إنضم
11 مايو 2015
المشاركات
6
مستوى التفاعل
3
النقاط
3
الشروع في الجريمة
(إن النفس لأمارة بالسوء) هذه حقيقة قرآنية أوردها الحق جل وعلا على لسان امرأة العزيز في سورة يوسف عليه السلام من القرآن الكريم.
هذه النفس قد تحدث بالسيئ من الأعمال وما تضمره للآخرين، وقد يظل هذا الحديث طي الكتمان لا يفصح عنه علنا ولا يترجم إلى عمل ولهذا يكون بمنأى عن طائلة القانون، لأنه لا تجريم إلا على سلوك مادي يترجم حديث النفس إلى عمل فيغدو واقعا، يشكل تهديدا لأمن المجتمع، لتعديه على قيمة من قيمه التي حرص على صونها وحمايتها.
هذا السلوك المادي قد يكتمل ويحقق نتيجته التي هدف إليها وبذا تكتمل الجريمة وقد لا يكتمل ليس لأن الفاعل قد عدل عنه أو لم يرد إتمامه بل لسبب خارج إرادته. هنا تكون الجريمة ناقصة بتخلف نتيجتها. وهذه الجريمة على نقصها تشكل خطورة على أمن المجتمع وتهديدا لأمنه وأمانة لذلك يرتب عليها المشرع مسئولية جنائية ويوجب العقاب عليها.
تتناول هذه الدراسة أحكام الجريمة الناقصة (وفق اجتهاد الفقه) أو ما يسميه المشرع بالشروع في ارتكاب الجريمة (وفق النموذج التشريعي) تبين التعريف بالشروع وبيان أركانه وصوره في القوانين المقارنة ( وتشمل القانون المصري والإماراتي والسوداني ) والفقه الجنائي الإسلامي والقانوني.
تجيء الدراسة في فصلين، يطرح الأول تعريف بالشروع وأركانه ويتناول الثاني العقوبة المقررة عليه.
يشتمل الفصل الأول على مبحثين الأول تعريف الشروع فقها والثاني تعريف الشروع تشريعا مع إيراد نماذج تطبيقية للتعريف.
أما الفصل الثاني فبدوره يقع في مبحثين الأول منهما يبين القاعدة العامة في العقاب على الشروع والثاني الأحكام الخاصة بالعقوبة على الشروع وأيضا نماذج تطبيقية.


الفصل الأول
تعريف الشروع فقها وتشريعا
يتضمن هذا الفصل النموذج التشريعي للشروع في القوانين محل الدراسة والاجتهاد في شرحه بما ورد فيه من آراء فقهية إسلاميا وقانونيا واجتهادا قضائيا.
نحت التشريعات تقريبا منحى موحدا في تعريف الشروع من أنه تجاوز لمرحلة التحضير إلى البدء في التنفيذ، وقد تختلف الرؤيا من قانون إلى آخر نحو معيار التمييز بين ما يعد أو لا يعد بدءا في التنفيذ وفقا للمذهب الذي اعتنقه كل قانون وسيتضح ذلك من طرح النصوص القانونية. ونبدأ ذلك بالقانون المصري باعتباره الأقدم تشريعا والنموذج الأول المنحدر أصلا من القانون الفرنسي.
المبحث الأول
تعريف الشروع فقها
يكون الفاعل قد شرع في ارتكاب الجريمة عندما يكون قد بدأ تنفيذ تصوره للجريمة في مرحلة إعدادها متخطيا بذلك مرحلة التفكير والتدبير والتقرير بشأنها. فلم يعد الأمر مجرد فكرة تراوده بل سعى إلى إنزال ذلك إلى أرض الواقع ولم يعد له من مجال للتراجع عما انتواه وصمم عليه.
من هذه الرؤيا يتناول هذا المبحث الاجتهادات الفقهية لتعريف الشروع ويطرح أولا موقف الفقه الإسلامي منه ثم تلي نظرة الفقه القانوني.
معلوم من الفقه الجنائي الإسلامي بالضرورة أن الجرائم إما حدية أو قصاصية أو تعزيرية وأن العقوبة الحدية وعقوبة القصاص فمقررة ومقدرة نصا ولا شأن لولي الأمر في أيهما وله كل ذلك في التعزير.
تقوم نظرية الفقه الجنائي الإسلامي على كمال الجريمة أيا كانت الجريمة، وتكون العقوبة حدا أو قصاصا إذا ما اكتملت وتحققت شرائطها وإلا فلا. على ذلك فما ليس فيه حد أو كفارة ولا قصاص ففيه التعزير.
على ذلك نفهم عدم اهتمام فقهاء الشريعة الإسلامية بأمر الشروع في الجريمة، فمن ناحية قد انصب اهتمامهم على جرائم الحدود والقصاص ومن ثانية لأن كل فعل يقع معصية معاقب عليه تعزيرا باعتباره جريمة تامة وإن كان يشكل مع غيره جريمة حدية إذا اكتملت فيعاقب عليها بحد إن ثبت ولا يؤخذ بالجزء، لكنه على حدة بشكل جريمة تعزيرية ويعاقب عليها بالتعزير.
فإذا دخل السارق المنزل وجمع المال لسرقته وقد أخرجه من حرزه وكان متقوما بالغ النصاب فقد اكتملت جريمته سرقة حدية. أما إن ضبط قبل إخراجه المال فلا جريمة حدية ولكن فعله شكل معصية يعاقب عليها تعزيرا جريمة كاملة لا شروعا بفهم القوانين الوضعية على ما سيرد.
وإن صوب الجاني سلاحه الناري على المجني عليه ولم يصبه فإنه يعاقب لأنه ارتكب فعلا معاقبا عليه تعزيرا. أما إن أصابه بجرح وشفي فيعاقب بالعقوبة الخاصة للجرح جريمة تامة لا شروعا في القتل.
نخلص من ذلك إلى أنه لم يعرف الفقه الإسلامي الشروع في ارتكاب الجريمة لا لقصور فيه لكن لأن نظريته لم تحوجه لذلك.
أما في فقه القانون والتشريع الوضعي فقد قيل أنه (يراد بالشروع في الجريمة ذلك السلوك الذي يهدف به صاحبه إلى ارتكاب جريمة معينة كانت لتقع بالفعل لولا تدخل عامل خارج عن إرادة الفاعل حال في اللحظة الأخيرة دون وقوعها.)
وقيل عن ماهية الشروع أنه ( جريمة ناقصة ويعني ذلك أنه قد تخلفت بعض عناصرها أما إذا توافرت هذه العناصر جميعا فالجريمة تامة ولا محل للبحث في الشروع.)
وقيل عن معناه ( أن الجاني دخل في نطاق التنفيذ المادي لجريمة عمدية ولكن لأسباب خارجة عن إرادته لم يستطع تحقيق النتيجة التي كان يستهدفها من وراء هذه الجريمة..)
وقيل عن تجريم الشروع أنه نوع من الخروج على القواعد العامة وأنه توسع في المسئولية الجنائية ذلك لأنه بمقتضى القواعد العامة يتطلب المشرع توافر عناصر الجريمة، وهذا يعني إن تخلف أحدها فلا مسئولية، في ذات الوقت يفترض في الشروع تخلف النتيجة وهي أحد عناصر الجريمة و مقتضى ذلك عدم توقيع عقوبة فإن نص المشرع صراحة على توقيع العقوبة كان الخروج على القواعد العامة والتوسع في المسئولية الجنائية.
وصنفت جريمة الشروع أنها من جرائم الخطر ذلك لأن الضرر لم يقع لكن سواء خطورة الفعل أو الفاعل تشكل خطرا على المجتمع.

المبحث الثاني
تعريف الشروع تشريعا
نصت القوانين المختلفة على تعريف للشروع فعرفه المشرع المصري في المادة 45 بأن:
(الشروع هو البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها.
ولا يعتبر شروعا في الجناية أو الجنحة مجرد العزم على ارتكابها ولا الأعمال التحضيرية لذلك)
وعرفه المشرع الإماراتي في المادة 34 من قانون العقوبات الاتحادي بأن:
(الشروع هو البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جريمة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الجاني فيها
ويعد بدءا في التنفيذ ارتكاب فعل يعتبر في ذاته جزءا من الأجزاء المكونة للركن المادي للجريمة أو يؤدي إليه حالا ومباشرة
ولا يعد شروعا في الجريمة مجرد العزم على ارتكابها ولا الأعمال التحضيرية لها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.)
وعرفه المشرع السوداني في المادة 19 من القانون الجنائي 1991 بأن:
( الشروع هو إتيان فعل يدل دلالة ظاهرة على قصد ارتكاب جريمة إذا لم تتم الجريمة بسبب خارج عن إرادة الفاعل).
يلاحظ مما سبق أن المشرعان المصري والإماراتي يتفقان في تسمية الشروع بأنه بدء في تنفيذ فعل (من حيث ركنه المادي) ومن حيث ركنه المعنوي يقصره المشرع المصري على قصد ارتكاب جناية أو جنحة بينما يجعله المشرع الإماراتي مطلق جريمة ونظريا هذا يدخل المخالفة إطار الشروع. وبذات الإطلاق يأخذ المشرع السوداني
من واقع التعريف التشريعي المار ذكره يتضح أنه لا خلاف بين هذه القوانين من حيث أركان الشروع أو عناصره فجميعها تنص على البدء في التنفيذ وقصد ارتكاب الجريمة وعدم تمامها لسبب لا يرجع إلى إرادة الفاعل.
على ذلك وفقا للقانونين المصري والإماراتي ينتج عن الشروع إما جريمة موقوفة أو خائبة وهذا لا يختلف محصلة في القانون السوداني. فالجريمة التي كان الفاعل قد خطط لها أو رسمها في مخيلته وسعى لتنفيذها لم تتم إما لأنه تم ضبطه قبل ذلك فأوقف نشاطه أو أنه استنفذ نشاطه كله دون أن يحقق ما هدف إليه فخاب فأله وارتد إليه أمله خاسرا. وجميعها انتهى إلى جريمة ناقصة يعاقب عليها بالعقوبة المقررة للشروع. وهي في كل الأحوال تقل عن عقوبة الجريمة الكاملة التي شرع في ارتكابها.
في المادتين 46 من قانون العقوبات المصري و35 من قانون العقوبات الإماراتي إذا كانت عقوبة الجريمة التامة هي الإعدام فعقوبة الشروع فيها بالأشغال الشاقة المؤبدة وإن كانت العقوبة بالأشغال الشاقة المؤبدة فعقوبة الشروع الأشغال الشاقة المؤقتة وإن كانت العقوبة هي الأشغال الشاقة المؤقتة فعقوبة الشروع هي الأشغال الشاقة المؤقتة لنصف الحد الأقصى المقرر للجريمة التامة أو السجن أما إذا كانت عقوبة الجريمة التامة السجن فنصف العقوبة المقررة للجريمة التامة أو الحبس.
أما المشرع السوداني فقد جعل القاعدة العامة هي نصف العقوبة المقررة للجريمة التامة ما لم تكن إعدام أو قطع فجعل عقوبة الشروع السجن مدة لا تجاوز سبع سنوات ويضع صورة أخرى هي حالة أن يشكل فعل الشروع جريمة كاملة فيعاقب عليها بعقوبة الجريمة الكاملة المكونة من فعل الشروع.
على ذلك فإن ما يرد بعد من أحكام الشروع لا يحتاج إلى تفصيل في القوانين المقارنة بل وحدة النظرية تجعل القواعد متطابقة ونعرض لبعض التفاصيل عند ورود الاختلاف في موضعه بحول الله.
نبدأ ببيان أركان الشروع وكما تقدم هي ثلاثة أركان الركن الأول هو البدء في التنفيذ والثاني قصد ارتكاب جريمة والثالث تخلف النتيجة لسبب لا دخل لإرادة الجاني فيه ونتناولها تباعا على النحو التالي:
الركن الأول- البدء في التنفيذ:-
تقدم أن القوانين الثلاثة اتفقت بشأن الركن الأول للشروع وفقا لتعريفه التشريعي وهو البدء في التنفيذ، غير أنه لم يحدد تعريفا له ولم يحدد معيارا لما يمكن أن يكون بدءا في التنفيذ بمعنى آخر ما هو المعيار والحد الفاصل بين ما يعد وما لا يعد بدء
هذا الأمر كان مثار جدل واسع في الفقه الجنائي و يمكن القول أنه انحصر بين رؤيتين عولت إحداهما على خطورة الفعل والأخرى على خطورة نية الفاعل.
الفئة الأولى ترى أن الخطر الذي يجب أن يجرم ويقرر له العقاب هو الفعل الخطر على المجتمع والذي في ذاته يشكل المبرر للتجريم، أما الأخرى فترى أن مكمن الأمر في خطورة نية الجاني ويكفي أن يكشف الفعل عن هذه الخطورة وإن لم يكن خطرا في ذاته.
الرؤيا الأولى تمثل المذهب الموضوعي وجوهره أنه لكي يتحقق البدء في التنفيذ لابد أن يبدأ الجاني بالفعل في ارتكاب السلوك الإجرامي الذي يقوم عليه الركن المادي للجريمة وفقا لنموذجه التشريعي (وفقا للنص القانوني المقرر للجريمة) وهو بهذا يضيق من نطاق الشروع ويخرج كثيرا من الأفعال مع خطورتها عن دائرة الشروع كالتسور أو الكسر مثلا في جريمة السرقة.
وقد حاول بعض أنصار هذا المذهب التوسع في مجال البدء في التنفيذ تفاديا لما وجه لمذهبهم من نقد فأدخلوا في ذلك الظرف المشدد الذي يتوافر في الفعل فاعتبروا الكسر والتسور ظرفا مشددا يتحدد به الشروع فيعتبر الجاني قد بدأ في تنفيذ الجريمة من لحظة تسلقه الحائط أو كسره الباب أو القفل مثلا.
و سعى بعض ثالث إلى تجنب ما أخذ على مذهبهم بأن حددوا البدء بالتنفيذ بكل فعل يدل بصورة قاطعة على نية الجاني الإجرامية فإن لم يكن الفعل كافيا لإظهار النية الإجرامية فهو من الأعمال التحضيرية.
الرؤيا الثانية نتجت عن ما لقيه المذهب الموضوعي من انتقادات وهي للمذهب الشخصي وقد جعل الدلالة على بدء التنفيذ في الخطورة الإجرامية النابعة من شخصية الفاعل في الظروف التي ارتكب فيها الفعل، فقالوا أن البدء في التنفيذ هو العمل الذي يدل على نية إجرامية نهائية.
وقد عبر بعضهم عنه بأنه العمل الذي يكون قريبا من الجريمة بحيث يمكن أن يقال أن الجاني قد أغلق وراءه باب الرجوع عن الجريمة.
واضح مما سبق أن المذهب الموضوعي عول على خطورة الفعل بينما عول المذهب الشخصي على خطورة النية الإجرامية للفاعل وما الفعل عندهم إلا قرينة على هذه الخطورة.
وقد ترتب على ذلك أن المذهب الموضوعي يرى أن يعاقب على الشروع بعقوبة أقل من العقوبة المقررة للجريمة التامة لأن ضرر الشروع على المجتمع أقل من ضرر الجريمة التامة، بل ويرون أن تتدرج العقوبة في حالات الشروع الكامل بأكثر منها في الشروع الناقص على أساس الضرر الذي لحق بالمجتمع من كل فعل ولذلك فهم لا يرون عقابا على الجريمة المستحيلة لأنه ليس ثمة ضرر على المجتمع.
بينما لا يرى المذهب الشخصي سببا لأن تكون العقوبة على الشروع أقل منها على الجريمة الكاملة لأن الخطورة الإجرامية قائمة بمجرد ظهور النية الإجرامية ويرون عكس ما رأى أصحاب المذهب الموضوعي العقاب على الجريمة المستحيلة لذات السبب.
تقدم القول أن الشروع عبارة عن جريمة ناقصة لتخلف نتيجتها المرجوة، فإن تخلفت النتيجة لسبب لا دخل لإرادة الفاعل فيه بصرف النظر عن أنه أفرغ كامل جهده في الفعل (شروعا كاملا) أم لم يتمكن من ذلك (شروعا ناقصا) ففي كل الأحوال هو بدأ مشوار الجريمة بالدخول في تنفيذها بما أظهر نيته الإجرامية وهذا ما شكل مصدر الخطر على المجتمع واقتضى العقاب عليه.
ويرى بعض الفقه أن الجرائم الشكلية (ذات السلوك المجرد) غير معاقب عليها لأنها تفتقر إلى النتيجة، وإن كان بعض الفقه يرى أنها معاقب عليها متى كانت بطبيعتها مما لا يستعصى على تصور الشروع فيها وأن تعريف الشروع وفقا للمادة (45) من قانون العقوبات المصري لا يقصر الشروع على جرائم النتيجة طالما أنه يمكن استخلاصه من طبيعة وخصوصية الركن المادي للجريمة في كل حالة.
يتضح من ذلك أن الأمر بين ما إذا كان الفعل الذي أتاه الجاني خطرا في ذاته على القيمة التي أراد المشرع حمايتها أم أنه يكشف عن النية الإجرامية للفاعل مما يجعله مصدر خطر على المجتمع.
من كان المذهب المختلط والذي يجمع بين وجهتي النظر الموضوعية والشخصية فلا يكتفي بأن يكون الفعل بدءا في تنفيذ الركن المادي للجريمة بإتيان فعل من الأفعال المكونة للركن المادي للجريمة بل يمتد إلى كل فعل يظهر نية الفاعل الإجرامية حتى لو لم يشكل فعلا من الأفعال المكونة للركن المادي للجريمة بل كان فعلا سابقا له ويؤدي إليه.
ويبدو أنه مسلك المشرعان الإماراتي والسوداني فقد بدأ الأول من حيث انتهى القضاء المصري من أن البدء في التنفيذ ليس قصرا على ارتكاب فعل من الأفعال المكونة للركن المادي للجريمة بل وكل فعله يسبقه مباشرة ويؤدي إليه ويجعله الثاني كل فعل يدل دلالة واضحة على قصد ارتكاب جريمة
وفي سبيل توضيح أكثر لرؤيا المذهبين بشأن معيار البدء في التنفيذ نبرز أن:
جوهر المذهب الشخصي أنه لا يتطلب الأفعال الخطرة كما يعبر عنها المذهب المادي وإنما يكتفي بأن تكون معبرة على نحو واضح عن خطورة نية الشخص الجاني وإن لم تكن خطرة في ذاتها، نستخلص ذلك من عدة تعبيرات ساقوها للإفصاح عن وجهة نظرهم في معيار البدء في التنفيذ من ذلك:
(البدء في التنفيذ يكون بالعمل الذي يدل على نية إجرامية نهائية) أو أنه (العمل الذي يكون قريبا من الجريمة بحيث يمكن أن يقال أن الجاني قد أقفل باب الرجوع عن الجريمة واضطلع بمخاطرها) أو ( العمل الذي يدخل الجاني في مرحلة تنفيذ الجريمة بحيث يمكن القول أنه أحرق سفنه وخطا نحو الجريمة خطوته الحاسمة واخترق مجال حقوق غيره.) أو( هو العمل الذي يعلن عزما إجراميا لا رجعة فيه ويكون قريبا من الجريمة لا يفصله عنها إلا خطوة يسيرة لو ترك الجاني وشأنه لخطاها.) ولعل أوضح الصيغ والتي وجدت تأييد الفقه والقضاء هي الصيغة التي تقول (البدء في التنفيذ يكون بالعمل الذي يؤدي حالا ومباشرة إلى الجريمة.) وقد استخدم القضاء المصري هذه العبارة كثيرا وسترد أمثلة لذلك في موضعها إن شاء الله.
جدير بالذكر أنه بينما يرفض أنصار المذهب الشخصي كل تفرقة بين حالات الاستحالة مطلقة أو نسبية ويرون العقاب عليها مطلقا، يرفض ذلك أنصار المذهب المادي (الموضوعي) ولا يرون أساسا للإدانة بالشروع في القتل في حالة الجريمة المستحيلة استحالة مطلقة.
ذلك لأن المذهب الشخصي يبني رأيه على قناعة أن العقاب مقرر للإرادة الإجرامية وكل حالات الاستحالة تتوفر فيها هذه الإرادة وقد عبر عنها الفاعل بنشاط يصلح في تقديره لتحقيق النتيجة وهذا كل ما يتطلبه القانون للعقاب على الشروع. ومع ذلك فهم يرون أن حالات بعينها يمكن أن تكون خارج دائرة العقاب كحالة أن تكون الوسيلة التي استعملها الفاعل أو اعتقد في صلاحيتها وسيلة ساذجة كحالة من يحاول قتل غريمه عن طريق السحر بحجة أن السذاجة لهذه الدرجة عديمة الخطر على الحق (الحياة) وبالتالي تنتفي علة العقاب. في المقابل يرى المذهب الموضوعي أن تنفيذ الجريمة كاملة يعني إمكان تنفيذها وإن قلنا بالاستحالة فهذا يعني أنه غير ممكن وإن كان البدء في التنفيذ غير ممكن فلا شروع.
ويرى بعض الفقه أن الاستحالة القانونية مسألة مستقلة عن نظرية الشروع لأن الاستحالة القانونية تنفي ركن أساسي في الجريمة غير النتيجة وبذا يختلف ركن من أركانها وبالتالي عدم قيامها والعقاب عليها، إذ أنه لا يقبل منطقا قانونيا أن تتطلب في الجريمة بصفة عامة عناصر وأركان معينة ثم إذا نظرت إليها في حالة الشروع تغفل هذه الأركان أو العناصر.
وينبني على هذا القول أنه لما كان القتل هو إزهاق روح إنسان حي وكان الفاعل قد سدد عدة طعنات لجسد ميت فإنه وفقا للقانون لا جريمة قتل ليشرع فيها لأن الاعتداء لم يتم على إنسان حي بالتالي فلا شروع.
والواقع أنه لا يمكن استبعاد كل أو بعض الاتجاهات الفقهية السابقة وهو أمر واقعي حتمه عدم وجود النص أو وضوحه، وفي كل مدخل للاجتهاد يمنعه النص المباشر من المشرع على نحو يجيز أو يمنع العقاب على الجريمة المستحيلة رفعا لكل خلاف في التطبيق العملي وقد نحت بعض القوانين هذا المنحى
لماذا تم إيراد هذه الاتجاهات والآراء والتركيز عليها و ما أهمية إرجاع الأمر إلى أحد المذهبين ؟ ذلك لأنها تكون وسيلة القاضي لتحديد ما إذا كان الفعل يعد شروعا في ارتكاب الجريمة أم لا وفق السائد فقها و قضاءً في معيار البدء في التنفيذ مما يعد شرحا وتفسيرا للقانون. فدور القاضي هو تقييم الوقائع وفهمها استنباطا من البينات الواردة أمامه كقاضي موضوع.
ومعلوم أن فهم الوقائع على ضوء البينات والتقرير بأنها وقعت أم لم تقع ، ثبتت أم لم تثبت من إطلاقات قاضي الموضوع ومما لا تدخل فيه لمحكمة النقض فهي محكمة قانون لا وقائع.
إلا أن ما يستخلصه القاضي من تلك الوقائع التي اقتنع ببيناتها هو في الواقع أمر قانون والفرق كبير بين إثبات الوقائع أو نفيها وبين الاستخلاص منها، لأن الاستخلاص من الوقائع هو حقيقة تطبيق للقانون من حيث التأويل والتفسير وهذه سلطة خاضعة لرقابة محكمة القانون (محكمة النقض.)
ولأنه قطعا لذلك أثره الكبير على الحكم وما يصل إليه من نتائج ولتوضيح الصورة نأخذ مثال الجريمة المستحيلة فإن اعتبر القاضي أن فعل الجاني خطير في ذاته ويشكل عدوانا مباشرا لقيمة الحياة التي أراد المشرع حمايتها يكون قراره الإدانة بجريمة الشروع في القتل لأنه مهما كان الفعل الذي أتى به الجاني في وقت كان فيه المجني عليه ميتا أصلا قبل الفعل فإنه لا شروع ويكون الفعل غير معاقب عليه وبالتالي فلا مسئولية جنائية عن شروع في القتل. لأنه لم تكن هناك حياة أصلا يهددها فعل الجاني.تطبيقا للمذهب الموضوعي( المادي).
وإن أخذ بالمذهب الشخصي فإنه سيجد أن الفعل المجرد يدل على خطورة نية الجاني فقد قصد بفعله إزهاق روح ولم يمنعه من ذلك سوى واقع لم يكن يعلمه وهو أن المستهدف كان ميتا وقت الفعل. وهكذا يبين الفارق الأساسي في الحكم بالشروع من عدمه تطبيقا لأي من المذهبين.
ومن هذا المنطلق يبدو من أحكام محكمة النقض المصرية القديمة أنها أخذت بالمذهب الموضوعي، بينما تدل أحكامها الحديثة أنها تطبق المذهب الشخصي. والنظر في أحكام محكمة التميز- دبي والمحكمة العليا الاتحادية يمكن القول معه أن القضاء في الإمارات أخذ بالمذهبين معا
و في شأن الجريمة المستحيلة وبالرجوع لأحكام القضاء المصري نجده قد أخذ برأي المذهب الموضوعي في حالة الاستحالة المطلقة فقرر عدم الإدانة إلا أنه قضى بالشروع في حالة الاستحالة النسبية. فمن المقرر أنه إذا كانت المادة المستعملة للتسميم صالحة بطبيعتها لإحداث النتيجة (الوفاة) فلا مجال للأخذ بنظرية الجريمة المستحيلة ولا فرق بين ما إذا كانت الاستحالة راجعة إلى انعدام الغاية أو عدم صلاحية الوسيلة، وهذا يعني أنه إذا كانت وسيلة التسميم تصلح في بعض الصور فإن العقاب على الشروع يكون متعينا.
وتطبيقا لذلك قضت بالعقاب على الشروع في التسميم إذا كانت المادة سامة لكنها لم تعط بكميات كافية، و بالشروع في التسميم بالزئبق رغم أنه لا يكون قاتلا إلا إذا كان في الجسد جرح فينفذ إليه عبره. كما قضت بصحة الإدانة في الشروع في النصب على الرغم من أن المجني عليه كان عالما بكذب الجاني بحيث كان انخداعه بالحيلة مستحيلا.
وهذا لا ينفي أن بعض أحكام محكمة النقض وإن كانت قليلة قد قضت بصحة الإدانة في حالات الشروع في التسميم باستعمال مادة غير سامة وفي محاولة القتل عن طريق سلاح غير صالح لإخراج المقذوف.
نطاق الشروع:
يكون نطاق الشروع المعاقب عليه في القانون المصري بحكم المادة (46) منه في الجنايات إلا ما استثني قانونا ولا يكون في الجنح إلا بموجب نص في القانون ولا عقاب عليه في المخالفات.
وسبق القول أن الأمر على إطلاقه في القانونين الإماراتي والسوداني رغم أن الأول أخذ بتقسيم جنايات، جنح، مخالفات، دون الأخير.
جريمة الشروع في القانون السوداني كما هي في القانونين المصري والإماراتي من جرائم الخطر والضرر أيضا وهي جريمة تابعة لجريمة أصلية، فالقاعدة العامة أنه لا يمكن قيام جريمة شروع إلا إذا كانت هناك جريمة أصلية، لذلك يقال شروع في القتل أو السرقة أو الخ. وينسب العقاب إلى العقوبة المقررة للجريمة الكاملة فهي النصف منها في القاعدة العامة ما لم تكن العقوبة هي الإعدام أو القطع وما لم تكن الجريمة الكاملة المكونة من فعل الشروع.
تعريف البدء في التنفيذ في التطبيق العملي:
( البدء في التنفيذ هو ارتكاب الأعمال التي يرى مرتكبها أنها تؤدي مباشرة إلى فعل الجريمة ولو لم تكن من الأفعال المكونة لها خلافا للعمل التحضيري لأن الفاعل قد يعد عن ارتكاب الجريمة قبل أن يبدأ في تنفيذها.)
(الشروع في حكم المادة 45 من قانون العقوبات هو البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها. فلا يشترط لتحقق الشروع أن يبدأ الفاعل تنفيذ جزء من الأعمال المكونة للركن المادي للجريمة بل يكفي لاعتباره شارعا في ارتكاب جريمة أن يأتي فعلا سابقا على تنفيذ الركن المادي لها ومؤديا إليه حالا. ولما كان الثابت من الحكم أن الطاعنين الثلاثة الأول تسلقوا السور الخارجي للحديقة إلى داخل المنزل وبقي الطاعن الرابع بالسيارة في الطريق في انتظارهم حتى إتمام السرقة وأن الطاعن الثاني عالج الباب الداخلي بأدوات كسر أحضرها لكسره إلى أن كسر بعض أجزائه، وأثبت الحكم أنهم كانوا ينوون سرقة محتويات المنزل فإنهم يكونون بذلك قد دخلوا فعلا في دور التنفيذ بخطوة من الخطوات المؤدية حالا إلى ارتكاب السرقة التي اتفقوا على ارتكابها بحيث أصبح عدولهم بعد ذلك باختيارهم عن مقارفة الجريمة المقصودة بالذات أمرا غير متوقع ويكون ما ارتكبوه سابقا على ضبطهم شروعا في جناية السرقة.)
( لا يشترط لتحقق الشروع أن يبدأ الفاعل بتنفيذ جزء من الأعمال المكونة للركن المادي للجريمة، يكفي لاعتباره شارعا في جريمة أن يأتي فعلا سابقا على تنفيذ الركن المادي لها ومؤديا إليه حالا.)
( لما كان الطاعن إذ قام بشهر مطواة في وجه المجني عليه وطالبه بإعطائه ما معه من مبالغ نقدية وطلب منه إيقاف السيارة والنزول منها فقد تجاوز بذلك مرحلة التحضير ودخل فعلا في دور التنفيذ بخطوة من الخطوات المؤدية حالا إلى ارتكاب جريمة السرقة، بحيث أصبح عدوله عن مقارفة الجريمة أمرا غير متوقع، ويكون ما ارتكبه سابقا على واقعة الضبط شروعا في جناية.)
(إن الطاعنين إذ قاما – مع المتهمين الآخرين- بالصعود إلى مكان الحادث وفتحه وأخرجا بعض البضائع منه فقد تجاوزا بذلك مرحلة التحضير ودخلا فعلا في دور التنفيذ بخطوة من الخطوات المؤدية حالا إلى ارتكاب جريمة السرقة التي اتفقا علي ارتكابها مع المتهمين الآخرين بحيث أصبح عدولهما بعد ذلك باختيارهما عن مقارفة الجريمة أمرا غير متوقعا ...)
هذا عن القضاء المصري وعن القضاء في الإمارات العربية المتحدة فقد أخذ بالمذهبين معا الموضوعي (المادي) والشخصي. فقد قضت محكمة التميز – دبي بأن:
(الاغتصاب لا يتحقق إلا بالمواقعة، أما محاولة الاغتصاب فلا تتحقق إلا إذا ظهرت نية الفاعل وعزمه على ارتكاب المواقعة وبدأ في تنفيذ ما عزم عليه. ولا يعتبر شروعا في الجريمة مجرد المشاركة في الأعمال التحضيرية بها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.)
ومن قضاء المحكمة العليا الاتحادية:
(أعمال التنفيذ وإن كانت خارجة عن الجرم إلا أنها ترتبط به ارتباطا وثيقا وتكشف عن قصد الفاعل وإرادته له وتدل على أنه جاد في انجاز الجريمة التي اختطها لنفسه، وتستمد عقوبتها من الجرم ذاته وتكون معاقبا عليها على كل حال وليس ضروريا لوجود الشروع أن يرتكب الفعل على النحو المنصوص عليه في القانون فالتسلق في السرقة يشكل شروعا فيها لأنه عن طريقه يصبح الجاني أمام المال المسروق، وأما في جرائم القتل والاعتداء على العرض فإن التسلق وحده لا يعتبر بدءا في التنفيذ ما لم يقترن بقرينة أو ظرف يجعل غرض الفاعل ظاهرا.)
( والبدء في تنفيذ جريمة الاغتصاب يتحقق بأي فعل يؤدي حالا و مباشرة إلى إتمام هذه الجريمة باعتباره ينطوي على خطر يهدد الحرية الجنسية للمجني عليها في صورة الاغتصاب وبالتالي فإنه يكون متحققا بارتكاب فعل عنف أيا كان لحمل المرأة على الاستسلام أو صدور تهديد إليها في سبيل ذلك وحالت دون إتمام الجريمة أسباب لا ترجع إلى إرادة الجاني.)
ومن تطبيقات القضاء السوداني:
( لم يعرف قانون العقوبات معنى الشروع وليس من المناسب وضع قاعدة عامة لتعريف إمكانية العدول عن الفعل مثلا، بل نترك المسألة لتقررها ظروف كل قضية على ضوء الوقائع أين ينتهي التحضير ويبدأ الشروع.
تقديم المتهم لطلب للانضمام لحزب محظور قانونا يعتبر شروعا لأنه تجاوز المرحلة التحضيرية لارتكاب الجريمة وما يمكن أن يحدث بعد ذلك من رفض للطلب أو عدول عنه لا ينفي جريمة الشروع.)
(إذا وضح أن المتهم شرع في إيلاج ذكره في فرج المجني عليها فإن الإدانة تكون على أساس الشروع في الاغتصاب تحت المواد93/317 من قانون العقوبات وليس تحت المادة 319 من قانون العقوبات.)
(إن الحد الذي يفصل بين الشروع في الجريمة ومجرد العمل التحضيري دقيق للغاية ولذلك يجب الاعتداد بظروف ووقائع وأدلة كل قضية على حدة مما يبرر القول بأن ما صدر من المتهم في واقعة هذه الدعوى لا يعدو أن يكون مجرد عمل تحضيري لا يشكل جريمة السرقة ولا الشروع فيها.)
الركن الثاني- قصد ارتكاب جريمة:
لا فرق بين الجريمة التامة والناقصة من حيث الركن المعنوي فالقصد الجنائي الذي يجب توافره للجريمة التامة هو ذات القصد الجنائي في حالة الجريمة الناقصة(الشروع. )
لذلك فلا يكون الشروع إلا في الجرائم العمدية، فالشروع يفترض اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة التامة وبالتالي لا يتصور اتجاه إرادته للشروع في الجريمة فحسب. ومن ثم فلا شروع في الجرائم غير العمدية، كذلك لا شروع في الجرائم التي تجاوز فيها النتيجة قصد الجاني لأن إرادة الجاني لم تتجه إليها أصلا.
لذلك لابد للقاضي من التحقق من قيام القصد الجنائي من وقائع الدعوى وقرائنها ويجب أن يثبت ذلك في حكمه وإلا كان الحكم مشوبا بالقصور في التسبيب، لأنه أغفل أحد أركان المسئولية الجنائية عن الشروع، ولأن ذلك متعلق بالوقائع فلا رقابة لمحكمة النقض عليه في ذلك.
ومما ورد في أحكام محكمة النفض المصرية تطبيقا لذلك أنه:
(لا يختلف الركن المعنوي في جريمة الشروع عنه في الجريمة التامة إذ هما يخضعان لنفس الأحكام ويشتملان على ذات العناصر) 44
ومنه أيضا:
(يتعين على قاضي الموضوع استخلاص توافر القصد الجنائي في جريمة الشروع فإذا لم يثبت الحكم الصادر بالإدانة تحقق القصد الجنائي لدى الجاني فإنه بذلك يكون قد أغفل بيان ركن هام تبنى عليه المسئولية الجنائية وينعت الحكم بالقصور في التسبيب مما يستوجب نقضه)
و مع ذلك لا تشترط محكمة النقض في الركن المعنوي أن يذكر صراحة في الحكم أو يذكر فيه بلفظه فقد قضت بأنه:
( لا يشترط أن يتحدث عنه الحكم صراحة وأن يذكره بلفظه إذا كان الثابت من مدونات الحكم أنه خلص في بيان كاف إلى توافره)
وليس الحال بمختلف في القضاء السوداني ومن ذلك أنه:
( إذا كان المتهم قد ضرب المجني عليه ضربتين على رأسه واعتقد أنه مات فقام بإلقائه في النهر حيث مات غرقا وحيث أنه لا يوجد ما يشير إلى أن هناك قصد جنائي أضيف إلى تسلسل أفكار الجاني في ضربه مرتين يكون المتهم مدان بجريمة الشروع في القتل.)
وأنه
(إن كان أن مات الشخص واتضح أن الموت لا علاقة له بالإصابة التي حدثت وأن الإصابة كما هي عليه ليست من النوع الذي قد يسبب أو ينتج عنه الموت فإن وجود القصد أو العلم بأن الموت سيحدث يكون منعدما منذ البداية وإذا حدثت وفاة المجني عليه لسبب لا علاقة له بضرب المتهم له فإنه من غير الجائز إدانة المتهم في هذه الحالة بتهمة الشروع في القتل.)
(خطورة الإصابة تشكل قرينة موضوعية لاستجلاء قصد المتهم في جريمة الشروع في القتل إلا أنه بالتأكيد ستظل معيارا قاصرا في هذا المعنى وذلك لإمكانية إدانة الجاني بجريمة الشروع حتى ولو لم يلحق أذى بالضحية
ينبغي أن يكون المعيار في استجلاء قصد المتهم في جريمة الشروع في القتل مؤسسا على الركن المعنوي سواء سبب الركن المادي أذى أو لم يسببه وهذا ما جرى عليه التفسير الهندي للمادة 307 المقابلة للمادة 259 من قانون العقوبات.)
الركن الثالث - عدم إتمام الجريمة لأسباب غير إرادية:
الفرق الأساسي بين الشروع والجريمة التامة، حدوث النتيجة التي اتجهت إليها إرادة الجاني فمتى تحققت تكون الجريمة تامة أما إن تخلفت النتيجة ولسبب خارج عن إرادة الجاني فتكون مسئوليته عن جريمة ناقصة (شروع في الجريمة). وكذا في حالة أن تنقطع علاقة السببية بين فعل الجاني والنتيجة التي حدثت كحالة من يطلق عيارا ناريا على غريمة قاصدا قتله لكنه لا يصيبه إلا بجرح غير قاتل ثم يقوم الطبيب بإجراء جراحة للمصاب ويرتكب فيها خطأ كبيرا يودي بحياة المصاب هنا يكون الموت قد تحقق لا بفعل الجاني المتمثل في إطلاق النار عليه إنما بالتدخل الخاطئ للطبيب فلا يسأل الجاني مطلق النار إلا عن الشروع في القتل العمد. وسواء في ذلك الشروع الكامل والناقص
وكمثال للحالة الأولى أن يطلق النار على غريمه ولكنه يخطئه والحالة الثانية أن يصوب سلاحه الناري صوب غريمه لكن يحول شخص آخر دون تمكينه من إطلاق النار بالإمساك به أو بالسلاح فلا يستطيع الجاني إطلاق النار.
يخرج عن ذلك طبعا إذا ما كان سبب عدم تحقق النتيجة راجع إلى الفاعل نفسه لأن المشرع يشترط للشروع أن يكون سبب نقص الجريمة غير راجع لإرادة الجاني. فإن كان راجعا إلى الفاعل نفسه فيعد عدولا اختياريا كفا لخطر الجريمة وضررها ولا عقاب عليها.
والحكمة من ذلك أن المشرع قدر أنه من حسن السياسة الجنائية تشجيع الجاني الذي بدأ في تنفيذ جريمته بالعدول عنها لأنه لو كان العقاب يتهدده في كل الأحوال لما وجد حافزا يدفعه إلى التغلب على نوازع الشر فيه. ويكون الرجوع عن الجريمة أو العدول عن ارتكابها بإرادة ذاتية من الجاني لا بسبب آخر منشأه غير إرادة الجاني، والأخير هو ما يسميه بعض الفقه بالعدول الاضطراري. سواء كان سبب هذا العدول الذي اضطر إليه الجاني حقيقيا أو متوهما كأن يسمع الجاني وقع أقدام خلفه ويدرك أن أمره قد ينكشف ويقبض عليه فيهرب من موقع الحدث، وقد يظن ذلك أو يتوهمه على غير حقيقته فيفر منسحبا من أرض الحدث.
يكون العدول إراديا إذا قام الجاني نفسه بالحيلولة دون وقوع النتيجة سواء كان ذلك بعد استكماله كل نشاطه الإجرامي ثم سعيه لمنع وقوع النتيجة، أو منعه مفعول النتيجة بعد وقوعها كحالة من يسقي غيره سما ثم يعطيه مضادا للسم فيخلصه من أثر السم الضار. وبصرف النظر عن الباعث الذي أدى إلى العدول عن مشروع الجريمة سواء كان الندم على هذا السلوك أو حتى خوفه من افتضاح أمره في كل الأحوال فإن منع الخطر الناشئ عن سلوك الجاني امتنع بفعل الجاني نفسه وعزمه على التخلي عما أقدم عليه.
وهناك من الأمثلة ما يكون ذا طبيعة ملتبسة كحالة من يصوب سلاحه المعبأ بعدة طلقات ويطلق الطلقة الأولى فيخطئ الشخص المستهدف ومع إمكانية مواصلته إطلاق النار يعدل عن ذلك، فقد رأى بعض الشراح أن ذلك يكون عدولا اختياريا طالما أنه منع حدوث النتيجة بنفسه بينما اعتبره البعض الآخر عدولا اضطراريا ويبدو أن الأخير أصوب لأن جريمة الشروع من جرائم الخطر وقد وقع الخطر بالفعل وكشف الفعل عن نية الفاعل الخطرة وبذا يكون الشروع من الناحية القانونية قد اكتملت عناصره من الطلقة الأولى وليس ما يمنع من العقاب عليه.
جدير بالذكر أن أمر ما إذا كانت الجريمة لم تتم لسبب خارج عن إرادة الجاني أمر تقرير في الوقائع ولا رقابة لمحكمة النقض عليه.
ولعله من نافلة القول أن العدول الاختياري لا يكون إلا في الجريمة الموقوفة ولا يتصور في الجريمة الخائبة ذلك لأن الجاني استنفد كل نشاطه وقد تخلفت النتيجة بغير إرادته ولا يتصور هنا عدول. فوقت العدول النافي للعقاب قبل تمام الجريمة و في هذا الوقت يستحق التشجيع والصفح، بينما لو تراخى العدول إلى ما بعد وقوع الجريمة فإنه يكون من باب التوبة الإيجابية أو اللاحقة وهذه لا تحول دون عقاب الجاني، فلا جدوى من أن يعيد الجاني المال المسروق إلى صاحبه في جريمة السرقة، أو يتحمل تكلفة علاج من أصابه بالأذى أو عوضه عن الضرر الذي لحق به، وإن كان من الجائز أخذ ذلك في الاعتبار عند تقدير العقوبة.
ومن حيث التطبيق فقد قضت محكمة النقض المصرية أنه:
( من الأركان الجوهرية لجريمة الشروع أن يخيب أثرها لظرف خارج عن إرادة الفاعل، فلا بد وأن ينص الحكم على هذا الركن وإلا كان محلا للنقض. ومع ذلك ليس من الضروري أن ينص الحكم بعبارة صريحة ولا أن يستعمل ألفاظ القانون نفسها طالما أن الوقائع الثابتة في الحكم مشتملة في نفسها على ما يستفاد منه أن أثر الجريمة قد خاب بظرف خارج عن إرادة الفاعل.)
(تقدير العوامل التي أدت إلى وقف الفعل الجنائي أو خيبة أثره وكون الأسباب التي من أجلها لم تتم الجريمة هي إرادية أم خارجة عن إرادة الجاني هو أمر متعلق بالوقائع.)
(لا يتحتم في حكم بالإدانة في الشروع- مادة 45 عقوبات- بيان الظروف التي منعت إتمام الجريمة، وقول المحكمة بأن الجريمة لم تتم لظروف خارجة عن إرادة المتهم هو فصل في مسألة موضوعية تفصل فيها نهائيا.)
وبالمثل كان قضاء محكمة التميز وهذه بعض أمثلة:
(تقدير العوامل التي أدت إلى وقف الفعل وكون الأسباب التي من أجلها لم تتم الجريمة سواء كانت أسباب إرادية أو خارجة عن إرادة الجاني هو أمر متعلق بالوقائع مما يدخل في سلطة قاضي الموضوع..)
سبق القول أن المشرع السوداني لم يكن قد عرف الشروع في الجريمة اصطلاحا وقد تم هذا مؤخرا في القانون الحالي(القانون الجنائي 1991 ) لذلك قصرت اليد عن أحكام للقضاء السوداني بشأن تقدير العوامل التي لم تتم من أجلها الجريمة.
وبهذا نختتم هذا الجزء المتعلق بأركان الشروع وقد سبقت الأحكام المتعلقة بالعقاب على الشروع في القوانين موضوع الدراسة وبه أيضا يكون الأمر قد استكمل بكامل عناصره ما يصل بنا إلى نتائج الدراسة.
نتائج الدراسة
لم يهتم فقهاء الشريعة الإسلامية بوضع تعريف أو قواعد للشروع في ارتكاب الجريمة، ولم تحوجه نظريته لشيء من ذلك لأن كل فعل يقع يشكل معصية يعتبر موجبا للتعزير ويعاقب عليه كجريمة تامة.
أما من حيث القانون الوضعي فقد تطابقت نظرية وأحكام الشروع في القانون المصري والإماراتي ولا غرو فالأخير سليل الأول، وقد أخذ القضاء المصري في القليل من أحكامه بالمذهب المادي وفي أغلب أحكامه بالمذهب الشخصي بينما أخذ القضاء في الإمارات العربية المتحدة سواء على مستوى المحكمة العليا الاتحادية أو محكمة التميز بالمذهبين المادي والشخصي وقد شهدت الأمثلة الواردة في الدراسة بكل ذلك.
أما القانون السوداني فقد كان في مرحلة ما قبل التعريب من منهج القانون الإنجليزي ثم ظل على نهجه بعد التعريب حيث ظهرت مؤشرات المذهب المادي في بعض أحكام القضاء وإن تبدى تطوره واضحا في القانون الحالي ومسايرته الفقه الجنائي الحديث واستيعاب بعض أفكاره في نصوصه ومنها ما تعلق بالشروع في ارتكاب الجريمة على نحو ما ورد في الدراسة وقد طبق القضاء السوداني بدوره المذهبين المادي والموضوعي.
للشروع أركان ثلاثة هي البدء في التنفيذ وقصد ارتكاب جريمة وتخلف النتيجة لسبب لا يرجع لإرادة الجاني ولا خلاف بين القوانين الثلاثة في ذلك إذا ما أخذنا الأمر بمعيار القانون الحالي في السودان.
وفقا للقضاء في مصر والإمارات ليس شرطا للحكم بالشروع أن يأتي الجاني بفعل مكون للركن المادي للجريمة بل يكفي أن يكون فعلا سابقا لذلك يؤدي إليه مباشرة.
وإن كان القضاء السوداني في مرحلة من تطوره وفي بعض أحكامه آثر ألا توضع قواعد محددة لما يميز الشروع عن الأعمال التحضيرية وأن يترك ذلك لظروف ووقائع كل حالة على حدة فإن المشرع في القانون الحالي حدد معيارا لذلك أن يكون الفعل دالا دلالة ظاهرة على قصد ارتكاب جريمة، وبهذا المعيار يقرر القضاء فيما إذا كان الفعل يدل هذه الدلالة فيكون شروعا في ارتكاب الجريمة أم يقصر عن ذلك فيكون عملا تحضيريا. وقد يكون الفعل على هذا النحو مما يؤدي مباشرة إلى الركن المادي للجريمة أو يكون أحد الأفعال المكونة له إذا ما كان يتكون من عدة أفعال.
والأمر على إجماع في كل هذه القوانين ألا فرق بين الجريمة التامة والشروع من حيث القصد الجنائي فلا بد أن يكون الجاني قد قصد ارتكاب الجريمة.
ذات الأمر بشأن ركن عدم إتمام الجريمة ( بوقفها أو خيبة أثرها) لسبب خارج عن إرادة الجاني فإن كان لسبب يرجع إلى إرادة الجاني وقبل وقوع النتيجة فهو بمثابة عدول إيجابي يصفح به المشرع عن الفاعل ولا أثر له إن كان بعد تحقق النتيجة.
ومن حيث أن التقرير حول ما إذا كان نقص الجريمة بعدم تحقق نتيجتها يرجع إلى إرادة الجاني أم لا، متعلق بالوقائع كمسألة موضوعية تبحث فيها وتقرر محكمة الموضوع ولا رقابة عليها في ذلك من محكمة النقض.
هذا طبعا خلافا للاستخلاص من الوقائع فهو أمر قانون يخضع القرار فيه لرقابة محكمة النقض.
كل ذلك يتماثل تطبيقا قضائيا في ظل القوانين الثلاثة محل الدراسة.




قائمة المراجع والمصادر
أولا- القرآن الكريم
الجزء الثاني عشر - سورة يوسف.
ثانيا – المراجع الفقهية الإسلامية
(1) عبد القادر عودة – التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي ج1 – مؤسسة الرسالة – بيروت – الطبعة الحادية عشر1412 - 1992
(2) د. أحمد فتحي بهنسي – نظريات في الفقه الجنائي الإسلامي – دار الشروق – القاهرة – الطبعة الرابعة- 1986.
(3) د. محمود نجيب حسني – شرح قانون العقوبات – القسم العام –دار النهضة العربية – الطبعة الأولى -2007.
ثانيا - المراجع الفقهية القانونية
(4) د. رمسيس بهنام – النظرية العامة للقانون الجنائي – منشأة المعارف الإسكندرية –الطبعة الثالثة – 1997 .
(5) د. محمود نجيب حسني – شرح قانون العقوبات – القسم العام- دار النهضة العربية القاهرة – الطبعة السادسة 989 .
(6) ا.د علي حمودة – شرح الأحكام العامة لقانون العقوبات الاتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة –ج1 القسم العام – أكاديمية شرطة دبي – 2007 .
(7) د. عبد الحميد ألشواربي – التعليق الموضوعي على قانون العقوبات- الكتاب الأول الأحكام العامة لقانون العقوبات على ضوء الفقه والقضاء – منشأة المعارف بالإسكندرية- 2003.
(8) د. سليمان عبد المنعم النظرية العامة لقانون العقوبات – دار الجامعة الجديدة للنشر – الإسكندرية – 2000.
(9) بروفسور أحمد علي إبراهيم حمو – القانون الجنائي 1991 معلقا عليه –دار جامعة السودان المفتوحة للطباعة – 2010 .
(10) بروفسور يسن عمر يوسف – النظرية العامة للقانون الجنائي السوداني -1991 ب ط 2009 .
ثالثا مراجع الأحكام القضائية
(11) د. حسن صادق المرصفاوي – قانون العقوبات تشريعا وقضاء في مائة عام – ج1 منشأة المعارف -2001 .
(12) مجموعة الأحكام والمبادئ القانونية الصادرة في المواد الجزائية عام 2006 – الصادرة عن المكتب الفني لمحكمة التميز دبي.
(13) مجلة الأحكام القضائية السودانية لعام 1974
(14) مجلة الأحكام القضائية السودانية لعام1975
(15) " " " " 1977
" " " " " 1980
 

المواضيع المتشابهة

أعلى