مرحبا بك زائرنا الكريم

أهلا و سهلا بك في منتديات الحقوق و العلوم القانونية , إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل معنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه

Register تسجيل الدخول

الحماية الجنائية للمستند الإلكترونى - الجزء الثاني -

7anouna

عضو متألق
المشاركات
1,105
الإعجابات
19
النقاط
38
الإقامة
ح ـيث ترى الـ ج ـسور
الحماية الجنائية للمستند الإلكتروني -الجزء الثاني-

- دراسة مقارنة -


د. أشرف توفيق شمس الدين




• خطة البحث:

نقسم الدراسة إلى فصلين نتناول في الأول ماهية المستند الإلكتروني، فنبين مدلوله ونطاقه وتمييزه عما قد يختلط به من أفكار، وفي الثاني نتناول بالبحث الأفعال الإجرامية التي تنال من المستند الإلكتروني وخطة التشريعات المقارنة في تجريمها. ونتناول في خاتمة الدراسة أهم النتائج التي اسفر البحث عنها.



الفصل الأول:ماهية المستند الإلكتروني

تقسيم:

نتناول في هذا الفصل بيان مدلول المستند الإلكتروني وتحديد عناصره، ثم نبين الصلة بينه وبين بعض الحقوق والمصالح التي يحميها الشارع وتمييزه عما قد يختلط به من افكار وذلك في مبحثين مستقلين.

المبحث الأول:مدلول المستند الإلكتروني

تمهيد:

تتعدد التعاملات الإلكترونية وتختلف فيما بينها إختلافا كبيرا، فمن ناحية قد تكون هذه التعاملات على شبكات اتصال مفتوحة للكافة دون تمييز كشبكة الإنترنت أو شبكات مغلقة يقتصر التعامل من خلالها على عدد محدود من الأفراد أو الهيئات، ومثالها الشبكات الخاصة بالشركات والمؤسسات الحكومية والهيئات التي تقدم خدمات مثل الرعاية الصحية والتأمينية . وقد أسهمت نظم جديدة في الإتصالات في زيادة أهمية وكفاءة المعاملات الإلكترونية ومثالها الشبكات الخاصة للمعاملات (سويفت) التي بمقدورها إتمام التصرف في لحظات معدودة، وكذلك وسائل الإتصال عن بعد ونظم التبادل الإلكتروني للبيانات .
مدى الحاجة إلى تحديد ماهية المستند الإلكتروني: تبرز الحاجة إلى تحديد مدلول محدد للمستند الإلكتروني، وذلك حتى يتسنى تحديد نطاقه ومعالمه واستظهار الأفعال الماسة به. وتبدو أهمية تحديد هذا المدلول من اختلاف خطة التشريعات في النص على المستند الإلكتروني وفي مدى الحماية المقررة له في التشريعات. فغالبية التشريعات لا تفرد نظرية عامة للمستند الإلكتروني، ولا تحدد قواعد عامة تسري على أي مستند تتوافر له الصفة الإلكترونية؛ وإنما تقتصر هذه التشريعات – كما سنرى – على النص على أهم تطبيقات فكرة المستند الإلكتروني مثل التوقيع والسجلات الإلكترونية.


إختلاف الرأي في استيعاب مدلول المستند العادي للمستند الإلكتروني:


لم تضع الكثير من التشريعات نصوصا تحدد بموجبها فكرة المستند الإلكتروني وتحدد قوته في الإثبات وتعاقب على المساس به. وقد نتج عن هذا النقص التشريعي أن ثار الخلاف في الفقه عن سريان النصوص العقابية التي تحمي المحررات الورقية على المستند الإلكتروني، فذهب رأي الفقه إلى وجوب تفسير تعبير "المستند" الوارد في النصوص السارية تفسيرا واسعا بحيث تشمل معه المستند الإلكتروني؛ بينما لا يؤيد رأي آخر هذه الواجهة.
التفسير الواسع لفكرة المستند: يذهب هذا الرأي إلى أن تعبير "مستند" يمكن أن يمتد ليشمل المستند الورقي والإلكتروني، ذلك أن الأصل اللغوي لكلمة مستند لا يقتصر على نوع معين، وإنما يشمل الكتابة على الورق بمدلولها التقليدي، كما يتسع لغيرها من الصور ومنها الكتابة الإلكترونية. وأنه لا يشترط في التوقيع على المستند إلا أن يكون هذا التوقيع دالاً على نسبة هذا المستند إلى صاحبه، وأن كل وسيلة تقوم بوظيفة التوقيع في تحديد هوية الموقع وإنصراف إرادته الجازمة للالتزام بمضمون ما وقع عليه تعتبر بمثابة توقيع . وفي نظر هذا الرأي فإنه يجب التخلي عن المفاهيم التقليدية "للمحرر"، "الكتابة"، "التوقيع"، وأنه يجب الإعتداد بالمستند الإلكتروني الذي تتوافر به من الضمانات التقنية ما يعادل الضمانات السائدة في المستندات الورقية . وأنه لا يوجد إرتباط بين فكرة الكتابة والورق، فلا يشترط أن تكون الكتابة قد تمت على ورق موقع بمعناه التقليدي. ويعقد هذا الراي مقارنة بين التوقيع الخطي وبين التوقيع بالختم والبصمة، فيقول بأنه إذا كان الشارع يقبل التوقيع بالأخرين على الرغم من أن الخاتم منفصل عن صاحبه ويمكن التحصل عليه بعيدا عن صاحبه، وكذلك الشأن في البصمة التي يمكن أخذها من إبهام شخص نائم أو مغشي عليه بما يعني أن عناصر الأمان لا تتحقق أيضا بالنسبة إليهما . ويضيف بأنه إذا كان الأصل في إثبات العمليات التجارية هو مبدأ حرية الإثبات التي تسمح بإثبات التصرفات بكافة طرق الإثبات دون أن يقام الدليل عليها، وأن تطبيق هذا المبدأ يقتضي أن يترك للقاضي تقدير قوة الدليل المستمد من الوسائل الحديثة . وينتهي هذا الرأي إلى أن المساواة بين مدلول المستند الإلكتروني والمستند الورقي يمكن أن يتحقق بالتوسع الفقهي والقضائي في تفسير النصوص القائمة، وإعطاء مدلول للمستند يشمل معه كافة الصور التي يمكن أن تنطوي تحت هذا المدلول .

التفسير الضيق للمستند: يذهب الرأي الغالب في الفقه إلى أن النصوص الحالية قد وضعت لتنظيم ما يتعلق بالمستند الورقي، وأنه لا يمكن القول بإعادة تفسير النصوص الحالية وسريانها على المستند الإلكتروني، وأنه لا بد من صدور تنظيم تشريعي للمستند الإلكتروني يراعي الضمانات التي يجب ان تتوافر في هذا المستند حتى يكفل له الفاعلية في التعامل والقبول في التعاملات . ويضرب أنصار هذا الرأي مثلا بجريمة التزوير التي ترتبط في نظر الكثير من التشريعات بوجود فكرة المحرر، ويترتب على انتفائه انتفاء الجريمة ذاتها، ومن هذه التشريعات الكثيرة من تشريعات الدول العربية، فلا يعد المستند الإلكتروني في نظر هذه التشريعات من قبيل المحرر ومن ثم تنحسر عنه جريمة التزوير . وسند هذا الرأي أن مدلول المحرر الذي عاقبت التشريعات على المساس به يتصل على وجه اللزوم "بالسندات والأوراق"، فعلى سبيل المثال، فإن الشارع المصري قد أورد في المادة 211 كبيان للمحرر "الأحكام أو التقارير أو المحاضر أو الوثائق أو الدفاتر أو غيرها من السندات والأوراق الأميرية"، ثم أحال الشارع إلى هذه "السندات والأوراق الأميرية في المادتين 212، 213 من قانون الأوراق المزورة المذكورة في المواد السابقة". ولم يخرج الشارع المصري عن هذا المدلول للمحرر في كل جرائم التزوير الأخرى مثل التزوير في المحررات العرفية والتزوير في محررات الشركات المساهمة. وأنه مما يدل قطعا على إرتباط فكرة المحرر بفكرة المستند الورقي أن الشارع المصري حينما أراد تجريم صور لا يتحقق فيها هذا المدلول، فإنه نص صراحة على هذه الصور بنصوص خاصة . وقد التزم القضاء المصري بهذا المدلول . وعلى الرغم من أن الفقه المصري يميل إلى أن مادة المحرر قد تكون ورقية أو غير ورقية ومن ثم يعتبر أن الكتابة على غير المستند الورقي تدخل في مدلول المحرر ، فإن النصوص التشريعية واتجاه القضاء لا يساعد على هذا التوسع . ويرى أنصار هذا الرأي أن التزوير الحاصل في المستندات الإلكترونية يخرج عن مدلول التزوير الحاصل على المحررات: وعله ذلك أن فكرة التزوير في المحرر تقتضي أن يعبر المحرر عن فكر إنساني وأن يكون وجودا ماديا ملموسا يمكن رؤيته بالعين المجردة، وذلك على خلاف البيانات الإلكترونية التي لا يمكن رؤيتها بغير الوسائل الفنية التي تمكن من ذلك .

ويضيف البعض حجة أخرى هي أن التشريعات التي تتعلق بالإثبات المدني لم تجعل للبيانات الإلكترونية أي حجية في الإثبات، ومن أمثلة ذلك قانون البيانات الأردني الذي لا يجعل لهذه البيانات قيمة في الإثبات .

تقدير الرأيين: في تقديرنا أن الرأي الموسع لمدلول المستند ليشمل المستند بمعناه التقليدي والمستند الإلكتروني هو رأي محل نظر: ذلك أن نقطة البدء في هذا الرأي هو أنه لا يوجد شكل معين للكتابة يجب الإلتزام به، ومن ثم لا يوجد ما يحول دون الإعتداد بالمحرر والتوقيع الإلكتروني حتى في ظل غياب النص، ونقطة البدء هذه – في تقديرنا – غير دقيقة، ذلك أن الكتابة التي يعتد بها أي نظام قانوني يجب ان تتمتع بصفات معينة تكفل لها تحقق دورها في إثبات المعاملات، ولذلك لم يثر شك في أن الكتابة بمداد يزول بعد فترة من الوقت أو الكتابة على الآلات والأدوات وغيرها من صور لا تدخل في نطاق الكتابة بمعناها القانوني، ومن اصول التفسير في هذه الحالة أن يفترق المدلول الإصطلاحي للكتابة عن مدلولها اللغوي، ولا يجوز في تقديرنا أن نفسر النصوص التي نصت على فكرة المحرر والكتابة والتوقيع لنمدها إليها إذا تحققت بوسيلة إلكترونية والسبب في ذلك أن فكرة المستند الإلكتروني بمعناه الواسع ونظم حمايته وتأمينه لم تزل حتى الآن عرضه للتطور التقني، ولا يجوز التضحية باستقرار التعاملات قبل التأكد من أداء المستند الإلكتروني لدوره الذي يجب أن يرسمه له القانون. وأنه حتى بفرض صحة المساواة بين الكتابة العادية والإلكترونية، فإن هناك سببا يحول دون المساواة التلقائية بين الفكرتين: هذا السبب يرجع إلى أن الأخذ بفكرة التوقيع الإلكتروني على سبيل المثال يجب ان يقترن بتنظيم تشريعي دقيق يحدد طرق هذا التوقيع وصوره وآثاره في الإثبات وضماناته وسبل حمايته وينص على شهادات توثيق هذا التوقيع ويحدد الجهة المختصة بمنح هذه الشهادات وأوضاعها وشروطها وآثارها القانونية وجزاء الإخلال بها وغيرها من شروط، وإذا لم ينص الشارع على هذا التنظيم، فإنه يبدو من غير المنطقي – في تقديرنا – ان نعترف للتوقيع الإلكتروني بقوته في الإثبات، وسوف يترتب على الأخذ بالتوسع في مدلول فكرة المحرر والتوقيع على النحو الذي ينادي به الرأي الموسع – دون وجود تنظيم تشريعي – إلى إثارة مشكلات كبيرة في الإثبات وهو ما يهدد استقرار المعاملات بدلا من تدعيمه. وإذا كان من الأصول المستقر عليها أنه إذا تعارضت إعتبارات العدالة مع اعتبارات الأمان والإستقرار القانوني فإن الإعتبارات الأخيرة هي الأولى بالرعاية . فإنه من باب أولى إذا تعارضت هذه الإعتبارات مع إعتبارات تسهيل المعاملات وسرعة إنجازها، فلا يجوز التضحية بأمان واستقرار المعاملات في هذه الحالة.

وأخيرا فإنه ما ينال من الرأي الموسع أن التشريعات المدنية والتجارية المقارنة التي أقرت فكرة المستند الإلكتروني قد لجأت إلى إصدار تشريعات خاصة تنظم تطبيقات هذا المستند مثل السجلات والتوقيع الإلكتروني، وإذا كان هذا الرأي صحيحا لكانت هذه التشريعات قد ساوت في التطبيق بين فكرتي المستند دون حاجة إلى نصوص خاصة وهو ما لم يحدث، ما يدل على أن عدم جواز إجراء هذه المساواة من خلال التوسع في التفسير، لأن هذا التوسع لا يلتقي مع المعنى الإصطلاحي للكتابة حتى الآن.

وفي تقديرنا أن الرأي المضيق لمدلول المستند هو الأدنى إلى اتفاقه مع النصوص التشريعية، وأن دليل ذلك أن الشارع المصري قد وضع نصا خاصا في قانون الأحوال المدنية رقم 143 لسنة 1994 يساوي فيه بين السجلات الورقية والسجلات المخزنة من خلال الحاسب الآلي، وأنها تعتبر محررات رسمية (المادة 72 من هذا القانون). فإنه إذا كانت هذه المساواة يمكن التوصل إليها من خلال تفسير النصوص القائمة لما كان الشارع المصري بحاجة إلى افراد هذا النص، ولما كانت التشريعات المقارنة قد وضعت نصوصا خاصة تجرم بمقتضاها الإعتداء على البيانات الإلكترونية.


عناصر فكرة المستند الإلكترونية: يثور التساؤل عن العناصر المميزة للمستند الإلكتروني، وهذه العناصر تعد في الوقت ذاته ضابطا يمكن من خلالها تحديد معالم ونطاق المستند الإلكتروني، ومن ثم تحديد الأفعال التي تنال منه وتنطوي على مساس به، كما أن تطبيق هذا الضابط يؤدي إلى إمكانية التمييز بين المستند الإلكتروني وبين غيره من صور قد تخلط به.

وفي تقديرنا أن المستند الإلكتروني يتميز بأنه ينطوي على ثلاثة عناصر الأول أن يتضمن تعبير عن المعاني والأفكار الإنسانية المترابطة، والثاني أن يكون هذا التعبير له قيمة قانونية، والثالث أن يتصف هذا المستند بالصفة الإلكترونية. والتعبير المترابط عن المعاني يعني أن يكون ما يحويه المستند يكون أداة للتفاهم وتبادل الأفكار. وفي هذا تأكيدا للدور الإجتماعي للمستند بإعتباره وسيلة للمعاملات القانونية . والأهمية القانونية للمستند تعني أن يترتب على المساس به وقوع ضرر على النحو المقرر في جرائم التزوير المستند العادية ، ومن أمثلة ذلك أن يقع المساس في بيان أعد المستند لإثباته، كالتوقيع الإلكتروني؛ أو أن ينصب على بيان يمكن أن يتخذ سندا أو حجة بالمعنى القانوني ولو كان على نحو عارض ومن أمثلة ذلك أن ينصب التزوير على تاريخ المستند الإلكتروني على الرغم من أن التاريخ قد لا يكون بيانا أعد المستند لإثباته. وهذه الخطة قد انتهجتها الكثير من التشريعات المقارنة، من ذلك على سبيل المثال ما نص عليه الشارع الألماني في جريمة تزوير السجلات الإلكترونية من وجوب أن ينطوي السجل الإلكتروني على "واقعة لها قيمة قانونية" .

وأما الصفة الإلكترونية للمستند فتعني أن العمليات المختلفة التي تتصل بالمستند مثل كتابته أو حفظة أو استرجاعه أو نقله أو نسخة تتصل بتقنية تحتوي على ما هو كهربائي أو رقمي أو مغناطيسي أو لا سلكي أو بصري أو كهرومغناطيسي أو غيرها من العناصر المشابهة .

أوجه الشبه والإختلاف بين عناصر المستند الإلكتروني والمحرر:

يتماثل المستند الإلكتروني والمحرر في أن فحوى كل منهما الحقيقة التي يريد الشارع حمايتها . وأن كل منهما ينطوي على مجموعة من الرموز التي تعبر عن مجموعة مترابطة من الأفكار والمعاني الإنسانية، ويتماثل كل منهما كذلك في أنطوائهما على فكرة الضرر التي هي علة تجريم المساس بهما، كما يتماثلان في أنه قد تكون لهما الصفة الرسمية أو العرفية.

وإذا كان ما سبق هي اوجه الشبه فإن هناك أوجه إختلاف عديدة بينهما: ففكرة المحرر ترتبط بتسطير محتواه في صورة ورقية، بخلاف المستند الإلكترونية الذي يفترض أن تكون الكتابة لها الطبيعة الإلكترونية. وإذا كانت دلالة لما انطوى عليه المحرر يمكن التوصل إليها بمجرد النظر، فإن المستند الإلكتروني يقتضي أن يحفظ في نظام تشغيل الكتروني يمكن من خلاله الإطلاع عليه والوصول إلى محتواه ولا يمكن أن يتم ذلك بمجرد الرؤية المجردة. ومن ناحية أخرى فإنه إذا كانت فكرة المحرر تفترض أن بالكشف عن شخصية محرره أو يمكن التعرف عليه عن طريق المحرر، فإذا كان من المقرر أن تحديد الشخص الذي ينسب إليه السجل أو التوقيع الكتروني يعد بيانا لازما للإقرار بصحة المستند في كثير من الأحيان فإن هناك بعض الصور التي قد لا تتطلب ذلك، ومن أمثلة ذلك أن قواعد البيانات الإلكترونية قد لا تتضمن تحديد شخص محررها أو صفته دون أن ينال ذلك من الحماية الواجبة لها.

ومن الفروق المهمة بين المستند الإلكتروني والمحرر هو تحديد كيفية المساس بمحتوى كل منهما: فالمساس بمحتوى المستند الإلكتروني لا بد وأن يختلف عن طريق تغيير الحقيقة في المحرر، حتى ولو اتحدا في طريقه تغيير الحقيقة فإنه يبقى – مع ذلك – هناك فارق بين مدلول هذه الطريقة بينهما، فعلى سبيل المثال فإنه إذا كان تغيير الحقيقة في المحرر يمكن أن يقع بالمحو، فإن هذه الطريقة يختلف مضمونها بحسب ما إذا وردت على محرر أم مستند الكتروني. وقد ترتب كذلك على إختلاف الطبيعة بين المحرر والمستند الإلكتروني أنه إذا كان بالإمكان حصر طرق التزوير في المحرر؛ فإن هذه الطرق يجب النص عليها بصياغة مرنة يمكنها أن تستوعب صور تغيير الحقيقة في المستند الإلكتروني.

بعض التطبيقات التشريعية للمستند الإلكترونية: تختلف خطة التشريعات في النص على تطبيقات المستند الإلكتروني: فبعض هذه التشريعات يفرد التوقيع الإلكتروني بتنظيم مستقل، ويترك باقي تطبيقات المستند الإلكتروني للتنظيم العام الذي يتعلق بالبيانات والمعلومات الإلكترونية، ومن أمثلة هذه الوجهة القانون الفرنسي والألماني. بينما تذهب وجهة ثانية من التشريعات إلى النص على التوقيع والسجلات الإلكترونية معا بتنظيم مستقل ومفصل ومن أمثلة هذه الوجهة قانون التوقيع والسجلات الإلكترونية لولاية نيورك، إذ نص على صورتين فحسب من تطبيقات المستند الإلكتروني هما "التوقيع والسجلات الإلكترونية". في حين يتوسع اتجاه ثالث في النص على تطبيقات المستند الإلكتروني ليشمل العقود الإلكترونية، إضافة إلى التوقيع والسجلات الإلكترونية. ومن أمثلة هذه الوجهة القانون الإتحادي الأمريكي للتوقيع الإلكتروني الذي نص على "العقود الإلكترونية" إلى جانب صورتي التوقيع والسجلات الإلكترونية . وأخيرا فإن اتجاها تشريعيا ينص على بعض تطبيقات المستند الإلكتروني في مسائل معينة ودون أن يكون هناك إطار تشريعي عام يحكم مسائل البيانات والمعلومات الإلكترونية، ومثال لهذه الوجهة التشريع المصري الذي ينص في تشريعات متفرقة على الأخذ ببعض تطبيقات المستند الإلكتروني مثل الأخذ بفكرة السجلات والدفاتر وقواعد البيانات الإلكترونية في مسائل الأحوال المدنية، وسوف نشير إلى خطة التشريعات في النص على أهم التطبيقات لفكرة المستند الإلكتروني.

التوقيع الإلكتروني: التوقيع الإلكتروني هو وسيلة إلكترونية يمكن بمقتضاها تحديد هوية الشخص المنسوب التوقيع إليه مع توافر النية لديه في أن ينتج آثاره القانونية على نحو يماثل التوقيع بخط اليد . وترجع أهمية التوقيع الإلكتروني في أنه يمكن إستخدامه في كافة التعاملات التي تتطلب توقيعا، مثل أوامر البيع والشراء؛ التوقيع على قوائم جرد السلع والبضائع؛ التوقيع على فواتير الإستلام؛ شراء تذاكر السفر؛ السجلات المثبتة للدفع . وقد عرف القانون الإتحادي الأمريكي التوقيع الإلكتروني بأنه "صوت أو رمز أو معالجة إلكترونية مرفقة أو متحدة بعقد أو بغيره من السجلات يتم تنفيذها أو إقرارها من شخص تتوافر لديه نية التوقيع على السجل ، .

وقد كان قانون التوقيع والسجلات الإلكترونية لولاية نيورك الصادر سنة 1999 ينص على أن "التوقيع الإلكتروني يعني مطابقة إلكترونية تنطوي دون قيد على توقيع رقمي يخص الشخص الذي يستخدمه وحده، وتكون قادرة على التحقيق من هويته وذلك بموجب ضابط وحيد لمن يستخدمه، يرفق أو يتحد في البيانات كوسيلة للتحقق من إسناد التوقيع إلى البيانات الخاصة وسلامة البيانات المرسلة والمعدة من الشخص المستخدم لها كي تكون لها ذات القوة والأثر المقرر لإستخدام التوقيع الموضوع بخط اليد (المادة 102 (3) من قانون ولاية نيويورك لسنة 1999) .

غير أن الشارع في ولاية نيويورك رأي أن هذا التعريف للتوقيع الإلكتروني لا يفي بمتطلبات التعامل الإلكتروني، فأصدر تشريعا في 6 أغسطس سنة 2002 عدل بموجبه القانون السابق ووضع تعريفا جديدا للتوقيع الإلكتروني يكفل المرونية للمتعاملين. وبموجب التعديل الجديد فإن "التوقيع الإلكتروني هو صوت أو رمز أو معالجة إلكترونية ملحقة بسجل إلكتروني أو متحدة منطقيا به ويجريها أو يقرها شخص تتوافر لديه نية التوقيع في هذا السجل" . ويتماثل هذا التعريف مع القانون الإتحادي الأمريكي، كما أنه يكاد يتماثل مع التعريف الذي أورده الشارع الإنجليزي للتوقيع الإلكتروني إذ نص الفصل الأول من لائحة التوقيع الإلكتروني الصادرة في 8 مارس 2002 على أن التوقيع الإلكتروني يعني بيانات في شكل الكتروني ملحقة أو متحدة منطقيا بغيرها من البيانات الإلكترونية والتي تصلح كوسيلة للتوثيق" . كما أنه يكاد يتطابق مع التعريف الذي نص عليه الشارع الألماني في المادة الثانية من قانون التوقيع الإلكتروني .

ويلاحظ أن اتجاهات التشريعات المقارنة تتجه إلى التوسع في الوسائل التي تصلح لإجراء التوقيع الإلكتروني، وعلة ذلك هي توفير مرونة أكبر للمتعاملين في إختيار الوسيلة التي يرونها تكفل الأمن والثقة في هذا التوقيع . غير إنه إذا كانت للمتعاملين حرية اختيار الوسيلة الفنية للتوقيع الإلكتروني؛ فإن الجهات العامة قد يفرض عليها القانون إستخدام وسيلة معينة دون غيرها في التصرفات التي تدخل فيها مع الغير أو فيما بينها، وعلة ذلك أن هذه الوسيلة قد يتوافر فيها قدر من الحماية للمصلحة العامة أكثر من غيرها. والسلطة التي بيدها تحديد وسيلة التوقيع الإلكتروني في هذه الحالة هي السلطة الإدارية التي عينها الشارع لإدارة وحفظ التوقيعات والسجلات الإلكترونية .

وقد ميز الشارع الألماني بين التوقيع الإلكتروني العادي والتوقيع الإلكتروني المتقدم: ويشترك كل منهما في أنه ينطوي على بيان في صورة إلكترونية ملحق ببيان آخر أو مرتبط به منطقيا ويستخدم هذا البيان لتوثيق نسبته لشخص معين. غير أن التوقيع المتقدم في نظر الشارع الألماني ينطوي على ضوابط أشد صرامة من العادي، فهو توقيع يتضمن شفرة مقصورة إستخدامها على شخص معين لا يشاركه غيره فيه ويكون قادرا على تحديد هوية مستخدمة وأنه يمكنه أن يحتفظ بشفرة هذا التوقيع تحت إشرافه وحده، وأن يكون بالإمكان اكتشاف أي تغيير في بيانات هذا التوقيع تطرأ لاحقا .

وقد ذهب بعض الفقه إلى إعتبار أن إستعمال بطاقات الإئتمان والسحب الممغنطة هو تطبيق للتوقيع الإلكتروني ، وفي تقديرنا أن هذا الرأي محل نظر، ذلك أن هذه البطاقات لا تعد مستندا إلكترونيا، كما أن كافة التشريعات قد تطلبت أن يرتبط التوقيع الإلكتروني بسجل الكتروني سواء كان متحدا به أو ارتبط به منطقيا، ولا يبدو هذا متحققا في شأن هذه البطاقات.

السجل الإلكتروني والمستند الإلكتروني: كان السائد فيما مضى أن كل مستند إلكتروني يعد سجلا إلكترونيا متى كانت القواعد قد تطلبت توافره في التعامل وكان قد استوفى الشروط التي نصت عليها القواعد المنظمة للسجلات الإلكترونية . ووفقا لهذه النظرة فإن تعبير المستند الإلكتروني يترادف مع تعبير السجل الإلكتروني؛ غير أن التشريعات التي نصت على تنظيم السجل الإلكتروني جعلت هناك فارقا بين مدلول كل منهما: فمن ناحية فإن مدلول السجل الإلكتروني يبدو في بعض الصور أضيق نطاقا من المستند الإلكتروني، على نحو لا يعدو معه أن يكون تطبيقا له فحسب ، ووفقا لهذه النظرة فإن فكرة المستند هي أوسع نطاقا من فكرة السجل الإلكتروني، ومن ثم فإن الكثير من الصور التي تخرج عن مدلول الأخيرة، تدخل في مدلول الأولى، غير أنه من ناحية أخرى فإنه في بعض الصور يبدو السجل الإلكتروني أوسع نطاقا من فكرة المستند: وأساس هذه النظرة – كما سيلي – هو أن تعريف السجل الإلكتروني يتسم بالاتساع على نحو يشمل معه "الاصوات والصور والرسومات"، وهو مدلول متسع يخرج عن مدلول المستند الإلكتروني بمعناه الدقيق.

مدلول السجل الإلكتروني : أتصل أو تم تلقيه أو حفظه بوسيلة إلكترونية . وقد توسع إتجاه في تعريف السجل الإلكتروني بأنه "كل مجموعة من النصوص أو الرسوم أو البيانات أو الأصوات أو الصور أو غيرها من المعلومات تتمثل في صورة رقمية، ويتم إنشاؤها أو تعديلها أو حفظها أو فهرستها أو إسترجاعها أو توزيعها بواسطة نظم الكمبيوتر" .

وأساس هذا التوسع هو ربط المدلول الإصطلاحي للسجل بمعناه في اللغة فالسجل في اللغة هو "بيان وضع في صورة ثابتة، وبصفة خاصة كتابة ليحفظ المعرفة أو ذاكرة الإحداث أو الوقائع أو المعلومات أو البيانات في موضوع معين، والتي تم جمعها وحفظها" .

وفي ظل هذا الإتجاه المتوسع فإن البعض ذهب إلى إعتبار أنظمة البريد الإلكتروني الصوتي داخله في مدلول السجل، ووفقا لهذه الوجهة فإن الأقوال الشفوية التي تنقل بواسطة البريد الصوتي بإستعمال الكمبيوتر تعتبر سجلا مثلا في ذلك مثل الوقائع والمعلومات التي يتم حفظها ، غير أن الرأي الراجح يذهب إلى أن هذا التوسع يتعارض مع النصوص التشريعية والقواعد المنظمة للسجل الإلكتروني .

وقد توسعت بعض تشريعات الولايات الأمريكية فلم تقصر السجل الإلكترونية على ما يتم حفظة أو إنشاؤه بواسطة الكمبيوتر، وإنما مدت مدلوله ليشمل كافة الوسائل الإلكترونية الأخرى مثل الفاكس والتيلكس والبريد الإلكتروني والرسائل التي تتم من خلال شبكة الإنترنت، ومن هذه الوجهة قانون ولاية كونيكتيكت لسنة 2002 الذي حرص على أن يذكر صراحة أن الوسائل الإلكترونية لا تعني حصرها في الوسائل السابق ذكرها .

وهناك اتجاه تشريعي مضيق لمدلول السجل الإلكتروني على نحو يجعله مقصورا على فكرة الكتابة أو البيان الإلكتروني، ومن هذه الوجهة الشارع المصري الذي ساوى في قانون الأحوال المدنية رقم 143 لسنة 1994 بين السجلات الورقية والإلكترونية: فتنص المادة الثانية من هذا القانون على ان تنشئ مصلحة الأحوال المدنية قاعدة قومية لبيانات المواطنين تشتمل على سجل خاص لكل مواطن يميزه...." كما نصت المادة الثالثة (ج) من هذا القانون على أن المقصود بالسجلات هي السجلات الورقية أو الآلية المخزنة على الحاسب الآلي وملحقاته سواء إلكترونيا أو مغناطيسيا أو بأية وسيلة أخرى". ومفاد خطة الشارع المصري أن السجل الإلكتروني يماثل السجل الورقي في كافة الأوجه فيما عدا الطبيعة الإلكترونية للسجل. ويعني ذلك أن فكرة السجل الإلكتروني ترتبط بفكرة البيان المكتوب، لأن الشارع يتحدث عن "قواعد بيانات"، ومن ثم يخرج من هذا المدلول ما عداه من صور. وفي تقديرنا أن هذا المدلول للسجل الإلكتروني هو الذي يمكن ان نطلق عليه بأن السجل الإلكتروني بمعناه الدقيق الذي يعد تطبيقا لفكرة المستند الإلكتروني، بخلاف السجل الإلكتروني بمعناه المتسع الذي يشمل الرسومات والأصوات والتي تخرج عن المدلول الدقيق له.

بيان السجل الإلكتروني: السجل الإلكتروني هو مستند ينطوي على بيانات معينة تكون لها حجيتها في إثبات واقعة أو تصرف معين، وحتى يكتسب هذا المستند صفته فإنه يجب ان يتضمن بيانات معينة تضفي الثقة على مضمونه وتبعث على الإعتقاد بسلامة محتواه، ومن هذه البيانات أن يكون السجل موقعا من شخص أو أشخاص معينين، وأن يتم ذكر أسماء هؤلاء الأشخاص وصفاتهم وتاريخ وساعة وضع توقيعاتهم على المستند. ويجب تحديد المغزى من التوقيع وما إذا كان يعني إنشاء المستند أو مراجعته أو التصديق عليه . ولهذه البيانات أهمية كبيرة في إثبات بعض الوقائع، فعلى سبيل المثال فإن تحديد تاريخ إتمام عملية التحويل المصرفي الإلكتروني له اهمية كبيرة في القول بنفاذ أو عدم نفاذ التحويل في حال إفلاس أحد أطرافه، ومن ناحية ثانية فإنه يجوز للآمر أن يرجع في تحويله طالما أن المبلغ لم يخرج من ذمته إلى ذمة المستفيد، كما أن لحظة تمام التحويل تعني أن الآمر لم يعد لديه الحق في التصرف في المبلغ المالي محل الأمر بالتحويل، ومن ثم فإنه إن اصدر شيكا عن ذات المبلغ كان مرتكبا لجريمة إصدار شيك بدون رصيد .

الضوابط الفنية للتوقيع والسجلات الإلكترونية:

ذكرنا أن التشريعات التي نصت على الأخذ بالتوقيع والسجلات الإلكترونية قد جعلت لها قوة في الإثبات مساوية للمستندات الورقية للتوقيعات بخط اليد، غير أنه لا محل لهذه القوة إلا إذا توافرت ضوابط تكفل ضمان صحة وسلامة هذه المستندات. ولتحقيق هذا الهدف صدرت لوائح إدارية تتضمن الضوابط والإجراءات الواجب اتخاذها بشأن إستخدام وتوثيق التوقيع الإلكتروني والإنتفاع من السجلات الإلكترونية. ويتوقف نجاح هذه اللوائح على التوفيق بين اعتبارين أساسيين: الأول هو أن يتيح التنظيم التشريعي للتوقيع والسجلات الإلكترونية الحرية والمرونة للأفراد في إجراء تعاقداتهم ومعاملاتهم بأي وسيلة من وسائل التحقق الإلكتروني يرونها ملائمة لهم. ولتحقيق هذا الإعتبار فإن القانون لا يجوز أن يسلبهم حقا أو ميزة مقررة لهم بمقتضى القانون أو التعاقد في حال استخدامهم للتوقيع والسجلات الإلكترونية . والإعتبار الثاني هو أن التنظيم التشريعي يجب أن يكفل توفير الوسائل المناسبة لصحة وسلامة إستخدام المستندات الإلكترونية.

الضوابط الفنية العامة: هناك عدة ضوابط فنية عامة يجب أن تتوافر في التوقيع الإلكتروني: فيجب أن يكون التوقيع خاصا بالشخص وحده ولا يشاركه فيه غيره، كما يجب ألا يكون قد سبق إستخدام هذا التوقيع من قبل حتى ولو من صاحبه، وعلة ذلك هي كفالة أكبر قدر من السرية على هذا التوقيع. ويجب على الشخص صاحب التوقيع أن يقر كتابة بأن توقيعه الإلكتروني ملزم قانونا ويتساوى مع توقيعه بخط اليد من حيث الأثر القانوني، غير أن هذا الإقرار غير لازم في كل مرة يضع فيها الشخص توقيعه الإلكتروني. ويجوز للهيئة المسؤولة عن التوقيع الإلكتروني أن تطلب من صاحب التوقيع أن يقدم شهادة بصحة توقيعه بمناسبة تصرف معين، وفي هذه الحالة فإنه يجب عليه تقديمها، ويخضع التزوير في هذه الشهادة للقواعد العامة في جريمة التزوير .

الضوابط الفنية الخاصة: إلى جوار الضوابط العامة سالفة الذكر، فإنه يوجب ضوابط فنية خاصة للتوقيع الإلكتروني وهي تختلف من نظام تشريعي إلى آخر بحسب ما توفره من أمن وسلامة المعاملات من ناحية، ومرونة وعدم عرقلة هذه المعاملات من جهة أخرى. وتتصل هذه الضوابط بتشفير المستند، سواء أكان توقيعا أم سجلا إلكترونيا، ويلاحظ أنه لا يكفي لضمان سلامة إتمام المعاملة الإلكترونية أن يتم تشفير الرسالة المنسوبة لشخص معين، وإنما يجب التأكد من نسبة هذه الرسالة لهذا الشخص وأن مضمونها لم يتعرض لتبديل أو تشويه .

الإختيار بين تشفير الرسالة بطريقة غير مشفرة: هناك صورة مبسطة من الشفرة التي تستخدم في التصرفات التي تتم على الشبكات المفتوحة أي تلك التي يمكن لأي شخص أن يدخل إليها دون قيود، ومثالها شبكة الإنترنت. وفي هذا النظام فإن المرسل يملك أن يختار بين مفتاحين الأول عام والآخر خاص، والمفتاح الأول يستخدم عندما لا يرى المرسل حاجة إلى تشفير رسالته، وأما المفتاح الخاص فهو الذي يسمح للمرسل أن يقوم بإرسال رسائل سرية إلى الطرف الثاني ومن ثم لا يتسنى الإطلاع عليها. وفي حالة ما إذا أراد المرسل أن يبعث برسالة إلكترونية مشفرة فإن عليه أن يستخدم المفتاحين معا، أما إن لم يرد لها هذا القدر من السرية فإنه يكفيه ان يستخدم المفتاح العام. وقد يعهد إلى طرف ثالث مهمة التأكد من صحة المستند والتوقيع المنسوب إلى صاحبه، وهذا الطرف يكون موضع ثقة الطرفين وتتحدد مهمته في أن يجري تحقيقا يقف من خلاله على ما إذا كانت الرسالة المنسوبة إلى الشخص صادرة منه فعلا، ويتحقق ذلك بالربط بين المفتاحين العام والخاص والتأكد من أنهما قد استخدما من شخص معين، وأن يحدد تاريخ وساعة إرسال المستند .

ضوابط المضاهاة الإلكترونية: يتضمن التنظيم الفني للتوقيع الإلكتروني الأخذ بوسائل تقنية لإجراء المضاهاة الإلكترونية للتوقيع الإلكتروني والتي يمكن بمقتضاها الوقوف على صحة هذا التوقيع. وتختلف الطرق الفنية للمضاهاة إلى عدة طرق، تكفل كل واحدة قدرا معينا من الطمأنينة والثقة في المستند وتضمن سلامته، وحمايته من أن يجحد ممن صدر منه .

ومن هذه الوسائل: مطالبة الشخص الذي يريد التعامل مع المستند الإلكتروني بالإدلاء ببيانات شخصية معينة ومضاهاتها بالبيانات المسجلة سلفا عنه، وذلك قبل قيامه بالتوقيع الإلكتروني. وتستخدم هذه الوسيلة في التعاملات الأقل أهمية أو الأقل قيمة . وإذا كانت وسائل المضاهاة تختلف وتتعدد فإن إستخدام الشفرة السرية تعد أهم هذه الوسائل، غير أن نوع هذه الشفرة وقواعدها الفنية هو أمر يختلف بحسب كل نظام قانون كما سبق الذكر، ويلحق بالشفرة إستخدام التوقيع الرقمي.

المضاهاة بإستخدام شفرة سرية: في هذه الصورة يطالب الشخص بإدخال رقم خاص به أو كلمة سر معينة يتم مطابقتها على رقم أو كلمة سر مخزنة سلفا، ويطلق عليها "السر المشترك" الذي يتقاسم العلم به الشخص ومقدم الخدمة، فإن تطابقتا كان التوقيع تاما. ويصاحب إدخال الشفرة السرية عدة إجراءات تهدف إلى توثيق التوقيع مثل كتابة إسم المتعامل، والغرض من وضع التوقيع في المستند. وعملية التوثيق تجري إذا كان التعامل يجري على الشبكات المفتوحة مثل الإنترنت، والسر المشترك يتم تشفيره بإستخدام تقنية معينة يتم إنشاؤها في أغلب المتصفحات الشهيرة على الشبكة ويتم توصيل البيانات المشفرة إلى الجهة الأخيرة التي تكون طرفا في التعامل. وفي التعاملات البسيطة أو التي لا يكون لها قيمة كبيرة، فإنه يكتفي بإدخال الشفرة السرية بعد إستيفاء بعض البيانات عن شخص المتعامل. أما في التعاملات التي تقتضي درجة أكبر من الأمن، فإن هيئة أخرى هي التي تقوم بوضع الشفرة السرية بعد إجراء عملية تحقق دقيقة لشخص المتعامل .

المضاهاة بإستخدام التوقيع الرقمي: التوقيع الرقمي هو صورة مرسومة للتوقيع بخط اليد، وفي بعض الصور يتم أخذ توقيع الشخص بواسطة قلم ولوحة إلكترونية متصلة بجهاز كمبيوتر، ووضع التوقيع في هذه الصورة يماثل التوقيع اليدوي على المستندات الورقية. وتتم عملية المضاهاة بمقارنة التوقيع الإلكتروني – المماثل للتوقيع بخط اليد – مع نسخة التوقيع اليدوي المحفوظ لدى الطرف الآخر. وتتم عملية المقارنة غالبا بواسطة بعض برامج الكمبيوتر، فإن اسفرت المضاهاة عن المطابقة بين التوقيعين، إعتبر التوقيع الإلكتروني في هذه الحالة صحيحا. والتوقيع الرقمي لا يعدو أن يكون صورة من صور "السر المشترك" والتي تتحقق في حالة التوقيع بإستخدام شفرة سرية، ذلك أن الطرف الثاني يكون لديه نموذج للتوقيع اليدوي يمكنه من المضاهاة عليه. وتزوير التوقيع الرقمي يفوق في الصعوبة تزوير التوقيع على المستندات الورقية، ذلك أن عملية المقارنة بين التوقيع الرقمي ونسخة التوقيع بخط اليد والتي تتم بإستخدام التقنية الرقمية تتسم بدقة كبيرة تزيد عن المقارنة العادية بالعين المجردة، وهو ما يسهل من إكتشاف هذا التزوير .

القوة القانونية للتوقيع والسجلات الإلكترونية: ك من أن "التوقيع الإلكتروني يكون له ذات الصلاحية والأثر المقرر لإستعمال التوقيع الموضوع بخط اليد" .تتوقف حجية السجلات والتوقيع الإلكتروني على القوة التي يمنحها الشارع لها في الإثبات: فإذا أقر الشارع لها هذ هالقوة كأداة لإثبات الحقوق والواجبات أو كوسيلة لحفظ البيانات التي تكون له حجيتها في إثبات الوقائع كانت النتيجة المترتبة على ذلك أن المساس بهذه السجلات والتوقيعات يشكل فعلا مجرما.

ويترتب على الأخذ بنظام التوقيع والسجلات الإلكترونية آثار مهمة على التعاملات والتصرفات القانونية التي يكون طرفها الأفراد أو المؤسسات الخاصة أو العامة، إذ سيكون بمقدور المستهلك ورجال الأعمال والسلطات العامة في الدولة أن يدخلوا في اتفاقات تعاقدية وفي إجراء تعاملاتهم بإستخدام التوقيع والسجلات الإلكترونية كما لو كان يستخدمون المستندات الورقية والتوقيعات المحررة بخط اليد .

وقد حرصت التشريعات التي نصت على التوقيع والسجلات الإلكترونية على إسباغ قوة قانونية عليها تماثل ما هو مقرر للتوقيع بخط اليد وللسجلات الورقية. ومن ذلك على سبيل المثال ما تنص عليه المادة (104) من قانون التوقيع والسجلات الإلكترونية لولاية نيويورك

وما تنص عليه المادة (105) من القانون السابق من أن "السجل الإلكتروني يكون له ذات القوة والأثر المقرر للسجلات المحررة بغير الوسائل الإلكترونية" ، . وما تنص عليه المادة الثالثة من قانون الأحوال المدنية المصري سالف الذكر من المساواة بين السجلات الورقية والسجلات الآلية المخزنة على الحاسب الآلي وملحقاته. ويترتب على التوقيع الإلكتروني إعتبار أن القبول في التعاقد قد وقع تاما وهو ما يجعل العقد منعقدا ومرتبا لآثاره وملزما قانونا كما لو كان قد أبرم كتابة . وقد نص الشارع الألماني على وجوب أن يقوم مقدم خدمة التوثيق بإحاطة صاحب التوقيع علما بأن توقيعه الإلكتروني يعادل من حيث الأثر القانوني توقيعه بخط اليد ما لم ينص القانون على غير ذلك، كما أن عليه أن يحصل على توقيع الشخص كتابة على علمه بذلك وذلك لضمان قيام مقدم الخدمة بواجبه .


مدى الإلزام باللجوء إلى التوقيع والسجلات الإلكترونية: لم تجعل غالبية التشريعات نصوص التوقيع والسجلات الإلكترونية نصوصا آمرة، وإنما تركت المجال أمام الأفراد للأخذ بهذا النظام أو بنظام التوقيع والسجلات التقليدي. غير أن هذه التشريعات حرصت مع ذلك على وضع استثناء عام جعلت بمقتضاه اللجوء إلى المستندات الإلكترونية إجباريا، وذلك "في الحالات التي ينص فيها القانون على ذلك". ومن أمثلة ذلك نص عليه قانون التوقيع والسجلات الإلكترونية لولاية نيويورك من أن "إستخدام واللجوء إلى التوقيع والسجلات الإلكترونية يكون إختياريا، ما لم ينص القانون على غير ذلك" . ويلاحظ أن قانون التوقيع الإلكتروني الإتحادي الأمريكي لم يتطلب يجعل إستخدام أو قبول التوقيع الإلكتروني من النصوص الآمرة . وقد نصت المادة الأولى من قانون التوقيع الإلكتروني الألماني على أنه ما لم ينص القانون على وجوب إستخدام التوقيع الإلكتروني فإن استخدامه يكون إختيارا (المادة الأولى) .

الأثار المترتبة على المساواة التشريعية بين المستند الإلكتروني والمستند الورقي:

يترتب على المساواة بين المستند الإلكتروني والمستند العادي من حيث القوة القانونية نتائج مهمة: فلا يجوز المنازعة في صحة المستند الإلكتروني أو جحد حجية ما يتضمنه من تصرفات أو الدفع بعدم نفاذه لأن إنشائه أو صياغته أو التوقيع عليه كان بإستخدام وسائل أو شكل إلكتروني .

ويترتب على منح التوقيع والسجلات الإلكترونية قوة مماثلة للمستندات الورقية أن يخضع الإثبات بهذه الوسائل أمام المحاكم للقواعد العامة في الإثبات المقررة في القانونين المدني والجنائي، وقد تطلب تحقيق المساواة بين المستند الإلكتروني والورقي تعديل التشريعات السارية على نحو يجيز إمكانية قبول المستند الإلكتروني كدليل أمام القضاء. ومن ذلك ما أجراه الشارع في ولاية نيويورك بقانون سنة 2002 سالف الذكر من تعديل المادة 4518 من القانون المدني للولاية على نحو أجاز فيه قبول المستندات المشتقة 4518 من القانون المدني للولاية على نحو أجاز فيه قبول المستندات المشتقة من سجلات الكترونية كدليل أمام القضاء متى كان هذا المستند يعبر بصورة حقيقية وصحيحة عن السجل الإلكتروني . وإذا إتفق الطرفان في التعاقد على إستخدام إجراءات معينة للتأكد من سلامة التصرف الإلكتروني وضمان صحته وكشف الأخطاء التي قد تعترية، فإن اخفاق الطرف الآخر في تنفيذ إلتزامه يجيز للأول أن يطلب استبعاد السجلات الإلكترونية، ذلك أنه إن لم يتفق الطرفان صراحة على ذلك فإن قبول هذا الدليل من شأنه المساس بحرية التعاقد الأمر الذي ينطوي على مساس بقاعدة دستورية . وعلى الرغم من أن الشارع الإيرلندي لا يجيز حتى الآن قبول السجلات والتوقيع الإلكتروني كدليل لإثبات التصرفات في المجال المدني، أما في نطاق القانون الجنائي، فإنه يجيز إعتبارها أدلة للإثبات أمام القضاء الجنائي، إذ يجيز قانون الأدلة الجنائية لسنة 1992 قبول الإدلة المتحصلة من الكمبيوتر والسجلات الإلكترونية في الإثبات .


الآثار القانونية لعدم تقرير القوة القانونية للمستند الإلكتروني في الإثبات:

هناك عدد من المشكلات القانونية التي تثور بشأن الأخذ بفكرة المستند الإلكتروني، وهذه المشكلات وإن كانت تتعلق بالإثبات المدني والتجاري، إلا أن لها أهمية كبيرة في نظر القانون الجنائي. ومن هذه المشكلات أن يتطلب الشارع عدم جواز إثبات تصرف معين يتجاوز قيمته مبلغا معينا إلا كتابة، وفي هذه الحالة فإن نظام نقل المستند الذي يتجاوز هذه القيمة إلكترونيا لن يؤدي إلى قبول هذا المستند في إثبات هذا التصرف. بل إنه في تقديرنا لا يعتبر مبدا ثبوت بالكتابة يجيز تكملته بوسائل الإثبات الأخرى، ذلك أنه لا يصدق على المستند الإلكتروني وصف المستند الكتابي.

واقرار المستند الإلكتروني في التعامل والتسليم بقيمته القانونية له أهمية كبيرة في نظر القانون الجنائي في إثبات التصرفات سالفة الذكر، ذلك أن الشارع قد يجرم المساس ببعض العقود المدنية، وفي هذه الحالة لا بد من إثبات هذه التصرفات أولا قبل بحث توافر أركان الجريمة، ويترتب على نفي القوة القانونية للمستند الإلكتروني أن لا يكون بالإمكان إثبات هذه العقود التي تتجاوز المبالغ التي نص عليها القانون إلكترونيا. وتطبيقا لذلك فإن جريمة خيانة الأمانة لا تتوافر بغير إثبات العقد الذي تسلم بموجبه الأمين المال المبدد، فإذا نفى المتهم وجود هذا العقد فلا بد من إثبات وجوده كتابة ولا يغني عن ذلك إثباته إلكترونيا، وذلك إذا كان قد تجاوزت قيمته المبلغ الذي لم يجز الشارع إثباته إلا كتابة.

ومن ناحية أخرى فإن النظام الضريبي ما زال يعتمد بصفة أساسية على وجود فواتير كتابية عن البيع والشراء حتى يمكن التعويل عليها في إجراء المعاملة الضريبية، وهو ما قد يتنافى مع فكرة المستند الإلكتروني الذي قد لا تأخذ به السلطات الضريبية .

بعض صور المستند الإلكتروني:

العقود الإلكترونية: العقد الإلكتروني هو عقد يتحقق بإيجاب وقبول مثل العقود العادية التي تبرم وتوقع كتابة؛ غير أن الإيجاب والقبول يتحقق بوسيلة إلكترونية دون حاجة إلى مستند مكتوب . ومن أمثلة ذلك أن يرسله الموجب عرضه إلى الطرف الآخر بطريق البريد الإلكتروني الذي قد يكون شخصا أو هيئة إعتبارية ويقوم من يوجه إليه الإيجاب بالتوقيع عليه إلكترونيا بما يفيد القبول ويعيده للمرسل ثانية، ومن ثم ينعقد العقد بهذه الطريقة وتكون له قوته القانونية . ويستوي في هذا القبول أن يتم في رسالة منفصلة ترسل إلى صاحب الإيجاب أو أن ترسل في ذات المستند الذي يتضمن الإيجاب، ويتحقق ذلك بقيام من وجه إليه الإيجاب بالضغط على أحد الأزرار في صفحة المستند والتي يتضمن معنى القبول، وذلك عقب بيان شروط العقد أو أن يقوم بوضع توقيع إلكتروني في خانة معينة ويقوم بإعادة المستند ثانية إلى الموجب .

تحديد القوة القانونية للعقود الإلكترونية في ظل غياب النص:

ويثور التساؤل عن مدى نفاذ العقود المبرمة من خلال مستند إلكتروني، دون وجود تشريع وطني ينص على المساواة بين المستند الإلكتروني والمستند العادي؟ وعلة هذا التساؤل هي أن الكثير من التشريعات لم تصدر بعد قوانين تنظم بمقتضاها السجلات والتوقيع الإلكتروني وتحدد مدى القوى القانونية لها في الإثبات، ومن هذه التشريعات على سبيل المثال التشريع المصري والإيرلندي.

في تقديرنا أن أغلب العقود المدنية لا يتطلب فيها القانون شكلا معينا لإبرامها فيجوز ان تنعقد بمجرد الإيجاب والقبول الشفهي ومن باب أولى إذا أبرمت من خلال مستند إلكتروني. غير أن الصعوبة الحقيقية تثور فيما تقرره بعض هذه التشريعات من عدم جواز إثبات التصرف الذي يجاوز قيمة معينة إلا بالكتابة بمدلولها التقليدي، في هذه الصورة يثور التساؤل عن جدوى إسباغ الحماية المقررة للمستند الإلكتروني في هذه الحالة على الرغم من عدم اعتراف الشارع بقيمته في الإثبات؟ في تقديرنا أنه يجب أن نفرق بين وجود العقد ذاته وبين إثباته: فإبرام العقد عن طريق المستند الإلكتروني بإيجاب وقبول يؤدي إلى وجود العقد وإنتاجه أثاره القانونية، ومن ثم يكون جديرا بالحماية الجنائية، أما ما يتطلبه قانون الإثبات من وجوب إثبات التصرف الذي يجاوز قيمة معينة بالكتابة، فإن ذلك لا يؤثر على قيام العقد، فضلا عن أن التمسك بهذا الدفع هو مقرر لمصلحة الخصم ويجوز له أن يتنازل عن التمسك به سواء صراحة أم ضمنا، دون أن يؤثر ذلك على نشأة الإلتزام أو صحته، ومن ناحية أخرى فإن هناك الكثير من الإستثناءات التي ترد على قاعدة الإثبات بالكتابة، كما أن الشارع الجنائي يسبغ الحماية الجنائية على بعض العقود المدنية ولو لم تكن ثابتة كتابة. وفي تقديرنا أنه يجب أن يتدخل الشارع بإصدار تشريع يحدد بمقتضاها القوة القانونية للعقود التي تبرم بوسائل الكترونية.

الإعتماد المستندي الإلكتروني: إذا أراد المشتري إستيراد بضاعة ما فإنه يقوم بإبرام عقد بيع مع البائع يتفقان فيه على دفع الثمن عن طريق الإعتماد المستندي، ثم يتوجه المشتري إلى بنكه طالبا فتح الإعتماد المستندي لصالح البائع محددا فيه كا فة تفاصيل عملية البيع، ويقوم البنك بعد ذلك بإبلاغ البائع بالإعتماد المفتوح لصالحه، وذلك بشكل مباشر؛ أو عن طريق بنك مراسل له في بلد المصدر، ويمكن أن يقوم هذا البنك الأخير بتعزيز الإعتماد، فإن تحقق ذلك أصبح ملتزما بالدفع إلى المستفيد بالإضافة إلى التزام البنك مصدر الإعتماد . وإذا اقتنع البنك مصدر الإعتماد بأن مستندات البضاعة مطابقة لشروط الإعتماد قام بالسداد للبنك المراسل قيمة ما دفعه إلى المستفيد، أما إن وجدها مخالفة لشروط الإعتماد فإنه يرسل إخطارا إلى البنك المراسل برفض المستندات في مدة معقولة.

وقد أفضى التقدم التقني إلى ظهور "الإعتماد المستندي الإلكتروني" الذي تتم فيه الإجراءات السابقة عن طريق وسائل الإتصال الإلكتروني. فيقوم المستورد بإرسال طلب فتح الإعتماد إلكترونيا، ويقوم البنك بالرد عليه بذات الوسيلة، فإن قبل ارسل نص الإعتماد إلكترونيا إلى المستفيد. وقبل إنتهاء مدة صلاحية الإعتماد فإن المستفيد يرسل إلكترونيا الفواتير اللازمة المتعلقة بالشحن، كما يقوم المستفيد بإرسال رسائل إلكترونية للأطراف المشاركة في عملية البيع مثل الشاحن والمؤمن والمفتش لما قبل الشحن، يطلب فيها إرسال مستنداتهم إلكترونيا إلى البنك مصدر الإعتماد. ثم يقوم البنك مصدر الإعتماد بإرسال الرسائل الإلكترونية الواردة إليه إلى البنك المراسل .

ويؤدي الإعتماد المستندي الإلكتروني إلى إتمام الصفقات في سهولة ويسر وبسرعة كبيرة مما يؤدي إلى أن يملك المتعاملون به قدرة تنافسية تفوق غيرهم من المتعاملين بالطرق التقليدية، كما يؤدي إلى الإقلال من تكلفة إرسال المستندات والإستفادة من ميزة التبادل الإلكتروني في حل المشكلات الناتجة من وصول البضائع قبل وصول المستندات .

وعلى الرغم من أن لائحة (500) لم تتضمن نصا ينظم الإعتماد المستندي الإلكتروني، فإن نص المادة (20 ب) من هذه اللائحة قد أعتبر أن المستندات الصادرة عن وسائل تقنية حديثة كالكمبيوتر تعتبر مستندات أصلية مقبولة ما لم ينص عقد الإعتماد على غير ذلك بشرط أن يؤشر عليها على أنها أصلية وعند الإقتضاء تبدو أنها موقعة .


حوالة الوفاء الإلكترونية: تطورت وسائل الوفاء حيث أصبح بمقدور الدائن أن يوفى إلتزاماته بواسطة الوسائل الإلكترونية، وقد أنشأت بعض الدول أنظمة وفاء وطنية، كما أصبح هناك عدة أنظمة عالمية للوفاء من أبرزها نظام شبكة السويفت SWIFT وهو نظام دولي يستخدم على نطاق واسع لإجراء الإلتزام بالوسائل الإلكترونية، ويتم ذلك إما بتوجيه أمر من المدين إلى مصرفه لوفاء إلتزام بذمته بوسيلة إلكترونية إلى دائنه، وإما بتوجيه أمر من المدين إلى مصرفه بتحصيل مبلغ من حساب دائنه بناء على تفويض مسبق بواسطة إلكترونية . وتتم الصورة الأولى التي يطلق عليها التحويل الدائن بقيام الدائن بإتخاذ الإجراءات المصرفية اللازمة لتحويل مبلغ معين إلى المستفيد سواء كان في نفس المصرف أو في مصرف آخر، وسواء بدفع المبلغ مقدما إلى البنك المحول أو بتفويضه بقيد المبلغ على حسابه لدى البنك، ويمكن للدائن أن يوجه تعليمات بذلك إلى بنكه من خلال رسالة إلكترونية، وعند وصولها يقوم البنك من التأكد من صحتها ومن باقي شروط التحويل مثل كفاية الرصيد ويقوم بعد ذلك بتنفيذ العملية. وأما الصور الثانية والتي يطلق عليها التحويل المدين فتتم بتفويض بنك المستفيد في تحصيل قيمة التحويل من الدائن أو بنكه. وفي هذا التحويل يقوم المستفيد مع طلب التحويل تفويض من المحول (المدين) إلى بنكه يفوضه فيه بتحويل المبلغ إلى حساب المستفيد وبقيد القيمة على حسابه . ويعد أمر التحويل مستندا إلكترونيا يمكن أن يتعرض لأفعال التزوير.

السجلات الطبية الإلكترونية: أمتد إستخدام السجلات الإلكترونية إلى المجال الطبي، حيث تشير الدراسات إلى تزايد إستخدام "نظم الرعاية الطبية الإلكترونية " والتي تتيح الإحتفاظ بسجلات طبية مسجلة بوسائل إلكترونية عن المرضى، وهو ما يتيح تقديم الرعاية الصحية لهم في أي مكان ومعرفة سجلهم المرضي والذي يتحقق بمجرد الدخول على هذه السجلات والإطلاع عليها وهو ما يعرف بالرعاية الطبية المتنقله . كما تكفل هذه النظم عقد المؤتمرات والندوات وطلب المشورة الطبية من خلال السجلات الإلكترونية الأمر الذي يؤدي إلى إرتفاع مستوى الرعاية الطبية وإلى تقليل الأخطاء الطبية وإلى تحقيق الكسب المادي لمقدمي هذه الخدمات . غير أن استخدام السجلات الإلكترونية في المجال الطبي أدى إلى إثارة العديد من المشكلات المتصلة بأمن هذه السجلات وخصوصية المعلومات التي تتضمنها والحق في السرية وإثارة مشكلات تتصل بالتوقيع الإلكتروني عليها .



المبحث الثاني:نطاق المستند الإلكتروني

تمهيد:

نبحث في هذا الفصل الصلة بين فكرة المستند الإلكتروني وغيره من أفكار، كما نميز بين الحماية المقررة له وبين بعض صور الحماية الأخرى التي قد تشتبه به.

المستند الإلكتروني والحكومة الإلكترونية: من فوائد الأخذ بنظام الحكومة الإلكترونية أن التعامل مع الأجهزة الحكومية يكون ميسورا من خلال الإتصال الإلكتروني بمواقع مختلفة وإنجاز التعاملات من خلال هذا الإتصال. ومن خلال الحكومة الإلكترونية يمكن للفرد أو للشخص المعنوي العام والخاص أن يتعامل مع الحكومة بوزارتها وأجهزتها المختلفة، فبمقدورة التعامل مع الضرائب والصحة والتعليم والعمل والمرور والإستفسار عن حالة الطقس وطلب إعانات ومساعدات إجتماعية كما أنه يمكن من خلال الحكومة الإلكترونية نقل المعلومات والإطلاع على البيانات والحصول على الوثائق والشهادات بسهولة ويسر وبلا توقف. وللحكومة الإلكترونية آثارها على الإستثمارات وتوفير فرص العمل: فسيكون بمقدار المستثمرين التعامل مع الأجهزة الحكومية والوقوف على ما تتطلبه التشريعات الوطنية من إجراءات وشروط تتصل بإستثماراتهم، دون أن يكون هناك حاجة إلى التردد على المكاتب الإدارية لأجهزة الدولة . وقد نظر البعض إلى الحكومة الإلكترونية بإعتبارها وسيلة مهمة لتعزيز الديمقراطية: ذلك أن من شأن الأخذ بها أن تحقق التواصل بين أفراد المجتمع وسلطة الدولة، كما أنها وسيلة فعالة لكفالة نفاذ القانون . ولا شك في أن الصلة الوثيقة بين المستند الإلكتروني والحكومة الإلكترونية تدفع إلى القول بأن الحماية المقررة لأحدهما تنطوي بطريق اللزوم على حماية الأخر.

الصلة بين المستند الإلكتروني والتجارة الإلكترونية:
لا شك في أن للتجارة الإلكترونية آثارا مهمة على التجارة الدولية : فالتجارة الإلكترونية تعني إمكانية تبادل السلع والخدمات عبر حدود الدول ودون التقيد بإقليم معين أو جنسية معينة . وللتجارة الإلكترونية مزايا وفوائد عديدة: فهي تؤدي إلى سهولة إبرام الصفقات والتصرفات القانونية الدولية، ودون حاجة إلى وسيط سواء أكان هذا الوسيط فردا ام شركة الأمر الذي يؤدي إلى الإقلال من النفقات وإلى تخطي العقبات والحواجز الجغرافية بين الدول. ومن جهة أخرى فإن من شأن الإستناد إلى شبكات المعلومات تمكين المتعاقدين من التعرف على المعروض من السلع والخدمات ونوعيتها وأوصافها وأثمانها وشروط تسليمها وهو الأمر الذي يعزز الشفافية وييسر من إتمام التعاقدات وأطرافها على بينة وبصيرة من ظروف التعاقد وشروطه .

والصلة بين المستند الإلكتروني والتجارة الإلكترونية واضحة: فإذا كان قوام هذه التجارة هي تبادل السلع والخدمات، فإن هذا التبادل لا يعدو أن يكون في حقيقة الأمر عقدا يستجمع كافة شروطه القانونية من إيجاب وقبول ويقترن بتوقيع ينسب إلى صاحبه ويترب آثاره القانونية، وهذا العقد في مجال التجارة الإلكترونية هو مستند الكتروني توافرت فيه كل أركان وشروط العقد المكتوب، ويذيل بتوقيع إلكتروني يتناسب مع طبيعته .

وحماية المستند الإلكتروني تعني في حقيقة الأمر حماية للتجارة الإلكترونية: فإذا كانت هذه الحماية فعالة وتكفل صيانة المستند بما تضمنه من محتوى وتكفل صحة التوقيع الإلكتروني عليه، فإن التعامل التجاري الإلكتروني سيكون محل ثقة المتعاملين, وسوف تؤدي مثل هذه الحماية إلى إنتشار هذا النوع من التجارة ومن ثم يؤدي في النهاية إلى إزدهار التجارة الدولية وتنمية العلاقات الإقتصادية بين الدول.

الصلة بين المستند الإلكتروني وحماية المستهلك: هناك صلة وثيقة بين فكرة المستند الإلكتروني وحماية المستهلك: فإذا كانت علة الأخذ بتطبيقات المستند الإلكتروني وحماية المستهلك: فإذا كانت علة الأخذ بتطبيقات المستند الإلكتروني كالتوقيع والسجلات الإلكترونية هو تسهيل التعامل وسرعة إنجازه، فإن هذه الإعتبارات لا يجب أن تتجاوز حقوق المستهلك وحمايته من الغش والخداع والتي قد تترتب كنتيجة لإتمام التصرفات من خلال الوسائل الإلكترونية .

المستند الإلكتروني والحق في الإعلام:حرية انتقال الأفكار والمعلومات هي إحدى الحريات الأساسية التي يحرص عليها كل شارع، ويتوقف تقدم الأمم وإزدهارها على مدى كفالة هذه الحرية . ومن ناحية أخرى فإن حرية التعبير بصورها المختلفة هي افصاح عن الشخصية الإنسانية في المجتمع، وهي الضمان الذي يقوم عليه أي مجمتع ديمقراطي حر . يقصد بالحق في الإعلام حق كل انسان في ان يستخلص ويتلقى وينقل المعلومات والأنباء والآراء على أية صورة دون تدخل من أحد. وهذا الحق على هذا النحو وثيق الصلة بالصور المختلفة لحرية الرأي والتعبير، ولا سيما حرية الصحافة والإعلام ، وإن كان أوسع من حرية الإعلام لتضمنه فضلا عن حرية الوصول لمصادر الأنباء ونشرها، حرية الكافة في البحث والتلقي والإتصال والنشر والتوزيع لكافة المعلومات والأفكار . وتتعدد وسائل إستعمال الحق في الإعلام بين وسائل مسموعة ومرئية ومكتوبة .

وقد أدى التقدم التقني إلى إستحداث صور جديدة أمكن بمتقضاها نقل المعلومات بسرعة وكفاءة والوصول إليها، سواء أتحقق ذلك من خلال شبكات المعلومات المفتوحة أو المغلقة. ويتيح هذا التقدم للفرد أن ينشئ موقعا على شبكة المعلومات يضمنه ما يريد من معلومات، كما يتيح هذا التقدم أن تقوم الهيئات والمؤسسات العامة والخاصة بإنشاء مثل هذه المواقع أو بنوك المعلومات التي يمكن الولوج إليها والوقوف على ما تحويه.

وللمستند الإلكتروني صلة وثيقة بالحق في الإعلام، ذلك أنه إذا كان هذا الحق الأخير يعني أن للفرد الحق في ان يتلقى ويطلع وينقل المعلومات، فإن هذه المعلومات قد يحويها المستند الإلكتروني، غير أن المدلول المستند الإلكتروني لا يتطابق دائما مع دائرة المعلومات، فقد تصاغ المعلومات في شكل مستند إلكتروني أو في شكل غيرها من الصور، ويعني ذلك أن للمعلومات نطاقا أوسع من نطاق المستند الإلكتروني.


المستند الإلكتروني والملكية الفكرية والذهنية:يتماثل المستند الإلكتروني مع المصنف في أن لصاحب كل منهما الحق في الإستئثار به، ويحق له كشف محتواه أو تقييد الإطلاع عليه، ويتماثلان كذلك في أن الشارع يبسط حمايته لمحتوى كل منهما فلا تمتد إليه يد العبث أو التدمير أو التشويه، كما أن لصاحب الحق فيهما في سلطة محو مضمونهما أو سحبه أيا كان الشكل الذي عليه. ومن جهة أخرى فإن دائرة الحماية المقررة لحقوق الملكية الفكرية والذهنية قد تتداخل مع دائرة الحماية المقررة للمستند الإلكتروني: فمن ناحية فإن مدلول حق المؤلف يتسع ليشمل التعبير وليس فقط الأفكار . كما أن المساس بحقوق الملكية الفكرية للمصنفات المعالجة إلكترونيا قد تنتمي بالمعنى الواسع إلى المساس بالبيانات الإلكترونية، ومن ثم تصبح الحماية المقررة لهذه البيانات هي في الوقت ذاته حماية لحقوق الملكية الفكرية . ومن ناحية أخرى فإن الكثير من التشريعات تدخل قواعد البيانات وغيرها من المصنفات المكتوبة في دائرة الحماية المقررة لحقوق الملكية الفكرية والذهنية.

ومن ناحية ثالثة فإنه إذا كان يخرج عن نطاق حق المؤلف "الفكرة" ذاتها بإعتبارها ليست محلا للتملك ، فإن هذه "الفكرة" تخرج أيضا عن نطاق المستند الإلكتروني إلا إذا تجسدت وأخذت شكلا ماديا ملموسا انطوى عليه المستند، فعندئذ تنصرف الحماية إلى هذا الشكل.

وإذا كانت هذه هي اوجه الشبه فإن هناك اختلافا أساسيا بين مدلول المستند الإلكتروني والمصنف: فالمصنف لا بد أن ينطوي على عنصر الإبداع، بينما لا يتطلب المستند هذا العنصر، إذ أن غاية ما ينطوي عليه هو بيان أو معلومات لها أهمية في إنشاء التصرفات أو الوقائع القانونية. ومن ناحية ثانية فإنه إذا كانت الوثائق الرسمية مثل التشريعات والقرارات والاتفاقيات والأحكام القضائية وتقارير البورصة تخرج عن مدلول المصنف ، فإنها تدخل في مدلول المستند.
ويترتب على التحديد سالف الذكر أن محل الحماية الجنائية للمصنف يرتكز على حماية حق المؤلف على أفكاره؛ بينما يعد محتوى المستند وسريته هو محل حماية المستند الإلكتروني. ومن ناحية أخرى فإن الإعتداء على حق المؤلف قد لا ينطوي على أي مساس بجوهر المصنف ذاته، فمن المقرر أن المساس بحق المؤلف يتوافر اذا تم نشر أو عرض المصنف في وقت أو بطريقة لم يخترها المؤلف، ويعني ذلك أن المساس بحق المؤلف في هذه الصورة يتحقق دون أن ينطوي ذلك بأي مساس بالبيانات الإلكترونية التي يتضمنها المصنف. ويلاحظ أنه قد ينطوي المستند الإلكتروني على عنصر الإبداع، وفي هذه الحالة تتعدد صور الحماية المقررة له، ولا يتنافى ذلك مع المنطق القانوني، ذلك أنه من المقرر أن الحق الواحد قد يحميه عدة نصوص، وأن المحرر قد ينطوي على عدة حقوق تتعدد أوجه الحماية المقررة لها.


المستند الإلكتروني والمستندات المرسلة بطريقة إلكترونية:يجب التفرقة بين المستند الإلكتروني من ناحية وبين المستندات المرسلة بطريقة إلكترونية من ناحية أخرى: ففي الثانية فإن المستند له أصل ورقي ويقتصر إستخدام الوسائل الإلكترونية على مجرد عملية الإرسال، ومثال ذلك المستندات المرسلة بطريق الفاكس، ولا تدخل هذه المستندات في مدلول المستند الإلكتروني، ذلك أنها لا تتميز عن المستند العادي إلا في وسيلة إرساله دون أن يمتد إلى إنشائه أو حفظه أو تعديله أو استرجاعه إلكترونيا مثل المستند الإلكتروني .

المستند الإلكتروني وسرقة الأسرار التجارية: تتداخل أفعال المساس بالمستند الإلكتروني مع فعل سرقة الأسرار التجارية وذلك إذا كانت هذه الأسرار مودعة في مستند إلكتروني، ومن ثم يكون الإطلاع غير المأذون به على هذا المستند ونقل محتواه إلى الغير مشكلا لجريمة سرقة الأسرار التجارية. غير أن التمييز بين الموضوع الذي ينصب عليه الفعل المرتكب هو الذي يميز بين الجريمتين، فالمساس بالمستند الإلكتروني يتحقق بأفعال الإطلاع أو النسخ أو النقل غير المأذون بها دون أن يتطلب تحقق اي نتيجة أخرى، أما سرقة الأسرار التجارية فتقتضي أن ينصب الفعل المرتكب على الإستيلاء على هذه الأسرار لحساب الغير، ولذلك قد تتوافر إحداهما دون الأخرى، فعلى سبيل المثال فقد تتوافر جريمة سرقة الأسرار دون جريمة الإعتداء على المستند الإلكتروني، وتطبيقا فإن قيام الجاني الذي كان يعمل في إحدى شركات صناعة المعادن بنسخ خطط هندسية من كمبيوتر الشركة التي يعمل بها وقام بتسليمها إلى الشركة المنافسة لها، فإن هذا الفعل يشكل جريمة سرقة أسرار تجارية ؛ غير أنه لا يشكل إعتداء على المستند الإلكتروني الذي احتوى هذه الخطط.

المستند الإلكتروني والحماية الجنائية للأسرار:
للمستند الإلكتروني صلة وثيقة بالحق في السرية والخصوصية: فيجب أن يكفل التنظيم التشريعي والفني للمستند الإلكتروني صيانة حق الأفراد في السرية والخصوصية والحرص على وضع الضوابط التي تتصل بالأمن والسرية والخصوصية هي من أهم الأهداف التي تسعى إليها التشريعات التي تنص تطبيقات المستند الإلكتروني . وقد تتداخل الحماية المقررة للمستند الإلكتروني والحماية الجنائية للأسرار: ذلك أن المستند قد يحوي سرا يرغب الفرد في الإحتفاظ به بعيدا عن تدخل الآخرين. غير أنه مع ذلك فإن التفرقة بين جرائم الماسة بالمستند الإلكتروني وإفشاء الأسرار ممكنة، ذلك أن فعل إفشاء السر يجب أن يتم من شخص مؤتمن على الحفاظ على هذا السر ، وذلك بخلاف الإعتداء على المستند الإلكتروني، إذ يجوز أن يقع من أي شخص. ومن ناحية أخرى فإنه حتى ولو كانت الجريمة لا تتطلب إفشاء السر من أشخاص مؤتمنين عليه على نحو ما ينص عليه الشارع المصري من تجريم الحصول بطريقة غير مشروعة على سر من أسرار الدفاع عن البلاد أو تسليمه أو إذاعته (المادة 80/أ)، فإن الفارق يبقى أيضا بين الفكرتين. فمدلول "السر" في جرائم إفشاء الأسرار أو ضيق نطاقا من مدلول سرية المستند: فالقانون يحمي السر أيا كان الشكل الذي حفظ فيه هذا السر، ولا يقصد الشارع حماية هذا الشكل، وإنما جاءت الحماية على نحو عرضي، ومن جهة أخرى، فقد يكون المستند الإلكتروني غير متضمن لسر ما، ولكن رغم ذلك فلا يجوز الإطلاع عليه، فالكثير من البيانات الشخصية التي تتضمنها المستندا الإلكترونية لا تنطوي على أسرار بالمعنى الدقيق لمدلول السر ومن ثم لا تشملها الحماية الجنائية الواردة بالنصوص التي تجرم إفشاء الأسرار. وأخيرا فإن هذه النصوص تربط فكرة السر بالعمل المهني أو الوظيفي لمن ائتمن عليه، بينما فكرة البيانات الإلكترونية هي اوسع نطاقا من ذلك ولا ترتبط بها دائما ، وتقتصر خطة التشريعات على تجريم وسيلة المساس بالحق في سرية المستند في غالبية الصور تاركة تحديد مضمون هذا الحق للمجني عليه، فهذا الحق في تقديرنا يمكن أن يطلق عليه الحق في "خصوصية المستند الإلكتروني". وعلى خلاف هذه الخطة، فإن خطة الفقه والقضاء المقارنين تذهب إلى وضع ضوابط لمدلول السر الذي يعد إفشائه إخلالا بواجب حفظه.

التمييز بين الحماية المقررة للمستند الإلكتروني والحماية المقررة لنظم تشغيل الحاسب الالي:

قد تشتبه الحماية المقررة للمستند الإلكتروني مع تلك المقررة لنظم تشغيل نظم الحاسب الآلي: ووجه هذا الشبه أن محل الإعتداء في الحالتين ينصب على البيانات التي يتضمنها المستند أو برنامج التشغيل. ولعل هذا التشابه هو الذي دفع برأي في الفقه إلى القول بأن البيانات المدخلة إلكترونيا لا تنفصل عن البرامج التي تنظمها وأنهما لذلك لا تختلفان في الطبيعة بإعتبارهما كيانا معنويا، وأن حماية هذه البرامج تعد في الوقت ذاته للبيانات المعالجة إلكترونيا .

وفي تقديرنا أن هذا الرأي محل نظر، ذلك أن تماثل البيانات الإلكترونية مع برامج تشغيل النظام الذي يتم التعامل مع هذه البيانات في ظله لا يعني تماثلهما في المصلحة التي يحميها الشارع. فالشارع يحمي في الأولى ما انطوت عليه هذه البيانات من وقائع لها أهمية في الإثبات، بينما يحمي في الثانية نظم إدارة الحاسبات الآلية وهي مصلحة مختلفة عن الأولى، ولذلك كان من المتصور أن يتحقق مساس بإحدى المصلحتين دون الأخرى، فعلى سبيل المثال يمكن أن ينصب فعل الجاني على تزوير مستند إلكتروني أو كشف سريته، دون أن يمتد فعله إلى نظام التشغيل. وعلى العكس يمكن ان ينصب فعل الجاني على الإخلال بنظام التشغيل دون ان ينال من البيانات والمستندات المحفوظة في هذا النظام، وهذا التباين يعكس اختلافا في المصلحة التي رأى الشارع جدارة حمايتها. وأنه حتى إذا تحقق من فعل الجاني الوارد على نظام التشغيل مساس بالمستندات الإلكترونية المحفوظة في هذا النظام، فإن الأمر لا يعدو أن يكون تعددا معنويا للجرائم، ذلك أن فعل الجاني قد افضى في هذه الصورة إلى نتيجتين مختلفتين، وهنا يوقع القاضي عقوبة الجريمة الأشد، غير أن ذلك لا ينفي التعدد في هذه الحالة.

ومن ناحية أخرى فإن خطة التشريعات المقارنة لا يبدو أنها تؤيد هذا الرأي، فعلى سبيل المثال فإن الشارع الفرنسي قد ميز بين الأفعال التي تنصب على البيانات وتلك التي تنصب على البرامج التي تتعلق بعمل بجهاز الحاسب، وعاقب عليها بنصوص مختلفة، فالمادة 323-2 من قانون العقوبات تعاقب على جريمة تعطيل أو إفساد نظام التشغيل، بينما عاقبت المادة 323-3 على إتلاف المعلومات أو محوها بإستعمال الخداع، واخيرا فإنه حتى إن انطوى نص واحد على حماية المصلحتين معا، فإن ذلك لا يعني اتحادهما، ذلك أنه من المقرر أن النص الواحد قد يحمي مصلحة واحدة أو مصالح متعددة ، وأن ذلك لا ينال من وجوب التمييز بينهما لم يترتب على تحديد المصلحة التي ينالها الفعل بالإيذاء من أهمية.


(( يتبع الجزء الثالث ))
 

youcef66dz

عضو متألق
المشاركات
3,788
الإعجابات
101
النقاط
48
رد: الحماية الجنائية للمستند الإلكترونى - الجزء الثاني -

بارك الله فيك و سلمت يداك ...
 

7anouna

عضو متألق
المشاركات
1,105
الإعجابات
19
النقاط
38
الإقامة
ح ـيث ترى الـ ج ـسور
رد: الحماية الجنائية للمستند الإلكترونى - الجزء الثاني -

بارك الله فيك و سلمت يداك ...
وفيك بارك الله أخي youcef66dz

ونورت الموضوع بمرورك الكريم
 
التعديل الأخير:
أعلى