av.joven

عضو متألق
إنضم
22 أغسطس 2010
المشاركات
883
مستوى التفاعل
28
النقاط
28
الإقامة
بلدية برج بونعامة ولاية تيسمسلت
فلسفة العقوبة في الشريعة الإسلامية
لقد اتفقت كلمات العلماء على اختلاف مذاهبهم في أن الشريعة الإسلامية إنما جاءت لحفظ الأمور التالية:
حفظ الدين- حفظ النفس- حفظ النسل- حفظ المال- حفظ العقل.
وقد قام بعض علماء الإسلام بالتقسيم التالي لتكاليف الشريعة في قوله:
(تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدوا أن تكون: (ضرورية) أو (حاجية) أو (تحسينية).
ويعنى بالضرورية تلك الأمور التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا (ومجموع الضروريات خمسة وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل.(
إن المتأمل في الشريعة الإسلامية يرى مدى حكم المشرع حين تشدد في وضع الحدود اللازمة التي يمكن من خلالها حفظ هذه الضروريات.
الشريعة الإسلامية تختلف عن غيرها في طريقة التجريم فهي لم تكن قد وضعت الإجراءات غير الدقيقة في طريقة تجريم الإنسان كما فعل غير من أشرنا إليه سابقاً. وإنما كان الدين الإسلامي أحرص على تبرئة ساحة المتهم قبل أن يدان بالجرم الذي اتهم فيه امتثالاً للقواعد العامة التي تقوم على العدل والرحمة في آن واحد من قبيل: (ادرؤوا الحدود بالشبهات)
و(ادرؤوا الحد عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلّوا سبيله، فإن الإمام لئن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة).
فالعقوبة في الإسلام هي (الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع، والمقصود من فرض عقوبة على عصيان أمر الشارع هو إصلاح حال البشر وحمايته من المفاسد، واستنقاذهم من الجهالة، وإرشادهم من الضلالة، وكفهم عن المعاصي وبعثهم على الطاعة ولم يرسل الله رسوله للناس ليسيطر عليهم أو ليكون عليهم جباراً وإنما أرسله رحمة للعالمين .
فالعقاب إذن في الشريعة الإسلامية إنما هو لإصلاح الفرد، ولحماية المجتمع وصيانة نظامه من الانهدام.
ما تختلف فيه فلسفة العقوبة في القانون الإسلامي عنها في القانون الوضعي..
تختلف فلسفة العقوبة في الشريعة الإسلامية عن نظيراتها في القوانين الوضعية في أن الأخيرة إنما تقوم على أساس الجزاء الدنيوي فحسب؛ وذلك أن القوانين الوضعية لم تضع، بل ولم تعتبر من صميم اختصاصها كل الأمور التي تمس عالم الآخرة وما وراء هذا العالم المادي.
عالم الآخرة الذي تقوم عليه الشريعة الإسلامية.
فالجزاء فيها ـ الشريعة الإسلامية ـ سواء كان ثواباً أم عقاباً إنما يكون في الدنيا والآخرة كذلك، بل يعد الجزاء الأخروي الجزاء الأعظم أثراً في طبيعته من الجزاء الدنيوي.
وهذا الاقتران بين كل من الجزاء الدنيوي والأخروي إنما يعد واحداً من الأسباب التي تبعث الإنسان على طاعة أحكام الشريعة الإسلامية، وخصوصاً إذا عرف أن العذاب الأخروي هو من الأمور المهولة، فمن لا يرتدع رغبة منه في طاعة أحكام الشريعة فإن الأحكام الإسلامية الخاصة بالعقوبة الأخروية قد أعدت لأن يطيع الإنسان رهبة وذلك أمر منطقي إذ أن من لا يراعي ما يصلح المجتمع والفرد معاً رغبةً وإيماناً منه بضرورة طاعته يلزم إجباره على الطاعة كي لا يختل توازن النظام الاجتماعي.
فالحدود وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما خطر وترك ما أمر، لما في الطبع من فعالية الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة. فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذراً من ألم العقوبة، وخيفة من نكال الفضيحة، ليكون ما حظر من محارمه ممنوعاً وما أمر به من فروضه متبوعاً، فتكون المصلحة أعم والتكاليف أتم.
ويقول آخر في ذلك أيضاً: (العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله تعالى بعباده، فهي صادرة عن رحمة الله للخلق، وإرادة الإحسان إليهم، ولهذا يبغي لمن يفرض العقوبات على جرائم الناس وجناياتهم، أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة بهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض.(
من يتولى فرض العقوبة وتطبيقها؟
لقد مرّت العقوبة من حيث مراحل تنفيذها بمراحل عديدة وحسب التشكيل الاجتماعي الذي ينضوي الإنسان تحته.
فالبعض الذين فرضت عليهم الظروف العيش بمفردهم في كهوف الجبال أو في قلوب الغابات لم يكن هناك من يندفع لتنفيذ العقوبة غيرهم، وكان أولئك يتصرفون أو ينساقون نحو تنفيذ وإنزال العقوبة بمن يمس، أو يحاول المساس بحقوقهم بوحي من غريزة حب البقاء.
فهذه المرحلة هي التي يطلق عليها علماء الاجتماع بمرحلة شريعة الغاب التي يندفع كل إنسان نحو تنفيذ عقوبته بنفسه، ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه المرحلة لم تختص فقط بأولئك الذين يعيشون بمفردهم وإنما طالت أولئك الذين ينضوون تحت راية القبيلة أو العشيرة ولكنهم لم يخرجوا في تفكيرهم عن طريقة التفكير الفردية المتقدمة.
ثم وبعد تطور الإنسان وإدراكه بأن الجريمة إنما تمس المجتمع قبل أن تمس المجني عليه صار لزاماً أن يكون وضع العقوبة وتنفيذها من اختصاص المجتمع.
وبعد أن تطورت سلطة الدولة أصبحت الدولة هي التي تمتلك ناصية تنفيذ العقوبة في حق الجاني، ثم وبعد الوصول إلى مرحلة الفصل بين السلطات وظهور الدعوة إليها صار تنفيذ العقوبة في حق الجاني من صميم اختصاص السلطة التنفيذية.
 
أعلى