إنضم
19 نوفمبر 2013
المشاركات
25
مستوى التفاعل
0
النقاط
1
المبحث الثالث: الضوابط العامة للشرعية
ادا كان مبدأ لا جريمة ولا عقوبة هو إلا بقانون دستور قانون العقوبات فان مبدأ الشرعية الإجرائية هو دستور قانون الإجراءات الجنائية و يمكن صياغته على الشكل الآتي:" لا تحديد للإجراءات الجنائية إلا بقانون يكفل الضمانات للحرية الشخصية تحت إشراف القضاء", و تبين هذه الصيغة الضوابط أو الأركان الثلاث للشرعية الإجرائية و الشرعية عامة , و هي تحديد الإجراءات الجنائية بقانون و الأصل في المتهم البراءة و ضمان الإشراف القضائي على الإجراءات.وهذا ما نتطرق إليه بالدراسة تباعا في هذا المبحث.
المطلب الأول : الانفراد التشريعي في إطار الشرعية
يعتمد مبدأ الشرعية على السلطة التشريعية في تحديد الجرائم و العقوبات،و دلك باعتبار أن هده الأخيرة تمثل المجتمع بأسره بمقتضى العقد الاجتماعي، و قد عبر عن دلك دي كاري مالبريدج عن دلك بقوله : إن سيادة البرلمان تنبع من سيادة الشعب و قد أسفر هدا المنظور عن مبدأ هام هو سيادة القانون بما في دلك سيادة الدستور وهو السمة المميزة للدولة القانونية الذي يحول دون تحكم السلطة و انحرافها و في إطار هدا المبدأ تعين تحديد دور السلطة التشريعية بالمقارنة بدور السلطة التنفيذية.فكل منهما تملك سلطة إقرار قواعد قانونية الأولى في صورة تشريع و الثانية في صورة تشريع لائحي ، إلا أن توزيع الاختصاص بين هاتين السلطتين في مجال القواعد القانونية لا يتم إلا في إطار مبدأ الشرعية أي سيادة القانون ، فوفقا لهدا المبدأ يخضع الجميع للقانون فجميع السلطات تخضع للدستور ، و السلطة التنفيذية تخضع أيضا فيما تسنه من لوائح للتشريعات التي تقرها السلطة التشريعية، و يعتبر هدا التدرج بين القواعد القانونية من سمات الشرعية أي سيادة القانون ، فالسلطة التشريعية تلتزم باحترام القواعد الدستورية، و ما يتطلبه الالتزام بما تضمنته هده القواعد بشان الحقوق و الحريات بضمانها فيما تقرره من تشريعات وقد نصت المادة 122من الدستور الجزائري لسنة 1996 على الميادين التي يخصصها الدستور للبرلمان كمجال حصري لممارسة اختصاصه الأصيل في التشريع و منها كبند أول حقوق الأشخاص و واجباتهم الأساسية ، إضافة الى نظام الحريات العمومية و حماية الحريات الفردية و واجبات المواطنين ، القواعد المتعلقة بالتنظيم القضائي و إنشاء الهيئات القضائية ، قواعد قانون العقوبات ، و الاجراءات الجزائية ، لا سيما تحديد الجنايات و الجنح و العقوبات المختلفة و العفو الشامل ، تسليم المجرمين ، و نظام السجون. و تلتزم السلطة التنفيذية بتمكين الأفراد من ممارسة حقوقهم و حرياتهم العامة في مواجهتها و كفالة احترامها.
و لما كانت السلطة التشريعية تتم ممارستها بواسطة ممثلي الشعب صاحب السيادة فمن الطبيعي أن يستأثر التشريع الصادر عن هده الأخيرة بضمان الحقوق و الحريات التي تتم ممارستها في مواجهة السلطة التنفيذية و هو ما يعرف بمبدأ انفراد التشريع. هدا الأخير الذي يجد أصوله في أفكار جون لوك التي تقوم على أن اجتماع أعضاء المجتمع يكمن في ضرورة حماية الحرية و الملكية و بالتالي فان كل تشريع يعالج هده المسائل يتطلب موافقة أطراف العقد الاجتماعي ، فالتشريع على هدا النحو هو السند الذي يتوقف عليه تنظيم ممارسة و رسم حدود الحقوق و الحريات.
و التشريع باعتباره صادرا من اقدر سلطة على استجلاء الصالح العام ، و التعبير عن مقتضياته لارتباط هده السلطة بإرادة الشعب هو الذي يمكن أن يضمن التوازن بين الحقوق و الحريات و المصلحة العامة و هو اد يفعل دلك لا يجوز أن ينال من تلك الحقوق و الحريات بما يقلص من محتواها أو يجردها من خصائصها أو يقيد من أثارها و إلا كان هدا التنظيم مخالف للدستور
إن منطقة تنظيم الحقوق و الحريات محرمة على غير المشرع متروكة له وحده لكي ينفرد بها باعتباره ممثلا لإرادة الشعب و يمارس انفراده هدا في حدود الدستور. و بالتالي فتنظيم الحقوق و الحريات سلطة تقديرية محظة للمشرع ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط معينة.
وقد أقرت المحكمة الدستورية العليا المصرية في قرارها رقم أن الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق ، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها ، و تكون تخوما لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها و كان الدستور اد يعهد الى السلطة التشريعية بتنظيم موضوع معين ، فان ما تقره من القواعد القانونية في شان هدا الموضوع ، لا يجوز أن ينال من الحقوق التي كفل الدستور أصلها ، سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها و يتعين أن يكون منصفا و مبررا.
كخلاصة نقول أن مظاهر الانفراد التشريعي يمكن تلخيصها في ثلاثة أمور :
مناطه و مجاله الحقوق و الحريات و غيرها من المجالات المحددة دستورا.
لا يجوز للسلطة التقديرية للمشرع أن تتجاوز أو تنحرف عن الأهداف الدستورية في طريقة وكيفية مباشرته لاختصاصه الفريد
انفراد مانع لتدخل أو مشاركة السلطة التنفيذية في مجاله إلا في الحدود التي ينص عليها التشريع طبقا للدستور.
إن القيم الجوهرية التي يتولى القانون الجنائي حمايتها لا يمكن إلا إن تتولاها السلطة التشريعية باعتبارها ممثلة الشعب و المعبرة عن إرادته و مصالحه و التي تقوم على تحديد الأفعال التي يجوز تأثيمها لمساسها بنظام و امن و استقرار المجتمع و باعتبارها اعتداء على مصالحه و مقوماته و بالتالي هي الأقدر على تحديد الضرورة الاجتماعية و ما يناسبها من جزاء و بتوفر هده المعطيات فقط يكون القانون محترما في المجتمع و فعالا محققا لأهدافه.
قد تقتضي المصلحة الاجتماعية الحد من حريات لأفراد. و يقدر المشرع حدود هذه المصلحة بوصفه السلطة الممثلة لإرادة المجتمع و سيادته . و يعبر عن هذه الحدود قانون العقوبات من خلال مبدأ لا جريمة و لا عقوبة إلا بقانون . و عندما تباشر الدولة الاجراءات اللازمة لكشف الحقيقة و تقرير سلطتها في العقاب يبدو خطر المساس بالحرية الفردية من خلال مباشرة هذه الاجراءات . و لذلك تعين على المشرع أن يتدخل في هذه الحالة لكي يقرر الحدود التي تتطلبها المصلحة الاجتماعية للمساس بالحرية من خلال الاجراءات الجنائية ، و السلطة التشريعية هي التي تملك وحدها تقرير القيم الاجتماعية ، و جوهر الحرية الشخصية التي لا يجوز المساس بها على الإطلاق ، و الشروط والأحوال التي يجوز فيها المساس بالحرية في حدود معينة ، و ذلك بالقدر اللازم لتحقيق التوازن بين مصالح المجتمع و حقوق الفرد.
و بناء على ذلك ، فان القانون وحده هو الذي يحدد الاجراءات الجنائية منذ تحريك الدعوى الجنائية حتى صدور حكم بات فيها ، و هو الذي ينظم إجراءات التنفيذ العقابي بوصفها المجال الطبيعي للمساس بالحرية تنفيذ الحكم القضائي . و يعتبر هذا المبدأ معبرا عن أحد الركائز الشرعية الدستورية في الاجراءات الجنائية. و تطبيقا لهذا المبدأ قضت المحكمة النقض الفرنسية بأن المشرع-وحده- يملك المساس بحرية الأفراد.
وقد اشترط القانون لتحديد قواعد الاجراءات الجنائية مستندا الى مبدأ عام ، و هو الثقة في القانون لتنظيم الحريات . و يرتكز أساس هذا المبدأ على ما تتمتع به من قواعد القانون منصفة العمومية و التجريد ، و في أنه يصدر من سلطة تمثل الشعب . وصفة عمومية القانون و تجريد هي بذاتها ضمان أساسي لأنها تؤكد أن القيود الواردة على الحريات لا تستند الى اعتبار شخصي ، وتضمن مساواة المواطنين عند ممارسة حرياتهم ، كما أن صدور القانون من السلطة التشريعية يكفل تعبيره عن الإرادة الشعبية فضلا عن أن الموافقة عليه لا تكون إلا بعد مناقشته علنا أمام ممثلي الشعب ، بالإضافة الى الاجراءات البطيئة الشكلية التي يتعين إتباعها قبلا لإقدام على أي تعديل للقانون.
و بناء على أن القانون وحده هو المنظم للحريات ، جاء مبدأ أن القانون هو الذي ينظم قواعد الاجراءات ، و ذلك باعتبار أن هذه الاجراءات تنطوي على مساس بالحرية الشخصية . هذا باعتبار أن هذه الاجراءات حقيقة تعتبر من المبادئ العامة التي تحكم ق ع ، و بالتالي فهي تخضع حتما لمبدأ الشرعية باعتبار أن ق أ ج هو محرك ق ع . و قد عنيت أغلب الدساتير بإيضاح هذا المبدأ حيث قرر الدستور الياباني سنة 1963 في مادته 31 على أنه : "لا يجوز حرمان أحد من حقه في الحياة أو الحرية ، كما لا يجوز توقيع عقوبات جنائية على أحد ، ما لم يكن وفقا لإجراءات يحددها القانون ، ونص الدستور الهندي لسنة 1949 في مادته 21 على انه :" لا يجوز أن يحرم شخص من حياته أو حريته الشخصية إلا طبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون". أما الدستور الايطالي 1948 على انه لا يجوز حبس شخص أو تفتيشه أو التحري عنه ، بأية طريقة من الطرق ، كما لا يسمح بأي قيد أخر على الحرية الشخصية إلا بمقتضى إجراء مسبب من السلطة القضائية و بالطرق المنصوص عليها في القانون.
كما أوضح الدستور الفرنسي1957 هذا المبدأ صراحة في مادته 34 ،حيث نص على الاختصاص الحصري للقانون في تحديد القواعد التي تخص المسائل المتعلقة بتحديد الجنايات و الجنح و العقوبات المقررة لها و إجراءات الجنائية والعفو و إنشاء أنواع المحاكم و نظام القضاء، ويكشف هذا النص على مدى الارتباط بين الشرعية الموضوعية و تلك الإجرائية وقد أكدت ذلك المحكمة الدستورية العليا الايطالية حين قررت أن الشرعية الإجرائية تسهم في تحقيق الشرعية الموضوعية بدقة, ويتضح هذا المبدأ في كلا الدستورين الجزائري و المصري حيث نصا فيما معناه أنه لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر يستلزمه ضرورة التحقق و صيانة أمن المجتمع, و يصدر هذا الأمر من القاضي المختص أو النيابة العامة و ذلك وفقا لأحكام القانون, كما أن للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها و لا تفتيشها إلا بأمر قضائي مسبب وفقا لأحكام القانون .
ومن المقرر أن السلطة التنفيذية لا تملك بواسطة التشريع اللائحي أن تستحدث إجراءات جنائية ا وان تجري تعديلا على التنظيم التشريعي للحريات, وكل تنظيم لائحي يصدر في هذا الشأن يجب أن يكون في نطاق القواعد التشريعية للحريات دون المساس بها أو الانتقاص منها, و من ثم فان التشريع اللائحي لا يمارس في مسائل الحريات إلا اختصاصا تبعيا في حدود الدستور والقانون و ليس لها أي اختصاص أصيل في هذا الشأن، بالإضافة إلى أن السلطة التنفيذية لا تشرع وإنما تعمل القوانين و تنفذها و لا تملك إلا أن تصدر اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين .
1. و بناء على ذلك لا يجوز للسلطة التنفيذية بتشريع لائحي أن تنظم إي خصومة جنائية سواء من حيث إجراءات سيرها أو من حيث الإحالة إلى المحاكم أو الاختصاص بنظرها, ولا يجوز للمشرع أن يتنازل عن اختصاصه بتحديد قواعد الإجراءات الجنائية بجميع أنواعها، و ذلك لاتصالها بالحرية الشخصية للمواطنين إذ لا يجوز للمشرع الذي فوضه الدستور في إصدار قواعد معينة، أن يفوض بدوره هذا الاختصاص إلى سلطة أخرى ومن الواجب تحديد المحكمة المختصة بناء على نص القانون.
وحتى نكون منهجيين يجب علينا التطرق إلى ماهية قواعد الإجراءات الجنائية إلا أن الأمر دقيق بمكان لثلاثة أسباب هي أن ق أ ج لا يتضمن تعريفا للإجراء الجنائي، وثاني أن ق ا ج لانضم بالضرورة جميع القواعد الإجرائية، و أخيرا فان بعض النصوص الواردة في ق أ ج لا ينطبق عليها وصف القواعد الإجرائية بالمعنى الدقيق .
و في ضوء أهداف ق أ ج و طبيعته، يمكن تحديد قواعد الإجراءات الجنائية بأنها القواعد التي تضع الإجراءات اللازمة لكشف الحقيقة و ذلك من اجل تحقيق فاعلية العدالة الجنائية أي تطبيق ق ع و تعويض المتضرر بواسطة المحكمة الجنائية و التي تحدد أيضا الجهات القضائية المختصة بتطبيق هذه القواعد .
و يراعي المشرع في تحديده لقواعد الإجراءات الجنائية التوازن الضروري بين حماية الحرية الشخصية و مي يتعلق بها من حقوق الإنسان، و حماية المصلحة العامة و بالتالي تحقيق فاعلية العدالة الجنائية, و بدون هذا التوازن لن تحقق حماية الحرية و حقوق الإنسان بوصفها أساسا للشرعية الإجرائية،ذلك أنه بدون فاعلية العدالة الجنائية لا يمكن ضمان ممارسة الحرية الشخصية.
المطلب الثاني : قرينة البراءة
وتعد قرينة البراءة حجر الزاوية للعدالة الجنائية في العصر الحديث، ذلك أنه إذا كان صحيحا أن مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات هو دستور قانون العقوبات، فانه من الصحيح كذلك قرينة البراءة هي دستور قانون الإجراءات الجزائية، و تتفرع عنها سائر القواعد التي يقوم عليها هذا القانون بعبارة أخرى تعد قرينة البراءة ركنا أساسيا من الأركان الشرعية الإجرائية، و تمثل درعا يحول دون المساس بحقوق الإنسان و ضماناته أثناء النظر الدعوى الجنائية .
فإذا كان للمجتمع مصلحة في أن يعرف المجرم الحقيقي حتى لا يظل دون عقاب،فان هناك مصلحة أهم و أشمل وأجدر بالحماية، وهي أن لا يدان برئ واحد ظلما وعدوانا،ومن هذا المنطق يقاس نجاح أي نظام قانوني بمدى التوافق بين مصلحة المجتمع في استيفاء حقه في عقاب الجاني،>وبين مصلحة الفرد في إثبات براءته،وذلك عن طريق كفالة حق الدفاع عن نفسه .
لذلك فان مبدأ – المتهم بريء حتى تثبت إدانته- يعتبر مبدأ دستوريا و هذا وفقا للدستور الجزائري المؤرخ في 28 نوفمبر1996 المادة 45 التي تنص " كل شخص يعتبر بريئا حتى تثبت جهة قضائية نظامية إدانته، مع كل الضمانات التي يتطلبها القانون " .
فإذا كانت قرينة البراءة تهدف أساسا إلى حماية المتهم،سواء كان ذلك فيما يتعلق بالمعاملة التي يخضع لعا، أو فيما يتعلق بإثبات إدانته فإنها لا تغفل في الوقت ذاته عن مراعاة مصلحة المجتمع،لذلك فقد أبا الدستور و القانون الحد من حرية المتهم الشخصية، بل وتعطيها أحيانا إذا اقتضت ذلك ضرورات التحقيق و الفصل في الدعوى.
فقد أجاز القانون ضبط المتهم و إحضاره والقبض عليه وتفتيشه أو تفتيش مسكنه،بل وحبسه مؤقتا و غيرها من الإجراءات الجبرية التي نظمها القانون.
فإذا كانت البراءة تعني كل هذه الإجراءات فان بعض الأسئلة تطرح عن مدلول قرينة البراءة ؟ و ما هي وظيفتها ؟ وما هو نطاقها؟
قرينة البراءة تعني افتراض براءة كل فرد مهما كان وزن الأدلة أو قوة الشكوك التي تحوم حوله أو تحيط به، فهو بريء هكذا ينبغي أن يعامل هكذا ينبغي أن يصنف طالما أن مسؤوليته لم تثبت بمقتضى حكم صحيح ونهائي صادر عن القضاء المختص .
و عرفت أيضا أنها –قرينة البراءة- أن الأصل في المتهم أنه بريء حتى يقوم الدليل على إدانته وأهم ما تتضمنه هذه القرينة أنه إذا لم يقدم القاضي دليل قاطع على الإدانة عليه أن يقضي بالبراءة فالإدانة لا تبنى إلا على القطع و اليقين أما البراءة فيجوز أن تبنى على الشك .
بتعبير آخر فان القاضي لا يتطلب للحكم بالبراءة دليلا قاطعا على ذلك و لكن يكفيه ألا يكون ثمة دليل قطعي على الإدانة وهذا هو التطبيق العلمي لمبدأ الشك لصالح المتهم .
عليه فان المدلول القانوني لقرينة البراءة هو أن كل شخص تقام ضده الدعوى الجنائية،بصفته فاعلا للجريمة أو شريكا فيها،و يعتبر بريئا حتى تثبت إدانته بحكم بات يصدر وفقا لمحاكمة قانونية و منصفة تتوافر له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه ، وأن تتم معاملته أثناء الاجراءات الجنائية على أساس أنه بريء .
تهدف قرينة البراءة بصفة أساسية الى حماية الحرية الشخصية للمتهم،وذلك بافتراض براءاته و من ثم يكون واجبا على السلطات التي تمارس الاجراءات الجنائية باسم المجتمع أن تعامله على هذا الأساس بحيث لا يخضع لمعاملة مهينة،أو مس كرامته أثناء التحقيق معه و محاكمته لأن قرينة البراءة ركنا أساسيا في الشرعية الإجرائية،لكي يتم تطبيق قاعدة لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص قانوني.
قد عنى فقهاء الجنائي،عند التعليق على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان،بأن يشير صراحة الى المعنى الحقيقي لقاعدة شرعية الجرائم والعقوبات و ضمانة قرينة البراءة لكل منهم .
فإذا كانت المصلحة العامة تقتضي اتخاذ بعض الاجراءات الماسة بالحرية الشخصية للمتهم إلا أن احترام قرينة البراءة يتطلب في الوقت ذاته،ضرورة أن ينظم المشرع هذه الاجراءات ويحدد السلطات المختصة بها من ناحية،و أن يباح للمتهم الطعن فيها ا واثبات عدم مشروعيتها من ناحية أخرى و بعبارة أخرى فان احترام قرينة البراءة يفرض أن يكون عدم المساس هو الأصل و ألا يباح المساس بها إلا استثناءا . وهو ما يتطلب من السلطات المختصة بالإجراءات الجنائية أن تكون أكثر إيمانا بالحرية و الديمقراطية و أكثر استقلالا إزاء الرأي العام ،و ان يعتمد المحقق على قدرته و موهبته في التحقيق لإعداد ملف الدعوى بعيدا عن استسهال اللجوء الى إجراءات تمثل ضغطا نفسيا على المتهم ، بهدف انتزاع الأدلة منه.
هناك عدة أسئلة تطرح في هذا المجال من بينهم يجوز تعليق استفادة المتهم من قرينة البراءة على شرط ؟ هل يستفيد من هذه القرينة جميع المتهمين ؟ و هل يستفيد البعض دون الآخر؟و ها تظل قرينة البراءة منتجة لآثارها مهما كانت جسامة الجريمة،مهما بلغت قوة الأدلة المتوفرة ضد التهم؟و ما هو الدور الذي تقف عنده هذه قرينة؟أي ماهي اللحظة التي تنقضي فيها آثارها ؟هل بإحالة الدعوى الى قضاء حكم أو بصدور حكم من محكمة الدرجة و هل يؤثر الطعن في الحكم على بقائها؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة سوف تحدد النطاق الحقيقي لقرينة البراءة .
1 – من المستفيد؟ قلنا بأن قرينة البراءة تعني أن الشخص الذي نسب إليه الاتهام بارتكاب جريمة ما سواء بصفته فاعلا لها أو شريكا فيها، يعد بريئا حتى تثبت إدانته بحكم بات و لهذا فانه يستفيد من هذه القرينة جميع المتهمين سواء كان مبتدأ أو عائدا أو محترفا, فإذا كانت للسوابق القضائية، أو للحالة الخطرة التي يكون عليها المتهم أهمية ما، فان هذه الأهمية إنما تأتي عقب ثبوت الإدانة و توقيع الجزاء على الجاني، وإذا ما اعتد بذلك قبل حكم الإدانة فانه إفراغ لمضمون البراءة تهديدا خطيرا للحريات الفردية.
2- جسامة الجريمة وقوة الأدلة المتوافرة لا تتوقف استفادة جميع المتهمين من قرينة البراءة على جسامة الجريمة المرتكبة مهما كانت خطورتها أو خطورة المجرمين أنفسهم فإن هذا لايستصيغ لنا بالتضحية بقرينة البراءة، وكذلك فإن قرينة البراءة لا تتوقف أيضا على مدى قوة الأدلة المتوافرة ضد المتهم ، فكون الجريمة متلبسا بها أو أنه قد صدر من المتهم اعتراف فصل أو غيره الأدلة لا تغني أبدا عن الحكم الصادر بالإدانة.
3 – مراحل قرينة البراءة في الدعوى الجنائية الواقع أن قرينة البراءة تظل قائمة أثناء جميع مراحل الدعوى الجنائية بل حتى قبل أن تبدأ هذه الدعوى، أي في مرحلة جمع الاستدلالات بيد أن قوة أو أهمية النتائج المترتبة على قرينة البراءة هي التي تختلف من مرحلة لأخرى, و من ثم فان قرينة البراءة لا تنفي لمجرد وجود إحالة المتهم إلى المحاكمة بل يتوقف أمر انتقائها على صدور حكم بات و لما كان نص قرينة فلا يجوز توقيع جزاءات أخرى بدلا من رفع الدعوى و الانتهاء بحكم بات في هذه الدعوى.
لقرينة البراءة نتائج هامة في المحيط الإجرامي لعل أخطرها هو ما تعلق منها بتوزيع عبء الإثبات، إذ يترتب على هذه القرينة، ليس فقط عدم التزام المتهم–المدعى عليه- بإثبات براءته لأن ذلك أمر مفترض فيه و إنما التزام النيابة العامة و المضرور –إذا قام نفسه مدعيا بحقوق مدنية – بإثبات وقوع الجريمة و مسؤولية المتهم عنها، فإذا كان الدليل قاصرا أو غير كاف، وجب القضاء ببراءة المتهم, وهي إلقاء عبء الإثبات بصفة رئيسية على النيابة العامة و المدعي بالحقوق المدنية إلى جوار تلك النتيجة الرئيسية هناك عدة نتائج قانونية نجد مصدرها-بطريقة غير مباشرة في قرينة البراءة .
إن الأصل في النطاق الإجرائي لقرينة البراءة هو :
1 – ضمان الحرية الشخصية للمتهم في كافة مراحل الدعوى الجنائية بافتراض براءته مثلما رأينا.
2- تقرير عبء الإثبات على عاتق سلطة الاتهام .
المطلب الثالث : الضمان القضائي
و في صدد الإجراءات الجنائية، حيث تتعرض الحرية الشخصية وما يتعلق بها من الحقوق والحريات للخطر، تبدو أهمية الحق في الالتجاء للقضاء, فمن خلال تدخل القضاء يمكن الاطمئنان إلى إحداث التوازن بين المصلحة العامة وحماية الحريات الشخصية و غيرها من الحقوق و الحريات, و به يكفل قانون الإجراءات الجنائية تحقيق الموازنة بين المصلحة العامة و حماية الحقوق و الحريات ، وذلك بإجراء محاكمة عادلة " équitable "( منصفة ) تحترم فيها جميع الضمانات و على رأسها حق الدفاع, و هنا يكون الضمان القضائي حاميا للحرية, ومن ناحية أخرى، فان الضمان القضائي يكفل توقيع الجزاء المترتب على عدم المشروعية الإجرائية التي تقع على المكلفين بتطبيق القانون أو تنفيذه، وذلك بتوقيع الجزاء المناسب, و بهذا الضمان تتأكد سيادة القانون (المشروعية) .
وهكذا يلعب الضمان القضائي دورا مزدوجا مرة في أثناء مباشرة الأجراء وذلك بضمان التوازن بين المصلحة العامة و حماية الحقوق والحريات، ومرة أخرى إذا وقع عيب عدم المشروعية و ذلك من اجل حماية هذا التوازن, وعلى هذا النحو فان الضمان القضائي يكفل المشروعية الإجرائية سواء أثناء مباشرة الأجراء، أو بعد هذه المباشرة، لمواجهة أي عيب يلحقها, و بهذا تأكد أن الضمان القضائي هو الحارس للشرعية.
ويعتبر الضمان القضائي مفترضا لازما للوصول إلى محاكمة عادلة (منصفة) ، ويعبر عنه بالحق في التقاضي وقد عبرت عن ذلك المحكمة الدستورية العليا في قولها بان حق التقاضي لا تكتمل مقوماته و لا يبلغ غايته ما لم توفر الدولة للخصومة في نهاية مطافها حلا منصفا يمثل التسوية التي يعمد من يطلبها إلى الحصول عليها بوصفها الترضية القضائية التي يسعى إليها لمواجهة الإخلال بالحقوق التي يدعيها, وطالما إن الحق الموضوعي المراد حمايته ما زال باقيا ( حق الملكية) فلا يسقط الحق في إقامة الدعوى التي تحميه.
تعبر الدولة عن إرادة الشعب صاحب السيادة، وتتكون هذه الإرادة من ثلاثة عناصر يعبر عنها بسلطات الدولة التشريعية و التنفيذية و القضائية, و تتعاون كل من هذه السلطات مع الأخرى في التعبير عن سيادة الشعب, و وفقا لمبدأ الفصل بين السلطات يمارس الأفراد و الأجهزة القائمة عليها اختصاصاتهم تعبيرا عن هذه السيادة فمجلس الشعب يعبر عن سيادة الشعب فيما يوافق عليه من مشروعات القوانين، و الحكومة تمثل هذه السيادة فيما تقوم به من تنفيذ للقوانين, والقضاء يحكم أي يعبر باسم الشعب في حدود اختصاصه القضائي , و إذا كان مونتسيكو قد نادى بالفصل بين السلطات للوقوف ضد التحكم الدكتاتورية، فان هذا المبدأ قد أصبح ضروريا في الدولة القانونية التي يعلو فيها مبدأ سيادة القانون الذي تحترم فيه الحقوق و الواجبات.
وتنهض الدولة كنظام قانوني بحماية الحقوق والحريات عن طريق إصدار القانون الذي يقرر هذه الحماية، ومن خلال السلطة القضائية التي تكفل الحماية المذكورة, فإرادة القانون في حماية الحقوق و الحريات لا تنتج آثارها بطريقة فعالة إلا إذا كفل القضاء هذه الحماية, و التدخل القضائي هو الذي يضمن فاعلية نصوص القانون، بخلاف السلطة التنفيذية، فإنها تعمل على مجرد تطبيق القانون دون أن تمتلك التأكد من سلامة هذا التطبيق، و بالتالي لا تمتلك ضمان الحماية التي يقررها القانون للحقوق والحريات على وجه أكيد, فالقرارات الإدارية مهما كانت قيمتها تتضاءل أمام الأحكام القضائية بقوتها وحجيتها, والسلطة القضائية باستقلالها وحيادها أكثر قدرة من غيرها في التعبير عن الإرادة الحقيقية للقانون.
و تتكامل السلطة القضائية مع السلطة التشريعية في تطبيق القانون لحماية الحقوق و الحريات، فالسلطة التشريعية تضع القانون تطبيقا للدستور، و السلطة القضائية تصدر الحكم تطبيقا للقانون, و يمارس القاضي دوره بتحديد القاعدة القانونية الواجبة التطبيق و تفسير مضمونها, و لا يقتصر دور القاضي على التعرف على القاعدة القانونية وتحليل مضمونها، و إنما ينهض أيضا بإجراء التكييف اللازم لهذا المضمون مع الوقائع القانونية المعروضة عليه، و يسهر على احترام و تطبيق الحقوق و الحريات العامة للأفراد.فنصوص القانون تظل صامتة جامدة حتى يتدخل القاضي لتقرير المعاني الصحيحة التي أراد القانون التعبير عنها , والأحكام التي يصدرها القضاء و تحوز قوة الأمر المقضي، تنال قوة الحقيقية القانونية، فتستفيد من قرينة المطابقة مع كلمة القانون, و لهذا صح القول بأن القضاء ركن في قانونية النظام، وأنه لا قانون بغير قاض .
ويتسع الحق في التقاضي إلى الحق في تنفيذ أحكام القضاء . وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا المصرية أن كل عقبة تحول دون اقتضاء الحق المقتضى به تعتبر إخلالا بالحق في التقاضي، و بالتالي يكون إخلالا بالضمان القضائي
ويتضح مما تقدم أن سيادة القانون تستلزم أن يكون هذا القانون مكفولا بالتطبيق من سلطة مستقلة محايدة هي القضاء, فالسلطة القضائية هي التي تسهر على تأكيد هذه السيادة و ضمان تحقيق المشروعية, و القضاء وحده هو الذي يملك تقرير المشروعية من عدمه و على هذا النحو فان السلطة القضائية هي الضمان الفعال لسيادة القانون.
و قد ارتفع مبدأ أن القاضي هو حارس الحرية الشخصية في فرنسا منذ ق19، حيث كانت المحاكم القضائية وحدها مكلفة بالمعاقبة على الجرائم التي تقع بالمخافة لقانون العقوبات لهذا أطلق على القضاة أنهم الحراس الطبيعيون لحقوق الفرد, ويمارس القضاء حمايته للحرية بكفالة الضمانات التي يقررها القانون لحمايتها في مواجهة خطر التعسف أو التحكم, و الحماية القانونية للحرية لا تكون بمجرد إصدار القوانين، و إنما بالتعرف على مبادئها و تطبيقها، وهو ما لا يتحقق إلا بسلطة مستقلة كل الاستقلال عن غيرها من سلطات الدولة، تكون أحكامها واجبة الاحترام من الجميع حكاما و محكومين على السواء، هي السلطة القضائية.و لهذا قيل بأن مبدأ الفصل بين السلطات يسبق مبدأ"القاضي هو الحارس الطبيعي للحرية الشخصية ", و قد نصت م2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه من أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون, ونصت م 10 من هذا الإعلان على أن لكل شخص الحق في محاكمة منصفة علنية أمام محكمة مستقلة و محايدة, و عنى الدستور الفرنسي الصادر سنة 1958 بالنص على هذا المبدأ في المادة 66/2 منه بالقول إن "السلطة القضائية تحافظ على حرية الفرد وتضمن، احترام هذا المبدأ بالشروط المنصوص عليها في القانون ", وقد اعتنق الدستور الجزائري هذا المبدأ, فالقضاء في الجزائر هو الحارس للحقوق و الحريات، طالما كان استقلاله و حصانته ضمانان أساسيان لحمايتها ، وطالما كانت رقابة القضاء على المشروعية المكفولة دائما بغير استثناء.
و يلاحظ أن رسالة القضاء في حراسة الحقوق و الحريات تؤدي إلى وجوب توافر الضمان القضائي في الإجراءات الجنائية التي تمس هذه الحريات, وهذه الرسالة هي أصل عام من أصول الشرعية الدستورية التي يلتزم بمراعاتها قانون الإجراءات الجنائية, وتستمد هذه الشرعية أصولها في الدستور المصري من المادتين 25 و68 سالفتى الذكر, فقد تكلفت هاتان المادتان بتقرير الحماية القضائية للحريات دون الإحالة على القانون, فيقتصر دور القانون في هذه الحالة على مجرد التنظيم دون أن يملك الحد من نطاق هذه الحماية, هذا بخلاف الحال في فرنسا .
و في نطاق الضمان القضائي في الإجراءات الجنائية، يجب أن تكفل هذه الإجراءات من خلال القاضي حماية الحرية الشخصية وسائر الحقوق و الحريات في الخصومة الجنائية، سواء كانت حقوق المتهم أو حقوق المجني عليه.
نصت المادة 138 من الدستور الجزائري على أن السلطة القضائية مستقلة، وتمارس في إطار القانون، وتصدر أحكامها وفقا للقانون. وطبقا لهذا النص فان المحاكم وحدها هي التي تتولى ممارسة السلطة القضائية, أن السلطة القضائية هي سلطة أصيلة تقف على قدم المساواة بين السلطتين التشريعية و التنفيذية، وتستمد وجودها و كيانها من الدستور ذاته لا من التشريع، و قد أناط بها الدستور وحدها أمر العدالة مستقلة عن باقي السلطات، ومن ثم فلا يجوز عن طريق التشريع إهدار ولاية تلك السلطة كليا أو جزئيا، و" يحدد القانون الهيئات القضائية و اختصاصاتها أي أن الشارع يتولى توزيع ولاية القضاء كاملة على تلك الهيئات على نحو يكفل تحقيق العدالة، و يمكن الأفراد من ممارسة حق التقاضي دون المساس بالسلطة القضائية في ذاتها أو عزل لجانب من المنازعات من ولايتها، فان تجاوز القانون هذا القيد الدستوري و انتقص من ولاية القضاء ولو جزئيا كان مخالفا للدستور.
و واضح من الدستور أن المحاكم هي التي تتولى السلطة القضائية, و مفاد هذا النص أن المحاكم وحدها هي التي تتمتع بالضمان الدستوري لطبيعتها القضائية, أما ما عدا ذلك من الهيئات، فان طبيعتها قضائية لها قيمة تشريعية بحتة.
و يتحدد نطاق هذه الوظيفة في ضوء تحديد وظيفة المحاكم بوصفها المختصة أساسا بتولي السلطة القضائية بنص الدستور, وتتمثل وظيفة المحاكم بوجه عام في تقرير الحل القانوني في نزاع معين, و يتم الوصول إلى الحل من خلال خطوات معينة هي الادعاء بوجود مخالفة للقانون، و التحقق من مدى وجود هذه المخالفة، ثم الفصل في الادعاء وتقرير الحل القانوني المناسب, وفي كل من هذه الخطوات الثلاث يجب أن يكون التدخل من أجل تحقيق هدف واحد هو استلهام إرادة القانون لتقرير الحل المناسب .
يتعين لتطبيق قانون العقوبات البدء بكشف الحقيقة من خلال إجراءات معينة.فإذا ثبت أن المتهم لم يرتكب الجريمة المسندة إليه، فلا تتوافر الحقيقة الواقعية التي تبرز توقيع العقاب على المتهم.
و لا تملك الدولة قبل صدور حكم الإدانة و معاقبة المحكوم عليه الالتجاء إلى التنفيذ المباشر على التهم ولو اعترف طواعية واختيار بواسطة أجهزتها المختصة بارتكاب الجريمة، أو قبل برضائه العقوبة المنصوص عليها قانونا, وعلة ذلك أن حق المجتمع في العقاب ينطوي على مساس جسيم بحرية المتهم، و هو ما لا يمكن إقراره و لا تحديد مداه إلا بواسطة جهاز مستقل محايد هو القضاء، بوصفه الحارس الطبيعي للحريات, ولا تقتصر أهمية هذا التدخل على كشف الحقيقة، بل إنها تمتد كذلك لنطاق حق المجتمع في عقاب الجاني .
و في هذا الشأن يتوقف دور القاضي على تحديد مضمون حق المجتمع في العقاب وفقا للسياسة الجنائية التي يعتنقها القانون الوضعي, و يعتبر الحكم بالإدانة كاشف لحق المجتمع في عقاب المحكوم عليه.
و الواقع أن هناك تلازما بين الدعوى الجنائية و حق المجتمع في العقاب، فلا عقوبة بغير دعوى جنائية, و يعتبر الحق في الدعوى الجنائية ممارسة للحق في التقاضي أمام القضاء الجنائي، و هو حق مفتوح أمام النيابة العامة و غيرها من الجهات التي حددها القانون, و يختلف هذا المبدأ عما هو مقرر في قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.
و نظرا للارتباط بين حق المجتمع في العقاب وحق الدعوى الجنائية، فقد نص الدستور المصري في المادة 70 منه على أنه " لا تقام الدعوى الجنائية إلا بأمر من جهة قضائية ،فيما عدا الأحوال التي يحددها القانون " وهذه القاعدة تمثل أصلا ثابتا ، ومن ثم كان منطقيا أن تشير إليها المادة الأولى من قانون الإجراءات الجنائية على أن النيابة العامة تختص دون غيرها برفع الدعوى الجنائية و مباشرتها، و لا ترفع من غيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون و هذا ما ذهب إليه المشرع الجزائري في ق إ ج.
أما تقييد حرية إقامة الدعوى الجنائية بقيود إجرائية معينة، هي الشكوى والطلب و الإذن، فانه لا يعدو أن يكون قيدا استثنائيا على سلطتها في مجال تحريكها، ومفترضا إجرائيا لجواز مباشرتها، ضمانا لحق أو حرية يحميها الدستور أو القانون، و هذا القيد عيني يرد على الحق في الدعوى الجنائية، سواء كان هذا الحق للنيابة العامة بحسب الأصل، أو كان مخولا لغيرها .
و يتطلب حق النيابة العامة في الدعوى الجنائية أن تنتهي هذه الدعوى بحكم قابل للنفاذ أيا كان منطوقه، وذلك وفقا للقواعد و الإجراءات التي يتطلبها القانون ، فلا تكتمل مقومات حق التقاضي أو يبلغ غايته ما لم توفر الدولة للخصومة في نهاية مطافها حلا منصفا هو اقتضاء منفعة يقررها القانون، وأنه إذا كانت الوسائل القضائية المتاحة لا توفر الحماية اللازمة لصون الحقوق، فلا طائل من وراء حق التقاضي. و تطبيقا لهذا المبدأ على الدعوى الجنائية، فانه إذا نص القانون على حق أي جهة في تعطيل تنفيذ الحكم القضائي، كان ذلك مجافيا لفعالية الحق في الدعوى الجنائية وحق الدولة في العقاب, فهذه الفعالية لا تتوقف على مجرد الحق في اللجوء إلى القضاء بل يجب أن توفر الدولة إمكانية تنفيذ الحق, هذا مع مراعاة أن تنفيذ الحكم الجنائي يتوقف على منطوقه الذي قد ينص على وقف تنفيذ العقوبة لأسباب تتعلق بأهداف العقاب .
و إذا كان القانون قد أجاز لغير النيابة العامة تحريك الدعوى الجنائية، فان ذلك لا يسلب النيابة العامة صفتها كأمينة على الدعوى الجنائية و لو حركها غيرها من الأفراد في حدود القانون. و تأكيدا لذلك فانه في صدد الادعاء المباشر لا يملك الفرد غير الحق في تحريك الدعوى الجنائية دون أن يمتد هذا الحق فيها حكرا على النيابة العامة التي تلتزم قانونا بمباشرتها ولو تقاعس المدعي المدني في منتصف الطريق.
يفترض الضمان القضائي أن يتميع القضاء بالاستقلال و الحياد، أن استقلال السلطة القضائية أمر لازم لضمان موضوعية للخضوع للقانون، و لحصول من يلوذون بها على الترضية القضائية التي يطلبونها عند وقوع عدوان على حقوقهم و حرياتهم, كما أكدت أن حيدة السلطة القضائية عنصر فعال في صون رسالتها لا تقل شأنا من استقلالها بما يؤكد تكاملها.
و على هذا النحو يكون استقلال القضاء وحيدته ضمانين تنصبان معا على إدارة العدالة بما يكفل فعاليتها، و هما بذلك متلازمتان, و في هذا الشأن أكدت المحكمة الدستورية العليا بأنه إذا جاز القول – و هو صحيح – بأن الخصومة القضائية لا يستقيم الفصل فيها حقا و عدلا إذا خالطتها عوامل تؤثر في موضوعية القرار الصادر بشأنها – ما كان منها خارجيا أو معتدلا في دخائل النفس البشرية – و أيا كانت دوافعها أو أشكالها، فقد صار أمرا مقضيا أن تتعادل ضمانتا استقلال السلطة القضائية وحيدتها في مجال اتصالها بالفصل في الحقوق انتصافا ترجيحيا لحقيقتها القانونية، لتكون لهما معا القيمة الدستورية ذاتها، فلا تعلو إحداهما على أخراهما أو تجبها، بل تتضامنان تكاملا و تتكافآن قدرا .
و واقع الأمر، أنه بغض النظر عن استقلال القضاء، فإن صفة الحياد هي التي تمكنه من إدارة العدالة الجنائية و ذلك بإجراء محاكمة منصفة, و لا يجوز الخلط بن حياد القضاء واستقلاله، فاستقلال القضاء يعني عدم التدخل في شؤونه و هو شرط بديهي لتكوين حياده, و من ثم فان استقلال القضاء شرط لحياده, فالقاضي الذي لا يتمتع بالاستقلال تثور الشبهات حول حياده، ولكن استقلال القضاء لا يكفي وحده لاستخلاص حياده ما لم يتأكد ذلك بضمانات أخرى, و بعبارة أخرى، فان حياد القضاء يفترض استقلاله و ليس العكس .
و يتعين فيمن يتولى القضاء أن تتوافر فيه الشروط الموضوعية للصلاحية في القيام بهذا العمل سواء فيما يتعلق بالصلاحية القانونية و غير ذلك من المتطلبات التي تكفل فهم نكفل فهم القضايا على اختلاف أنواعها و ما تثيره من مشكلات قانونية و غير قانونية تتصل بمختلف العلوم, و من ثم، فالقضاء ليس مجرد ولاية تضفي على أي شخص حتى يكون قاضيا, فالصلاحية الموضوعية شرط لا غنى عنه لكي يقوم بالقضاء بمهمته التي ناطه بها الدستور, و وفقا لهذا المبدأ قضى المجلس الدستوري في فرنسا بأنه يجب على المشرع في مزاولة اختصاصه المتعلق بشئون القضاء أن يضع نصوصا تتفق مع القواعد و المبادئ الدستورية، وبوجه خاص ما يتعلق – ليس فقط باستقلال القضاء و عدم قابلية القضاة للعزل، و إنما كذلك أيضا يجب أن تتوافر في رجال القضاء الصلاحية، و المهارة التي تلزم لشغل الوظيفة القضائية، فتضمن بذلك مساواة المواطنين أمام القضاء, و أضاف المجلس الدستوري أن وظائف القضاء يجب بحسب الأصل أن يشغلها أشخاص يهدفون إلى نذر حياتهم المهنية لتحقيق العدالة.
وواقع الأمر، أن شرط الصلاحية سالف البيان لازم و ضروري لتوفير ثلاث ضمانات هي استقلال القضاء، وحياده، والمساواة أمام القضاء, و بهذه المتطلبات تتوافر الثقة التي نوليها للقضاء حتى يتبوأ مركزه بوصفه حارسا تقليديا للحريات, فهي ليست مزايا للقضاة، بقدر ماهي ضمانات للتطبيق الصحيح للقانون، وحماية الحريات, و إذا كانت سيادة القانون تفترض استقلال السلطة القضائية، فان هذا الاستقلال يقتضي خضوع القضاء لمبادئ تكفل حياده, وقد اعتبرت المحكمة الدستورية العليا في مصر المتطلبات المذكورة هي الحلقة الوسطى في حق التقاضي، وذلك باعتبار أن حق الشخص في اللجوء إلى القضاء هو مجرد حلقة من حق التقاضي تكملها حلقتان، الأولى ( و هي الحلقة الوسطى ) و تتمثل في متطلبات الضمان القضائي، و الثانية هي توفير الحل المنصف الذي تقضي به المحكمة و يكون قابلا للتنفيذ. و تعتبر هذه المتطلبات من العمومية بحيث تسري على جميع جهات القضاء، ومنها القضاء الجنائي.














الفصل الثاني: المحاكمة العادلة
إن قواعد ضوابط المحاكمة المنصفة، نظام متكامل يتوخى بأسسه صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه الأساسية ويحول بضماناته دون اساءة استخدام العقوبة بما يخرجها عن أهدافها ولضمان تقييد الدولة عند مباشرتها لسلطاتها في مجال فرض العقوبة بأغراض النهائية للسياسة العقابية التي ينافيها أن تكون إدانته المتهم هدفا مقصودا لذاته وجوب التزام هذه القواعد مجموعة من القيم تكفل لحقوق المتهم الحد الأدنى من الحماية التي لايجوز النزول عنها أو الانتقاص منها، ويندرج تحتها أصل البراءة التي حرص الدستور على إبرازها وهذا ما أكدته المحكمة العليا الدستورية بمصر.
ويتقيد القاضي بإتباع هذه الضمانات في كل ما يتخذه من إجراءات وتتوقف مشروعية أعماله على هذا المسلك، وإذا كان القاضي في سبيل تحقيق العدالة الجنائية مكلفا بالوصول إلى الحقيقة لضمان تطبيق قانون العقوبات وتعويض المضرور من الجريمة فانه لايجوز أن يسعى إلى الوصول إلى هذه الحقيقة إلا من خلال إجراءات قانونية (عادلة) والقاضي في إدارته للدليل أو في تقديره لقبول الدليل مقيد بمراعاة ما تتطلبه هذه المحاكمة من ضمانات ومن هنا يتضح أن نظام المحاكمة المنصفة يعتمد على دعامتين:(الأولى) تتصل بالهدف من المحاكمة (الثانية) تتصل بالضمانات التي تجعل المحاكمة منصفة.
المبحث الأول: ماهية المحاكمة العادلة.
ينصرف مدلول المحاكمة المنصفة إلى كافة الإجراءات التي تنعقد بها الخصومة الجنائية في إطار من حماية الحرية الشخصية للمتهم الذي تتم محاكمته وغيرها من حقوق الإنسان المتعلقة بالحرية الشخصية لذلك المتهم والتي تكون في مجموعها مفترضا أوليا لقيام الدولة القانونية وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وهو ما أكدت عليه المحكمة الدستورية العليا في العديد من أحكامها وتبدو أهمية المحاكمة القانونية المنصفة في مجال الإثبات خلافا لقرينة البراءة ذلك انه من خلال إجراءات المحاكمة يطرح الدليل وهو مالا يجوز قبوله في الإثبات مالم يكن نتاجا لهذه المحاكمة يطرح الدليل وهو مالا يجوز قبوله في الإثبات مالم يكن نتاجا لهذه المحاكمة القانونية المنصفة.
ويثور البحث عن متطلبات حماية المجتمع حين يبدأ الاتهام وتقتضي مصلحة التحقيق اتخاذ بعض الإجراءات الجنائية في مواجهة المتهم مما يمس حريته وفي هذه الحالة نكون حيال نزاع بين قرينتين تحمي مصلحة أساسية في المجتمع فالأولى تحمي الحرية الشخصية للمتهم والثانية تحمي المصلحة العامة للمجتمع ويعين التوفيق بين هاتين المصلحتين واحترامهما معا ويتم هذا التوفيق عن طريق الاعتماد على قرينة البراءة في تحديد الإطار القانوني الذي يتم بداخله تنظيم ممارسة المتهم لحريته الشخصية وغيرها من حقوق الإنسان في ضوء ما تدل عليه القرينة الموضوعية الدالة على ارتكاب الجريمة ويتمثل الإطار القانوني القائم على قرينة البراءة في شكل الضمانات التي تكفل حماية الحرية الشخصية عند اتخاذ أي إجراء جنائي ضد المتهم وهو ما يسمى بالمحاكمة القانونية المنصفة أو ما اصطلح عليه بالعادلة علما ان المشرع الدستوري الجزائري اطلق عليها المحاكمة القانونية فالقانون ينظم استعمال الحرية الشخصية للمتهم في ضوء ما تدل عليه القرائن الموضوعية الدالة على مدى ارتكاب الجريمة ولكن هذا التنظيم يجب ألا يتجاوز الإطار القانوني القائم على قرينة البراءة والذي يتمثل في تقييد الإجراءات التي يسمح بها القانون بضمانات معينة تكفل حماية الحرية الشخصية للمتهم وحقوقه المتعلقة بتلك الحرية فلا يجوز السماح بمباشرة أي إجراء جنائي ما ضد المتهم مالم يكن هذا الإجراء محاطا بالضمانات التي تكفل احترام حرية المتهم في نطاق ما يسمى بالمحاكمة القانونية المنصفة.
المطلب الأول: نظامها.
أولا : الهدف من المحاكمة المنصفة
يقتضي التوازن بين الحقوق والحريات والمصلحة العامة أن تحكم الخصومة الجنائية في كافة مراحلها قواعد تحفظ هذا التوازن وهو ما يتطلب ضمانة كافة حقوق المتهم والمجني عليه أمام مختلف هيئات القضاء الجنائي وهذا المعنى بالنسبة للمحكمة الدستورية العليا بمصر والتي عبرت عنه في قولها قواعد ضوابط المحاكمة المنصفة وهذا كله لما لها من أهداف وأهمية تتمثل فيمايلي :
أهمية حقيقة الوقائع : يتوقف إقرار حق الدولة في العقاب على ثبوت وقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم وهنا تكمن أهم صعوبة في عمل القاضي فليس صحيحا أن القاعدة القانونية وحدها هي التي تحكم في تحديد مضمون حكم القاضي بل يلعب استخلاص الوقائع دورا مهما وأساسيا في تحديد هذا المضمون وتسهم إجراءات المحاكمة بدور مهم في هذا الاستخلاص ولذلك لابد وان يتوخى التنظيم الإجرائي كشف واقعة الدعوى بمعناها المادي الواقعي ((la vérité matérielle ويتحقق ذلك من خلال إجراءات الإثبات المختلفة التي تهيئ جمع الدليل ويختلف نطاق هذه الإجراءات باختلاف مضمون حق الدولة في العقاب ففي النظام التقليدي الذي ينحصر فيه مضمون هذه السلطة على معنى الإيلام المقصود دون اعتبار لشخصية الجاني عند تقدير العقوبة فان إجراءات الإثبات لاتتوخى غير كشف حقيقة الجريمة فقط . إما في النظام الحديث على اختلاف اتجاهاته فان مضمون حق العقاب يرتبط بشخصية المجرم ولذلك فان الحقيقة المطلوب إثباتها ليست مجرد حقيقة الجريمة وإنما الحقيقة .
المقصود بحقيقة الواقعة : تتضاعف أهمية كشف الحقيقة في الخصومة الجنائية بالنظر إلى تعلقها بحق العقاب وهو أمر يمس حرية المتهم ولذلك فان القاضي الجنائي يجب ان يصل إلى معرفة الحقيقة دون الاكتفاء بما يقدمه الخصوم من أدلة بل عليه أن يقوم بدور ايجابي في جمع الدليل وفحصه وتقديره على أن القاضي لايهيم في فراغ عند البحث عن الحقيقة بل يبحث عنها في إطار النموذج القانوني للجريمة والمسؤولية الجنائية عنها ولا يجوز للقاضي في هذا المقام الاقتصاد في جمع الدليل بهدف الإسراع في المحاكمة لان ذلك بما يحول دون إنارة الطريق أمامه للوصول إلى الحقيقة على أن فاعلية العدالة الجنائية بالوصول إلى الحقيقة لا تسمح له بإتباع إجراءات تحمي ضمانات هذه الفاعلية بغير احترام ضمانات بحق المتهم في الحرية وبغير احترام ضمانات الأدلة التي يجمعها أو تعرض عليه لاتكون صالحة في كشف الحقيقة مالم يكن تحصيلها ثمرة إجراءات مشروعة.
كيفية الوصول إلى الحقيقة : يتعين التمييز بين أمرين هما قبول الدليل وإدارة الدليل.
ـ بالنسبة إلى قبول الدليل فانه يتراوح بين نظامين هما نظام الأدلة القانونية ونظام حرية الاقتناع أما عن نظام الأدلة القانونية فقد عرف في عهد الإمبراطورية الرومانية وفي القرون الوسطى بأوربا واخذ به القانون الفرنسي القديم ولا يقود هذا النظام إلى الحقيقة المطلقة الواقعية لأنه يحكم اقتناع القاضي بأدلة قانونية يحددها المشرع سلفا.
ـ بالنسبة إلى إدارة الدليل فإنها تتوقف على تحديد كيفية مباشرة الإجراءات المؤدية إلى الدليل سواء كان دليلا قويا (مثل سؤال المتهم واستجوابه، وشهادة الشهود) أو دليلا ماديا يتمثل في القرائن التي تستخلص معنى مجهولا من شيء معلوم (مثل المعاينة والتفتيش وتسجيل المحادثات الشخصية ومراقبة المكالمات
التليفونية وضبط المراسلات) أو دليلا فنيا يحدد المدلول الفني لبعض القرائن (أي الخبرة) فيكشف مثلا ما إذا كان الشيء المضبوط يعتبر مخدرا أو يحدد نوع فصيلة الدم أو مدى تطابق بصمة المتهم مع البصمة المضبوطة في مكان الحادث.
استخلاص حقيقة الواقعة : إذا لم تكن هناك غير حقيقة واحدة بالنسبة إلى القانون فان تحديد حقيقة الواقعة يتوقف على عدة عناصر منها النظام الإجرائي الذي يحكم جمع الدليل أو إدارته والتكوين المهني للقضاة وتأثيره في استيعاب الوقائع واستخلاصهم والمنطق القانوني الذي يأخذ به القاضي والذي قد يختلف من نظام قانوني لأخر بالإضافة إلى الانتماء الحضاري والثقافي للقاضي فما القاضي إلا شخص يملك معرفة وثقافة قانونيتين وإنسانيتين ويعتنق قيما معينة في ضوء الحضارة التي ينتمي إليها ومن هنا يكمن سبب اختلاف القضاة في استخلاص الوقائع وتقدير اليقين القضائي ويبدو هذا الاختلاف بوضوح في النظم القانونية المختلفة التي تختلف في نظمها الإجرائية وفي جذورها الحضارية.
ثانيا : خصائص الضمانات في المحاكمة المنصفة: إن المحاكمة المنصفة أو العادلة بطبعها تتسم بعدة خصائص تميزها عن غيرها وتجعل منها طابعا مميزا له ضماناته وذاتيته الخاصة به إذ أنها تختلف من دولة لأخرى ولان لكل دولة دستورها الخاص بها ونظامها المعمول به وهذا ما سوف نتناوله من خلال هذه الدراسة.
إذا نظرنا إلى الدستور الأمريكي تجد أنه قد عبر عن هذه الضمانات بشرط الوسائل القانونية (due process) و قد نص على هذا الشرط التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي و هو ما يوفر شرط المحاكمــــــة القانونيــة أو المنصفة و قد انحصر الجدل حول ما إذا كان هذا التعديل الدستوري ينصرف إلى جميع ضمانات حقوق الإنسان أو يقتصر على جانب منها فقط .
و قد ذهب الاتجاه التقليدي للمحكمة العليا منذ القرن التاسع عشر إلى أن بعض الحقوق (الأساسية) للحرية و العدالة هي وحدها الحقوق الأزمة للمحاكمة المنصفة (fairtrial) و هي التي تتمتع بالقيمة الدستورية و تأكد هذا الاتجاه في القرن العشرين على يد القضاة (cardozo.Franafurter.Harlan.Powell) على أنه اعتبار من سنة 1940 ظهر اتجاه معاكس تزعمه القاضي بلاك الذي أصاب على أن التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي
يحمي جميع الضمانات الخاصة بإعلان الحقوق (the Bell of rights) و انتقد غموض اصطلاح القانون الطبيعي الذي استند إليه أغلبية قضاة المحكمة لحماية بعض الحقوق الأساسية للفرد و ليس كلها و الواقع أن المحكمة العليا الأمريكية قد أخذت بمعيار حقوق الإنسان في تحديد المقصود بالحقوق الأساسية إلا أن التطبيق العملي أدى إلى تقريب الخلاف بين الاتجاهين فقد تبينت المحكمة العليا الأمريكية أن كل الحقوق الواردة في إعلان حقوق الإنسان الأمريكية تعتبر في الغالب من الحقوق الأساسية وتتمتع بالحماية الدستورية و هي نتيجة توصلت غليها المحكمة بالتطبيق على كل حالة بمفردها دون اللجوء إلى أسلوب التعميم الذي كان قد نادى به القاضي بلاك و هذه النتيجة لها أبعادا المهمة لأن التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي ترجع أهميته إلى سريانه في جميع الولايات الأمريكية و لا يقتصر على النطاق الفدرالي وحده.
و في فرنسا استقر المجلس الدستوري الفرنسي اعتبارا من عام 1970 على أنه يعتبر مندمجا في الدستور الفرنسي مجموعة المبادئ العامة التي تتضمنها النصوص المشار إليها في ديباجة الدستور الفرنسي الصادر سنة 1958 . و قصد بهذه المبادئ الحقوق و الحريات التي تؤكد القواعد العامة و بهذا اعتنق المجلس الدستوري معيارا موسعا للقواعد التي يرجع إليها باعتبار النصوص التشريعية مخالفة للدستور في مقام تحديد مدلول الحرية الشخصية .
و في مصر استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على استعمال تعبير المحاكمة القانونية الذي استعمله الدستور المصري (المادة67) متأثرا بذلك بذات التعبير الذي استخدمه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و بالنسبة لمعيار المحاكمة المنصفة فقد استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أنه ينصرف إلى مجموعة من الضمانات الأساسية التي تكفل بتكاملها مفهوما للعدالة يتفق بوجه عام مع المقاييس المعاصرة المعمول بها في الدول المتحضرة، فهي بذلك تتصل بتشكيل المحكمة وقواعد تنظيمها وطبيعة القواعد الإجرائية المعمول بها أمامها وكيفية تطبيقها من الناحية العملية كما أنها تعتبر في النطاق الجنائي وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التي قضى الدستور بأنها من الحقوق الطبيعية التي لايجوز الإخلال بها أو تقييدها بالمخالفة لأحكامه فلا يجوز بالتالي تفسير هذه القاعدة تفسيرا ضيقا إذ هي ضمان مبدئي لرد العدوان عن حقوق الفرد وحريته الأساسية وهي التي تكفل تمتعه بها في إطار من الفرص المتكافئة .... وتتمثل ضوابط المحاكمة المنصفة في مجموعة من القواعد المبدئية التي تعكس مضامينها نظاما متكامل الملامح يتوخى بالأسس التي يقوم عليها صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه الأساسية..... وواضح من هذا القضاء أن ضمانات المحاكمة المنصفة في نظر المحكمة الدستورية العليا تتميز بثلاث خصائص هي :
1/ توخي الأسس التي يقوم عليها صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه " الأساسية " أي الحقوق التي يحميها الدستور.
2/ الصلة بالحرية الشخصية.
3/ اعتمادها على قيم تكفل لحقوق المتهم الحد الأدنى من الحماية.
وهذه العناصر الثلاثة تؤكد أن المحاكمة المنصفة لابد أن تكفل الضمانات الدستورية للحقوق والحريات، وخاصة ما يتعلق بالحرية الشخصية وما يكفل حقوق المتهم .
ويلاحظ أن المحكمة الدستورية العليا قد جرت عبارات أحكامها على ما مؤداه أن المحاكمة المنصفة تحتوي على مجموعة من الضمانات الأساسية التي تكفل بتكاملها مفهوما للعدالة يتفق بوجه عام مع المقاييس المعاصرة بها في الدول المتحضرة، وهو مايشير إلى الربط بين مفهوم العدالة وضمانات هذه المحاكمة.ويرتبط مفهوم العدالة الجنائية بالكشف عن الحقيقة وهي أمر لابد أن يعتمد إثباته على دليل مشروع، أي دليل يستخلص من إجراءات تحترم فيها ضمانات المحاكمة المنصفة ومن ثم فان هناك ربطا وثيقا بين الحقيقة التي توخى المحكمة الوصول إليها وبين ضمانات المحاكمة المنصفة .
المطلب الثاني: تأصيلها القانوني .
نظام المحاكمة العادلة بطبعه يحتوي على مصادر يستأصل منها قواعد ونظامه وهذا نظرا لضرورياته لحماية حقوق الإنسان ومن بين هذه المصادر
أولا: المصدر الدستوري.
لقد كفل الدستور صراحة حماية هذا الحق وبصورة مطلقة وناقش هذا من خلال نص المادة 45 من دستور 96 والتي تضمنتها عبارة واضحة بقولها حتى تثبت جهة قضائية نظامية إدانته.
ومن ثم يمكن أن نستشف من عبارة نظامية وقراءة نص المادة قصدها بتحديد قاضي طبيعي ذو مقومات معينة وان تكون المحكمة المختصة محددة بالقانون وعليه فان الدستور نص على هذا الضابط الذي يعتبر من ضوابط الشرعية الإجرائية بمنظور سياسة جنائية غايتها حماية حقوق الإنسان.
ثانيا: المصدر الدولي.
لاشك أن الضابط منصوص عليه صراحة في قواعد الشرعية الدولية نظرا لضرورياته لحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية فقد نصت عليه المادة الثامنة والعاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما نصت المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية سياسة بان الأشخاص متساويين أمام القضاء ولكل فرد الحق في محاكمة عادلة وعلنية بواسطة محكمة مختصة ومستقلة وحيادية قائمة استنادا إلى القانون.
ثالثا: الأساس ضمن التشريع الداخلي.
يعتبر قانون الإجراءات الجزائية ضمن التشريعات المعاصرة التزاما لتحقيق هذا الضابط من خلال الإجراءات التي تحكمه ويهدف إلى الشرعية الإجرائية في مرحلة المحاكمة كما سيأتي تبيانه ضمن وهو ما يحمل في معناه ذات الأحكام التي تضمنها الدستور ومن قبله النص الدولي
المبحث الثاني: ضمانات المحاكمة العادلة في مرحلة المحاكمة
تعتبر المحاكمة العادلة ضمان دستوري يعتمد على مجموعة من المبادئ سواء في نصوص الدستور أو قانون الإجراءات الجزائية, حيث نجد ضمانات متعلقة بمرحلة ما قبل المحاكمة و نقصد هنا مرحلة الدعوى و الضمانات أثناء سير المحاكمة,و كذا ضمانات الحكم القضائي الذي من خلاله نستنتج مدى خضوع المحاكمة لمبدأ الشرعية من خلال تكريس هذه الضمانات, منذ بدأ تحريك الدعوى العمومية إلى غاية النطق بالحكم و هذا ما سنتطرق إليه من خلال ثلاث مطالب, و هي على التوالي :
المطلب الأول: الضمانات المتعلقة بمرحلة الدعوى
تتمثل الضمانات المتعلقة بمرحلة الدعوى في مبدأ الحرية الشخصية وسرعة الإجراءات و كذا حق الدفاع.
فمبدأ الحرية الشخصية ليس معناه الحرية المطلقة، ذلك أن الإنسان لم يعرف هذه الحرية إلا في العصور الأولى عندما كان يعيش بصورة فردية، فقد اقتضت ضرورات الحياة أن ينضم في سلك الجماعة، فأصبح كائنا اجتماعيا لا يستطيع العيش بمفرده و لذلك وجب أن يلتزم في تصرفاته و أفعاله بالأصول و القواعد التي تتواضع عليها الجماعة، و كان القانون هو الوسيلة الوحيدة لوضع الحدود و على هذا الأساس قامت التشريعات الجنائية الحديثة التي عملت على تقييد الحريات أو الحد منها بدافع حفظ الأمن و النظام، و تفادي الفوضى و اختلف الجماعة و نظام المجتمع، و حيث تؤيد هذا النظر كافة التشريعات الدستورية، إذ وضعت العديد من الضمانات التي يجب مراعاتها عند القبض على الأفراد أو المساس بكيان و حياة الفرد الخاصة.
حيث نجد أن التشريع الجزائري وضع ضمانات يتعين كفالتها في مواجهة الإجراءات الجنائية فنجد منها :
*سلامة الجسم:إذ نص عليها الدستور الجزائري صراحة في المادة 34 "تضمن الدولة عدم انتهاك حرمة الإنسان, و يحظر أي عنف بدني أو معنوي أو أي مساس بالكرامة" .
حيث ينتج عن مبدأ احترام الكرامة الإنسانية ثلاث حقوق و هي:
-عدم جواز إخضاع المتهم للتعذيب.
-عدم جواز معاملته على نحو غير إنساني.
-عدم إخضاعه لعقوبات غير إنسانية.
*الحق في حرية التنقل: أجاز قانون الإجراءات الجزائية الماس بحرية التنقل بإجراء القبض والحبس الاحتياطي إلا أنه وجب أن تكون هناك ضمانات و هي:
-الضمان القضائي:حق المواطن في ألا يقبض عليه أو يحبس أو يمنع من التنقل إلا بناءا على أمر يصدر عن القاضي أو النيابة العامة عدا حالة التلبس.
-التناسب بين حرية التنقل و بين المصلحة العامة.
-المعاملة الإنسانية.
-حبسه في الأماكن الخاضعة لقانون السجون .
*الحق في الحياة الخاصة: نصت المادة 40 من الدستور الجزائري على انه (فيما عدا الحالات التي يكون فيها التفتيش بمقتضى القانون و بموجب أمر مكتوب صادر عن السلطة القضائية المختصة لا يجوز تفتيش أحد), كما نصت المادة 39 من الدستور الجزائري على أن لحياة المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون, و أن للمراسلات و الاتصالات الخاصة بكل أشكالها حرمة و سريتها مكفولة ولا يجوز مصادرتها أو اطلاع عليها أو مراقبتها إلا بأمر قضائي مسبب و لمدة محددة وذلك وفقا لقانون الإجراءات الجزائية.
مثل حرمة المسكن ,حرمة المراسلات و المحادثات الشخصية, حرمة الشخص, فمثلا تسقط حرمة المسكن إلا بصدور إذن بالتفتيش من السلطات المختصة, فلا يجوز القيام بالتفتيش إلا بصدور أمر قضائي و إلا في حالة التلبس, و هذا حسب المواد85,47,45 من ق إ ج, و المادة 40 من الدستور الجزائري, و كذا المواد التي أجازت اعتراض المراسلات و تسجيل الأصوات و التقاط الصور و ذلك فيما هو منصوص عليه في المواد 65 مكرر 5 و 65 مكرر7 و 65 مكرر 8 و 65 مكرر 9.
و من هنا نستطيع أن نقول أنه إذا اختلت إحدى الضمانات يعني اختراق مبدأ الشرعية و منه سقوط حق المتهم في محاكمة عادلة .
إحترام حقوق الدفاع :
مفهوم الحق في الدفاع:
هو حق المتهم في محاكمة عادلة مؤسسة على إجراءات مشروعة وعرفها جانب على أنه تمكين المتهم من أن يعرض على القاضي حقيقة ما يراه في الواقعة المسندة إليه.
وهو عبارة عن إمتيازات خاصة أعطية إلى ذلك يكون طرفا في الدعوى الجنائية .
أهمية حق الدفاع : : يعتبر هذا الحق غاية في الأهمية، إد يعتبر الإخلال به هدما للحقوق وبالتالي لا محاكمة عادلة،و لهذا نجده مكفولا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 11 وأيضا فهو حق دستوري ،إذ أن الحق في الدفاع معترف به وهو مضمون في القضايا الجزائية.
وحق الدفاع هي وسيلة قانونية لتحقيق العدالة ومن خلاله يمكن المتهم في تفنيد أدلة الإتهام بواسطة محامي، وأيضا حماية حقوق الضحية بصفته مضرورا. ولقد نصت قواعد الإجراءات الجزائية على حق الدفاع من مرحلة التحقيق الإبتدائي إذ لا يجوز إستجواب المتهم إلا بحضور محامي،إلى مرحلة المحاكمة حيث أن نجد محام يدافع أثناء المرافعة لصالح المتهم، وآخر يقوم بالمرافعة دفاعا عن حقوق الطرف المضرور.
ومنه فإن إحترام حق الدفاع يضفي الشرعية الدستورية والإجرائية، وذلك من خلال تجسيد المادة 151م من الدستور،و قانون الإجراءات الجزائية،وهذا ما سيمهد الطريق لتحقيق محاكمة عادلة.
يعد حق الدفاع من أهم القضايا التي تشغل حيزا مهما في الإجراءات الجنائية . فإذا كانت غاية الإجراءات الجنائية هو ضمان فاعلية العدالة . فإن هذه الغاية لا تتحقق إلا بضمان حماية الحقوق الأساسية
كما لم يغفل قانون الإجراءات الجزائية على احترامه لحقوق الدفاع, إذ نجد في نص المادة 292:إن حضور محام في الجلسة لمعاونة المتهم وجوبي, وعند الاقتضاء يندب الرئيس من نفسه محاميا للمتهم.
وهنا نستنتج أن حق الدفاع هو واجب خاصة تجاه المتهم و يجب احترام هذا الحق بما أن المواثيق الدولية والدساتير لم تغفل هذا الحق والإلتزام باحترامه.
-سرعة الإجراءات: يستند هذا الضمان إلى كل من المصلحة الخاصة والمصلحة العامة :
فالمصلحة العامة تقتضي سرعة الإنتهاء من المحاكمة تحقيقا للردع العام،وهو أمر يتطلب السرعة في توقيعه بعد وقوع الجريمة.
أما المصلحة الخاصة للمتهم فتتوافر في وضع حد لمعاناته،كما يؤدي ضياع الأدلة التي من شأنها يمكن أن تفند اتهامه , ولقد حرص قانون الإجراءات الجزائية على ضمان السرعة في الإجراءات،كتحديد مدة الحبس المؤقت والمحدد بخمس (05) مرات كأقصى حد،وهذا ما نجده منصوص عليه في المادة 124 وما بعدها، وأيضا فالإستئنافات محددة بمدة معقولة سواء من طرف المتهم أوالنيابة العامة.
ومنه فسرعة الفصل في الدعوى في ميعاد معقول واجب عام تلتزم به المحاكم تحقيقا للمصالح العامة والخاصة،وهذا يتوقف على ظروف كل قضية،فمثلا مدة فصل دعوى محكمة الجنح ليست نفسها المدة التي تفصل فيها قضية في محكمة الجنايات،وهذا أمر نسبي يتوقف تحديد مدته على واقعة كل دعوى.
إن التماطل في فصل الدعوى ومخالفة الميقات المحدد في قواعد الإجراءات الجزائية،فحتما سيخلق عدالة بطيئة،الأمر الذي سيفقد نوعا من الشرعية الإجرائية، لأن الالتزام بتطبيق الإجراءات على نحو صحيح، سينشأ عنه تحقيق محاكمة عادلة،أي أنه لتحقيق العدالة لا يكفي بصدور القرار،وإنما يقتضي صدور القرار في وقته المطلوب،ذلك أن عامل الزمن له أهمية في تحقيق العدالة.لذلك نجد مثلا المادة 435 ق.إ.ج قد نصت على مواعيد موجزة لتكليف المتهم بالحضور أمام محكمة الجنح و المخالفات.و أيضا نجد أن المادة 270ق.إ.ج قد نصت على استجواب المتهم بمحكمة الجنايات في أقصر مدة بقولها :"يقوم رئيس محكمة الجنايات أو أحد مساعديه القضاة المفوضين منه بإستجواب المتهم في أقرب وقت"
كما لم تغفل بعض المواثيق الدولية على سرعة الفصل في الدعوى،إذ تنص المادة 9/(3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على:"...كل مقبوض عليه أو محتجز بتهمة جنائية يجب أن يحال سريعا إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية،ويكون من حقه أن يحاكم خلال مدة معقولة أو أن يفرج عنه" وتنص المادة 14/(3) من ذات الميثاق على أنه لكل شخص أن يحاكم دون تأخير لا مبرر له.
ويقول المبدأ الـ38 من مجموعة المبادئ:"يكون للشخص المحتجز بتهمة جنائية الحق في أن يحاكم خلال مدة معقولة أو أن يفرج عنه رهن محاكمته".
إن لسرعة المحاكمة أغراض متعددة منها:
- تحقيق المصلحة العامة وإيقاع العقوبة على المتهم حتى يتسنى للمجتمع الشعور تلازم فوري بين الجريمة وجزائها.
- التعجيل في البت في براءة المتهم إن كان بريئا، وإدانته إن كان مذنبا، ذلك حفاظا على المصلحة الخاصة للمتهم حتى لا يطول بقاؤه معلق المصير.
- لسرعة الفصل في الدعوى الأثر الكبير في تحقيق العدالة،إذ أنه من المتفق عليه أن العدالة البطيئة نوع من الظلم .
المطلب الثاني: الضمانات المرتبطة بسير المحاكمة.
لقد عرفنا سابقا أن مرحلة الدعوى هي الأساس الذي من خلاله تتضح فيه معالم سير المحاكمة،وذلك من خلال تكييف التهمة وجمع الأدلة،الذي يمكن المحكمة فيما بعد من افتتاح جلسة المحاكمة. ولكن لتكون المحاكمة المنصفة قد احتوت الشرعية الإجرائية يجب الالتزام بتحقيق الردع العام من جهة وحماية حقوق المتهم من جهة أخرى.وذلك من خلال الموازنة بين الأطراف ما يطلق عليه بتوازن الوسائل، كما يجب أن تكون جلسة المحاكمة علنية تمكن الجمهور من حضور جلسة المحاكمة.
-علانية إجراءات المحاكمة: ينال هذا المبدأ قيمة دستورية،فقد نصت المادة 144 على:"تعلل الأحكام القضائية،وينطق بها في جلسات علانية"فمن خلال هذه العلانية تتضح لأطراف الخصومة حقوقهم والتزاماتهم في المحكمة لاستخدامها لضمان محاكمة قانونية"منصفة".ولقد ذهبت المادة342 ق.إ.ج إلى النص على العلانية بقولها:"يطبق فيما يتعلق بالعلانية وضبط الجلسة المادتان285 و 286 فقرة أولى"، وأيضا المادة 355 ق.إ.ج فقد نصت على وجوب نطق الحكم في جلسة علنية بقولها:"يجب أن يصدر الحكم في جلسة علنية إما في الجلسة نفسها التي سمعت فيها المرافعات وإما في تاريخ لاحق".
ولهذه العلانية قيمة أساسية تسهم في ضمان الحياد الذي أناط به القانون مهمة القضاء في الدعوى. وبالتالي تكفل للمواطنين وسيلة للتحقق من ضمانات المحاكمة التي من دونها تفقد طابعها القانوني.وبعبارة أخرى،فإن الطابع العلني لإجراءات المحاكمة هو وسيلة الرقابة الحالة لفاعلية العدالة.وفي هذا الصدد قال أحد الفقهاء الإنجليز بأن"القضاة الإنجليز كانوا أفضل القضاة في العالم لأنهم كانوا أفضل الخاضعين للعلانية".وقد قيل بأن علانية الإجراءات القضائية تخول المواطنين وسيلة التحقق المباشر أو بواسطة الصحافة من توافر الشروط التي تتم فيها مباشرة القضاء باسمهم،وأن هذا الضمان يتجاوز إلى حد كبير الضمانات المخولة لأطراف الدعوى.وقيل أن العلانية هي ضمان عدم الشك في حياد القضاء بواسطة الجمهور.استثناءا تكون المحاكمة سرية في بعض الحالات،وذلك إما لمراعاة النظام العام أوالآداب .
ولا يستبعد هذا الضمان إلا لحماية قيمة دستورية أخرى تتمثل إما في حماية الحق في الحياة الخاصة،أو في حماية النظام العام و الآداب.كما كفل قانون الإجراءات الجزائية حماية النظام العام و الآداب، ولقد نص على ذلك في المادة285 منه بقولها:"المرافعات علنية ما لم يكن في علانيتها خطر على النظام العام والآداب".
إن علانية جلسات المحاكمة من الضمانات الرئيسية التي قررتها الشرائع وأخذت بها التشريعات على اختلاف أنواعها، من أجل تحقيق العدالة وإعطاء الحق للشعب برقابة ما يدور في جلسات المحاكم من مداولات ومناقشات للاطمئنان على سلامة الجهاز القضائي الذي يحرس العدالة ويسهر على تحقيق الأهداف المطلوبة. بالإضافة إلى أن العلانية تحمي نزاهة القضاء من الشكوك التي قد تنشرها الشائعات بين الناس .
يتوخى المشرع من تطبيق مبدأ علانية جلسات المحاكمة تحقيق عدة أهداف ترسخ الثقة في أجهزة القضاء، ومن هذه الأهداف ما يلي :
- العلانية ضرورية لإرضاء شعور الناس بعدالة المحاكمة.
- تحمل العلانية القضاء، على التطبيق السليم للقانون.
- تدفع العلانية الخصوم ووكلائهم والشهود إلى الاتزان في القول والاعتدال في الطلبات والدفوع وإلى قول الصدق .
- تظهر العلانية الأثر الرادع للقانون.
-التوازن بين الأطراف: ويقصد به التوازن بين حقوق أطراف الخصومة في تمتع أصحاب المراكز القانونية أي أطراف الدعوى الجنائية بذات الحقوق والحريات،ويقصد بها كذلك المساواة القائمة على طريقة منطقية معقولة بين حماية الحقوق والحريات التي يقررها القانون لأصحاب المراكز القانونية المتماثلة، وبين كل من الهدف من القانون والمصلحة العامة.
ويتحدد هذا المبدأ بالنظر إلى المصالح التي يدافع عنها كل من الطرفين، فالمتهم له الحق في الدفاع والنيابة العامة لها سلطة الاتهام. يقصد بالأطراف هنا سلطة المتمثلة في النيابة العامة, والطرف المضرور والدفاع ولتحقيق العدالة ومنعا للنظام وجب التسوية بين الأطراف المتواجدين بالجلسة, ولقد وضعت الشريعة الإسلامية عدة مبادئ للتسوية بين كافة المتقاضين لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حين ولاه قضاء اليمن( فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع كلام الأخر كما سمعت كلام الأول).
لذلك يجب أن يتوازن الدفاع مع الاتهام في الحقوق بقدر الإمكان بحيث يملك الوسائل الضرورية لتنفيذ الأدلة المقدمة ضده بواسطة الادعاء فضلا على تقديم ما يعين له أدلة لتأكيد براءته, ويلاحظ اختلاف مركز الاتهام عن مركز الدفاع في أوجه مختلفة،فالدفاع له الحق في الإحاطة بالتهمة والوقائع التي تستند إليها وأن يستفيد من قرينة البراءة ومن ناحية أخرى فإن الاتهام يملك من وسائل القوة لاستخدامها وخاصة سلطات القبض و الحبس الاحتياطي, ويملك المتهم الحق في الصمت كما يملك في سبيل تنفيذ أدلة الاتهام أن يأتي بأدلة غير مشروعة، وهو ما لا يملكه الاتهام الذي يتقيد بالأدلة المشروعة في أعماله، فضلا عما يلتزم به الاتهام مكن موضوعية في آرائه وتصرفاته .
إن الاتهام ليس عدوّا للدفاع بل يجب أن يشارك معه أثناء المحاكمة من أجل إثبات الحقيقة لضمان فاعلية العدالة، وهذا الواجب منوط برئيس الجلسة الذي يملك كامل السلطة في تحقيق التوازن المطلوب بين الأطراف.وقد كرّس المشرع الجزائري في الدستور هذا التوازن في قرينة البراءة بنص المادة45 بأن كل شخص يعتبر بريئا حتى تثبت جهة قضائيّة نظامية إدانته مع كل الضمانات التي يتطلبها القانون أساس أن يعتمد على المبادئ الأساسية التي تعترف بها .
المطلب الثالث: ضمانات الحكم القضائي.
-لا عقوبة دون حكم قضائي: من الواضح أنه لتطبيق قانون العقوبات يتعين البدء بكشف الحقيقة من خلال إجراءات معينة ثم تحديد حق الدولة في العقاب بواسطة الحكم القضائي، وهو ما لا يتيسر إلا بقضاة الحكم. وهذا الحكم هو الذي يؤكد لنصوص قانون العقوبات القوة والفاعلية عند مخالفتها،لأنه هو الذي يكفل في هذه الحالة وضعها موضع التطبيق. وتكشف قاعدة (لا عقوبة بغير حكم قضائي) عن مدى التلازم بين المحاكمة المنصفة، وشرعية الجرائم والعقوبات.فوفقا لقاعدة شرعية الجرائم والعقوبات لا جريمة ولا عقوبة دون نص قانوني، فإنه بناءا على ذلك، لا توقع العقوبة بغير حكم قضائي.
- تسبيب الأحكام: يعد تسبيب الأحكام الجنائية من الضمانات الهامة لكافة أطراف الدعوى الجنائية ولجميع أبناء المجتمع بصفة عامة، فضلا عن المتهم فيها بصفة خاصة، وذلك لما لتسبيب الأحكام من أهمية بالغة سواء بالنسبة للمتهم الذي يعرف من خلالها السبب وراء إدانته أوبالنسبة القاضي، إذ يكشف التسبيب عن مدى حياد القاضي وذلك بذكره للأسباب التي بنى عليها قضائه لكي يتاح للمتهم على الحكم وللعدالة التي ينشرها الكافة من أبناء المجتمع، وذلك من خلال قيام محكمة التي رفع إليها الطعن بمراقبة أسباب ذلك الحكم للوقوف على مدى صحة هذه الأسباب واتساقها مع القانون .
وهي مجموعة الحجج الواقعية و القانونية التي استخلص منه الحكم منطوقه، ويقصد بالأسباب الأسانيد التي يدلل بها القاضي على النتائج التي وصل إليها في منطوق الحكم.
وواقع الأمر، أن جميع ضمانات المحاكمة المنصفة، لا دليل على احترامها إلا أسباب الحكم التي تكشف عن مدى التزام المحكمة بمراعاة هذه الضمانات.فهي المرآة الناصعة الجلية لمدى اتباع القواعد والإجراءات التي نص عليها القانون، ومدى احترام الضمانات التي أوجبها،ومدى حسن تطبيق المحكمة للقانون.فمن واجب القاضي أن يحدد القاعدة القانونية الواجبة التطبيق دون أن يشغل نفسه ببحث مدى عدالتها داخل النظام القانوني، وعليه أن يطبق القاعدة القانونية على الوقائع التي تثبت لديه من خلال محاكمة منصفة.على أن حكم القاضي يجب أن يكون نتاج منطق قضائي ينعكس عن أسباب الحكم، التي يجب أن تكشف سلامة تحديد القاضي لموضوع الدعوى وتكييف النزاع. ومن خلال هذا التسبيب تتحقق حماية أطراف الدعوى من تحكم القاضي لأنه مكلف أن يكشف في أسباب حكمه علة قضائه .
ومن خلال هذا التسبيب تظهر سائر العيوب التي تكشف عن عدم توافر المحاكمة المنصفة.فبدون الأسباب الواضحة الكاملة المنطقية، لا يمكن التحقق من محاكمة عادلة .
ورد النص على تسبيب الأحكام الجزائية صراحة في الفقرة الثانية من المادة 379 ق.إ.ج بقولها: "وتكون الأسباب أساس الحكم".كما نص أيضا الدستور في مادته 144 من بقولها: "تعلل الأحكام القضائية ...".كما ذهبت كذلك المادة 358 من ق.إ.ج إلى أن إيداع المتهم الحبس عن عقوبة جنحة يكون بقرار مسبب حيث نصت على:"...أن تأمر بقرار خاص مسبب بإيداع المتهم في السجن أوالقبض عليه".ونظرا لأهمية التسبيب في الأحكام الجنائية، فهي تعد وجها من أوجه الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا، إذ تنص المادة 500 من ق.إ.ج على:"لا يجوز أن يبنى الطعن بالنقض إلا على أحد الأوجه التالية:...4-إنعدام أو قصور الأسباب...". وبالتالي فالأحكام الجنائية يجب أن تكون مسببة سواءا صدرت بالبراءة أو الإدانة، وأيا كانت درجة المحكمة التي أصدرت الحكم،وهكذا يتبين لنا مدى أهمية تسبيب الأحكام الجنائية كضمانة هامة من ضمانات المحاكمة الجنائية،فالتسبيب ضمانة هامة للمتهم، فمن خلال تسبيب الأحكام الجنائية يمكن له الوقوف على الأسباب التي أستند إليها القاضي في إدانة المتهم ومن ثم يمكنه أن يقرر الطعن في ذلك الحكم بالإستئناف أوالنقض إذا كانت الأسباب غير صحيحة ،أو كان هناك خطأ في تطبيق القانون الأمر الذي نجده في الطعن لصالح القانون، المادة530 ق.إ.ج، أو قصور في التسبيب.
ومن هنا تتضح لنا الأهمية القصوى لتسبيب الحكم الجنائي في مرحلة المحاكمة الجنائية كأحد ضمانات المحاكمة العادلة الهامة التي كفلها قانون الإجراءات الجزائية، وأيضا الدستور.
-عدم جواز محاكمة المتهم عن فعل واحد أكثر من مرة: ويعنى به أنه لا يجوز الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد الحكم فيها نهائيا بناءا على ظهور أدلة جديدة أو ظروف جديدة أو بناءا على تغير الوصف القانوني للجريمة. لذلك نجد المادة 311 ق.إ.ج في فقرتها الثانية تقول :"ولا يجوز أن يعاد أخذ شخص قد برئ قانونا أو اتهامه،بسبب الوقائع نفسها حتى ولو صيغت بتكييف مختلف".
وقد احتل هذا المبدأ تدريجيا مكانة كأحد أهم المبادئ التي تحمي حقوق الفرد.واهتمت نصوص الإتفاقيات الدولية بإيراده، حتى أن نصت عليه المادة 14/7 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ،حيث أنه لا يجوز محاكمة أحد أو معاقبته مرة ثانية عن جريمة سبق أن صدر بشأنها حكم نهائي أو أفرج عنه طبقا للقانون، ووفقا للإجراءات الجنائية للبلد المعني.
لذلك أصبح من المبادئ المسلم بها في كل من قانون العقوبات الداخلي وقانون العقوبات الدولي .
وواقع الأمر،أن عدم جواز محاكمة المتهم عن فعل واحد أكثر من مرة سوف يعرضه لعدة عقوبات بسبب ارتكاب هذا الفعل،مما يتعارض مع مبدأ التناسب في العقاب.ولهذا، فإن هذا الضمان يرتكز في ذات الوقت على تأسيس التجريم والعقاب على مبدأ الضرورة والتناسب الذي يتطلب احترام العقوبات مراعاة عدم تعدد العقوبات.
- ضمان تنفيذ الحكم القضائي: الأصل أن تنفيذ الحكم الجنائي يرتبط بالمصلحة العامة التي تتوقف على اقتضاء الدولة حقها في العقاب.إلا أن تحقيق هذا الهدف تتوقف عليه أيضا حماية حقوق وحريات المجني عليهم التي تكفلها قواعد التجريم والعقاب. هذا بالإضافة إلى حقوق المدعي المدني في الدعوى المدنية بالتبعية التي تخضع للإجراءات الجنائية .

















قائمة المراجع
أولا: المصادر
1_ الدستور الجزائري لسنة 1996.
2_ أمر رقم 66-156 المؤرخ في 08 يونيو1966, المتضمن قانون العقوبات المعدل والمتمم بالقانون رقم06-23 المؤرخ في 20 ديسمبر2006.
3_ أمر رقم 66-155 المؤرخ في 08 يونيو 1966, يتضمن قانون الإجراءات الجزائية المعدل والمتمم بالقانون رقم 06_22 المؤرخ في 20_12_2006, ج ر عدد 84 مؤرخة في 24_12_2006.
ثانيا: المراجع
1_ د أبو العلاء علي أبو العلاء النمر, الجديد في الإثبات الجنائي, دار النهضة العربية، مصر2002.
2_د احمد فتحي سرور, الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية, دار الشروق, مصر1995.
3_د خليفة كلندرعبد الله حسين, ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الإبتدائي في قانون الإجراءات الجنائية, ط1, دار النهضة العربية, مصر 2002.
4_د محمد محمد مصباح القاضي, حق الإنسان في محاكمة عادلة, دار النهضة العربية, مصر 1996.
5_د محمد زكي أبو عامر الإثبات في المواد الجنائية دار الفنية للطباعة والنشر, مصر, دون سنة نشر.
6_د عصام حسين, فلسفة التجريم والعقاب في تجزئة القاعدة الجنائية, ط1, دار الكتاب الحديث, مصر 2010.
7_د مروك نصر الدين, محاضرات في الإثبات الجنائي: ج 1, دار هومة, الجزائر2003.
8_د محمود محمد مصطفى, تدعيم قرينة البراءة في مرحلة جمع الاستدلالات, تعديلات قانون الإجراءات الفرنسي دار النهضة العربية, مصر2003.
9_د احمد فتحي سرور, القانون الجنائي الدستوري, دار الشروق, مصر 2002.
10_محمد حزيط, مذكرات في قانون الإجراءات الجنائية, دار هومة, الجزائر 2001.
11_ احمد حامد البدري محمد, ضمانات الدستورية للمتهم في مرحلة المحاكمة الجنائية, منشأة المعارف, مصر 2002.
12_د مدحت رمضان, تدعيم قرينة البراءة في مرحلة جمع الاستدلالات في ضوء تعديلات قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي, دار النهضة العربية, مصر2001.
13_ د عبد القادر عدو, مبادئ قانون العقوبات الجزائري_القسم العام_نظرية الجريمة, نظرية الجزاء الجنائي, دار هومة, الجزائر2010.
14_ د محمد علي سالم عياد الحلبي، الوسيط في شرح قانون اصول المحاكمات الجزائية:ج3, مكتبة التربية, بيروت1996.
15_ أكرم نشأت إبراهيم, السياسة الجنائية,ط2, شركة آب للطباعة, د ب ن1999.
16_ محمود نجيب حسني, شرح قانون الإجراءات الجنائية, دار النهضة العربية, مصر 1989.
17_ د/محمد علي سلم عياد الحلبي،الوسيط في شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية،ج3،مكتبة التربية،بيروت،1996
18_ عمر فخري عبد الرزاق الحديثي ،حق المتهم في محاكمة عادلة،دار الثقافة،الأردن،2005
19عمر فخري عبود الرزاق الحديثي,الأعذار القانونية المخففة للعقوبة, جامعة بغداد,العراق1979.
20_ محمد زكي ابو عامر, مبادئ علم الاجرام والعقاب, الدار الجامعية، مصر1989.
د/
الرسائل الجامعية:
1_ عبده يحيى محمد الشاطبي, مبدأ شرعية التجريم والعقاب, دراسة مقارنة, رسالة ماجيستر, جامعة بابل, العراق2001
2_ سعدي حيدرة ، الدليل الجنائي بين الشرعية والمشروعية, مذكرة ماجيستير, كلية الحقوق، جامعة عنابة 2004.


خطة البحث
مقدمـــــــــــــة
الفصل الأول: الشرعية الجنائية
المبحث الأول: الحقوق والحريات في القانون الجنائي
المطلب الأول: مركز الحقوق والحريات في القانون الجنائي
المبحث الثاني: ماهية الشرعيــــــــــــــــــــة
المطلب الأول: مفهوم الشرعية
المطلب الثاني: جوانبها
المطلب الثالث: نتائج مبدأ الشرعية
المبحث الثالث: الضوابط العامة لمبدأ الشرعية
المطلب الأول: الاختصاص التشريعي في ق.إ.ج
المطلب الثاني: قرينة البراءة
المطلب الثالث: الضمان القضائي
الفصل الثاني: المحاكمة العادلة
المبحث الأول: ماهية المحاكمة العادلة
المطلب الأول: نظامها
المطلب الثاني: تأصيلها القانوني
المبحث الثاني: ضمانات المحاكمة العادلة في مرحلة المحاكمة
المطلب الأول: الضمانات المتعلقة بمرحلة الدعوى
المطلب الثاني الضمانات المرتبطة بسير المحاكمة
المطلب الثالث: الحكم القضائي وضماناته
المبحث الثالث: الرقابة القضائية على احترام ضمانات المحاكمة العادلة
المطلب الأول: الرقابة على الإجراءات الجنائية
المطلب الثاني: الرقابة من خلال الطعن
الخاتمة
 

youcef66dz

عضو متألق
إنضم
3 أكتوبر 2009
المشاركات
3,788
مستوى التفاعل
112
النقاط
63
رد: مبدا الشرعية الجنائية و المحاكمة العادلة

بارك الله فيك ...
 

hamdoud

عضو جديد
إنضم
30 نوفمبر 2014
المشاركات
1
مستوى التفاعل
0
النقاط
1
رد: مبدا الشرعية الجنائية و المحاكمة العادلة

بارك الله فيكم على الإفادة
 

abderrahmen gherribi

عضو جديد
إنضم
17 أبريل 2018
المشاركات
1
مستوى التفاعل
0
النقاط
1
الإقامة
البليدة
merci bcp lah yahfdkom
 

المواضيع المتشابهة

أعلى