av.joven

عضو متألق
إنضم
22 أغسطس 2010
المشاركات
884
مستوى التفاعل
29
النقاط
28
الإقامة
بلدية برج بونعامة ولاية تيسمسلت
الفتوى: هي بيان الحكم الشرعي في قضية يسأل عنها الفقيه. والمفتي هو الفقيه المتصدي لأسئلة المستفتين، الذي ينبغي أن يكون مستوفياً للشروط الواجبة في المفتي. على ما ذكرها العلماء.

قال ابن القيم: "ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يُبَلَّغُ والصدق فيه لم تصلح مرتبة التبليغ والفُتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يبلغ صادقاً فيه، ويكون مع ذلك حَسَن الطريقة مرْضي السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه. كيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾(النساء/127)، وكفى بما تولاه الله بنفسه شرفاً وجلالة، إذ يقول: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾(النساء/176). وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غداً وموقوف بين يدي الله".

ولا بد للفتوى من مستند شرعي من كتاب أو سنة، ولا بد لها من مراعاة مقاصد الشريعة السامية التي جاءت لتحقيقها، فلا تفصل المسألة عن ظروفها وحيثياتها ولا يغفل عن آثارها وما ستتركه من نتائج، ولا بد للمفتي أن يكون كَّيساً فطناً مدركاً لحال طالب الفتوى ولظروفه، مستشرفاً لهدفه لاسيما عندما تكون الفتوى في شأن عام أو أمر يمس شرائح واسعة من المجتمع الإسلامي.

فقد ورد أن ابن عباس جاءه رجل يستفتيه، يقول: هل للقاتل من توبة؟ (وكان رضي الله عنه يرى أن للقاتل توبة) فاعمل بن عباس نظره في الرجل صعوداً وهبوطاً ثم قال للسائل: ليس للقاتل توبة. فعجب أصحابه من جوابه، وسألوه بعد مغادرة الرجل عن سر تغيير فتواه فقال: نظرت في وجه الرجل فوجدته مغضَباً، وغلب على ظني أنه يريد أن يقتل أحداً، فقلت له ما قلت حتى لا يقتل. وفي هذه الفتوى نرى كيف أن ابن عباس نظر في مقصد الشارع الحكيم فأفتى بما يحقق هذا المقصد.

الإفتاء في السابق

لم يكن الإفتاء منصباً سياسياً ولا دينياً لا على زمن النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) ولا على زمن الخلفاء الراشدين من بعد. بل مسؤولية صاحب العلم والمعرفة كائناً من كان، ولقد كان أصحاب النبي (صلي الله عليه وسلم) يسألون عن الأحكام في المسائل فكان كل واحد منهم يقف عند ما علم ولا يتجاوزه، حتى الخلفاء عندما تعرض لهم أو عليهم مسائل ولم يكن لهم علم بها كانوا يسألون الناس ممن عاشوا أو صحبوا رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، هل يعلمون شيئاً عن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) في المسألة؟ هل قال فيها، أو فيما يشبهها شيئاً أو قضى بشيء أو عمل شيئاً، فإن وجدوا شيئاً عملوا بمقتضاه وإن لم يجدوا رجعوا إلى اجتهادهم واعملوا عقولهم وأفهامهم. ثم استمر الإفتاء رسالة ووظيفة العلماء والفقهاء إذا عرض للناس شيء لا يدرون ما حكمه استفتوا أهل العلم، فكانوا يفتونهم فيه أو كانوا يحيلونهم إلى من هو اعلم منهم بالأمر.

وقد عرف ذلك بين الصحابة فكان منهم من برع في القضاء، كعلي بن أبي طالب (رض) ومنهم من برع في الفرائض كزيد، ومنه من برع في التفسير كعبد الله بن عباس (رضي عنهم أجمعين). وقال مسروق: لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله (ص) يسألون عائشة عن الفرائض(1).

وبعد مرور عهد الصحابة والتابعين، صار الناس يحتاطون في أمر الفتوى فلم يعد لكل عالم أن ينبري لها، ووضع أهل العلم شروطاً للمفتي لا تتوفر لكثير ممن يوصفون بالعلم.

قال حذيفة: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن أو أمير لا يجد بداً، أو أحمق متكلف، قال فربما قال بن سيرين فلست بواحد من هذين ولا أحب أن أكون الثالث. قلت (أي المؤلف) مراده عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة،أما بتخصيص أو تقيد أو حمل مطلق على مقيد، وتفسيره وتبينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخاً، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم،و في لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه(2).

ثم وفي فترات متأخرة شرطوا للمفتي ذات الشروط المطلوبة في الفقيه المجتهد واعتبروا أن ناقل الفتوى ليس بمفتٍ، وينقل أبن القيم عن أصحاب أحمد أنه لا يجوز الفتوى بالتقليد، لأنه ليس بعلم، والفتوى بغير علم حرام، وجوزوا للمقلد أن يفتي لنفسه فقط دون غيره، وأباحوا ذلك استثناءاً عند الحاجة وعند عدم وجود العالم المجتهد.

وروى الخطيب عن الإمام الشافعي في كتاب الفقيه والمتفقه: "لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجل عارف بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيِّه ومدنيّه، وما أُريد به، ويكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة والشعر، وما يحتاج إليه للسنة والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي.

الإفتاء اليوم

الإفتاء اليوم منصب ديني ـ سياسي، يُعيَّنُ المفتي فيه بقرار صادر عن السلطة السياسية، وتكون مهامه رئاسة الهيئة الدينية في الدولة والتصدر في المناسبات الدينية والسياسية والإشراف على الأوقاف وإصدار الفتاوى أو اللجان التي تصدر الفتوى. وغالباً ما يكون المفتي واقعاً تحت تأثير السلطة السياسية في الدولة، إذا يعتبر ركناً من أركانها، إلا من رحم ربي. لذلك تأتي الفتاوى الصادرة عنه مراعية لأوضاعها ومنسجمة مع توجهاتها، وبالتأكيد يقبض لقاء هذا المنصب راتباً مناسباً، وليس بالضرورة أن يكون المعيّن في منصب المفتي أهلاً لهذا المنصب ولا أكثر أقرانه استحقاقاً له، بل ربما كان أطوعهم للسلطة. ومع وجود المفتي الرسمي في معظم البلدان إلا أن ذلك لا يمنع من وجود علماء يتصدون للإفتاء أي لإعطاء الفتاوى، ربما كان بعضهم مستوفياً للشروط المذكورة آنفاً، أو كان لا يتمتع حتى بأدنى الشروط المطلوبة حيث نجد أن الجماعات السياسية أو الجماعات الدينية، من صوفية وسلفية وأحياناً تقليدية تجعل من بعض مشايخها مرجعاً لأتباعها في الإفتاء.

وبسبب انتشار الجهل بالدين وأحكامه تجد من لا يملك من الأهلية العلمية أو الدينية من يقيم من نفسه مفتياً يرد على الاستفتاءات دون خوف أو وجل، غير عابئ بكل الأحاديث النبوية التي تحذر من ليس لديهم أهلية من الاجتراء على الفتوى. مثل حديث المصطفى (ص): "اجرؤكم على الفتوى اجرؤكم على النار". ومثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (الإسراء/36).

الارتجال في الفتوى وعدم التدقيق

من المعلوم أن للفتوى أصول لا بد منها، ومن هذه الأصول أن يكون السؤال واضحاً ومحدداً ودقيقاً، وحتى نتثبت من ذلك لا بد أن يكون السؤال مكتوباً بلغة واضحة صحيحة حتى يعرف المفتي عن أي أمر يجيب، لأن الجواب يختلف بجزئية صغيرة ترد في السؤال أو تسقط منه. وليس للمفتي أن يعطي جوابه إلا بعد دراسة المسألة وإمعان النظر بها وعليه يستقصي المعلومات المتعلقة والمعطيات وأن لا يغفل عن أي أمر يمكن أن يكون له علاقة بتحديد الجواب لا سلباً ولا إيجاباً. وعليه بعد ذلك أن ينظر فيما يمكن أن تتركه الفتوى من أثر فلا تخالف مقاصد الشريعة.

واضرب على ذلك مثلاً الفتوى التي صدرت عن لجنة البحوث العلمية في الأزهر والتي جاء فيها أنه يحق للسلطات المصرية أن تقيم الجدار الفولاذي بين غزة والأراضي المصرية، بحجة أن السلطة المصرية تقيم هذا الجدار على أرضها، ويحق للمالك أن يتصرف بأرضه كما يشاء. إن هذه الفتوى عالجت أمراً على مستوى الأمة كما لو أنها مسألة شخصية صغيرة، نعم من المعروف أن لكل إنسان أن يتصرف بملكه كما يشاء، ولكن هل هذا الكلام على إطلاقه؟!.. إنه ليس على إطلاقه أبداً، فقد يكون لشخص الحق بتصرف معين ولكن التعسف في استعمال الحق ممنوع، أي إذا كان استعمال هذا الحق يؤذي الآخرين ولا يحقق منفعة للمستعمل فعندئذ ترد القيود المانعة من إلحاق الأذى بالآخرين.

كما ورد في السيرة أن رجلاً كانت له أرض فيها شجر نخيل وإن إحدى شجرات النخيل كان جذرها في أرضه وكان جذعها وثمرها فوق أرض جاره، فاشتكى الجار أذية صاحب النخلة ودخوله إلى أرض جاره الذي عرض على صاحب الشجرة إما أن يبيعها له أو يُضَمِّنَها أو أن يقطعها، فعرض رسول الله (صلي الله عليه وسلم) الأمر على صاحب الشجرة الذي رفض كل العروض وأصر على الاستمرار في سلوكه المؤذي لجاره، فلما فرغ رسول الله (صلي الله عليه وسلم) من أمره ووجد تعنتاً وتعسفاً في استعمال حقه، أمر المتضرر من الشجرة بأن يقطعها من فوق أرضه.

لقد ضربت فتوى لجنة البحوث العلمية في الأزهر بكل المصالح والحقوق وبالواقع عرض الحائط وسوغت للسلطة المصرية فعلها، وهو الفعل الذي يؤدي إلى تضييق الحصار على بلد مسلم لصالح عدو كافر، بما يعين العدو على إخضاع المسلمين وإذلالهم، بل وإلى قتلهم وتجويعهم وجعلهم عرضة للآلام والأمراض. ولو لم يكن من آثار لهذه الفتوى إلا ما ذكرنا من الضرر على أهل غزة لكان كافياً لبطلانها وعدم جوازها. وهذه الفتوى هي أحد نماذج الفتاوى التي يصدرها المفتون لخدمة السلطة السياسية التي يعملون في خدمتها.

تواطؤ المفتي مع السلطان

إن ما نشهده اليوم من تواطؤ المفتين وعلماء السلطان مع أولياء نعمتهم يجعلنا نشك بكل هذا التاريخ من الفتاوى التي هدرت دماءً وضيعت حقوقاً، فكم من عالم أو مفكر قتل بحجة الكفر أو الزندقة أو الردة، أو محاربة الله ورسوله، أو بحجة الفساد في الأرض أو الخيانة أو ما إلى ذلك من تهم لا ندري اليوم مدى صحتها وصحة الوقائع التي استندت إليها، فربما استندت إلى فرية أو دسيسة أو مؤامرة، فكان الحاكم أو السلطان يستنجد بعالمه ويطلب منه الفتوى بهدر دم أو سلب حق أو غير ذلك.

إن ما نشهده اليوم من زيف وتزلف وخضوع لرغبات الحكام من قبل بعض العلماء أو أدعياء العلم من أصحاب المناصب الدينية الرسمية أو الطامحين إلى مثل هذه المناصب يجعلنا بحق نشك بكل تلك الدعاوى، ولربما وجب علينا إعادة البحث في كل تلك الوقائع فهناك العديد من الأتقياء والعلماء رتب أمر موتهم والتشهير بهم لأنهم اختلفوا مع السلطان فلم يخضعوا له ولم يسايروه أو يسكتوا عن ظلمه. وهناك العديد من الأسماء مثل سعيد بن جبير، والجعد بن درهم وغيرهم كثير رُموا بالكفر والزندقة ومعصية ولي الأمر وقطعت رقابهم لذلك. كما أن هناك العديد من أصحاب السلطة تواطؤ مع أصحاب بعض الفرق الدينية التي انتشرت كثيراً ووقع الاختلاف فيما بينها، فكانت الفرقة ترمي الخصم من أصحاب الرأي الآخر بالتهمة التي تؤدي إلى حبسه أو قتله بتواطؤ من الحاكم، وفي التاريخ أمثلة على ذلك من كبار الفقهاء، فقد سجن أبو حنيفة ومالك وامتحن أحمد ابن حنبل في مسألة خلق القرآن، فسجن وعذب ليتراجع عن رأيه.

واليوم نرى كثيراً من العلماء يتواطئون مع السلطان فيما يريد فيبررون أعماله ويمجدون أفعاله ويثنون على تقواه وهو أبعد ما يكون عن التقوى والدين, وحتى عن الإنصاف الذي ينبغي أن يكون صفة لكل حاكم وكم من حاكم قتل وسحل وظلم ووجد من يلقبه بأمير المؤمنين أو بالرئيس المؤمن
 

المواضيع المتشابهة

... [autre code ] ...
أعلى