الغلط

الموضوع في 'منتدى السنة الثالثة LMD' بواسطة benamrane, بتاريخ ‏3/3/12.

  1. benamrane

    benamrane عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏21/11/11
    المشاركات:
    32
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    الإقامة:
    متليلي غرداية
    خطة البحث :
    المقدمة:
    الإشكالية : ما مفهوم الغلط ؟و ما هي صوره ؟
    المبحث الأّول :مفهوم و أنواع الغلط حسب النظرية التقليدية
    المطلب الأوّل ك مفهوم الغلط
    المطلب الثاني : أنواع الغلط .
    الفرع الأول : الغلط المانع .
    الفرع الثاني : الغلط المعيب للرضا ( المفسد ) .
    الفرع الثالث : الغلط غير المؤثر .
    المبحث الثاني : الغلط حسب النظرية الحديثة
    المطلب الأوّل : مفهوم الغلط الجوهري .
    المطلب الثاني : خصائص الغلط الجوهري .
    الفرع الأول : غلط جسيم.
    الفرع الثاني : غلط مؤثر .
    المطلب الثالث : صور الغلط الجوهري .
    الطرح الأوّل : الغلط في صفة الشيء
    الفرع الثاني : الغلط في ذات أو صفات المتعاقد .
    الفرع الثالث : الغلط في القانون .
    الفرع الرابع : الغلط في الباعث .
    الفرع الخامس : الغلط في القيمة .
    المطلب الرابع : شروط التمسك بالغلط الجوهري .
    الفرع الأول : حسن النية .
    الفرع الثاني : استحقاق الحماية القانونية .
    الفرع الثالث : علاقة المتعاقد الثاني بالغلط .
    قائمة المراجع :
    الخاتمة :
    المقدمة:
    سبق أن قلنا أن العقد يتم بتبادل الطرفين إرادتين متطابقتين و هذا ما نصّت عليه م 59م ج بقولها <يتم العقد بمجرد أن يتبادل الطرفان التعبير عن إرادتهما المتطابقتين دون الإخلال بالنصوص القانونية> و هذا يبقى عليه أحد أركان العقد و هو التراضي وقد تناوله الزملاء في البحث السابق بكثير من التفصيل .
    لكن حتى يكون العقد صحيحا يلزم أن تكون الإرادتان اللّتان يتكوّن منهما العقد صادرتان عن وعي و اختيار حر, فإذا صدر الرضاء مشوبا بأحد العيوب التي حدّدها القانون فإن الإرادة تكون موجودة لكنها معيبة و بالتالي يكون التصرف الصادر عن هذه الإرادة صحيحا و لكن قابلا للإبطال و هذا ما لا نجده عند انعدام الإرادة فهنا يترتب البطلان المطلق , إذن هناك فرق بين إرادة موجودة و لكن معيبة و إرادة معدومة و العيوب التي أوردها القانون المدني الجزائري أربعة هي الغلط ,التدليس , الإكراه و الاستغلال و ما دام بحثنا هذا يتعلّق بالعيب الأول و هو الغلط , يمكننا أن نتساءل :
    ما مفهوم الغلط ؟و ما هي صوره ؟







    المبحث الأّول :مفهوم و أنواع الغلط حسب النظرية التقليدية
    المطلب الأوّل : مفهوم الغلط
    الغلط و هو يقوم في ذهن المتعاقد يجعله يعتقد الأشياء على غير حقيقتها و من التعريفات نجد تعريف الفقيه السنهوري : "الغلط حالة تقوم بالنفس تحمل على توهم غير الواقع .وغير الواقع إما أن يكون واقعة غير صحيحة يتوهّم عدم صحتها "
    المطلب الثاني : أنواع الغلط .
    الغلط حسب هذه النظرية أنواع متفاوتة منها ما يؤثر على سلامة الرضاء و منها ما هو دون ذلك ، وهذا ما سوف نستعرضه من خلال الفروع التالية :
    الفرع الأول : الغلط المانع .
    وهو الذي يمنع قيام العقد ومثال ذلك أن يعتقد أحد المتعاقدين أن العقد قرض بينما يعتقد الآخر أنه هبة ،هنا الإرادتين تكونان مختلفتين على نحو يحول دون تطابقهما وتلاقيهما مما يحول دون انعقاد العقد و يؤدي هذا إلى بطلانه بطلانا مطلقا و يمكن أن يقع الغلط في نوع أو ماهية الشيء كما هو الحال في المثال السابق ، كما يقع في ذاتية محل الالتزام الناشئ عن العقد ومثال ذلك تعاقد شخص على شاء شقة معتقدا أنه يشتري التي في الطابق الخامس بينما البائع يقصد الشقة التي في الطابق الأول ، كما يضيف الفقه حالة ثالثة هي الغلط في وجود الالتزام ومثاله اتفاق شخص مع آخر على تعويض ضرر معين معتقدا أنه مسئول عنه ، ثم تبين له عدم توافر الشروط اللازمة لقيام مسئوليته .
    الفرع الثاني : الغلط المعيب للرضا ( المفسد ) .
    ويؤدي هذا النوع إلى بطلان العقد بطلانا نسبيا لمصلحة من وقع فيه وهو يتحقق عندما يقع الغلط في شخص العاقد ، أو في مادة الشيء محل الالتزام المترتب على العقد ، وهذا النوع من الغلط لا يحول كما هو واضح دون تمام العقد ، غير أنه مع ذلك يخوّل لمن وقع فيه الحق في إبطال العقد على اعتبار أن إرادته كانت إرادة فاسدة و مثاله أن يشتري شخص شيئا ما اعتقادا منه أنّه أثري بينما لم يكن كذلك في حقيقة الأمر .
    الفرع الثالث : الغلط غير المؤثر .
    وهو الغلط الذي لا يمنع من تطابق الإرادتين وتلاقيهما من ناحية ولا يفسد الإرادة من ناحية أخرى ، بل هو ذلك الذي يتحقق في حالة الغلط المادي كالغلط في الحساب ، أو الغلط في الكتابة مما يعرف بغلطات القلم و التي تستوجب التصحيح فقط ، ومثال ذلك أن يشتري شخص عشر وحدات من بضاعة ما حيث سعر الوحدة الواحدة مائة دينار وحرر المتعاقدان ورقة العقد و دوّنا فيها سهوا أن البضاعة المباعة ثمنها مائة دينار بدل ألف دينار ، وهذا ما نصت عليه المادة 84 ق م ج " لا يؤثر في صحة العقد مجرد الغلط في الحساب ولا غلطات القلم و لكن يجب تصحيح الغلط ".



    المبحث الثاني : الغلط حسب النظرية الحديثة
    انتقد الفقهاء التقسيمات التي جاءت بها النظرية التقليدية "الغلط المانع ,المعيب ,غير المؤثر>,ووضعوا معيارا واحدا للغلط الدافع للتعاقد la raisin principle et determinant كما هجروا المعيار الموضوعي و اقتصروا على المعيار الذاتي ,وهو ما ذهب إليه القضاء الفرنسي في ضرورة الاعتداد بالصفة الجوهرية التي اعتبرها المتعاقد في الشيء
    Qualité substantielle انطلاقا من العبارات الواردة في المادة 1110 من القانون المدني الفرنسي <ق ف م> لتكون أكثر اتفاقا مع المعيار الذاتي أو الشخصي .
    و على هذا النحو أصبح الغلط معيبا للرضا إذا كان جوهريا ,أي إذا كان هو الدافع الرئيسي للتعاقد ,سواء في ذلك تناول مادة للرضا إذا كان جوهريا , أي إذا كان هو الدافع الرئيسي للتعاقد ,سواء في ذلك تناول مادة الشيء أم شخص المتعاقد ,و ليس الموضوع الذي ينصب عليه الغلط , و ذلك بأن يكون الغلط هو الدافع الرئيسي للتعاقد , و بصفتنا طلبة جزائريين يهنا موقف المشرّع الجزائري من هذه القضية و التي تعد أحد عيوب الرضا <تطابق الإيجاب و القبول > فنجد إن المشرع الجزائري تبنى النظرية الحديثة تحت ما يسمّى بالغلط الجوهري إنّ الغلط الجوهري يدل على معيار الدافع الرئيسي للتعاقد , و هو الأساس الذي بنيت عليه النظرية الحديثة
    فقد نصّت المادة 81 م ج على أنّه :" يجوز للمتعاقد الذي وقع في غلط جوهري وقت إبرام العقد أن يطلب إبطاله"
    و إذن فيشترط في الغلط الذي يعيب الإرادة و يجعل العقد قابلا للإبطال أن يكون جوهريا .
    المطلب الأوّل : مفهوم الغلط الجوهري .
    لقد تولّت المادة 82 م ج تعريف الغلط الجوهري بقولها : " يكون الغلط جوهريا إذا بلغ حدّا من الجسامة بحيث يمتنع معه المتعاقد عن إبرام العقد لو لم يقع في هذا الغلط, و يعتبر الغلط جوهريا على الأخص إذا وقع في صفة الشيء يراها المتعاقدان جوهرية , أو يجب اعتبارها كذلك نظرا لشروط العقد و لحسن النيّة <الذي يجب أن يسود التعامل > , إذا وقع في ذات المتعاقد أو صفة من صفاته , و كانت تلك الذات أو هذه الصفة السبب الرئيسي في التعاقد " .
    و طبقا لهذا النص فإن القانون المدني الجزائري , كالقوانين العربية الأخرى قد أخذ بمعيار ذاتي في الغلط , و ترك المعيار المادي الذي كان سائدا لدى الفقه الفرنسي القديم متأثرا فيه برأي الفقيه الفرنسي القديم بوتييه , الذي يرى أنّ الغلط الذي يجعل العقد قابلا للإبطال هو الذ1ي يقع في المادة التي تتكوّن منها عناصر الشيء , أمّا الفقه الحديث فقد هجر المعيار المادي و أخذ بالمعيار الذاتي الذي يرجع فيه إلى ما يعتبره المتعاقد جوهريا أو ما يجب أن يعتبره كذلك , و الذي يبلغ من الجسامة إلى حد كان يجعل المتعاقد يمتنع من إبرام العقد لو كان لم يقع في هذا الغلط أو يجب اعتبارها جوهريّة نظرا للظروف التي تمّ فيها العقد و لحسن النيّة الذي ينبغي أن يسود في المعاملات بين الناس .
    أمّا المشرّع المصري فقد أخذ في تحديده الغلط المفسد للإرادة بمعيار عام ذاتي , فالغلط يفسد الإرادة إذا كان جوهريا , و الغلط يكون جوهريا إذا كان قد دفع المتعاقد الذي وقع فيه إلى التعاقد , و العبرة إذن تكون بمدى تأثير الغلط على المتعاقد الذي وقع فيه ( كل حالة على حدتها ) ، وبصرف النظر عما يكون من تأثير على متعاقد آخر تختلف ظروفه عن ظروف هذا المتعاقد .


    ومن خلال تحديد مفهوم الغلط الجوهري فنجد أن المشرع الجزائري من خلال ق م لم يحدد تعريف واضح له بل وضع صوره وخصائصه .
    المطلب الثاني : خصائص الغلط الجوهري .
    فنجد أن الغلط الجوهري له عدة خصائص سنستظهرها كالتالي :
    الفرع الأول : غلط جسيم.
    من الشائع أو المعروف أن القانون لا يعتد بأي غلط مهما كانت درجته ، لأنه يحول دون استقرار المعاملات ، كما أن الحماية القانونية يكون أمرا جديا ، فإذا كان المتعاقد يتمتع بأهلية كاملة كان لزاما أن يعتبر القانون بعض التجاوزات أو التعسفات أمورا عادية يتحملها المتعاقد والتي ترجع إلى الصدفة أو التقصير أو الإهمال ، ولذا يجب أن تكون الاعتقادات الخاطئة التي تحمل المتعاقد على إبرام العقد جسيمة ، كما أقر ذلك المشرع في المادة 82 ق م ج " يكون الغلط جوهريا إذا بلغ حدا من الجسامة ... " و الغلط الجسيم هو ذلك الذي يبلغ درجة من الخطورة و الأهمية تستدعي تدخل القانون لحماية الضحية أما تقدير جسامة الغلط فهو أمر نسبي ؛ فما هو جسيم في نظر متعاقد قد يكون هينا لمتعاقد آخر ، وما يمكن اعتباره في معاملة معينة قد يكون يسيرا بالنسبة لنفس المعاملة بالنظر إلى الظروف التي أحاطت بكل منهما وذلك من زاوية العوامل الذاتية والشخصية للمتعاقد الذي وقع في الغلط <معيار شخصي بحت > , وقد نكتفي بسلوك الرجل في ظل الظروف و الملابسات التي تمّ فيها العقد مع تجاهل الاعتبارات الشخصية للمتعاقد الذي وقع في الغلط <معيار التقدير المجرّد> ,و حسب نص المادة 82 ق م ج التي أشرنا إليها آنفا نجد أن المشرع أخد بمعيار ذاتي ، فالعبرة هنا بنفسية المتعاقد والنتائج المترتبة عن هذا الاعتقاد الخاطئ ، أمّا عن رأينا في تقدير جسامة الغلط الأخذ بالمعيار المجرد ليس من باب صعوبة القاضي للوصول و التحري و البحث في نفسية المتعاقد فحسب بل لوضع حد للأنانية الشخصية للضحية في استعمال حقها .
    الفرع الثاني : غلط مؤثر .
    إضافة إلى الخاصية أو الميزة السابقة التي أشرنا إليها آنفا ، لابد أن يكون الغلط الجوهري مؤثرا ؛ أي أن يكون هو الدافع الرئيسي إلى إبرام العقد وتصميم على إنجازه ، فالعبرة هنا بسلامة الرضا و بالتالي يجب أن يكون الغلط الجوهري هو السبب الرئيسي والوحيد الذي دفع المتعاقد إلى إبرام العقد ، وبمفهوم المخالفة إذا لم تكن تلك الاعتقادات الخاطئة هي الدافع الرئيسي للتعاقد فإنها لن تنال من سلامة الرضاء , ولا يعتبر الغلط حينئذ جوهريا كما أشارت لذلك المادة 82 ق م ج السالفة الذكر , و قد أشار المشرّع بوضوح إلى هذا الشرط في الفقرة الثالثة من نفس المادة : "...إذا وقع في ذات المتعاقد أو في صفة من صفاته , و كانت تلك الذات أو هذه الصفة السبب الرئيسي في المتعاقد " .
    و كذلك هذا التقدير يتم إمّا بالرجوع على نفسية المتعاقد بخصوصياته و هذا تقدير ذاتي , و غما بالرجوع إلى نفسه الرجل محاطا بنفس الظروف و هذا تقدير مجرّد , و في انتظار ما يهتدي إليه القضاء بخصوص هذه المسألة , فإننا ننصح و نفضل التقدير المجرّد للأسباب السالفة الذكر .




    المطلب الثالث : صور الغلط الجوهري .
    بعد توضيح و تعيين خصائص الغلط الجوهري في الفقرة الأولى من المادة 82 ق م ج تناول المشرّع في الفقرتين الثانية و الثالثة صور الغلط الجوهري على سبيل المثال لا على سبيل الحصر فذكر على التوالي الغلط في صفة الشيء و الغلط في ذات المتعاقد و اللتين استلهمهما من القانون الفرنسي و ينتج عن هذا التباين في الطرح اختلاف بخصوص تحديد مجال الغلط الجوهري , فالقانون الفرنسي لا يأخذ بالغلط في الباعث رغم أنّه مثله مثل القانون الجزائري يأخذ بالمعيار الذاتي في تقدير الغلط و سنحاول الإلمام بصوره فيما يلي :
    الطرح الأوّل : الغلط في صفة الشيء
    و هو الغلط الذي يقع في فحوى أو مضمون أو صفة من صفات الشيء المتعاقد عليه أو موضوع العقد و لتوضيح ذلك هناك اتجاهان فقهيان أو معياران لتحديد صفة الشيء أحدهما ذاتي شخصي و الأخر مادي موضوعي .
    فالصفة الجوهرية للشيء وفق المعيار الشخصي هي تلك الاعتقادات و الرغبات النّفسية التي دفعته إلى إبرام العقد وهذا يهدينا إلى نية المتعاقد الواقع في الغلط وسوف نقرّب المعنى بالمثال التالي : كأن يقدم شخص على شراء طاولة باعتبار أنّها من الخشب أو من حديد , و قد لا يهتم بتاتا بمادة الشيء و كأن يشتري الشخص نفس الطاولة لكن باعتبارها صالحة لغرض معيّن , أو لأنها تنسب على شخصية معروفة أو إلى حضارة معيّنة أو لقيمتها التاريخية .
    وكذلك كشراء قلم باعتباره منسوب إلى شخصية سياسية أو سينمائية معينة لا بكونه صالح للكتابة أو لا.
    و من خلال تطرقنا لهذه الصورة يواجهنا أمرين يجب التطرّق لهما إحداهما النظرية المشتركة للمتعاقدين إذن العبرة في تحديد الصفة الجوهرية للشيء هي بالمعيار لشخصي , إذ يجب الرجوع إلى إرادة و رغبة المتعاقدين معا .
    فالصفة الجوهرية ليس التي يعتقدها الذي وقع في الغلط بل المتعاقدين معا فإذا طلب المشتري قماش للتفصيل فالصفة الجوهرية هنا هو صلاحية هذا القماش للغرض المحدّد .
    و لذلك فتقييد الصفة الجوهرية بالنظرة المشتركة للمتعاقدين يضمن استقرار المعاملات و يمنع التعسّف في استعمال الحق 1 .
    أمّا الموضوع الثاني شروط العقد عند استحالة التعرّف على النظرة المشتركة للمتعاقدين لتحديد الصفة الجوهرية و تكون العبرة بشروط العقد و حسن النية < المعيار الموضوعي > أي الظروف المحيطة به كتقدّم شخص لبائع آثار فهذا يفيد أنه عندما يريد شراء شيء أثري كما يفيد محل بيع الآثار أنّ الأشياء المعروضة للبيع هي أشياء أثرية , فعندما تقدّم الشخص إلى بائع الآثار فإنّ حسن النية يقتضي أنّه كان يريد شراء شيء أثري .
    الفرع الثاني : الغلط في ذات أو صفات المتعاقد .
    يكون الغلط جوهريا بمقتضى الفقرة الثالثة من المادة 82ق م : "إذا وقع في ذات المتعاقد أو في صفة من صفاته , وكانت تلك الذات أو هذه الصفة السبب الرئيسي في التعاقد " و يشترط إذن في الغلط الجوهري إذا وقع في ذات المتعاقد أن يكون هو الدافع الرئيسي للتعاقد ولا يتحقق هذا الشرط إلّا بالنسبة للعقود التي يكون فيها الشخص المتعاقد محل اعتبار .
    و يلاحظ في هذا الصدد أنّ الغلط في ذات المتعاقد يأخذ حكم الغلط في صفة من صفاته , فيعدّ مفسدا للإرادة , خلافا في ذات الشيء محل التعاقد حيث يكون مانعا من انعقاد العقد , و لا يأخذ حكم الغلط في صفة من صفاته هذا الشيء .
    و الغالب في هذه الصورة أن تكون شخصية المتعاقد أو صفته السبب الرئيسي في التعاقد في عقود الوكالة . و الهبة و عقد العمل و شركة الأشخاص ..., إذ يعتبر المتعاقد أمرا جوهريا و الغلط فيه يعرّض العقد للإبطال فالعبرة ليست بالمحل فقط بل بشخص المتعاقد , و تطبيقا لذلك قضى بإبطال إيجار مسكن لسيدة كلن المؤجر يعتقد أن سلوكها لا شائبة فيه ، ثم اتضح أنها كانت تحترف الدعارة ، و يمكن القول بصفة عامة بأن شخص البائع يكون محل اعتبار لدى المشتري في عقد بيع المحل التجاري حيث يهم المشتري سمعة البائع .
    الفرع الثالث : الغلط في القانون .
    إذ الغلط هنا يتمثل في تصور أحد جوانب العملية القانونية المراد تحقيقها عن طريق العقد على خلاف الحقيقية , إذ أنّ الغلط في القانون مثله مثل الغلط في الواقع و يكون مبطلا إذا استوفى شروط الغلط الجوهري أي متى كان هو السبب الرئيسي في التعاقد 1 .
    كالتزام الوارث بتسديد ديون المورّث معتقدا أنّ القانون يلزمه بذلك , إذ لو لم يكن هذا الاعتقاد لملغ أقدم على التسديد , و كذلك مثال ذلك البيع الوارد على التركة في حالة الجهل بمقدار الجهل بالمقدار النصيب الذي يخوله القانون له .
    لقد ذهب الفقه إلى عدم جواز الاعتداد بالغلط في القانون لأنّ هذه الصورة تمثل الجهل بالقانون و خلافا لما هو مقرر من عدم جواز الاعتذار بجهل القانون كقاعدة مطلقة .
    و لكن الفقه من جديد فصل بين رأيين هما قواعد النظام العام و المعاملات .
    * فهو لا يعتدّ بالغلط في القانون في قواعد النظام كقواعد النظام ....إلاّ أنّه يعتد في المعاملات فقط .
    الفرع الرابع : الغلط في الباعث .
    من المسلّم به في الفقه أنّ الباعث يدخل في تقرير ما إذا كانت صفة الشيء التي وقع فيها الغلط صفة جوهرية , فالغلط في مساحة الأرض المشتراة هو غلط في صفة الشيء , و الغرض الذي تخصص له هذه الأرض يمكن أن يحدد ما إذا كانت هذه الصفة جوهرية من عدمه , و لكن يجب أن يكون هذا الباعث أو الغرض شرطا أو بندا من بنود من بنود العقد , و لكن الفقه أختلف في أمر الباعث إذا ما كان هو بذاته محل الغلط أم كان أمرا خارجا عن التعاقد يخص المتعاقد الذي وقع فيه .
    و هناك عدّة أمثلة عن هذه الصورة:
    - شخص يبيع عينا و هو مريض معتقدا أنّه في مرض الموت ثمّ يشفى من المرض و يطعن بالغلط باعتبار أنّ ما دفعه إلى البيع كان اعتقاده أنّه في مرض الموت .
    - و شخص يشتري سيّرة معتقدا أنّ سيّارته القديمة قد تحطّمت في حادث ثمّ يتّضح له عدم صحة هذا الاعتقاد و يطعن بالغلط باعتبار أنّ ما دفعه إلى شراء السيّارة اعتقاده تحطّم سيّارته القديمة .
    -استئجار شخص شقّة في مدينة معتقدا أنّه سينتقل إليها ثمّ لا ينتقل أو يشتري شقّة في المدينة التي يعمل بها معتقدا استقراره فيها ثمّ ينتق .
    لم يأخذ المشرّع الجزائري بهذه الصورة و ذلك طبقا للمادة 97 ق م ج : "إذا التزم المتعاقد لسبب غير مشروع أو لسبب مخالف للنظام العام أو للآداب , كان العقد باطلا " و يفيد أنّ الغرض من ركن السبب هو مراقبة مشروعيّة المعاملات و ليس وجود السبب .


    الفرع الخامس : الغلط في القيمة .
    أمّا الغلط في قيمة الشيء فيقصد به الغلط في تقدير قيمة ما يرد عليه التعاقد , وهذا الغلط قد يكون ناتجا عن غلط في صفة جوهرية في الشيء أو في المتعاقد الآخر كما هو الحال في صورة الغلط من مقدار حصّة البائع من التركة .
    مثال ذلك أن يبيع شخص شيئا أثريا بثمن بخس رغم علمه بصفته الأثرية و نتيجة لجهله بما يساويه من ثمن , أو أن يبيع شخص عملة أجنبيّة و هو يجهل ارتفاع سعرها المفاجئ .
    من الملاحظ أنّ الغلط في القيمة يؤدّي إلى أنّ الغلط في القيمة يؤدي إلى الغبن و لذلك هناك ارتباط واضح بين تنظيم كلّ منهما .
    المطلب الرابع : شروط التمسك بالغلط الجوهري .
    إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري حسب الشروط التي ذكرناها سابقا أجازت المادة 81 ق م للمتعاقد الذي وقع في الغلط طلب إبطال العقد المبرم، ولكن المشرع لم يغفل أمرا آخر شديد الأهمية ألا وهو استقرار المعاملات وحماية المتعاقد الآخر الذي لا يد له في الغلط وحمايته من التعسفات في استعمال الحق ولذلك وضع مجموعة من الشروط إذا توفرت جاز للمتعاقد التمسك بالغلط الجوهري لطلب إبطال العقد .
    الفرع الأول : حسن النية .
    يستحق المتعاقد الذي وقع في غلط جوهري الحماية القانونية و المتمثلة في إبطال العقد إذا كانت نيته حسنة ، ولكن إن تبين أن المتعاقد الذي وقع في الغلط ينتهز هذه الفرصة (وقوعه في الغلط) لإبطال العقد كأن تكون غير رابحة ،فإن المشرع يحرمه من الحماية القانونية إذا أبدى الطرف الآخر استعداده لتصحيح الغلط وتنفيذه فيقتضي لحسن النية عدول الطرف الأول (الواقع في الغلط ) عن طلب الإبطال حسب نص المادة 85 ق م " ليس لمن وقع في غلط أن يتمسك به على وجه يتعارض مع حسن النية ... ويبقى في الأخص ملزما بالعقد قصد إبرامه إذا أظهر الطرف الآخر استعداده لتنفيذ هدا العقد " مثلا كأن يشتري (أ) من (ب) لوحة كان يظن أنّها لفنان مشهور ومعين ثمّ تبين له فيما بعد أنها ليست له ، فهو قد وقع في غلط جوهري و جاز له حق إبطال العقد إلا إذا أبدى البائع نيته و استعداده لتنفيذ العقد وتصحيحه و إحضار اللوحة التي طلبها المشتري .
    الفرع الثاني : استحقاق الحماية القانونية .
    يجب أن يكون المتعاقد الذي وقع في الغلط يستحق الحماية القانونية فلا يحب أن يكون هذا الغلط ناجما من طيش أو إهمال بعض المؤشرات والتي تجعلنا بمنء عن الوقوع في هذا الغلط بحيث كان يكفيه بعض الانتباه أو طلب معلومات بسيطة أو الإطلاع على وثائق لتجنب الغلط ، ولذا فإن سهولة تجنب الغلط تجعله غير مغتفر وغير محسوب له بل محسوب عليه .
    ومما قلناه نجد أن القانون لا يحمي جميع المتعاقدين الذين وقعوا في الغلط بل يجب أن يتحمل البعض نتائج طيشهم و إهمالهم ، و الذين نقصدهم هم أهل الخبرة والمعرفة و ذوي الكفاءات العالية رغم أن رضاهم معيب ولكن لا يستحقون الحماية القانونية .
    ويتم تقدير سلوك المتعاقد الذي وقع في الغلط بالرجوع إلى شخصيته ( من مؤهلات وخبرات وكفاءات ) ، فعند الوصول إلى أنّ هذه المؤهلات يمكن أن تجنبه الوقوع في الغلط بكل سهولة لا يمكنه القانون من التمسك بالغلط الجوهري رغم رضاه المعيب وهذا ما يصطلح عليه بلغة القانون " بالغلط الذي لا يغتفر " L'erreur inexcusable .
    الفرع الثالث : علاقة المتعاقد الثاني بالغلط .
    انقسم الفقه في هذه المسألة إلى ثلاث وجهات نظر :
    يرى بعض الفقه أن الغلط الفردي لا يكفي للمطالبة بإبطال العقد بل اشتراكهما فيه ، وذلك حفاظا على استقرار المعاملات و الحد من التعسف في استعمال حق الإبطال ، وإلا كيف نبرر حماية المتعاقد الذي وقع في الغلط على حساب المتعاقد الثاني الذي لا ذنب له فيما وقع و اطمأن للعقد ، بل ربما قام ببعض الالتزامات نحو الغير تنفيذا لهذا العقد .
    و يرى فريق آخر أن الغلط الفردي كاف لإبطال العقد لأن الغلط يفسد رضاء من وقع فيه وإن لم تكن مشتركة ، إذ عدم وقوع الطرف الثاني لا يمنع فساد رضاء الطرف الأول .
    أمّا الرأي الثالث فيرى أنه لا حاجة للغلط المشترك للمطالبة بإبطال العقد بل يكفي الغلط الفردي إذا كان الطرف الثاني يعلم به أو من السهل علية أن يعلم به وهذا الرأي يحاول التوفيق بين الرأيين ضمانا لاستقرار المعاملات ( الرأي الأول ) و حماية للمتعاقد الذي وقع في الغلط ( الرأي الثاني ) ، أما المشرع فقد أخد بالرأي الثالث إذ لا يشترط اشتراك المتعاقدين في الغلط ، فهو أخد بمعيار موضوعي لتحديد الصفة الجوهرية للشيء.

    قائمة المراجع :
    ـ ذ / بلحاج العربي ، النظرية العامة للالتزام في القانون المدني الجزائري ، ج 1 ، ديوان المطبوعات الجامعية ، ط 5 ، الجزائر.
    2 ـ ذ/علي علي سليمان ، النظرية العامة للالتزام ( مصادرالالتزام في القانون المدني الجزائري ) ، ديوان المطبوعات الجامعية ،ط3 ، الجزائر.
    3 ـ ذ/ مصطفى الجمّال ، النظرية العامة الالتزام ، الدار الجامعية ،1987.
    4ـ ذ / علي فيلالي ، النظرية العامة للالتزام ، موفم للنشر ، الطبعة التانية ، الجزائر ، 2005 .








    الخاتمة :
    من خلال ما سبق نخلص إلى أن النظرية الحديثة أخذت و اعتمدت المعيار الذاتي و الذي اعتمدته الكثير من القوانين الوضعية و منها القانون المدني الجزائري من المادة 81 إلى 85 و التي سبق و أن تطرقنا إلى نصوصها خلال العرض أي اعتمادها الغلط الجوهري إلا أنّه و لضمان استقرار في التعامل و حماية العقود من الانهيار .
    وضع المشرّع بعض القيود حول استعمال حق إبطال العقد , فيجب أن لا يتعارض طلب إبطال العقد مع ما يقتضيه حسن النيّ و التي يترتب عنها الحماية القانونية حسب ما نصّت عليه م 85 م ج.
    ( ليس لمن وقع في غلط أن يتمسّك به على وجه يتعارض مع ما يقضي به حسن النية ... و يبقى بالأخص ملزما بالعقد قصد إبرامه إذا أظهر الطرف الآخر استعداده لتنفيذ العقد ) وهذا حتى لا يكون متعسفا في استعمال حقّه و بحيث أن الغلط واقعة مادية فقد اشترك كذلك إثباته وهذا بكافة طرق الإثبات ، ويتحمل عبئ الإثبات المتعاقد الذي يدعي الغلط وعليه أن يثبت الغلط في الصفة الجوهرية من جهة ، وأن هذا الغلط هو الذي دفعه للتعاقد من جهة أخرى .
    أمّا عن الجزاء والأثر المترتب عن الغلط فإنّه متى شاب إرادة المتعاقد عيب الغلط بشروطه السابقة ، جاز له أن يتمسك بفسخ العقد أي إنهاؤه بأثر رجعي و إعادة المتعاقدات لحالتهما قبل التعاقد ، فإن تعذرت هذه الإعادة حكم القاضي بالتعويض على المتعاقد الذي تعذر عليه إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل التعاقد أو تصحيحه إن كان ذلك ممكنا.
     
  2. karim

    karim Administrator طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏14/6/09
    المشاركات:
    2,822
    الإعجابات المتلقاة:
    28
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    جـزائـرنـا
    رد: الغلط

    بارك الله فيك

    موضوع قيم

    ننتظر المزيد من اسهاماتك
     
  3. youcef66dz

    youcef66dz عضو متألق

    إنضم إلينا في:
    ‏3/10/09
    المشاركات:
    3,788
    الإعجابات المتلقاة:
    78
    رد: الغلط

    بارك الله فيك و سلمت يداك ...
     
الوسوم:

مشاركة هذه الصفحة