إنضم
2 مارس 2014
المشاركات
22
مستوى التفاعل
1
النقاط
3
الإقامة
الجزائر
تمثّل الرقابة القضائية على أعمال الإدارة التقديرية مطلبا ملحّا، و أساسا في دولة القانون، و ذلك لحماية الحقوق و الحريّات ضد تعسّف الإدارة و استبدادها المحتمل عند مباشرتها لتلك السلطة.( )
يظهر بأنّ القضاء الإداري في الجزائر قد تذبذب في قراراته بخصوص الرقابة على السلطة التقديرية للإدارة، فقد بسط رقابته على بعض الجوانب منها، فيما امتنع عن ذلك في مرّات عديدة،( ) وهذه الوضعية غير مقبولة في دولة القانون، لأنّها تشكل خطرا على الحريات العامة.( )
نجد في قرار صادر سنة 1983 عن الغرفة الإدارية بمجلس قضاء قسنطينة، أنّ القاضي الإداري توجّه نحو فرض حدّ أدنى من الرقابة على السلطة التقديرية للإدارة، وممّا جاء في ذلك القرار أنّه: " إذا كان حفظ النظام و الأمن العام من اختصاص السلطة التقديرية للإدارة فإنّ هذه السلطة لا يمكن أن تمارس إلاّ بموجب نص قانوني صريح، أو بموجب مبدأ عام مضمونه أنّ الدولة مكلّفة بضمان السير الحسن للمرافق العامة.
وعليه فإنّ هذه السلطة ينبغي أن تمارس في إطار القوانين و تحت رقابة القاضي، إذ لا يجوز للإدارة استعمالها للاعتداء على الحقوق الأساسية و الحريّات العامة."( )
إلاّ أنّ القاضي الإداري عندنا لم يواكب هذا النضج الفكري في الرقابة على السلطة التقديرية، بل إنّ القرارات الصادرة عن قضاءنا الإداري بشأن السلطة التقديرية للإدارة، تشبه إلى حدّ ما القرارات الصادرة بخصوص أعمال السيادة التي لا معقّب عليها من القضاء، والخطأ في هذه المساواة بيّن، إذ أنّ القرارات الصادرة في إطار السلطة التقديرية يجب أن تخضع للرقابة على الأقل من حيث ركن الغاية و ركن الاختصاص،( ) و لا نبالغ إذ نقول بأنّ الطريقة التي يرفض بها القاضي الإداري في الجزائر بسط رقابته على الأعمال الإدارية الصادرة في إطار السلطة التقديرية تماثل الطريقة التي يرفض بها نظر أعمال السيادة، وهذا المنحى الشاذ سيؤثّر حتما على دور القاضي الإداري عندنا في حماية حقوق الأفراد وحريّاتهم.
لتأكيد هذا الأمر نضرب مثالا من قرار صادر عن مجلس الدولة الجزائري في سنة 2001 جاء فيه أنّه: " لا يجوز لهيئة قضائية أن تقوم بمراقبة تقدير سلطة بيداغوجية فيما يخص صلاحياتها حول أسس التنقيط للاختبارات التطبيقية و الشفهية للممتحنين، و مناقشة النتائج التي توصّلت إليها بواسطة لجنة مؤهّلة قانونا لهذا الغرض، و أنّ القول بخلاف ذلك يعني اعتداء صريحا من القضاة على سيادة القرار البيداغوجي، وهو أمر غير جائز قانونا."( )
كما جاء في قرار لاحق له صادر في سنة 2002 ما يلي: " حيث أنّ تعيين موظف على رأس مؤسسة عمومية محلية يرجع إلى السلطة التقديرية للسيد الوالي المختص محليا.
ولا يمكن للمدعي المستأنف أن يتعرض لهذا القرار الذي لا يحتاج إلى تسبيب."( )
الأمر الذي يلام عليه مجلس الدولة الجزائري بهذا الصدد ليس عدم تدخله في رقابة السلطة التقديرية للإدارة لدرجة التحكم في اختياراتها الأصيلة، التي من بينها وضع سلم التنقيط بالنسبة للعمل البيداغوجي كما ورد في القرار الأول، فهذا الأمر يبقى من الملاءمات التي تختص بها الهيئة البيداغوجية في جميع الأحوال، لكن ما يعاب عليه هو الشكل الذي يصدر فيه قراراته المتعلقة بالطعون الموجهة ضد الاختصاص التقديري للإدارة، فقراءة العديد من قراراته الصادرة بهذا الصدد يوحي بأنّ القرار الإداري الآتي من السلطة التقديرية للإدارة، لا معقب عليه من القضاء، حتى في جانب مدى اتجاهه نحو تحقيق المصلحة العامة، والأمر الأكثر خطورة من هذا هو أنّ مجلس الدولة الجزائري لا يلتفت في أغلب الأحيان إلى عيب الانحراف في استعمال السلطة الذي يطرح أمامه كثيرا، بالرغم من عدم جهله بموجة الفساد الإداري التي تجتاح البلد منذ مدة ليست بالقصيرة، لذلك لا نرى أي بأس في القول بأنّ القضاء الإداري الجزائري لم يعرف عيب الانحراف في استعمال السلطة على الوجه الصحيح لنتحدث عن أزمة دخل فيها تطبيقه في بلادنا، بل الأزمة الحقيقية تتمثل في البعد الشبه تام عن الأخذ بهذا الأسلوب التقليدي الفعال في الرقابة على أعمال الإدارة منذ الوهلة الأولى بدون أي مبرر واضح.
هنا تجدر الإشارة إلى أن القضاء الإداري الفرنسي والمصري على حد سواء، مستقر على التذكير الدائم في أغلب قراراته الصادرة بشأن السلطة التقديرية للإدارة على أنّ هذه الأخيرة لا تفلت من الرقابة المنصبة على أهدافها، حتى وإن خلص في الأخير إلى مشروعية القرار الإداري المطعون فيه، ونضرب مثالا عن هذا من قرار صادر عن المحكمة الإدارية العليا بمصر، و مما جاء فيه أنّه:" لا محل لرقابة القضاء الإداري على الملاءمات التقديرية التي تباشرها السلطة الإدارية المختصة عند إصدار قراراتها، سواء من حيث اختيارها لمحل القرار أو وقت تنفيذه وأسلوب تنفيذه مادام أن ذلك يكون في إطار من الشرعية وسيادة القانون، وذلك ما لم تتنكب الإدارة الغاية وتنحرف عن تحقيقها إلى غاية أخرى لم يقصدها المشرع عندما خولها تلك السلطة التقديرية، أو تتعمد تحقيق غايات خاصة لا صلة لها بالصالح العام."( )
يلاحظ بأنّ القضاء الإداري الجزائري متمثّلا في مجلس دولته الحديث- من خلال استقراء قراراته- أنّه اكتفى في رقابته للسلطة التقديرية في بعض المرّات بتبني الأساليب التقليدية في قضاء مجلس الدولة الفرنسي، حيث يقتصر على رقابة الوقائع و تكييفها القانوني، دون أن يعتمد على عيب الانحراف في استعمال السلطة، أو على الاتجاهات الحديثة في القضاء الإداري الفرنسي، و المتمثّلة في الرقابة على الخطأ الواضح في التقدير، و رقابة الموازنة بين المزايا و التكاليف.( )
الأمر المؤسف، أنّ تلك القرارات القليلة التي توحي ببسط نوع من الرقابة القضائية على السلطة التقديرية للإدارة تتميّز بالإيجاز و قلّة الحيثيات، مما يشكّل عائقا يحول دون فهم معناها، و معرفة موقف القضاء الإداري من خلالها( )، و هذا الأمر نجده في الكثير من القرارات الصادرة عن مجلس دولتنا، وهو ما يعقّد من مسألة دراستها، فالقاضي الإداري عندنا يذهب فقط إلى حلّ النزاع المعروض عليه، دون أن يستغل الفرصة لإظهار موقفه من مبدأ قضائي معيّن مكرّس في دولة أخرى، وهذا ما لن يساهم في تطوير القضاء الإداري مطلقا في بلادنا.( )
إنّ أزمة عيب الانحراف في استعمال السلطة عندنا لا ترتبط بتطور الرقابة القضائية على السلطة التقديرية للإدارة، بل تعود بالخصوص إلى عدم فعلية هذه الرقابة في أرض الواقع.( )
لذلك يتعيّن على القاضي الإداري أن تكون له الجرأة الكافية لمراقبة جميع أعمال السلطة التنفيذية،( ) ويتخلّى عن تحاشي التعقيب على قرارات الإدارة الصادرة في إطار السلطة التقديرية، و الاكتفاء بمراقبة شكل القرار الإداري و إجراءات إصداره، دون فحص موضوعه و أهدافه.
هذا فرع من مذكرتي الخاصة بعيب الانحراف في استعمال السلطة في القرارات الإدارية
 
أعلى