╫•( سمو النظام العام العبر دولي على إرادة الأطراف )•╫

إبن الجزائر

عضو متألق
بسم الله الرحمن الرحيم..السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إذا كان تقرير سمو النظام العام العبر دولي على النظام العام الداخلي المتمثل باستبعاد القانون الواجب التطبيق المنتمي إليه هذا النظام العام، يشكل مساسا بسيادة الدول، فإن الاعتراف للنظام العام العبر دولي بالسمو على إرادة الأطراف يعتبر مساسا بسيادة الأطراف في العملية التعاقدية، أي مساسا بمبدأ أساسي ألا وهو إرادة الأطراف المتعاقدة في اختيار القانون الذي يخدم مصالحهم وتوقعاتهم. وعلى أي فهذا المساس مبرر بامتياز إذ من غير المعقول إعطاء الأطراف الحرية بالتعاقد على حساب النظام العام العبر دولي، فمصالح الأطراف المتعاقدة في ميدان التجارة الدولية تسقط وتهمل أمام ضرورات الحفاظ على المصالح التي يجسدها ويؤمنها النظام العام العبر دولي ، وبالتالي فإنه يكون للمحكم، لابل عليه أن يطبق قواعد النظام العام العبر دولي، ولا يمكن أن تقف حائلا أمام هذا التطبيق الحجج المستندة إلى الطبيعة التعاقدية، للتحكيم والمنتهية إلى اعتبار أن التحكيم في أساسه هو عقد منبثق عن إرادة الأطراف الذين أرادو اللجوء إليه في حل منازعاتهم، وبالتالي لايكون من المنطقي أن يعمد المحكم الذي يمارس وظيفته استنادا إلى إرادة الأطراف باستبعاد ومعاقبة هذه الإرادة عن طريق بطلان العقد كله أو قسم منه.
انطلاقا من استقلال اتفاق التحكيم كما مر معنا والاعتراف للمحكمين بسلطة تطبيق ومعاقبة التصرفات، ومن بينها العقود المخالفة للنظام العام العبر دولي، فإن إرادة الأطراف التي تشكل الأساس الذي تنبثق منه سلطات المحكمين، بحيث تخضع للقواعد الآمرة في نطاق العلاقات الخاصة الدولية والمتمثلة هنا بالنظام العام العبر دولي.
فغاية التحكيم ليست الحفاظ على مصالح الأطراف المتعاقدة فقط، وإنما أيضا الحفاظ على مصالح مجتمع التجارة الدولية، حيث يجب أن تكون المصالح الأولى في مرتبة أدنى من حيث ضرورة الحفاظ عليها بالنسبة للثانية، كما هو الحال بالنسبة للإرادة الفردية في العقود الداخلية والتي تحدها مصالح المجموعة التي تشكل جوهر النظام العام.
لأن النظام العام العبر دولي الذي يجسد توافق الدول ورضاها بشأن القواعد التي تعبر عنه، سيدفع الدول إلى رفض تنفيذ القرارات التحكيمية التي تأخد بإرادة الأطراف المخالفة للنظام العام العبر دولي باعتبار أن عولمة الأنظمة القانونية في العلاقات الخاصة الدولية يؤدي وبالتبعية إلى قيام القاضي الوطني إلى حماية النظام العام في إطار التجارة الدولية .
أما الأساتذة Goldman وGaillard وfouchard يعتبرون، و إن كان ذلك بصدد استبعاد القانون المختار من قبل الأطراف فهو ينطبق هنا، كون الأمر يتعلق بحريتهم "إنه لايمكن لوم المحكمين على مخالفة قرارهم للنظام العام الدولي، إذا لم نمنحهم إمكانية استبعاد القانون المختار من قبل الأطراف والتي بدت لهم مخالفة للنظام العام الدولي « والمقصود هنا بالنظام العام الدولي هو النظام العام العبر دولي أي النظام العام بمفهوم القانون الخاص الدولي، وليس النظام العام الدولي بمفهوم القانون الدولي الخاص، ناهيك أن سند المحكمين بتأمين فعالية التنفيذ لقراراتهم التحكيمية والملحوظ في المادة 35 من نظام التحكيم في غرفة التجارة الدولية بباريس لمن شأنه أن يشكل مبررا إضافيا لتطبيق قواعد النظام العام العبر دولي واستبعاد إرادة الأطراف المخالفة، علما أن ذلك يفيد أكثر في عملية تقرير احترام المحكم لقواعد النظام العام في بلد التنفيذ.
ليبقى أمامنا المجال مفتوحا للتساؤل هل باستطاعة المحكم أن يثير من تلقاء نفسه مخالفة النظام العام العبر دولي، أم أنه يقتضي أن يثير هذه المخالفة أحد أطراف المنازعة التحكيمية.
يتفق الفقه والاجتهاد عموما على الاعتراف للمحكمين بسلطة اتارة مخالفة النظام العام العبر دولي ومعاقبتها، ولئن اتخذ الاستاد Lalive من هذه المسألة موقفا متحفظا، عندما اعتبر من الصعوبة إعطاء جواب عام على هذا التساؤل نظرا للطابع النسبي والمتطور لمفهوم النظام العام العبر دولي، وتنوع حالات تطبيقه، وأن التطبيق العفوي من قبل المحكم لهذا النوع من النظام العام يجب أن يكون مفضلا في الحالات التي تكون فيها قيم أخلاقية واجتماعية أساسية مطروحة، ويكون القرار التحكيمي قد غظ النظر عنها أي لم يأخذ بها.
أما الأساتذة جيلا رد Gaillard وFouchard فوشار و Goldman كولدمان، فقد كانوا أكتر حزما وحسما بهذا الخصوص، عندما اعتبروا أن للمحكمين إمكانية لا بل السلطة في اتارة مسألة مطابقة الاتفاقات التي ينضرون فيها مع متطلبات النظام العام الدولي عضوا.
ولا نعلم لماذا لم يذهبوا لأبعد من ذلك بتقرير سلطتهم بإثارة هذه المسألة عضوا أي من تلقاء أنفسهم، علما أن جميع مقومات هذا الموجب متوافرة بشكل جلي في ظل التطورات الحالية في ميدان التحكيم وسلطات المحكمين.




تحياتي..دام التواصل
 
أعلى