ابو لجين

عضو جديد
إنضم
18 فبراير 2015
المشاركات
1
مستوى التفاعل
0
النقاط
1
أ.د . زهير الحسني . استاذ القانون الدولي. مستشار

نفاذ وتنفيذ المعاهدات الدولية في القانون الوطني

ينبغي التمييز بين نفاذ المعاهدة (entrée en vigueur ) في القانون الوطني وتنفيذها فيه (application ) .فالنفاذ يتم بادخال المعاهدة في القانون الوطني بينما التنفيذ يعني تطبيق المعاهدة في القانون الوطني من قبل اجهزة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية عند الاقتضاء فيما ياتي :
1-يتم نفاذ المعاهدة في القانون الدولي بالتوقيع او التصديق او الانضمام او الموافقة او القبول مع تبادل المذكرات المؤيدة لذلك في المعاهدات الثنائية وايداعها لدى جهة الايداع في المعاهدات متعددة الاطراف حيث تحدد الاحكام الختامية لهذين النوعين من المعاهدات تاريخ نفاذ هذه المعاهدات من تاريخ تبادل المذكرات او من تاريخ الايداع او بعد مرور فترة محددة بعد ذلك.
ويعني النفاذ في القانون الدولي بانه الالتزام النهائي بالمعاهدة بناء على قاعدة العقد شريعة المتعاقدين والوفاء باحكامها بحسن نية Bonne foi باعتبارها تعبيرا عن ارادة اطرافها عند ابرامها وبذلك تصبح المعاهدة جزءا من النظام القانوني الدولي (ordonnocement juridique ) كما تفيد المادة 26 من اتفاقية فينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 وما يفهم من احكام المادة 21 من قانون المعاهدات لسنة 1979 التي تخلط بين النفاذ والتنفيذ.
2-يتم نفاذ المعاهدة في القانون الوطني بدخول المعاهدة في النظام القانوني الداخلي للدول الاطراف فيها بحيث تكون جزءا منه وبحيث تكون احكامها ملزمة لاجهزة ومؤسسات الدولة المتعاقدة باعتبارها تصرفا قانونيا وطنيا كبقية القوانين والانظمة النافذة فيها وليس باعتبارها مجرد تصرف قانوني دولي مقطوع الصلة بالقانون الوطني وغير معني بها. ولكي يتم نفاذ المعاهدة في القانون الوطني ، فانه ينبغي ادخالها فيه اولا وذلك توطئه لتنفيذها من قبل اجهزته ثانيا .
اولا : نفاذ المعاهدة في القانون الوطني.
Mise en vigueur des traites en droit national
يعني نفاذ المعاهدة في القانون الوطني التزام الدولة المتعاقدة بالوفاء باحكامها فوق اراضيها ازاء الاشخاص و الاموال الموجودة عليها ، وهو التزام بتحقيق نتيجة (obligation de resultat )وليس التزاما ببذل عناية (due diligence ). لان نفاذ المعاهدة في القانون الدولي هو مقدمة لتنفيذها في القانون الوطني ، والا فلا جدوى من ابرام المعاهدة اصلا ، بل ان نفاذ المعاهدة في القانون الوطني قائم اضافة الى نفاذها في القانون الدولي على اساس المعاملة بالمثل حسب تعبير المادة 55 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 باعتبارها شرطا لتنفيذ المعاهدة في القانون الوطني، فنفاذ المعاهدة في القانون الوطني لاحد اطرافها شرط لنفاذها في القانون الوطني للطرف الاخر ، وحيث ان العلاقات الدولية قائمة اصلا على تبادل المصالح فان الوفاء بها من احد اطرافها شرط للوفاء بها من الطرف الاخر ، والا فان الدول تمتنع عن الوفاء في حالة ان لم يتم ذلك من قبل نظرائها في المعاهدات ، وهو ما يطلق عليه بعدم التنفيذ في القانون المدني كشرط فاسخ للعقد حسب المادة 282/1 مدني عراقي م/1184 مدني فرنسي exception non adimpleti contractors وبالتدابير المضادة في القانون الدولي contre-mesures .
(زهير الحسني. التدابير المضادة في القانون الدولي. منشورات جامعة قار يونس 1988
ص 20)
واذا ما ترتب ضرر عن عدم الوفاء فان ذلك من شانه اثارة المسؤولية الدولية عن الفعل الضار المخالف للقانون الدولي. واكدت محكمة العدل الدولية في فتواها في قضية نامبييا المبدا لقانوني العام القاضي بوجود الحق في انهاء المعاهدة نتيجة انتهاكها باعتباره حقا مفترضا في جميع المعاهدات (CIJ.Rec. 21/6/1971 p.47 et.ss ). ومع هذا فان بعض الانظمة القانونية التكاملية ترفض العمل بمبدا المعاملة بالمثل في الالتزام بالمعاهدات منها معاهدة روما لسنة 1957 حيث ان عدم الوفاء باحكامها لا يبرر لاية دولة طرف في الجماعة الاوربية وقف العمل بها. ففي القضية المرقمة 7171 في 14/12/1971 بين اللجنة ضد فرنسا، اشارت محكمة عدل الجماعة الاوربية الى خصائص النظام القانوني للجماعة المتميز عن القانون الدولي التقليدي ( Rec.1971/1003 cancl.k .roemer ).علما بان هذا المبدا لايسري ايضا خصوصا في قضايا الحماية الدولية لحقوق الانسان والقاعدة الامرة في القانون الدولي العام. وعلى الاجمال فان استقبال المعاهدة النافذة في القانون الدولي لتكون نافذة في القانون الداخلي انما يكون باحدى طريقتين:
1- الاستقبال القانوني في النظام المزدوج dualist. ومفاده ان القانونين الدولي والوطني قانونان منفصلان احدهما عن الاخر وانه يقتضي اتخاذ اجراء قانوني لادخال المعاهدة في القانون الوطني ، ويسمى هذا الاجراء بالاستقبال recevabilite حيث يكون قانون التصديق والانضمام وما يتبعه من تبادل الوثائق او ايداعها ونشر المعاهدة اجراءا اضافيا للمعاهدة في هذا الصدد في نظامين هما:
أ- النظام الانكلو – سكسون ، وبموجبه يتم تنفيذ المعاهدة باصدار قانون يتضمن نص المعاهدة الذي بموجبه يقوم رئيس الدولة بالتصديق عليها ، وهذا يعني ان المعاهدة تدخل حيز النفاذ في القانون الوطني قبل نفاذها في القانون الدولي حيث تدخل المعاهدة القانون الوطني اولا بواسطة القانون التي تصدر بها ثم تدخل حيز النفاذ عند التصديق عليها بناء على ذلك القانون. وبدون ذلك لا يمكن الاحتجاج بالمعاهدة امام المحاكم الوطنية ، ويعتبر هذا النظام اكثر فائدة من الناحية العملية لان المعاهدة تصبح بالقانون الذي صدرت به قانونا وطنيا شانها شأن اي قانون اخر يمكن الاحتجاج به مباشرة امام المحاكم الوطنية والاجهزة الادارية .
ب-النظام اللاتيني ، تقضي المادة 55 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 بان المعاهدة تعتبر من تاريخ نشرها سلطة فوق سلطة القوانين العادية. وتأكد ذلك بالمرسوم الصادرفي سنة 1986. وبذلك الغى القانون الدستوري الفرنسي النظام الموحد moniste الذي كان عليه دستور 1946. ويسير دستور هولندة المعدل سنة 1956 على النهج ذاته مع سائر دساتير دول الفرنكوفون. وتنص المادة 95 من الدستور الهولندي على ان نشر المعاهدة يتم تنظيمه بقانون. وتخلط المادة 24 من اتفاقية فينا لسنة 1969 بين النفاذ والتنفيذ ولا تمييز بينها حيث تقضي فقرتها الاولى بدخول المعاهدة حيز النفاذ entrée en vigueur في التاريخ والطريقة المحددة بها وفقا لاتفاق الدول المتفاوضة ولا تشير الى كيفية تنفيذ المعاهدة بادخالها في النظام القانوني للدول الاطراف فيها. اما قانون المعاهدات لسنة 1979 ، فانه يخصص اكثر من مادة لنفاذ المعاهدة في القانون الدولي دون الاشارة الى طريقة تنفيذها بادخالها في القانون العراقي ، فالمادة 15 تشير الى النفاذ بالالتزام بالمعاهدة بالتوقيع او التصديق او الانضمام و المادة 18 الى النفاذ بالارتضاء بالالتزام في تبادل المذكرات و المادة 20 الى النفاذ بالالتزام النهائي بالانضمام و المادة 21 الى النفاذ بالدخول حيز التنفيذ بالتوقيع او تبادل وثائق التصديق في المعاهدات الثنائية او التصديق والانضمام في المعاهدات متعددة الاطراف .
اما دستور 2005 فلا يشير لا في المادة 61/رابعا ولا في المادة 80/سادساالى كيفية نفاذ المعاهدة ولا طريقة تنفيذها في القانون العراقي .
اما من الناحية العملية فان المعاهدات الثنائية او متعددة الاطراف التي يبرمها العراق تدخل حيز النفاذ في القانون الدولي بصدور قانون التصديق او الانضمام بعد نشره في الجريدة الرسمية. وهذا يعني ان النفاذ في القانون العراقي لا يتم الا من تاريخ النشر استنادا الى الاحكام الختامية في المعاهدة التي تبين تاريخ النفاذ في القانون الدولي بتبادل المذكرات بالتصديق او الانضمام في المعاهدة الثنائية وبالايداع في المعاهدات متعددة الاطراف .وفي الغالب الاعم وما يجري عليه التعامل لدى كثير من الدول هو صدور قانون التصديق او الانضمام ونشره في الجريدة الرسمية بدون نص المعاهدة الامر الذي يثير المشاكل الاتية :-
الاولى – مدى الاحتجاج بالمعاهدة امام الخواص والاجهزة التنفيذية داخل العراق دون معرفة محتويات المعاهدة.
الثانية: مدى الاحتجاج بالمعاهدة امام المحاكم العراقية لتنفيذ احكامها ازاء الخواص والاجهزة التنفيذية للدولة .
الثالثة: مدى الاحتجاج بالمعاهدة امام القانون الذي يتعارض مع المعاهدة وبالعكس وهل يقتضي تنفيذ هذه المعاهدة تعديل القانون الذي يتعارض معها.
رابعا: هل تستطيع المحاكم العراقية تنفيذ المعاهدة بمجرد نشرها ام تحتاج الى قانون اخر الى جانب قانون التصديق او الانضمام خاصة في حالة ترتيب التزامات مالية على العراق او واجبات على الخواص.
ومهما يكن من الامر فان النظام المزدوج ذاته لا يعني الانفصال او القطيعة بين القانونين الوطني والدولي. فطالما يحيل احدهما على الاخر. ففي قضايا الاختصاصات الشخصية للدولة كشؤون الجنسية والاهلية و في ابرام المعاهدات وتحديد المجالات البحرية الخاضعة لسيادة الدولة يحيل القانون الدولي على القانون الوطني. اما في مجالات التعاون الدولي لحفظ السلم والامن الدوليين والعلاقات الدبلوماسية والقنصلية ونفاذ المعاهدات فيحيل القانون الوطني على القانون الدولي .
2-الاستقبال المادي في النظام الموحد monisme ، ومفاده ان القانونين الدولي و الوطني قانونان متداخلان بحيث يكون القانون الدولي هو القانون الذي يعلو على القانون الوطني بشكل تلقائي دون الحاجة الى ادخاله فيه بواسطة تصرف قانوني يضاف الى المعاهدة كما يعمل النظام المزدوج. ولكن واقع التعامل الدستوري هو ان قانون التصديق او الانضمام وتبادل الوثائق او ايداعها يعتبران اجراء قانونيا لادخال المعاهدة في القانون الوطني كما هو الحال في النظام المزدوج، وهو ما عليه التعامل الدولي. بينما يكون نشر المعاهدة في الجريدة الرسمية بمثابة اجراء مادي لكي تدخل المعاهدة في النظام الوطني. ويعتبر الدستور الفرنسي لسنة 1946 من الدساتير القليلة التي تاخذ بالنظام الموحد. ومع هذا فان النشر ضروري لادخال المعاهدة في القانون الوطني سواء اكان ذلك في النظام المزدوج او النظام الموحد.
وسواء اخذت الدساتير بالنظام المزدوج او النظام الموحد وبغض النظر عن المواقف النظرية، فان الكثير من الدول تعمل على ادخال المعاهدة في القانون الوطني عن طريق الاستقبال بواسطة اعلان المعاهدة promulgation كما في القانون الدستوري الفرنسي يصدر عن رئيس الجمهورية في مرسوم decret ينص على ان المعاهدة تتمتع بجميع وكامل الاثر وهذا استقبال قانوني لا مادي. ولذا فمن الصعب القول بان الدستور الفرنسي لسنة 1958 ياخذ بالمذهب الموحد وهو يستقبل المعاهدة في القانون الفرنسي بواسطة الاعلان عنها، بينما ترى محكمة عدل المجموعة الاوربية بان معاهدة انشاء الجماعة الاوربية وهي معاهدة روما لسنة 1957، قد انشات نظاما خاصا متكاملا مع القانون الوطني للدول الاعضاء بموجب المادة 189منها.
7 CJCE .aff. 26/62/5-2-1962 Van Gend en loos. Rec. P.3. 6/64/15-1964 CJCE.aff.
اما القانون الدولي الاتفاقي فانه يؤكد احيانا على ضرورة ادخال المعاهدة في القانون الداخلي كالمادة7/1 من اتفاقية باريس بشان تحريم انتاج وخزن الاسلحة الكيمياوية في 13/1/1993 والمادة 4 من اتفاقية الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 17/6/1994 حول السلامة النووية. كما ان المادة 19 من دستور منظمة العمل الدولية بالرغم من اشتراطها عرض مشروع المعاهدات التي تبرمها الدول الاعضاء على اجهزتها المختصة لديها الا انها تركت لهذه الدول تحديد طريقة دخولها في قانونها الداخلي سواء بالاجراءات التشريعية او الادارية خلال فترة تتراوح بين 12-18 شهرا. مما يعني ان اتفاقيات العمل الدولية ليست تلقائية التنفيذ وان تمت الموافقة عليها من قبل المؤتمرات الدبلوماسية التي تعقدها المنظمة. الا ان محكمة عدل الجماعة الاوربية في لوكسمبورغ تعتبر القانون الاوربي قانونا مستقلا عن التشريعات الداخلية وتفتراض نفاذ الاحكام الاتفاقية الدولية presomption بشكل مباشر في القانون الوطني للدول الاعضاء استنادا الى المادة 189 من معاهدة روما لسنة 1957 ولاحقا الى المادة 249 في معاهدتي ماستريخت في 7/2/1992 وامستـرام في 2/10/ 1997 كما جاء في قضية (75/65.A.Lutticike. rec.1966p.294) ، شانها شان تعليمات مجلس وزراء الاتحاد واللجنة الوزارية فـــــــــــــــــــــــي قضية (9/70du 6/10/1970 Franz Gard Rec .1970p.825).كما ان مجلس الدولة الفرنسي غير قضاءه باتجاه قبول نفاذ النصوص الاتفاقية والتعليمات الاوربية في القانون الفرنسي بشكل مباشر حتى انه الغى قرارا مخالفا للتعليمات الاوربية غير الداخلة في القانون الداخلي الفرنسي في قضية (CE.Ass.6/2/1998 ,Tetc AJDA1998p.458 ).وهكذاتشكل تنظيمات الاتحاد الاوربي استثناءا من المبادى العامة في القانون الدولي لنفاذ المعاهدات التي تقضي بالاستقبال بواسطة تصرف قانوني يضاف الى المعاهدة. وتكتفي الدول الاعضاء بالاثر المباشر لمعاهدات الاتحاد الاوربي بمجرد نشرها في الجريدة الرسمية للاتحاد استنادا الى المادتين 849 و 254 من معاهدة الاتحاد.
ثانيا: تنفيذ المعاهدات في القانون الوطني
application des traites en droit national
يعني تنفيذ المعاهدة بعد ادخالها في النظام الوطني اتخاذ الاجراءات التشريعية او الادارية او القضائية للوفاء باحكام المعاهدة كتخصيص اعتمادات في الموازنة العامة للالتزامات المالية المترتبة بناء على المعاهدة او ادخال تعديلات في التشريع الوطني او الانظمة سارية المفعول كالتي تشترطها المادة 19 من دستور منظمة العمل الدولية وكما تصرح به محكمة العدل الدولية الدائمة في فتواها في قضية تبادل السكان الاتراك واليونانيين في سنة 1925حيث جاء فيها بانه من تحصيل الحاصل فان الدولة التي تبرم التزامات دولية بشكل صحيح ملزمة باجراء تعديلات ضرورية على تشريعها لضمان تنفيذ الالتزامات المبرمة من قبلها
(CPJI .avis21/2/1925.Serie B no.10 p.20 ).
وتتميز سلطات الدولة بخصيصتين هما عدم خضوع اجهزة الدولة لسلطات دولة اخرى من جهة وافتراض صحة تصرفات هذه الاجهزة من الناحية القانونية الدولية من جهة اخرى . فالخصيصة الاولى هي من خصائص السيادة والاستقلال السياسي حسب المادة 2/2 من ميثاق الامم المتحدة بشأن المساواة في السيادة بين الدول الاعضاء في هذه المنظمة واعلان العلاقات الودية بين الدول رقم (2625 في 197/10/24). اما الخصيصة الثانية فناشئة عن الحصانة القانونية للدولة وتصرفاتها القانونية واختصاصاتها الوطنية الحصرية بموجب المادة 2/7 من ميثاق الامم المتحدة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وفقا لمبدأ عام ثابت قائم على ان سوء النية لا يفترض في تصرفات الدولة ،كما جاء في حكم محكمة التحكيم في قضية بحيرةLanoux بين فرنسا واسبانيا في 16/1/1958(RSA.Vo/1/12.p.305) . ويتم تنفيذ المعاهدة من قبل اجهزة الدولة المعنية ،اذ تعتبر الدولة مسؤولة عن تنفيذ المعاهدة من قبل اجهزتها الادارية باعتبارها اجهزة حكومية يمر عن طريقها تنفيذ القوانين والمعاهدات التي دخلت حيز النفاذ في القانون الوطني طبقا للاجراءات الدستورية المرعية ، ولايمكن التمييز بين هذه الاجهزة فيما اذا كانت في الدول البسيطة او الدول الفدرالية لان الدولة تملك سيادة واحدة تتعامل في علاقاتها الدولية على انها كيان دولي واحد ، ذلك لان السيادة الاقليمية هي المعيار الذي تقوم به الدولة كشخص من اشخاص القانون الدولي كما جاء في حكم محكمة العدل الدولية الدائمة في قضية الباخرة ومبلدون انفة الذكر.وان هذه السيادة الاقليمية تقوم اساسا على الاختصاصات الاقليمية التي هي المصدر القانوني لتلك السيادة لانها هي الكيان القانوني الخاضع للقانون الدولي بشكل مباشر والذي يتمتع بالحقوق والالتزامات بموجب هذا القانون حسب فتوى محكمة العدل الدولية في قضية التعويضات عن الاضرار التي تصيب موظفي الامم المتحدة(CIJ . Rec .1949/4/11 p.178 ) وحتى في اطار الاتحاد الاوربي فان المادة 88/1 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 المعدل تقضي بان الجماعة الاوربية والاتحاد الاوربي مكونان من دول اختارت بشكل حرّ وبموجب المعاهدات انشاءها لممارسة اختصاصاتها بشكل مشترك مما لا يتعارض مع سيادتهاحسب قرار المحكمة الدستورية الالمانية في قضية H.J.Hahn 12/10/1993 والمجلس الدستوري الفرنسي في 9-4-1992 بشأن معاهدة ماستريخت( *C.C. Maastricht RDP.1992 p.589 ) وبهذا الشكل فان الاتحاد الاوربي لا يتعدى كونه نظاما قريبا من النظام الكونفدرالي وليس الفدرالي ،ذلك لان الدولة الاتحادية الفدرالية الناشئة عن اتحاد عدة دول في دولة واحدة كالولايات المتحدة او عن دولة بسيطة الى دولة فدرالية لا تتمتع الا بسيادة واحدة ولها شخصية دولية واحدةبحيث ان رئيس الدولة هو الذي يمثلها في علاقاتها الدولية ويملك الصلاحية الاصلية لابرام المعاهدات ابتداءا وان وزارة الخارجية تعتبر جهازا من اجهزة الدولة الواحدة في تنفيذ السياسة الخارجية وان هناك مسؤولية مباشرة واحدة ازاء القانون الدولي.
وتتمتع بعض الولايات الاتحادية بصلاحيات خاصة في ابرام معاهدات ذات طبيعة فنية لا سياسية شرط موافقة السلطات الاتحادية وذلك في المانيا والولايات المتحدة الامريكية وسويسرا وكندا ، وتقوم هذه الصلاحيات بموجب القانون الدستوري للدولة الفدرالية وليس بموجب القانون الدولي لان هذه الولايات لا تتمتع بشخصية قانونية دولية ولا تخضع للقانون الدولي بموجب مبدأ المباشرية immediatete (Nguyen Quac Dinh Droit international public . 7ed. LGDJ 2002 p.427)
وفي العراق تختص السلطات الاتحادية في دستور 2005 برسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقات الدولية وسياسة الاقتراض والتوقيع عليها وابرامها ورسم السياسة الاقتصادية والتجارة الخارجية السيادية حسب المادة 110 من الدستور وليس للسلطات الاقليمية اي اختصاص سيادي خارجي بما في ذلك التفاوض وابرام المعاهدات الدولية.
-اما المنظمات الدولية وبعض الكيانات السياسية الدولية كحركات التحرير الوطني المعترف بها من قبل الامم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الافريقي ، فانها لا تملك اختصاصات دولية سيادية قائمة على اساس السيادة الاقليمية وانما على اساس اختصاصات وظيفية غائية محددة بموجب النظام الاساسي لتلك المنظمات او المعاهدات التي انشاتها او بموجب الاعتراف بحركات التحرير الوطني كل حالة على حدة .
ويتم تنفيذ الالتزامات الدولية القائمة في المعاهدات التي تبرمها الدولة عبر السلطات العامة للدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية فيما ياتي:-
1-اعمال السلطة التشريعية ، تقضي بعض المعاهدات التزام الدولة الطرف باجراء تعديل في تشريعها الوطني لتنفيذ تلك الالتزامات ولا يمكن للدولة الاحتجاج بان سلطتها التشريعية سلطة مستقلة غير تابعة للسلطة التنفيذية كذريعة لعدم سن التشريعات المطلوبة في المعاهدة ، ففي قضية Alabama بين انكلترة والولايات المتحدة في 14/9/1872 رفضت محكمة التحكيم الاخذ بنظر الاعتبار النقص الموجود في التشريعات الانكليزية لاعفاء انكلترة من مسؤوليتها الدولية الناجمة عن عدم وجود مانع تشريعي انكليزي يمنع الثوار الامريكان من صيانة الباخرة الالباما في المواني الانكليزية في الوقت الذي تعلن فيه انكلترة حيادها في حرب الانفصال الامريكية (RSA.t.II.p.889) . ويتعين على السلطة التشريعية عدم سن قوانين تعارض الالتزامات الدولية للدولة الطرف في المعاهدة . ففي قضية بعض المصالح الالمانية في سيليزليا العليا بين المانيا وبولندة في 10/9/1923 افتت محكمة العدل الدولية الدائمة بان تشريعا بولنديا يلغي الحقوق المكتسبة للرعايا الالمان يتعارض مع احكام معاهدة فرساي لسنة 1919 بشأن حماية حقوق الاقليات ومن شأنه ان يثير المسؤولية الدولية لبولندة (CPJI. Serie B. no6 p.19-20) كما ان تشريعا بتاميم مصالح اجنبية او نزع ملكيتها للمنفعة العامة بالرغم من انه تشريع صحيح الا ان عدم النص فيه على التعويض يعتبر مخالفا للقانون الدولي ويثير المسؤولية الدولية كما جاء في قضية (Amateures norvigiens ) في 13/10/1922 (RSA.vo.I. p.307 ) وقرار المركز الدولي لحل نزعات الاستثمار في قضية (****leclad corp.c. Mexique ) في 30/8/2000 (ILM. 2001 p.36 ).
2-اعمال السلطة التنفيذية. وتتجلى اعمال السلطة التنفيذية المطلوبة وفق احكام المعاهدات المرتبطة بها الدولة بالانتهاكات التي يرتكبها موظفو الدولة واجهزتها التنفيذية التي تضر بالحقوق المقررة للاجانب بناء على معاهدات الاقامة (Traites d`etablissments ) او اتفاقات حماية وتشجيع الاستثمار TBI من جهة او بسبب اعمال القمع التي تقوم بها السلطات الامنية من جهة اخرى خاصة فيما يتعلق بحماية حقوق الانسان المكفولة في العهدين الدوليين لحماية حقوق الانسان المدنية والسياسية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية الموقع عليهما في نيويورك في 19/12/1966 وفي الاتفاقية الاوربية لحقوق الانسان الموقع عليها في روما في 14/11/1950 واتفاقية نيويورك لمناهضة التعذيب الموقع عليها في 10-12-1984 واتفاقية نيويورك لمكافحة اخذ الرهائن الموقع عليها في 2/12/1979 واتفاقيات جنيف الاربع لحماية ضحايا المنازعات المسلحة الموقع عليها في 12/8/1949 وغيرها كثير وذلك فيما ياتي:-
أ-حماية الحقوق المكتسبة للاجانب في معاهدات الاقامة والاستثمار. تعتبر العقود الاقتصادية الدولية التي يبرمها الاجانب مع الدولة كعقود الامتيازسابقا ، عقودا دولية لاحتوائها على عنصر اجنبي ولكنها تخضع للقانون الوطني حسب قواعد تنازع القوانين. الا ان احتواءها على شرط التحكيم التجاري الدولي يخرجها من اختصاص القضاء الوطني فيما يتعلق بحل النزاعات الناجمةعن تفسير وتنفيذ هذه العقود ولكنها تبقى خاضعة للقانون الوطني من حيث الموضوع ،
(زهير الحسني. مصادر القانون الدولي العام. منشورات جامعة قار يونس 1993 ص 140 وما بعدها) و حسبما جاء في حكم محكمة العدل الدولية الدائمة في قضية الديون الصربية في 12/7/1929، لان العقد الدولي ليس معاهدة ويخضع للقانون الداخلي ،وان الدولة صاحبة السيادة لا يمكن افتراض اخضاع اصل دينها وصحة تعداتها لغير قانونها الوطني (CPJI Serie A. no 20-21 p.4et121) .ولكن الاضرار الناجمة عن انهاء هذه العقود بالتاميم اوغيره او تعديلها بشكل يضر ضررا جسيما بالاجانب ودون تعويض من شأنه ان يشكل انتهاكا للقانون الدولي الذي يقضي بالتعويض في حالة نزع الملكية وليس بسبب قرار نزع الملكية للمنفعة العامة الذي هو تصرف من تصرفات السيادةAct of State . ففي قضية
(Compania del Desarrollo de santa Elena c. Costa Rica )
امام المركز الدولي لحل نزاعات الاستثمار CIRDI جاء في قرار التحكيم بانه في الوقت الذي يمكن تشبيه نزع الملكية او الاستيلاء عليها لاسباب بيئية بنزع الملكية للمنفعة العامة واعتباره بذلك مشروعا legitime ، فان الاموال التي تم الاستيلاء عليها لهذا الغرض لا تؤثر لا على طبيعة ولا على اهمية التعويض المطلوب (CIRDI. aff. no.ARB/96/1du 17/2/2000 ).
ب-تدابير القمع والانضباط . قد تؤدي التدابير التي تتخذها السلطات الامنية الى اضرار تصيب الاجانب الذين يتمتعون بحماية القانون الوطني بموجب المعاهدات الدولية انفة الذكر او الى سوء معاملتهم كما جاء في قضية (Chevreau ) بين فرنسا وانكلترة في 9/6/1931، حيث قررت محكمة التحكيم الدائمة الحكم بالتعويض المعنوي عن الاضرار التي تعرض لها المدعي ( Chevreau )على يد السلطات الانكليزية (RSA.vol .II..p.1115-1143) . وقد يكون موقف الدولة السلبي ازاء التزاماتها مدعاة لانتهاك القانون الدولي الاتفاقي بما فيهاعدم اتخاذهاالتدابير اللازمة لمنع الاضرار بالاجانب كما جاء في حيثيات حكم محكمة العدل الدولية في قضية الرهائن الدبلوماسيين الامريكان في السفارة الامريكية في طهران لسنة 1980 ، حيث ادانت المحكمة ايران بمسؤوليتها عن امتناع السلطات الايرانية التام عن حماية مقر وافراد وارشيف البعثة الامريكية في طهران بموجب اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية 1961 ومعاهدة الصداقة الامريكية –الايرانية لسنة 1953 (CIJ .Rec 24/5/1980 para.63-75 ). اما تصرفات الافراد العاديين التي تسبب ضررا للاجانب من دون صلتها باجهزة الدولة التنفيذية فلا تشير المسؤولية الدولية من حيث المبدأ بالنظر لصعوبة نسبة هذه التصرفات الى الدولة ، ولكن عدم قيام هذه الاجهزة بحمايتها للاجانب وعدم منع تلك التصرفات من شأنه اثارة المسؤولية الدولية لعدم وفاء الدولة بالتزاماتها الدولية بواجب الحماية بالنظر لماتملكه الدولة من السيادة والسيطرة الفعلية على اراضيهاالتي تحول دون تدخل الدول الاخرى لحماية رعاياها عند تضررهم عن تصرفات الافراد العاديين كما جاء في حيثيات حكم محكمة العدل الدولية في قضية مضيق كورفو لسنة 1949 بين انكلترة والبانيا حيث ادانت المحكمة البانيا بسبب امتناعهاعن التنبيه عن وجود الغام في مياهها الاقليمية كما تقضي به اتفاقية لاهاي الرابعة لسنة 1907( CIJ. Rec.9/4/1949 p.18 ) .كما ادانت المحكمة ايران في قضية الرهائن الدبلوماسيين الامريكان في السفارة الايرانية في طهران عن مسؤوليتها عن احتلال السفارة الامريكية واحتجاز الدبلوماسيين فيها بالرغم من ان ذلك قد تم من قبل افراد الحرس الثوري انذاك وهم ليسوا من اجهزة الدولة وذلك بسبب عدم قيام السلطات الايرانية بواجب الحماية المطلوب بموجب القانون الدولي الاتفاقي CIJ. Rec .24/5/1980 para .62
3-اعمال السلطة القضائية : بالرغم من استغلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية وعدم تبعيتها لاجهزة الدولة التنفيذية العليا ، فان السلطة القضائية هي جهاز من اجهزة الدولة المسؤولة عن تنفيذ المعاهدات التي تبرمها اذا ما طلب اليها ذلك من قبل الافراد او من قبل السلطة التنفيذية . وتقوم مسؤولية القاضي الوطني في هذا المجال على مبدئين قانونيين احدهما هو واجب السلطة القضائية في تطبيق المعاهدات طبقا لالتزام الدولة بتنفيذها في القانون الوطني وثانيها واجب القاضي الوطني بقول القانون عندما يطلب ذلك منه باعتباران المعاهدة بدخولها القانون الوطني تصبح قانونا كبقية القوانين ولها قوة القانون حسب تعبير محكمة النقض الفرنسية في 8-5-1963 في قضية
(Cass.com. Pambrun bull.p.190 )
وعليه فان القاضي ملزم بموجب القانون الوطني والقانون الدولي باعطاء المعاهدات اثرها في القانون الوطني . ويمارس القاضي الوطني وظيفته القضائية كالاتي:
تفسير المعاهدة .اما التفسير فان القاضي طالما يتردد في القيام بهذه الوظيفة بالنظر لان نصوص المعاهدة تخص العلاقات الدولية والقاضي الدولي اكثر منها من اختصاص القاضي الوطني، حيث يجرى التعامل على قيام وزارة الخارجية بتفسير المعاهدات بل ان الغرفة الجنائية لمحكمة النقض الفرنسية رفضت للقاضي الفرنسي مثل الصلاحية
(Crim 9/5/1972 Gauthier –Lafon. bull1972p403)
الا ان الغرفة المدنية لمحكمة النقض غيرت من موقفها واعطت للقاضي الفرنسي تلقائيا صلاحية تفسير المعاهدات ودون الحاجة لطلب من سلطة غير قضائية .
(Banque africaine de development. Bull.10/12/1995p.327 )
ج-الرقابة على نفاذ المعاهدة في القانون الوطني. وبمقتضى ذلك يمكن للقاضي الوطني تدقيق ما اذا كانت الاجراءات الدستورية قد تم مراعاتها لغرض الالتزام النهائي بالمعاهدة وهذه هي حالة التصديق الناقص. وقد قرر مجلس الدولة الفرنسي في قرار الهيئة العامة في 18-12-1998 انه وطبقا للمادة 55 من الدستور فانه يمكن للقاضي الاداري الفرنسي مراقبة والتحقق من صحة الاجراءات التي رافقت التصديق او الانضمام او الموافقة او القبول للمعاهدة
(S.A.R.L. du parc d` activites de Blotzheim p. 494 )
ويمكن القول بان المادة 93/ اولا من الدستور العراقي لسنة 2005 تعطي للمحكمة الاتحادية صلاحية البت في صحة التصديق على المعاهدة من خلال ولايتها العامة على الرقابة على دستورية القوانين بما في ذلك مطابقة قانون التصديق للدستور من حيث وجوب موافقة مجلس النواب على التصديق على المعاهدة طبقا للمادة 61/رابعا.
د- تنفيذ المعاهدة التي تتعلق بحقوق الخواص. يملك الخواص من الافراد والشركات الحق في اللجوء الى القضاء لتطبيق القانون والمعاهدات الدولية باعتبارها تملك قوة القانون. ومن المفارقة في هذا المجال ان المواطن الذي لا يحصل على ادعائه امام القاضي الوطني لتطبيق المعاهدة التي تقر له بحقوق معينة، فانه لا يملك الا الطعن بقرار القاضي حتى يصل الحكم بحقه الدرجة القطعية . اما الاجانب فانهم يملكون حقا اضافيا يتمثل في اللجوء الى التحكيم التجاري الدولي بناء على شرط التحكيم في العقود الدولية او في معاهدات الاقامة اواتفاقيات حماية وتشجيع الاستثمار TBI اضافة الى حقهم في طلب الحماية الدبلوماسية من قبل حكوماتهم (protection diplomatique )، وذلك اذا ما ابدى القاضي الوطني تراخيا في قول القانون في حالة طلب الاجنبي انصافه عن ضرر حصل له بناء على تصرفات السلطة التنفيذية ازاء ه بعدم الوفاء بالالتزامات الدولية الناجمة عن القانون الدولي الاتفاقي. وتسمى حالة التراخي هذه عدم العدالة (denie de justice )وهي الحالة الناجمة عن عدم تمكين الاجنبي من اللجوء الى القضاء او عدم اداء القاضي وظيفته باحقاق العدالة بسبب انكار حق الدفاع او المحاباة ضد الاجنبي او عدم توفير الخدمات القضائية من محام وترجمة او التاخير في الاجراءات او الحكم غير العادل بشكل واضح كما جاء في تحكيم شركة ALENA.S.A في 1/11/1999
(Robert Azinian et as. c. Mexique . para 97-102)
هـ.-تنفيذ قرارات واحكام المحاكم الاجنبية وهيئات التحكيم التجاري الدولي. تختلف اجراءات تنفيذ الاحكام الاجنبية حسب النظام القانوني السائد في كل دولة على حدة. وفي الغالب تقام دعوى تنفيذ الحكم الاجنبي امام المحكمة المختصة لاصدار حكم بالتنفيذ او رفض التنفيذ كما في فرنسا والدول الاوربية وفي الولايات المتحدة الامريكية تقام الدعوى امام المحكمة المختصة بالادعاء بالحكم الاجنبي كدليل لاثبات الحق المدعى به .
وفي العراق تختص محكمة بداءة بغداد باصدار قرار تنفيذ الحكم الاجنبي استنادا الى المادة 2 من قانون تنفيذ الاحكام الاجنبية رقم 30 في 26/6/1928 وتصدر المحكمة قرار التنفيذ او ترفض الطلب وفقا للمادة 5 من هذا القانون. ومن شروط اصدار قرار التنفيذ ان تكون المحكمة الاجنبية التي اصدرت الحكم الاجنبي ذات اختصاص وان الحكم غير مخالف للنظام العام وان يكون الحكم هذا حائزا صفة التنفيذ في بلد صدور الحكم حسب المادة 6 من القانون. ويشترط هذا القانون صدور نظام خاص بتنفيذ الاحكام الصادرة في دول معنية بموجب المادة 11 وعلى اساس مبدا المعاملة بالمثل. وهذا يعني ان القاضي العراقي لا يصدر حكما بتنفيذ الحكم الاجنبي الا اذا كان حائزا حجية الشئ المحكوم به في بلد صدور الحكم. وتقضي المادة 3/ثانيا من قانون التنفيذ رقم 45 لسنة 1980 بسريانه على الاحكام الاجنبية العاملة لتنفيذ في العراق وفقا لقانون 30 لسنة 1928 انف الذكر مع مراعاة احكام الاتفاقية الدولية المعمول بها في العراق. وتجيز المادة 25 من القانون المدني العراقي في علاقة قانونية بين اثنين مختلفين في الموطن اختيار قانون اخر غير القانون العراقي. ومن هنا يمكن القول بان للعقود الدولية التي تبرم بين المؤسسات الرسمية العراقية ومستثمرين اجانب ان تشترط التحكيم التجاري الدولي وهو ما اجازه قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 124 لسنة 1990 لوزارة النقل لبناء سكة حديد مع شركة اجنبية، وذلك لحل النزاعات الناجمة عن تلك العقود استثناءا من القضاء العراقي وكما جاء كذلك في المادة 395 من القانون التجاري رقم 30 لسنة 1984 بشأن البيوع الدولية حيث يمكن لطرفي العقد ان يتفقا على احكام غير موجودة في هذا القانون و حسب متطلبات التعامل الدولي سواء ما يتعلق بالقانون الواجب التطبيق او المحكمة المختصة .
وطبقا للمادة 27/4/و 27/5 من قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 والاتفاقيات الدولية التي ارتبط بها العراق داخل وخارج اطار جامعة الدول العربية بما في ذلك الاتفاقية الموحدة لاستثمار الاموال العربية في الدول العربية الموقع عليها في عمان في 7-9-1981 واتفاقية الرياض للتعاون القضائي في 6/4/19983 فانه يجوز لمحكمة بداءة بغداد النظر في طلب تنفيذ حكم تحكيم صادر من هيئة تحكيم تجاري دولي بناءا على تلك الاتفاقيات متعددة الاطراف او اتفاقيات تشجيع وحماية الاستثمار الثنائية TBI التي يبرمها العراق مع الدول الاخرى.
(زهير الحسني. النظام القانوني للتحكيم التجاري الدولي لنزاعات الاستثمار ، مجلة التشريع والقضاء بغداد 2010 /2 ص 34 وما بعدها ) .








المحصلة

تعتبر المعاهدات الإداة القانونية الأساسية للتعبير عن الإرادة الوطنية في العلاقات الدولية والوسيلة السياسية لصراع الإرادات لحماية مصالحها الوطنية . وفي القانون الوطني الداخلي تعكس إجراءات الالتزام النهائي بالمعاهدات الصراعات السياسية بين الفئات السياسية والمصالح الاقتصادية وأثرها على حركة انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال وحمايتها عبر الحدود الإقليمية للدول .
ويصعب فوق هذه الأرضية المتحركة العمل بدقة بقواعد ثابتة كالتي دونت في اتفاقية فينا لقانون المعاهدات الموقع عليها في 1969/5/23 وان التعامل الدولي غير مستقر إزاءها بحيث احتاجت هذه الاتفاقية أحدى عشرة سنة لكي تدخل حيز النفاذ في 1980/1/27 بالرغم من استشهاد حيثيات أحكام المحاكم الدولية بها كما جاء في حكم محكمة العدل الدولية في قضية Projet Gabcicova-Nagymaros بين جيكا وهنغاريا في 1997 بالقول بان هذه الاتفاقية تعد بمثابة دليل للدول في قضايا المعاهدات باعتبارها تدوينا للعرف الدولي ’ بينما لا يشهد التعامل الدولي وجود عقيدة قانونية نافذة في مواجهة الجميع erga omnes في جميع أحكامها بما ذلك المادة 53 الخاصة بالقاعدة الأمرة. ومع هذا فان اتفاقية فينا لقانون المعاهدات قد نظمت أحكام التعارض بين القانون الدولي والقانون الوطني بما يتناغم والتعامل الدولي احيانا فيما يأتي:
اولاً : التعارض الناجم عن مخالفة القانون الوطني ( التصديق الناقص).بالرغم من ان هدف تدوين او تقنين قواعد القانون الدولي هو استقرار العلاقات الدولية بموجب ضوابط محددة توفيرا للأمن القانوني ، فان المادة 27 من الاتفاقية تجوز أمكانية طرف في معاهدة ان يحتج بقانونه الوطني كمبرر لإخفاقه في تنفيذها بموجب المادة 46 الخاصة بالتصديق الناقص الناجم عن عدم استيفاء الإجراءات الدستورية اللازمة للالتزام النهائي بالمعاهدة التي يصادق عليها رئيس الدولة دون استحصال موافقة السلطة التشريعية عليها. وذلك عندما تبدو عدم الموافقة هذه كواقعة واضحة بينة وان الطرف الذي يحتج بصحة هذه المعاهدة يتصرف بحسن النية إزاء هذه الواقعة ’ وهذه قضية وقائع تخضع لاختصاص قاضي الموضوع . وتبت المحكمة العليا او المجلس الدستوري او المحكمة الدستورية في شرعية اجراءات الالتزام النهائي بالمعاهدة بما في ذلك التصديق او الانضمام كما يمكن لطرفي النزاع احالته الى المحاكم الدولية حيث يحكم القاضي بصحة او بطلان المعاهدة من خلال ظروف كل قضية على حدة وليس وفق قاعدة نمطية .
ثانياً : التعارض الناجم عن مخالفة القانون الدولي . رغم ان المعاهدات تعبر عن السيادة الوطنية الا ان ممارسة هذه السيادة تتم من خلال قنوات ادارية وسياسية متعددة بحيث ان طريقة التعبير هذه لاتخضع لسياق واحد بل لسياقات مختلفة تؤدي الى ترتيب التزامات دولية قد تتعارض مع المصالح العليا للدولة ومنها تجاوز المخول بالتوقيع على المعاهدات الصلاحيات المخول بها بالتفاوض والتوقيع او خضوع الدولة لظروف سياسية واقتصادية ضاغطة تدفعها للقبول بالتزامات مرهقة لها او وجود تناقضات سياسية داخلية تنعكس على العلاقات الخارجية الى جانب قلة خبرة الجهاز المختص لادارة التفاوض والتوقيع وحتى التصديق .
ومن هنا تعترض طرق التعبير عن الرضا او عن الارادة عيوب تؤثر على نفاذ المعاهدات التي تنتابها هذه العيوب وتجعلها قابلة للبطلان النسبي او البطلان المطلق .
البطلان النسبي : وهو الحكم بموجبه على المعاهدة المقترنة بعيب من عيوب الرضا وهي الغلط الجوهري والتدليس والفساد. وقد نصت المادة 47 من اتفاقية فينا لسنة 1969 على القيود الخاصة بالتعبير عن رضا الدولة عندما تكون سلطة ممثل الدولة خاضعة لقيد معين فلا يجوز الاحتجاج باغفال مراعاة هذا القيد كسب لابطال ماعبر عنه من رضا الا اذا كانت الدولة المتفاوضة الاخرى قد اخطرت بالقيد قبل قيام الممثل بالتعبير عن هذا الرضا. فلا يكفي الدفع بالبطلان الا اذا ادركت الدولة المعنية ان ممثلها قد تجاوز صلاحياته عند التوقيع على المعاهدة و ابلغت بذلك الدولة الاخرى .
اما المادة 48 فتخص الغلط الذي تقع فيه ممثل الدولة حيث لايجوز للدولة ضحية الغلط في التعبير عن ارادتها الاحتجاج به اذا كانت الدولة المعنية قد اسهمت بسلوكها في الغلط او كانت الظروف قد جعلت هذه الدولة على علم باحتمال وقوعه. فلايكون الغلط سببا للبطلان النسبي الا اذا كان جوهريا ولم يكن بامكان الدولة تحاشيه. ولذلك رفضت محكمة العدل الدولية في قضية معبد برياه فيهار في 1961 بين تايلند وكمبوديا ’ دفع تايلند بالغلط في رضاها الناجم عن تحديد الحدود بناء على خرائط مزورة تم على اساسها هذا التحديد , وذلك بحجة انه كان على تايلند ان تعلم ان هذه الخرائط كانت مزورة وتدفع بذلك في الوقت المناسب، في حين انها تاخرت فترة طويلة قبل الدفع ببطلان هذا التحديد وانه كان بامكانها تحاشيه ولايمكن الدفع بعدم الخبرة الدبلوماسية (CIJ. Rec. 1961p.30 )،و كما جاء في قضية تحديد الحدود في قطاع اوزو بين ليبيا وتشاد.
ويصدق هذا في حالة التدليس الذي يمارسه ممثل دولة ضد ممثل دولة اخرى متفاوضة والافساد الذي يمكن ان تكون دولة المرتشي ضحية له . ويصعب على دولة ما ان تطعن بفساد ممثلها المتفاوض وانها وقعت ضحية هذا الفساد لانه يعكس مدى ضعف اجهزتها ويخدش كرامتها الوطنية .
ويتميز الاثر القانوني للبطلان النسبي بانه يسري باثر رجعي ويزيل الاثار القانونية للمعاهدة الباطلة ’ ولكن البطلان النسبي بطلان اختياري بحيث يمكن معالجة اسبابه وبالتالي عدم الحكم به كتصحيح الغلط الجوهري المسبب للبطلان .
البطلان المطلق : وهو الحكم على المعاهدة المقترنة بعيوب الادارة وهما الاكراه الموجه ضد ممثل الدولة ( م/ 51 ) او ضد الدولة ويلحق بها المعاهدة التي تنتهك قاعدة عامة امرة من قواعد القانون الدولي ( م/52و53 ) من اتفاقية فينا القانون المعاهدات لسنة 1969. بل ان الاكراه الذي تمارسه الدولة في علاقاتها الدولية سواء اكان ضد ممثل الدولة او ضد الدولة يشكل انتهاكا لقاعدة امرة وهي تحريم استخدام القوة المسلحة او التهديد بها خلافا لمنطوق المادة 2 / 4 من ميثاق الامم المتحدة .
فاما الاكراه ضد ممثل الدولة فهو يعدم الارادة اصلاً لانه يجرد الممثل القدرة على التعبير بما يحفظ مصالح بلده ’وهذا يعني ان انعدام الارادة كليا لا يرتب اي اثر قانوني على المعاهدة المبرمة اثر الاكراه المباشر على ممثل الدولة حسب منطوق المادة 51من اتفاقية فينا وهو الانعدام inexistence وليس البطلان nullite كما يعبر عنه الفقهاء .
واما الاكراه ضد الدولة ككيان سياسي فانه لايوجه ضد ممثلي هذه الدولة مباشرة لان هؤلاء الممثلين ليسوا في المواجهة ، مما يعطيهم هامشا للمناورة قبل يقرروا المضي في التوقيع على المعاهدة ثم التصديق عليها . ويمكن الحكم بالبطلان المطلق على هذه المعاهدة بشرط الايكون هذا الاكراه ناجما عن استخدام القوة او التهديد بها طبقاً لميثاق الامم المتحدة بما في ذلك استخدام القوة بموجب الدفاع الشرعي الانفرادي او الجماعي طبقا للمادة 51 من الميثاق او بموجب قرار لمجلس الامن في اطار الفصل السابع من الميثاق. وهذا يعني ان المعاهدة المبرمة في هذا الاطار صحيحة ونافذة ولا يحق للدولة التي ابرمتها ان تدفع بالبطلان المطلق بسبب هذا الاكراه .
ويوجد القليل من احكام المحاكم الدولية التي تعالج حالات البطلان بنوعيه النسبي والمطلق وخاصة في ظل احكام اتفاقية فينا لقانون المعاهدت لسنه 1969 . ولكن محكمة نورمورغ قد قضت في حكمها في 1946/10/1 ببطلان معاهدة الوصاية التي وقع عليها الرئيس الجيكي هاشا في برلين في 1939 عندما استضافه اودلف هتلر واجبره على القيام بذلك تحت تهديد قصف جيكوسلوفاكيا بالطائرات العسكرية الألمانية بالرغم من اعتراض كل من انكلترة وفرنسا على هذه المعاهدة . وفي 1973/6/19 وفي ضوء الانفتاح بين المعسكرين الغربي والشرقي بعد تبدد غيوم الحرب الباردة تم التوقيع على الاتفاق الألماني - الجيكي الذي اقر ببطلان اتفاق ميونخ الذي وقع عليه كل من ألمانيا وايطاليا وفرنسا وانكلترة في 1938/2/30 والذي أقر بضم إقليم السوديت الجيكي لالمانيا بالرغم من غياب جيكوسلوفاكيا عن هذا الاتفاق .
نفهم من كل ما تقدم ان العلاقة بين القانونين الدولي والوطني هي علاقة جدلية لاتسير باتجاه واحد بترجيح القانون الدولي على القانون الوطني مطلقا عند التعارض بينها وانما تسير باتجاهات متعددة بين ترجيح ورجحان احدهما على الاخر ’ لا على اساس نظري قائم على الوحدة او الازدواجية في هذه العلاقة , بل من منطلق التوازن بين المصالح الوطنية العليا للدول ومتطلبات تحقيق السلم والامن الدوليين ومقتضيات توافق التعامل الدولي مع القانونين الوطني و الدولي .




محتويات
توطئة
مطلب تمهيدي
اولا. المصدر القانوني للمعاهدات الدولية.
1.ابرام المعاهدات تعبير عن السيادة.
2. سمو المعاهدات على القانون الوطني.
ثانيا. التعارض بين المعاهدات والقانون الوطني.
تعديل الدستور.
بطلان المعاهدة.
المطلب الاول
سلطة ابرام المعاهدات
اولا. سلطة التوقيع على المعاهدات.
السلطة الدستورية.
2. السلطة الادارية.
ثانيا.سلطة الالتزام بالمعاهدات.
1.الاتفاقات التنفيذية.
2. المعاهدات الرسمية.
3.المعاهدات تلقائية التنفيذ.4
4.. النفاذ الموقت.
5.التصديق الناقص.
المطلب الثاني
نفاذ وتنفيذ المعاهدات الدولية في القانون الوطني
اولا. نفاذ المعاهدات في القانون الوطني.
1.الاستقبال القانوني في النظام المزدوج.
2.الاستقبال المادي في النظام الموحد.
ثانيا. تنفيذ المعاهدات في القانون الوطني.
1. اعمال السلطة التشريعية.
2. اعمال السلطة التنفيذية.
3. اعمال السلطة القضائية.
 

karim

Administrator
طاقم الإدارة
إنضم
14 يونيو 2009
المشاركات
3,311
مستوى التفاعل
112
النقاط
63
الإقامة
الجزائر
رد: نفاذ وتنفيذ المعاهدات الدولية

موضوع قيم

بارك الله فيك
 

المواضيع المتشابهة

أعلى