• تتقدم ادارة المنتدى باحر التهاني بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك لكل اعضاء و زوار المنتدى الكرام اعاده الله علينا وعلى الامة الاسلامية جمعاء تقبل الله منا ومنكم وغفر لنا ولكم
  • عزيري زائر الرجاء منك استعمال خاصية البحث في المنتدى قبل طرح اي طلبات
إنضم
2 مارس 2014
المشاركات
22
مستوى التفاعل
2
النقاط
3
الإقامة
الجزائر
الرقابة القضائية على عيب السبب
يقتضي مبدأ المشروعية أن يكون القرار الإداري قد بني على سبب صحيح، أي قام على حالة واقعية أو قانونية صحيحة تحمل الإدارة على إصدار قرارها،( )فالسبب بهذا المعنى هو العنصر الذي يبنى عليه القرار، و يتحقّق القاضي الإداري من كون القرار صدر صحيحا عن طريق التّأكد من وجود هذه الوقائع المادية أو القانونية، دون حاجة إلى النظر في الباعث الذي دفع رجل الإدارة إلى إصداره.( )
تجدر الإشارة إلى أنّ عيب السبب لم يظهر بوضوح في قضاء مجلس الدولة الفرنسي إلاّ منذ 1922،و بالتحديد في قراره الشهير في قضية "Trèpon"،( )أمّا قبل ذلك التاريخ فإنّ المجلس كان يخلط بين سبب القرار و غايته، كما يلاحظ بأنّ مجلس الدولة الفرنسي منذ التاريخ المذكور آنفا أخذ يوسع في رقابته على سبب القرار الإداري، بحيث أصبحت رقابة القضاء للسبب من أهمّ صور الرقابة بواسطة دعوى الإلغاء.( )
يظهر بأنّ تلك الرقابة تمتد إلى عنصري السبب، أي إلى الوقائع المادية من جهة، و التكييف القانوني من جهة أخرى، و هذا ما أكدته المحكمة الإدارية العليا بمصر في حكم لها بتاريخ 21/09/1960 حين قضت بأنّ: " القرار الإداري سواء كان لازما تسبيبه كإجراء شكلي أم لم يكن هذا التسبيب لازما، يجب أن يقوم على سبب يبرّره صدقا و حقّا، أي في الواقع و في القانون، و ذلك كركن من أركان انعقاده، باعتبار القرار تصرفا قانونيا، و لا يقوم أيّ تصرّف قانوني بغير سببه المشروع، و السبب في القرار الإداري هو حالة واقعية أو قانونية تحمل الإدارة على التدخل بقصد إحداث أثر قانوني." ثم أضاف الحكم أنّ :"...الرقابة التي لهذا القضاء تجد حدّها الطبيعي – كرقابة قانونية – في التحقّق ممّا إذا كانت النتيجة التي انتهى إليها القرار مستمدّة من أصول موجودة أو غير موجودة، و ما إذا كانت هذه النتيجة مستخلصة استخلاصا سائغا من أصول تنتجه ماديا أو قانونيا أم لا، و يتوقّف على وجود هذه الأصول أو انتزاعها من غير أصول موجودة، و على سلامة استخلاص النتيجة التي انتهى إليها القرار من هذه الأصول أو فسادها، و على صحّة تكييف الوقائع بفرض وجودها ماديا أو خطأ هذا التكييف، يتوقّف على هذا كله قيام ركن السبب في القرار الإداري، و مطابقته للقانون، أو فقدان هذا الركن و مخالفة القرار للقانون."( )
على هذا الأساس فإنّ الرقابة على ركن السبب إمّا أن تنصب على الوجود المادي للوقائع (أولا)، أو على التكييف القانوني لها (ثانيا)، كما تنصبّ أيضا على مدى أهمّية و خطورة الوقائع التي استند إليها مصدر القرار الإداري، للتّأكد من درجة التناسب بين تلك الوقائع و قرار الإدارة.( )
أولا: الرقابة على الوجود المادي للوقائع:
يعتبر التحقّق من الوجود المادي للوقائع الوجه الأول من أوجه الرقابة على ركن السبب، فإذا تبيّن أنّ الوقائع التي استندت إليها السلطة الإدارية لإصدار قرارها لا وجود لها، أو كانت غير صحيحة، كان القرار باطلا لخطأ الحالة الواقعية التي استند إليها.( )
نكون أمام هذه الحالة، لمّا تتوهّم السلطة الإدارية المختصة و تدعي ظروفا ووقائع مادية لا وجود لها في الواقع، و من قبيل ذلك أن تصدر السلطة الإدارية قرارا بحرق منزل أحد المواطنين على اعتقاد منها بأنّه موبوء، و لكنه في الحقيقة خال و سليم من كل وباء.( )
امتنع مجلس الدولة الفرنسي عن مراقبة مادية الوقائع المكونة لركن السبب – في بادئ الأمر–، على أساس أنّ المجلس و هو يقضي في الطعن بالإلغاء إنّما يقضي في مسالة تتعلق بالمشروعية، فهو قاضي قانون و ليس قاضي وقائع، و عليه فإنّ مهمّته تنحصر في السهر على حسن تطبيق القانون و تفسيره، و هذه المهمة تماثل مهمة محكمة النقض، فهذه الأخيرة لا تبحث فيما إذا كانت الوقائع صحيحة أم لا، و إنّما تبحث فقط في حسن تطبيق القانون.( )
يرى الأستاذ "مصطفى أبو زيد فهمي" أنّ موقف مجلس الدولة الفرنسي هذا قائم على أساس متداعي إلى حدّ كبير، لانّ الوصول إلى معرفة ما إذا كان القرار الإداري مشروعا أو غير مشروع هو أمر لا يتعلق بالقانون وحده، و إنّما يتعلق بالوقائع أيضا، بل إنّه في بعض المرات يستلزم مراقبة الوقائع رقابة أعمق من رقابة القانون، فمثلا لو أنّ الإدارة وقّعت جزاءا تأديبيا على موظف أهان رئيسه بلا مبرر، و تأخر عن العمل، و قبض رشوة...، و أمرت بفصله لهذه الأسباب، فإنّ القرار التأديبي تصاب مشروعيته بضربة قاصمة إذا ثبت أنّ كل هذه الوقائع لا أساس لها من الصّحة.( )
لم يثبت مجلس الدولة الفرنسي على موقفه من الرقابة على الوجود المادي للوقائع، إذ انطلق في إضفاء رقابته على الظروف المادية التي يستند إليها قرار الإدارة، و إن ظهرت هذه الرقابة أوّلا بالنسبة للقرارات التي أوجب القانون تسبيبها، و أوّل الموضوعات التي أعمل المجلس فيها هذا القضاء موضوع عزل رؤساء البلديات و مساعديهم،( ) و هذا ما يظهر في قضية "Camino"، أين حدث أن عزلت الإدارة رئيسا من رؤساء البلديات مستندة إلى أسباب معيّنة ذكرتها في قرار العزل، و قد أعلن مجلس الدولة الفرنسي أنّ من حقّه تحرّي صحّة هذه الوقائع، و حينما ثبت لديه أنّ تلك الأسباب لا وجود لها ألغى قرار العزل.( )
يلاحظ أنّ قضاء مجلس الدولة الفرنسي قد ذهب أبعد من ذلك، و صار يراقب مادية الوقائع حتّى في الموضوعات التي تملك الإدارة فيها سلطة تقديرية، فالإدارة تستطيع مثلا أن تعزل المحافظين عن غير الطريق التأديبي لأيّ سبب تراه، و كذلك الحال بالنسبة للجنرالات في الجيش، فهي تستطيع أن تحيلهم على الاستيداع حتّى بغير أن يرتكبوا أخطاء معيّنة، و كان الذي حدث أن أحالت الإدارة جنرالا في الجيش إلى الاستيداع و بنت قرارها على أخطاء معيّنة ارتكبها، فما كان منه إلاّ أن طعن في هذا القرار بالإلغاء، فقرّر المجلس إلغاء القرار على أساس أنّ هذا الضابط لم يرتكب الأخطاء المشار إليها في صلب القرار.( )
كما بسط القضاء الإداري المصري رقابته على الوجود المادي للوقائع بشكل واضح و دقيق، و لا أدلّ على ذلك من حكم محكمة القضاء الإداري الذي جاء فيه بأنّه: "و إن كان لوزير الداخلية أن يصدر قرارا بإحالة ضابط إلى الاستيداع دون بيان الأسباب، فإنّ تأسيس قراره على أسباب معيّنة، يجعل لهذه المحكمة السلطة في تحرّي صحّتها ماديا و معرفة ما إذا كانت مطابقة للوقائع الثابتة من الأوراق، ذلك لأنّ أسباب القرارات الإدارية يجب أن تكون محقّقة الوجود، و قائمة من وقت طلب إصدارها إلى وقت صدورها، بحيث تصدر تلك القرارات قائمة عليها باعتبارها أسسا صادقة و لها قوام في الواقع."( )
كما قرّرت محكمة القضاء الإداري في حكم لاحق لها، أنّه: " لا يمكن للسلطة الإدارية أن تستند في قرار الإحالة على المعاش على واقعة مادية لا وجود لها، بالإدّعاء على خلاف الواقع بأنّ الإحالة إلى المعاش كانت بناءا على طلب المدّعي، ذلك أنّ القرار الصادر من السلطة الإدارية في هذا الشأن هو قرار إداري يجب لصحته توافر شرطين: الأوّل تقديم طلب من الموظف يفصح فيه عن رغبته في الإحالة إلى المعاش، و الثاني استمرار الموظف على هذه الرغبة إلى حين صدور قرار الإحالة إلى المعاش، فإذا فقد هذان الشرطان بطل القرار الصادر بإحالة الموظف إلى المعاش بناءا على طلبه لانعدام الأساس القانوني."( )
سار القضاء الإداري الجزائري على نهج نظيريه الفرنسي و المصري في الرقابة على الوجود المادي للوقائع، فقد جاء في قرار لمجلس الدولة الجزائري أنّ: " إبطال قرار التنازل عن أملاك الدولة يكون في حالة الغش و التدليس الذي لم يثبت الوالي حصوله، و من ثمّ إلغاء قرار الوالي القاضي بإلغاء مقرّر التنازل عن المحلّين التجاريّين."( )
لعلّ الأمر المؤسف الذي ينبغي أن نشير إليه، هو أنّ مجلس الدولة الجزائري يخلط في بعض قراراته بين عيب السبب و عيب الشكل (في صورة عدم التسبيب)، ومن تلك القرارات قراره الصادر بتاريخ 25/10/2005، والذي جاء فيه: "حيث و حول الوجه الأوّل المأخوذ من انعدام أسباب القرار، تنص المادة 41 من القرار المؤرخ في 14/11/1992 المتضمّن النظام الداخلي للغرفة الوطنية للموثقين، أنّ هذه الأخيرة تفصل في القضايا المطروحة عليها بقرار مسبّب...
حيث بذلك إنّ ما جاء بمضمون القرار محلّ الطعن ليس تسبيبا...
حيث على هذا الأساس إنّ الوجه المثار مؤسّس لأنّ القرار محلّ الطعن فعلا معيب بعيب انعدام الأسباب مما يتعيّن عليه إبطاله."( )
ثانيا: الرقابة على التكييف القانوني للوقائع:
قد يحدّد القانون الخصائص التي تنتج عن حالة واقعية تتيح للإدارة التصرّف على أساسها، و في مثل هذه الحالة لا يكفي لكي يكون القرار الإداري مشروعا أن تكون الوقائع التي يستند عليها موجودة من الناحية المادية، و إنّما يجب أن تتضمّن أيضا الخصائص التي يتطلّبها القانون، بمعنى أنّ الإدارة إذا قدّرت الوقائع و أعطتها تكييفا غير صحيح، فإنّ القاضي يحكم بإلغاء قرارها لعدم مشروعيته، نتيجة للتكييف غير الصحيح للوقائع.( )
بسط مجلس الدولة الفرنسي رقابته على التكييف القانوني للوقائع بمناسبة حكم شهير أصدره في 04/04/1914 في قضية "Gomel"، وقد أصبح هذا الحكم من الأحكام التقليدية التي يسوقها الفقه كدليل على رقابة القضاء الفرنسي للتكييف القانوني للوقائع، و تتلخّص وقائعه في أنّ القانون الصادر عام 1911 قد فرض بعض القيود على العقارات التي تبنى بالقرب من الأماكن الأثرية، حماية لهذه الأماكن من المساس بمنظرها و من تشويه معالمها التّذكارية، لذلك رفضت الإدارة التصريح ببناء أحد العقارات في أحد الميادين الهامّة بمدينة باريس على أساس أنّه من المناطق الأثرية، و إزاء الطعن في قرار الإدارة سالف الذكر، صرّح مجلس الدولة بأنّ ذلك الميدان لا يكتسي أيّ طابع اثري، و قضى بإلغاء القرار المطعون فيه على أساس خطأ الإدارة في الوصف و التكييف.( )
يلاحظ أنّ الرقابة على التكييف القانوني غالبا ما تسبقها الرقابة على الوقائع المادية( )، و مثال ذلك أن يقوم القاضي بالتحقّق أوّلا من وجود و صحّة الأفعال و الوقائع المادية، فإذا ما انتهت المحكمة من ذلك عملت على تكييف هذه الوقائع أي على التحقّق من صحّة الوصف القانوني المعطى لها.( )
يظهر هذا فيما قرّرته محكمة القضاء الإداري و المحكمة الإدارية العليا بمصر في العديد من أحكامهما، حيث أعلنتا بأنّ القرار التأديبي كأيّ قرار إداري آخر، يجب أن يقوم على سبب يبرّره، فلا تتدخّل الإدارة لتوقيع الجزاء إلاّ إذا قامت حالة واقعية أو قانونية تسوّغ ذلك، و لمّا كان سبب القرار التأديبي هو إخلال الموظف بواجبات وظيفته أو إتيانه عملا من الأعمال المحرّمة عليه فإنّ على المحكمة في هذا الخصوص أن تتحقّق: "من صحّة قيام الأفعال المنسوبة إلى الموظف و هل هي مستخلصة استخلاصا سائغا من أصول تنتجها، و من التكييف القانوني لهذه الأفعال على فرض حصولها."( )
كما يراقب القاضي الإداري في الجزائر التكييف القانوني للوقائع، وبهذا الصدد نعود إلى قرار مجلس الدولة الصادر في 20/05/2003 السالف الذكر، والذي جاء فيه : "حيث أنّه إذا كان القاضي الجزائي يقدّر الأخطاء المرتكبة طبقا لقانون العقوبات، فإنّ السلطة التأديبية – تحت رقابة القاضي الإداري – تقدّر الأخطاء المرتكبة حسب متطلّبات المرفق العام.
حيث أنّ الأفعال المنسوب ارتكابها من الطاعن تشكل فعلا خطأ تأديبيا خطير يطلق عليه وصف الدرجة الثالثة."( )
الفرع الثاني: التداخل بين عيب السبب و عيب الانحراف في استعمال السلطة:
يرى الأستاذ "سليمان الطمّاوي" بأنّ الرقابة على ركن السبب لا تخرج عن أحد الأمرين:
1) إمّا أن تكون الإدارة حين أعلنت الأسباب عالمة بانعدامها ماديا أو قانونيا، و هنا نكون أمام عيب الانحراف في استعمال السلطة، فمجرّد إعلان الإدارة لأسباب وهمية مع علمها بذلك يقطع بأنّها تهدف إلى أغراض غير مشروعة، و أنّها لا تريد أو لا تستطيع أن تعلن عن الأسباب الحقيقية التي تبرّر تدخّلها.
2) و إمّا أن تكون الإدارة حين أعلنت هذا السبب غير عالمة بانعدامه، و هنا نكون أمام عيب مخالفة القانون.( )
كما يرى نفس الأستاذ بأنّ عيب السبب لا يمثّل وجها مستقلا من أوجه إلغاء القرار الإداري فهو إمّا أن يندمج ضمن عيب مخالفة القانون، أو عيب الانحراف في استعمال السلطة على الوجه المبيّن أعلاه.( )
ظهر مدى التداخل بين عيب السبب و عيب الانحراف في استعمال السلطة فيما قضت به محكمة القضاء الإداري في حكمها الذي جاء فيه: " يلزم لصحّة القرار الإداري أن يكون مبنيا على أسباب صحيحة، و هذه الأسباب تكون خاضعة لرقابة هذه المحكمة للتحقّق من صحّتها و مدى مطابقتها للوقائع، و ما إذا كانت تؤدّي إلى النتيجة التي انتهى إليها القرار، فإذا كان الثابت من وقائع الحال أنّ جهة الإدارة قد أصدرت قرارا برفض تجديد ترخيص حمل السلاح الخاص بالمدعي، مستندة إلى أسباب اتضح للمحكمة أنّ بعضها لا دليل عليه، و بعضها الآخر لا يبرّر قانونا النتيجة التي انتهت إليها، فإنّ قرارها يكون قد خالف القانون، و اتّسم بعيب إساءة استعمال السلطة و تعيّن لذلك إلغاءه."( )
انتقد الأستاذ "محسن خليل" هذا الخلط بين عيب السبب و عيب الانحراف في استعمال السلطة، فهو يرى بضرورة التمييز بينهما لاختلاف طبيعة كل عيب منهما عن الآخر، فالانحراف في استعمال السلطة ذو طبيعة شخصية داخلية تتّصل بنيّة مصدر القرار و نفسيته، بحيث يكون مدفوعا بهذه العوامل إلى إصدار القرار لتحقيق غاياته و أغراضه لمخالفة المصلحة العامة أو مخالفة الهدف الذي حدده المشرع، أمّا عيب السبب فإنّه ذو طبيعة موضوعية مقتضاها الإستناد إلى واقعة موضوعية خارجية يكون وجودها هو السبب الدافع إلى إصدار القرار، بحيث ينظر إلى هذه الواقعة على نحو مجرّد، أي من ناحية حقيقتها و صحّتها المادية أو القانونية، دون اعتبار لما يدور في ذهن مصدر القرار و نفسيته، و على ذلك فإذا كانت الغاية هي الحالة النفسية الشخصية الداخلية التي يسعى مصدر القرار إلى تحقيقها، فإنّ السبب هو الحالة الواقعية الموضوعية الخارجية التي يبنى القرار عليها و تكون سبب وجوده.( )
سلكت محكمة القضاء الإداري بعد حكمها السابق المنهج السليم – حسب رأي الأستاذ "محسن خليل" –، و ذلك بإظهار عيب السبب كوجه مستقل عن باقي أوجه الإلغاء الأخرى، حيث جاء في قرار لها أنّه: " ممّا يجب التنبيه إليه بادئ الرأي، أنّه و إن كانت الإدارة تستقل بتقدير مناسبة إصدار قراراتها أي أنّ لها الحريّة المطلقة في تقدير ملاءمة إصدار القرار الإداري من عدمه...إلاّ أنّه يجب أن يكون الباعث عليه ابتغاء مصلحة عامة، و إلاّ شابه عيب إساءة استعمال السلطة، كما ينبغي أن يكون للأسباب التي يستند إليها وجود في الأوراق، و إلاّ انطوى على مخالفة القانون لانعدام الأساس القانوني الذي يقوم عليه هذا القرار."( )
غير أنّه ظهر من الناحية العملية بأنّ هناك صلة وثيقة بين الهدف و السبب، تجعل أحدهما يؤدّي مهمّة الآخر في كثير من الأحيان، فإذا عاقبت الإدارة موظفا لم يرتكب جرما تأديبيا فإنّ قرارها الصادر بالعقوبة يمكن الطعن فيه على أساس عيب السبب (انعدام سبب القرار)، كما يمكن في الوقت نفسه بناء الطعن على عيب الانحراف في استعمال السلطة.( )
الحاصل في أرض الواقع أنّ الطاعن غالبا ما يثير في طعنه عدة أوجه للإلغاء، حتّى يضمن استجابة القضاء الإداري له، غير أنّ هذا الأخير أثبت – في الآونة الأخيرة خاصّة – أنّه يميل إلى فحص العيوب الخارجية، ثم الداخلية، و على رأسها عيب مخالفة القانون، و عيب السبب، ثم إن لم يتبيّن له جديّة هذه الأوجه، يتّجه نحو فحص عيب الانحراف في استعمال السلطة.
لكن هذا لا ينفي حقيقة أنّ عيب الانحراف في استعمال السلطة يجدي حيث لا تجدي العيوب الأخرى، و مثال ذلك نجده في حالة السلطة التقديرية، فكثيرا ما يصرّح القضاء الإداري بأنّ الإدارة لا رقابة عليها، و هي تمارس سلطتها التقديرية ما لم يثبت انحرافها في استعمال السلطة، و هذا ما يؤكد أنّه حتّى في حالة السلطة التقديرية حيث يصعب الإستناد على العيوب الأخرى، فإنّ عيب الانحراف في استعمال السلطة يسعفنا ليكون أساسا للطعن بالإلغاء،( ) و هذا راجع إلى كون ركن الغاية في القرار الإداري يتبع السلطة التقديرية، و حتّى لمّا تمارس الإدارة هذه السلطة فهي مجبرة على أن ترمي من وراء قراراتها إلى تحقيق المصلحة العامة، أو الهدف المخصّص من المشرّع.( )
لكن مع هذا لا يمكن أن نخفي تغلّب عيب السبب على عيب الانحراف في استعمال السلطة، من حيث الاعتماد عليه كوجه للإلغاء داخل القضاء الإداري، و هذا راجع كما سبق و أن أشرنا منذ البداية إلى قيام عيب السبب على عناصر موضوعية، يسهل إثباتها مقارنة بإثبات العناصر الشخصية في عيب الانحراف في استعمال السلطة.
لقد أدخل عيب السبب عيب الانحراف في استعمال السلطة في أزمة حقيقية، جعلت هذا الأخير يتجه نحو الزوال، بعد أن اشتهر كثيرا داخل مجلس الدولة الفرنسي، و حتّى في الخارج.( )
غير أنّ الأستاذ "سامي جمال الدين"، وإن كان يقرّ بأنّ نشأة الرقابة على السبب كآخر مجالات الرقابة على مشروعية القرارات الإدارية، قد أدّت إلى تقلّص الرقابة على عيب الانحراف في استعمال السلطة، فإنّه مع هذا يرفض اعتبار عيب الانحراف في استعمال السلطة عيبا احتياطيا، نظرا لكون عيب السبب وباقي العيوب الأخرى أيسر إثباتا منه، إذ يرى بأنّه ليس هناك أيّ سند قانوني يبرّر هذا الأمر، إذ أنّ القضاء الإداري يختص فقط بإثبات أن القرار الإداري لم يصدر من أجل تحقيق المصلحة العامة، و هي مسألة موضوعية سهلة الإثبات، دون داع لإثبات الغايات الأخرى التي قصدها مصدر القرار الإداري.( )
يؤيّد هذا الرأي الأستاذ "محمد مصطفى حسن" الذي أكّد على أنّ عنصر المصلحة العامة مسألة موضوعية تماما، و يجب أن تتحقّق فعلا في كل نشاط إداري استقلالا عن حسن نيّة رجل الإدارة، و أنّه إذا كانت الغاية تبدأ بقصدها نفسيا، فإنّها تنتهي إلى تحقيق موضوعي لفكرة المصلحة العامة، فالانحراف هو الحدّ الخارجي لنشاط الإدارة، و كلّما كان القرار لا يؤدّي إلى خدمة الصالح العام، كان هذه القرار مشوبا بعيب الانحراف في استعمال السلطة، دون حاجة إلى التعمّق في بحث نوايا الإدارة و مقاصدها.( )
دعّم هذا الفقه رأيه بحكم أصدره مجلس الدولة الفرنسي انتهى فيه إلى أنّه: " دون حاجة لفحص أوجه الطعن الأخرى، يتبيّن من التحقيقات أنّ الوزير قد استعمل سلطته في غير الغرض الذي من أجله استودعه القانون هذه السلطة."( )
يلاحظ في هذا القرار أنّ مجلس الدولة الفرنسي يسمح لنفسه بأن يبدأ ببحث عيب الانحراف في استعمال السلطة قبل غيره من العيوب، إذا وجد أنّه أكثر وضوحا، و الدليل عليه أكثر قوّة.( )
 
أعلى