى مركز أعماله .
    (جـ) أو إلى محل إقامته المعتادة إذا لم يكن له مركز أعمال أو عنوان بريدى .
    ويعنى نص المادة 24 من اتفاقية فيينا إذن بتحديد اللحظة التى يتم فيها عقد البيع أو يقترن فيها الإيجاب بالقبول ، ويتضح من هذا النص أن اتفاقية فيينا أخذت بنظرية معينة من عدة نظريات تأخذ بها مختلف التشريعات الوطنية ، فقد اعتدت الاتفاقية بنظرية وصول القبول أى تسليمه وهو ذات المذهب الذى اعتنقه القانون الموحد لاتفاقية لاهاى ، على أن القانون الأخير لم يتضمن نصاً تفصيليا يبين فيه متى يعتبر التعبير عن الإرادة قد وصل إلى الطرف الآخر ، إذ قررت المادة 8/1 من القانون الموحد بأن القبول لا يحدث أثره إلا إذا وصل إلى الموجب فى الميعاد المعين له ، وبينت المادة 12 المقصود من الوصول بأنه تسلم الرسالة المتضمنة القبول فى عنوان المرسل إليه أى الموجب .
    أما اتفاقية فيينا فقد حرصت على بيان الحالات التى يمكن القول فيها أن التعبير عن الإرادة وصل إلى الموجه إليه هذا التعبير ببيان الحالات الأربع التى أشرنا إليها فيما تقدم .
    وقد غلبت اتفاقية فيينا نظرية وصول التعبير ، بينما يتنازع هذا الموضوع فى التشريعات الوطنية عدة نظريات نوجزها فيما يلى (33) . { صفحة 111}
    (أ) نظرية إعلان القبول :
    يعتبر العقد توافق إرادتين فمتى أعلن الطرف الآخر قبوله للإيجاب المعروض عليه ، فقد توافقت الإرادتان وتم العقد ، ويرى أنصار هذه النظرية أنها تلائم مقتضيات الحياة التجارية من وجوب السرعة فى التعامل .
    على أنه يؤخذ على هذه النظرية أن الإرادة لا تنتج أثرها إلا من وقت العلم بها ، إذ قد يعدل من عبر عن إرادته عن هذا التعبير بعد صدوره .
    (ب) نظرية تصدير القبول :
    لا تختلف هذه النظرية عن النظرية السابقة كثيراً ، إذ ينتج القبول أثره بإعلانه على أن يكون هذا الإعلان نهائيا لا رجعة فيه ، ولا يكون كذلك إلا بإرسال القبول إلى الموجب .
    ويؤخذ على هذه النظرية أن القبول المصدر يمكن استرداده لأن الخطاب المرسل ملك للمرسل حتى يتسلمه المرسل إليه .
    (جـ) نظرية تسليم القبول :
    لا يكون القبول نهائياً بتصديره لأنه يمكن استرداده وهو فى الطريق كما قدمنا ، وإنما يعتبر القبول نهائياً إذا وصل إلى الموجب ، ففى هذا الوقت يتم العقد سواء علم به الموجب أو لم يعلم ، على أن وصول القبول قرينة على العلم به .
    (د) نظرية العلم بالقبول :
    لا يكفى إعلان القبول بل يجب علم الموجب به ، ويعتبر وصول القبول قرينة على العلم به ولكنها قرينة قضائية يمكن الأخذ بها أو عدم الأخذ بها وهى قرينة قابلة لإثبات العكس فى جميع الأحوال . { صفحة 112 }
    وهذه النظرية متفرعة عن النظرية السابقة فهى تشترط العلم وتعتبر وصول القبول قرينة عليه .
    ويبدو أن القانون المصرى يأخذ بهذه النظرية إذ تنص المادة 91 مدنى على أنه :
    " ينتج التعبير عن الإرادة أثره فى الوقت الذى يتصل فيه بعلم من وجه إليه . ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ما لم يقم الدليل على عكس ذلك " .
    وقد رأينا أن اتفاقية فيينا قد أخذت بنظرية تسليم القبول أو تصديره ، وأن هذا التسليم لا يعنى حتما العلم بل يكفى أن يوجه القبول إلى الموجب شفاهه أو أن يسلم إلى الموجب سواء تم تسليمه إليه شخصيا ( وهنا يعتبر العلم مؤكداً ) أو يسلم إلى مركز أعماله أو إلى عنوانه البريدى أو محل إقامته المعتادة( وهنا يفترض العلم). {صفحة113}
    الفرع الثانى
    قواعد التفسير وإثبات العقد
    81 – تمهيد :
    تحكم اتفاقية فيينا سنة 1980 عقد البيع الدولى للبضائع ، لذلك ورد فى هذه الاتفاقية بعض النصوص التى تعالج تفسيرها ، كما تتعرض لتفسير إرادة المتعاقدين ثم لتفسير العقد الذى تحكمه الاتفاقية وطريقة إثباته ، وقد وردت هذه النصوص فى الفصل الثانى من القسم الأول تحت عنوان " أحكام عامة " .
    ونلاحظ بداءة ، أن ما يرد فى الاتفاقية من نصوص تتعرض لتفسير أحكامها والأسس التى ينبغى أن يقوم عليها هذا التفسير ، إنما تتصل صلة وثيقة بتفسير عقد البيع الدولى الذى تحكمه الاتفاقية ، كذلك فإن وضع معيار لتفسير إرادة المتعاقدين قبل التعاقد إنما يستهدى به عند تفسير العقد .
    ونعرض فى مبحثين على التوالى لقواعد التفسير ، ثم لإثبات عقد البيع الدولى للبضائع .
    المبحث الأول
    قواعد التفسير
    82 – تفسير أحكام الاتفاقية :
    تنص المادة 7 من اتفاقية فيينا فى فقرتها الأولى على أنه : " فى تفسير هذه الاتفاقية يؤخذ فى الاعتبار طبيعتها الدولية والحاجة إلى تحقيق التوحيد عند تطبيقها ، ومراعاة حسن النية فى التجارة الدولية " . { صفحة 114 }
    ويقصد هذا النص تفادى الرجوع إلى القوانين الوطنية لتفسير أحكام اتفاقية فيينا ولتحقيق الهدف منها من بلوغ التوحيد ، لأن الرجوع إلى القوانين الوطنية عند عرض النزاع على المحاكم للدول المختلفة من شأنه أن يعطى تفسيراً مختلفاً لأحكام الاتفاقية . ويختلف بالتالى أسلوب تطبيقها من دولة إلى دولة ، الأمر الذى يخرج بالاتفاقية عن أهدافها وهى التوحيد الدولى المنشود لأحكام عقد بيع البضائع ، لذلك حرص نص المادة 7/1 من الاتفاقية على ضرورة مراعاة أسس ثلاثة عند تفسير أحكامها :
    ( أ ) الطبيعة الدولية للاتفاقية . وذلك حتى لاتتوسع المحاكم فى الرجوع إلى قوانينها الوطنية .
    (ب) الحاجة إلى تحقيق التوحيد وهذا الأساس الذى ورد فى المادة 7/1 يحث بوضوح على التحرز عند تفسير الاتفاقية من الرجوع إلى أحكام القوانين الوطنية لأن من شأن هذا الرجوع ألا يتحقق توحيد قانون التجارة الدولية بشأن البيع الدولى للبضائع ، أما التمسك بهدف التوحيد فإن من شأنه أن يحصر المفسر لأحكام الاتفاقية فى نطاق نصوصها والأسس التى تقوم عليها .
    (جـ) مراعاة حسن النية فى التجارة الدولية . ويقضى هذا المبدأ بأن يراعى عند تفسير الاتفاقية الأخذ بما يحقق مصلحة التجارة الدولية وما تتطلبه من أن يسود بين أطراف العلاقة التجارية الدولية مبدأ حسن النية . وتهدف الاتفاقية أيضا بإيراد هذا الأساس إلى تفادى لجوء المحاكم إلى الرجوع إلى قوانينها الوطنية عند تفسير أحكام الاتفاقية .
    83 – القاعدة الواجبة التطبيق على المسائل التى أغفلت الاتفاقية تنظيمها :
    تضمنت المادة 7/2 نصا يقضى بتحديد القاعدة التى تطبق على المسائل التى نظمتها الاتفاقية بالنص على أن : { صفحة 115 }
    " المسائل المتعلقة بالموضوعات التى تحكمها هذه الاتفاقية ولا يوجد بشأنها نص صريح ، يقضى فيها وفقا للمبادئ العامة التى تقوم عليها ، وعند عدم وجود هذه المبادئ ، يقضى فيها وفقا للقانون الواجب التطبيق حسبما تشير قواعد القانون الدولى الخاص " .
    ويعرض هذا النص للحالة التى يعرض فيها أمام المحاكم الوطنية نزاع يثير تطبيق الاتفاقية كالتزام البائع بتسليم بضاعة من النوع المتفق عليه بين طرفى عقد البيع ، فهذا الالتزام يدخل ضمن نطاق الاتفاقية ، فإذا طلب المشترى إبطال العقد على أساس الغلط فى صفة جوهرية للبضاعة محل البيع (34) ، فإن هذه المسألة لم تنظمها اتفاقية فيينا، ففى هذه الحالة يقضى فيها وفقا للمبادئ العامة التى تقوم عليها هذه الاتفاقية ، وهذه المبادئ وان لم ينص عليها صراحة فيها ، فمن اليسير أن نستخلصها من مجموع نصوص الاتفاقية ومن الأعمال التحضيرية لها ، والمناقشات التى دارت فى المؤتمرات الدولية التى تولت إعدادها ، ومنها الأخذ بمبدأ سلطان الإرادة ، ومراعاة التوازن بين التزامات طرفى البيع ، والنظر إلى صالح التجارة الدولية ، والتضييق من اجازة فسخ العقد عند الإخلال بأحد التزاماته (35) .
    ويطابق نص المادة 7/2 من اتفاقية فيينا نص المادة 17 من القانون الموحد لاتفاقية لاهاى سنة 1964 ، إلا أن نص اتفاقية فيينا أضاف ما لم يتضمنه القانون الموحد وهو النص على تطبيق القانون الواجب التطبيق وفقا لقواعد الإسناد التى يحيل إليها القانون الدولى الخاص ، لذلك فإن اتفاقية فيينا تترك مجالا فى هذه الحالة لتطبيق الحلول الواردة فى القوانين الوطنية عند عدم استخلاص المبادئ العامة التى تقوم عليها اتفاقية فيينا . { صفحة 116 }
    ويلاحظ أن المبادئ العامة التي تقوم عليها اتفاقية فيينا يمكن البحث عنها في النظم القانونية للدول المتعاقدة ، بحيث نستخلص المبادئ المشتركة لهذه النظم وتعتبر بمثابة قواعد عامة للاتفاقية .
    84 – نية المتعاقد كأساس للتفسير :
    المفروض أنه لا محل للبحث عن نية المتعاقدين ، عند وضوح عبارة العقد ، وتقرر المادة 150/1 من التقنين المدنى المصرى هذا المبدأ بقولها وإذا كانت عبارة العقد واضحة ، فلا يجوز الانحراف عنها عن طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين . ويبرر هذا الحكم بأن الانحراف عن عبارة العقد الواضحة فيه مخالفة للقانون ، أما إذا كان هناك محل لتفسير العقد فإن الفقرة الثانية من المادة 150 مدنى مصرى تقضى بأنه يجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفى للألفاظ ، مع الاستهداء فى ذلك بطبيعة التعامل ، وما ينبغى أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين ، وفقا للعرف الجارى فى المعاملات . أما فيما يتعلق بعقد البيع الدولى للبضائع ، فقد أشارت المادة 8 من الاتفاقية إلى قاعدة تتعلق بتفسير التعبير عن إرادة أحد المتعاقدين سواء أكان هذا التعبير صريحاً أم ضمنياً يستخلص من سلوك أحد الطرفين المتعاقدين ، لذلك فإن هذه المادة لا تتصل مباشرة بتفسير العقد مثل المادة 9 من الاتفاقية ، على ما سنرى ، وإنما بتفسير التعبير عن إرادة المتعاقد . على أننا نلاحظ أن لتفسير إرادة المتعاقد قبل التعاقد ، أهمية بالغة عند تفسير عقد البيع الدولى للبضائع ، وتجدر الإشارة إلى أنه لا محل لتفسير هذه الإرادة ، كما أنه لا محل لتفسير العقد إلا عند غموض التعبير أو نصوص العقد .
    وتنص الفقرة الأولى من المادة 8 من اتفاقية فيينا على أن :
    " يكون تفسير التعبير الصادر عن أحد الطرفين أو أى سلوك آخر{ صفحة 117} له ، في حدود أغراض هذه الاتفاقية ، وفقا لنيته التى يعلمها الطرف الآخر أو التى لا يمكنه أن يجهلها " .
    ويهدف هذا النص إلى تفسير التعبير الصريح عن إرادة المتعاقدين أو أى سلوك آخر يستخلص منه قانونا هذا التعبير بطريقة ضمنية ، فيتم التفسير طبقاً لنية الطرف الصادر عنه التعبير متى كان الطرف الموجه إليه التعبير يعلم هذه النية أو يفترض فيه أنه يعلمها (36) . وقد تعرضت الفقرة الثانية من المادة 8 من الاتفاقية للمعيار الذى يجب إتباعه عندما لا يثبت علم الطرف الموجه إليه التعبير بنية الصادر عنه التعبير ، أو أن الأول لا يمكن أن يفترض فيه هذا العلم ، وذلك بالنص على أن :
    " إذا لم يمكن تطبيق الفقرة السابقة ، فإن التعبير أو السلوك الذى يصدر عن أحد الطرفين ، يمكن تفسيره وفقا لما يفهمه شخص عاقل من نفس مستوى الطرف الآخر وفى نفس ظروفه " .
    ويلاحظ أن المعيار الذى أخذت به اتفاقية فيينا فى التعرف على نية المتعاقدين معيار موضوعى وليس معياراً شخصياً ، كما أن نص المادة 8 من الاتفاقية يعبر بوضوح عن ميل الاتفاقية إلى الأخذ بالإرادة الظاهرة أكثر من اتجاهها إلى الإرادة الباطنة ، إذ تعول على النية التى يعلمها الطرف الآخر أو ينبغى أن يعلمها ، فإذا لم يمكن الوصول إلى هذه النية وفقاً لهذا المبدأ ، فإننا نلجأ إلى المعيار { صفحة 118 } الموضوعى الذى عرضت له الفقرة الثانية من المادة 8 وهو معيار الشخص العاقل من نفس مستوى الشخص الموجه إليه التعبير وفى نفس ظروفه .
    ثم تعرضت الفقرة الثالثة من المادة 8 للعناصر التى يمكن الاستهداء بها للتعرف على فهم الشخص العاقل ، وذلك بقولها :
    " لتحديد نية أحد الطرفين أو ما يفهمه شخص عاقل ، يجب أن يؤخذ فى الاعتبار، ظروف الحال وخاصة المفاوضات التى تمت بين الطرفين ، وأية معاملات سابقة بين الطرفين أنفسهم ، وما جرى عليه العرف ، وأى سلوك لاحق للطرفين " .
    ويقترب هذا النص من نص المادة 150/2 من التقنين المدنى المصرى الذى عرضنا له فيما تقدم بشأن تفسير العقد ، فالتعرف على نية المتعاقدين يكون بالرجوع إلى ظروف الحال ، من ذلك المفاوضات التى تمت بين الطرفين ، وقد رأينا فيما تقدم (37) أن المفاوضات وان كانت لا تعتبر تعبيراً عن الإرادة ولا يترتب عليها بذاتها أثر قانونى ، إلا أن الرجوع إليها يفيد فى التعرف على نية المتعاقدين عند تفسير القصد أو تفسير إرادة أحد المتعاقدين ، ما لم ينص العقد ذاته على اعتبارها كأن لم تكن .
    كذلك يمكن الاستهداء ، للتعرف على نية المتعاقدين بالمعاملات السابقة بينهما ، وبالعرف الجارى فى المعاملات ، وبسلوك المتعاقدين بعد صدور التعبير عن إرادتهما . وبناء على ذلك ، فإن السكوت يمكن أن يعتبر قبولا ، إذا كانت المعاملات السابقة بين الطرفين أو العرف الجارى فى المعاملات يستدل منه على ذلك ، وهو ما يسمى بالسكوت الملابس (38 ) .{ صفحة 119 }
    وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن لمحكمة الموضوع السلطة التامة فى تعرف حقيقة العقد المتنازع عليه واستظهار مدلوله بما تضمنته عباراته ، على ضوء الظروف التى أحاطت بتحريره ، وما يكون قد سبقه أو عاصره من اتفاقات عن موضوع التعاقد ذاته (39) .
    ويبين مما تقدم مدى تشابه قواعد التفسير بين القانون المصرى واتفاقية فيينا .
    85 – دور العادات التجارية والتعامل السابق فى تفسير إرادة الطرفين :
    تجعل اتفاقية فيينا للعادات التجارية أهمية كبرى فى تكوين عقد البيع ، فتنص المادة 9/1 من الاتفاقية على أن :
    " يلتزم الطرفان بالعادات التجارية المتفق عليها بينهما وما يجرى عليه التعامل السابق بين الطرفين " .
    ويتبين من هذا النص أن للعادة التجارية والتعامل السابق أهمية كبرى فى تفسير إرادة طرفى العقد ، من ذلك مثلاً فإنه يمكن اعتبار السكوت قبولا فى بعض الحالات ، وهو ما يسمى بالسكوت الملابس ، برغم عدم النص صراحة على ذلك فى الاتفاقية ، وذلك وفقا لنص المادة 9/1 متى جرت العادة التجارية فى بعض الظروف أو جرى { صفحة 120} التعامل السابق بين الطرفين على اعتباره كذلك (40) . ويظهر هنا دور العادة التجارية أو التعامل السابق فى تفسير إرادة الموجه إليه للإيجاب .
    أما الفقرة الثانية من المادة 9 من اتفاقية فيينا فإنها تشير صراحة إلى أهمية العادات التجارية فى تفسير إرادة الطرفين سواء بالنسبة لتكوين العقد أو بالنسبة لتفسير أحكام العقد ذاته ، فتقرر :
    " ما لم يتفق بين الطرفين على العكس ، يعتبر أنهما قد اتفقا ضمنا على أن يسرى على العقد بينهما أو على تكوينه ، العادة التجارية التى يعلمان بها أو يجب أن يعلما بها ، والتى تكون معروفة للكافة فى مجال التجارة الدولية ويراعيها المتعاقدون عادة فى العقود الدولية فى نفس نوع التجارة محل التعاقد " .
    ويعنى هذا النص أن العادة التجارية تعتبر ملزمة طبقاً لاتفاق ضمنى غير ظاهر بين المتعاقدين ، متى كان طرفا العقد يعلمان أو يجب أن يعلما بهذه العادة ، ولكن تحدد الفقرة الثانية من المادة 9 بعض المتطلبات القانونية لكى تعتبر مثل هذه العادة ملزمة للمتعاقدين وذلك باشتراط أن تكون معلومة للكافة فى مجال التجارة الدولية فى نفس نوع التجارة محل التعاقد ، ويراعيها المتعاقدون عادة فى هذا المجال .
    ويهدف هذا النص إلى منح قيمة قانونية كبيرة للعادات التجارية السائدة فى مجال التجارة الدولية فى نوع معين من أنواع النشاط ، على سبيل المثال ، فى التجارة الدولية للحبوب فإن العادات التجارية التى يتبعها المتعاقدون فى بيع وشراء الحبوب فى السوق الدولى يجب احترامها قانوناً عند تفسير عقد بيع يكون محله هذا النوع من التجارة (41) . {صفحة 121 }
    ويقلل هذا النص من أهمية العادات التجارية المحلية التى تعرفها البيوع الوطنية ، ولا يتبعها المتعاقدون عادة فى المعاملات الدولية ، فهى عادات لا يمكن أن يعترف بدوليتها لأن الطرف المتعاقد الأجنبى لا يعلمها ولا يفترض فيه أن يعلمها .
    وترجع أهمية العادات التجارية فى مجال عقد البيع الدولى إلى أنها تستمد إلزامها من الاتفاق الضمنى بين المتعاقدين على الأخذ بها ، وفى هذا تغلب اتفاقية فيينا إرادة الطرفين على أحكامها .
    المبحث الثانى
    إثبات عقد البيع الدولى للبضائع
    86 – مبدأ حرية شكل العقد :
    يعتبر مبدأ حرية تكوين إثبات التصرفات التجارية ، من المبادئ المسلم بها فى مختلف النظم القانونية . وبالرغم من أن اتفاقية فيينا تعالج البيع الدولى للبضائع وتنص صراحة على أنه لا يشترط أن يكون البيع تجارياً لكى يخضع لأحكامها ، إلا أنه من المقرر أن هذه الاتفاقية تنصرف أحكامها أساسا إلى البيع التجارى الدولى ، لذلك لم يكن من الغريب أن تقرر الاتفاقية مبدأ حرية كل من تكوين وإثبات عقد البيع الدولى للبضائع.
    وتنص المادة 11 من الاتفاقية على أن :
    " لا يشترط إبرام عقد البيع ولا إثباته بالكتابة ، فلا يخضع العقد لأى شرط شكلى. ويمكن إثبات العقد بأى طريق من طرق الإثبات بما فيها البينة " ، ومن هذا النص يبين أن عقد البيع الدولى للبضائع يعتبر وفقا لاتفاقية فيينا عقداً رضائياً وليس عقداً شكلياً ، فلم تشترط لإبرام هذا العقد أن يفرغ فى شكل معين . { صفحة 122 }
    ومن ناحية أخرى ، فإن الاتفاقية قررت أيضا عدم خضوع إثبات هذا العقد لشكل معين ، فهو يخضع لمبدأ حرية الإثبات ، فيجوز إثباته بكافة طرق الإثبات بما فى ذلك شهادة الشهود .
    وقد جاء نص المادة 11 من اتفاقية فيينا على هذا النحو ليستجيب لحاجات التجارة الدولية ، التى تتحرر من قيود الشكل عند إبرام عقد البيع الدولى .
    87 – شرط التحفظ على مبدأ حرية تكوين وإثبات العقد :
    إذا كان مبدأ حرية تكوين وإثبات عقد البيع الدولى للبضائع هو الأصل وفقاً لأحكام اتفاقية فيينا ، فإن الاتفاقية راعت أن قوانين بعض الدول ، قد تتطلب شكلاً معيناً لتكوين عقد البيع ، لذلك وضعت الاتفاقية تحفظاً على مبدأ حرية شكل العقد ، يجيز للدول التى تأخذ به ، أن تطبق القاعدة التى يأخذ بها قانونها الوطنى متى كان واجب التطبيق على العقد وفقاً لقواعد تنازع القوانين ، إذا كان هذا القانون يتطلب الكتابة كشكل للعقد.
    لذلك نصت المادة 12 من الاتفاقية على أن :
    " لا تطبق بخصوص كل من المادة 11 والمادة 29 والقسم الثانى من هذه الاتفاقية ( المتعلقة بتكوين عقد البيع ) والتى تسمح بأن يتم عقد البيع أو أى تعديل أو إنهاء له بالتراضى أو بأن يصدر الإيجاب أو القبول أو أى تعبير عن الإرادة فى أى شكل آخر غير الكتابة ، عندما يكون مركز أعمال أحد المتعاقدين فى دولة متعاقدة تكون قد أخذت بالتحفظ الوارد فى المادة 96 من هذه الاتفاقية . ولا يجوز للمتعاقدين مخالفة هذه المادة أو تغيير أثرها " .
    ويلاحظ على هذا النص ما يأتى :
    1 – يشير إلى عدم تطبيق المادة 11 والتى رأينا حكمها فى البند السابق والتى تقضى بمبدأ حرية شكل عقد البيع . وكذلك { صفحة 123 } المادة 29 من الاتفاقية التى تقرر فقرتها الأولى أن عقد البيع يمكن تعديله أو انهاؤه بمجرد تراضى الطرفين . بينما تقضى الفقرة الثانية منها بأن العقد المكتوب الذى يتضمن شرطاً يتطلب أن يتم أى اتفاق على تعديل أو إنهاء العقد بالكتابة فإنه لا يكفى التراضى لتعديل أو إنهاء العقد وعلى أية حال فإن سلوك أحد الطرفين يمكن أن يمنعه من التمسك بهذا النص إذا اعتمد الطرف الآخر على هذا السلوك . وكذلك يشير نص المادة 22 إلى عدم تطبيق أحكام القسم الثانى من الاتفاقية الذى يتضمن قواعد الإيجاب والقبول . أى أن النص يشير إلى عدم التقيد بأحكام الاتفاقية التى لا تشترط شكلاً معيناً للتعبير عن الإرادة عند إبرام عقد البيع إذا كان مركز أعمال أحد المتعاقدين فى دولة متعاقدة أخذت بالتحفظ الوارد فى المادة 96 من الاتفاقية .
    2 – تقضى المادة 96 من الاتفاقية بإيراد تحفظ من شأنه ، أنه يجوز لأية دولة متعاقدة يتطلب قانونها أن يبرم عقد البيع أو يثبت بالكتابة ، أن تعلن فى أى وقت وطبقاً للمادة 12 من الاتفاقية بأن نصوص المادة 11 والمادة 29 والقسم الثانى من الاتفاقية ( المتعلق بالإيجاب والقبول ) والتى تسمح بأن يتم عقد البيع أو تعديله أو انهاؤه بالتراضى أو أن يصدر الإيجاب أو القبول أو أى تعبير عن الإرادة فى أى شكل غير الكتابة ، بألا تطبق هذه الأحكام إذا كان مركز أعمال أى من طرفى العقد فى هذه الدولة ( أى الدولة التى تعلن الأخذ بالتحفظ المشار إليه فى المادة 96 ) .
    ويلاحظ أن هذا التحفظ لا يشترط لنفاذه الأخذ به عند التصديق على الاتفاقية أو الانضمام إليها وإنما يمكن الأخذ به فى أى وقت ، أى تستطيع أن تعلن أية دولة متعاقدة الأخذ بهذا التحفظ حتى بعد الانضمام إلى الاتفاقية .
    3 – تؤكد الجملة الأخيرة من المادة 12/2 من الاتفاقية أن نص المادة 12 يعتبر آمراً فلا يجوز للمتعاقدين النص على مخالفته أو تغيير حكمه أو أثره .{ صفحة 124 }
    88 – المقصود بالكتابة فى اتفاقية فيينا :
    رأينا من عرض النصوص الواردة فى اتفاقية فيينا بشأن شكل العقد ، أن الأصل هو حرية شكل عقد البيع ، والاستثناء أن تأخذ بعض الدول بالتحفظ الوارد فى المادة 96 من الاتفاقية ، فتطبق أحكام قوانينها التى تتطلب الكتابة كشكل لإبرام عقد البيع أو كشرط لإثباته . ويقصد بالكتابة ، كل محرر مكتوب صادر عن المتعاقدين . على أن معنى الكتابة فى مجال قانون التجارة الدولية ، ووفقا للاتجاه الحديث لا يشمل فقط كل محرر مكتوب يثبت أنه صادر عن أحد المتعاقدين أو عنهما معا وذلك بتوقيعه ممن صدر عنه ، بل يشمل المحرر المكتوب وفقا للمعنى الحديث فى قانون التجارة الدولية أى محرر يثبت إرساله من أحد الطرفين إلى الآخر ولو لم يكن موقعاً بخط الصادر منه هذا المحرر من ذلك البرقية والتلكس . لذلك نصت المادة 13 من اتفاقية فيينا على تقنين هذا المبدأ صراحة ، فتقرر أنه :
    " فى تطبيق أحكام هذه الاتفاقية ، تشمل الكتابة ، البرقية والتلكس "
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    هوامش الفصل الثانى
    (1) (1) أنظر ما تقدم رقم 40 .
    (2) (2) محسن شفيق رقم 219 ص 132 و 133 .
    (3) (3) شليشتريم ص 48 .
    (4) (4) الأستاذ السنهورى فى الوسيط ، جـ 1 ، المجلد الأول ، الطبعة الثالثة سنة 1981 رقم 72 ص 213 .
    (5) (5) نقض مدنى فى 19 يونيه 1969 ، مجموعة أحكام النقض ، السنة 20 رقم 159 ص 1017 .
    (6) (6) السنهورى ، المرجع السابق رقم 100 ص 261 ، 262 .
    (7) (7) نقض مدنى فى 9 فبراير 1967 ، مجموعة أحكام النقض ، السنة 18 رقم 52 ص 334 .
    (8) (8) السنهورى ، رقم 101 ، ص 264 .
    (9) (9) السنهورى ، رقم 102 ، ص 264 .
    (10) (10) نلاحظ أن صياغة نص الفقرة الثانية من المادة 14 من الاتفاقية فى النسخة الفرنسية تختلف عن النسخة الإنجليزية ، إذ جاء فى النسخة الفرنسية أن توجيه العرض إلى أشخاص غير محددين personnes indéterminée يعد مجرد دعوة إلى الإيجاب . أما النص الإنجليزى فقد قرر أن العرض الموجه إلى غير شخص أو أشخاص محددين يعد مجرد دعوة لتقديم إيجاب ، بيد أن المعنى الذى يمكن أن يستخلص من النصين الفرنسى والإنجليزى واحد على النحو الذى عرضنا له فى المتن ، فالمقصود توجيه العرض إلى الجمهور .
    (11) (11) السنهورى ، رقم 100 ، ص 261 و 262 وهامش 21 من الصفحة الأخيرة .
    (12) (12) السنهورى : المرجع السابق رقم 81 ، ص 227 و 228 .
    (13) (13) السنهورى ، رقم 103 ، ص 264 .
    (14) (14) السنهورى ، رقم 104 ، ص 265 و 266 .
    (15) (15) شليشتريم ص 52 .
    (16) (16) ، (17 ) السنهورى رقم 104 ص 267 .
    (18) (18) محسن شفيق ، رقم 227 ص 139 .
    (19) (19) محسن شفيق هامش 2 من ص 140 .
    (20) (20) السنهورى ، المرجع السابق رقم 113 ص 282 وما بعدها .
    (21) (21) شليشتريم ص 54 . وطبقا لنص المادة 9 من الاتفاقية الواردة بشأن تفسير العقد ، يلتزم المتعاقدان بالعادات التجارية التى يتفقا على الالتزام بها وكذلك بالتعامل السابق بينهما . أنظر ما سيأتى لاحقاً بشأن تفسير العقد فى الفصل الثانى .
    (22) (22) محسن شفيق رقم 232 ص 142 .
    (23) (23) السنهورى رقم 111 ص 277 .
    (24) (24) عبر النص الفرنسى عن عبارة " بصفة خاصة " بكلمة notamment أما النص الإنجليزى فقد عبر عن هذا المعنى بعبارة among other things وهو تعبير أكثر صراحة فى أن التحديد الوارد فى النص على سبيل المثال وليس حصريا.
    (25) (25) شليشتريم ص 56 .
    (26) (26) محسن شفيق ، رقم 232 ص 144 .
    (27) (27) كذلك تضمن القانون الموحد لاتفاقية لاهاى سنة 1964 حكما لم يرد فى اتفاقية فيينا يقضى بأنه متى كان الإيجاب شفوياً وجب أن يكون القبول فوريا إلا إذا اتضح من الظروف اتجاه نية الموجب إلى منح المخاطب مهلة للتفكير ( المادة 8/1 ) .
    (28) (28) محسن شفيق رقم 234 ص 144 .
    (29) (29) انظر ما تقدم رقم 68 .
    (30) (30) السنهورى رقم 81 ص 228 .
    (31) (31) أنظر ما تقدم رقم 73 .
    (32) (32) أنظر ما تقدم رقم 71 .
    (33) (33) اعتمدنا فى عرضنا الموجز لهذه النظريات على مؤلف الأستاذ السنهورى المشار إليه فيما تقدم ، من رقم 123 إلى رقم 126 ص 309 – 310 .
    (34) (34) شليشتريم ص 38 .
    (35) (35) محسن شفيق رقم 249 ص 154 .
    (36) (36) ويقترب هذا الحكم من رأى يقول به الدكتور أحمد الشيتى فى رسالته تكوين العقد وتفسيره فى القانون المصرى الجديد ص 58 وأشار إليه الأستاذ السنهورى المرجع السابق ص 821 ، وهو أن النية المشتركة للمتعاقدين تتمثل فى الإيجاب الموجه من الموجب إلى الطرف الآخر ، مفهوماً على النحو الذى أخذ به الطرف الآخر أو كان يستطيع أن يأخذ به ، فالإيجاب يصدر من الموجب ويتلقاه الطرف الآخر ، ويفهمه أو كان يستطيع أن يفهمه على نحو معين ، فهذا الفهم الحاصل فعلا أو المستطاع تحصيله هو الذى يقف عنده لأنه هو القدر المتيقن الذى يتلاقى عنده المتعاقدان .
    (37) (37) أنظر ما تقدم رقم 66 .
    (38) (38) أنظر ما تقدم رقم 71 .
    (39) (39) نقض مدنى فى 16 مايو سنة 1967 مجموعة النقض السنة 18 رقم 150 ص 1005 ونقض مدنى فى 24 مايو سنة 1962 المجموعة السنة 13 ص 963. على أن التكييف القانونى الصحيح لما قصده المتعاقدان وإنزال حكم القانون على العقد هو مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض ، أنظر نقض مدنى فى 9 مارس سنة 1972 المجموعة السنة 23 رقم 29 ص 276 ونقض مدنى فى 2 يونيو سنة 1970 المجموعة السنة 21 رقم 152 ص 951 .
    (40) (40) شليشترم ص 42 .
    (41) (41) شليشترم ص 41 .

    منقول
    تابع / إنتهى بحمد الله .
     
    آخر تعديل: ‏10/2/12
  2. العدالة

    العدالة عضو متألق

    إنضم إلينا في:
    ‏15/7/11
    المشاركات:
    932
    الإعجابات المتلقاة:
    17
    الإقامة:
    حيث يوجد الظلم حتى أقضي عليه بعون الله و توفيقه
    رد: العقود التجارية الدولية – الجزء 6 -

    بوركت جهودك ...

    مزيدا من التألق ...
     
  3. 7anouna

    7anouna عضو متألق

    إنضم إلينا في:
    ‏27/9/11
    المشاركات:
    1,104
    الإعجابات المتلقاة:
    14
    الإقامة:
    ح ـيث ترى الـ ج ـسور
    رد: العقود التجارية الدولية – الجزء 6 -

    شكرا لك على هذا الجهد المميز
    بارك الله فيك و نفع بك
     
  4. youcef66dz

    youcef66dz عضو متألق

    إنضم إلينا في:
    ‏3/10/09
    المشاركات:
    3,788
    الإعجابات المتلقاة:
    78
    رد: العقود التجارية الدولية – الجزء 6 -

    العفو ... و فيكم بركة ، شكرا على المرور الكريم .
     

مشاركة هذه الصفحة