youcef66dz

عضو متألق
إنضم
3 أكتوبر 2009
المشاركات
3,788
مستوى التفاعل
114
النقاط
63
جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية ( الجزء الأول )

مقدمة

يموج عالمنا المعاصر بالعديد من التغيرات الاجتماعية والتحولات الاقتصادية ، والقفزات المتلاحقة في مجالات التقدم التكنولوجي والتقني بوجه عام .
فلقد أضحت الجريمة ، وعلى خط مواز – للتقدم الذي شهده العالم ، ذات ايقاعات سريعة هي الأخرى ، وأخذت أبعاداً حديثة لم نكن نألفها من قبل ، ومن ثم فقد تزايد إدراك المجتمع الدولي لخطورة الجريمة بتوراتها التي أملتها ظروف العصر عليها ، وتصاعد قلقه إزاء صورها المستحدثه التي ارتدت ثوباً دولياً جديداً في وسائل ارتكابها وتنفيذها ، حيث لم تعد الحدود الوطنية الآن عائقاً أمامها ، بل تجاوزتها لتعبر الحدود ، وتصبح إقليمية وقارية .
وخلال الآونة الأخيرة انصب اهتمام المجتمع الدولي على ضرورة التغلب على الصعاب والتحديات التي فرضتها الجريمة المعاصرة ، ومنها جريمة الاتجار في الأعضاء البشرية .
فلقد أحرز الطب نجاحا كبيرا في عمليات نقل بعض أعضاء جسم الإنسان ، وبعث الأمل في نفوس كثير من المرضى ، وجعلهم يتطبعون برغبة شديدة للحصول على الأعضاء البشرية التي يحتاجون إليها بدافع المحافظة على حياتهم .
وبما أن كثيرا من القوانين والفتاوى تبيح وتجيز التبرع والتوصية بالأعضاء البشرية إلا أن ذلك لا يسد الحاجة إلى الأعضاء اللازمة لنقلها إلى المرضى ، ليس بسبب عدم التوافق الفسيولوجي أو الطبي بين جسمي المتبرع الموصي والمريض ، وإنما يرجع ذلك بصفة أساسية إلى الإحجام عن التبرع والتوصية لأسباب إجتماعية ودينية وفكرية في المجتمع .
ونظراً لعدم إمكان حصول المرضى على الأعضاء البشرية من المصدرين المذكورين ، فقد يلجأ بعضهم وخاصة الميسورين منهم لعرض مبالغ من المال لشراء هذه الأعضاء .

وعليه سنحاول في هذه الورقة التطرق لهذه الجريمة التي أقرتها المنظمات الدولية (الرسمية وغير الرسمية ) بدءاً في التعرف على عملية نقل وزراعة الأعضاء والشروط الواجب توافرها لذلك ومن ثم الانتقال لتحويل بعض ضعاف النفوس من عملية التبرع بالأعضاء الجسدية هذه العملية النبيلة إلى جريمة منظمة تشمئز منها النفوس .

القسم الأول : زراعة الأعضاء والاتجار بها (ما هية الجريمة)

زراعة الأعضاء البشرية :

تقتضي الضرورة العلمية معرفة المقصود بالعضو ، وهل يعد الدم من لأعضاء ؟
مفهوم العضو البشري :
في اللغة : فإن العضو بالضم والكسر هو واحد الأعضاء من الشاة وغيرها ، وقيل هو كل عظم وافر اللحم ويطلق لفظ العضو أيضاً ويراد به أطراف الإنسان (ابن منظور ، 1408هـ :264 ).
والعضو عند الأطباء هو : مجموعة أنسجة تعمل مع بعضها البعض كي تؤدي وظيفة معينة كالكبد والكلية والدماغ والأعضاء التناسلية والقلب وغيرها ، والأنسجة التي يتكون منها العضو هي : مجموعة الخلايا التي تعمل مع بعضها البعض لتؤدي وظيفة معينة ، والخلية هي أصغر وحدة في المواد الحية (الشيخلي ، 2005 : 6 ) .
ويضاف إلى ذلك بأن العضو في جسم الإنسان هو كل لحم خالص أو يتجوفه عظم وه جزء من أي جهاز في الجسم كالجهاز البصري أو التناسلي أو الهضمي ، كما أن الدم هو الآخر أحد أعضاء جسم الإنسان إذ أنه يؤدي وظيفة أساسية في حياة الإنسان ، وتنقسم الأعضاء البشرية إلى الأنواع التالية :
1- من حيث القابلية للزرع : أي إمكانية نقلة من جسم لآخر كالكلى مثلا وبعكس العمود الفقري ، المثانة والمعدة .
2- من حيث القابلية للتجدد مثل الكبد والجلد عكس فصل جزء من الرئة .
3- من حيث الظهور : فهناك أعضاء ظاهرة للعيان كالأذن وأعضاء باطنه كالقلب .
4- من حيث التأثير : هناك أعضاء تؤدي للوفاة إذا فصلت كالقلب وثمة أعضاء لا تؤدي إلى ذلك كاليدين والرجلين (زغال ، 2001 : 55 ) .

إباحة نقل الأعضاء :
يذهب رأي العلماء إلى ضرورة إباحة نقل الأعضاء البشرية من الأحياء وذلك لخدمة البشرية ولكن في ظل القيود التالية :
القيد الأول : وجوب أن يكون التنازل عن العضو بدون مقابل فإذا إقترن التنازل بمبلغ مالي وجب عده غير مباحاً .
القيد الثاني : وجوب رضاء المتنازل رضاءَ حراَ ومن ثم يمكن إستبعاد المرضى العقليين أو ناقصي الأهلية .
القيد الثالث : أن يكون التنازل مقصوراً لمصلحة القريب ذي الرحم ( سعد ، 1986 : 31-33) .

جواز التبرع

تنص بعض القوانين الوضعية وتلك المستمده من الشريعة الإسلامية على جواز نقل وزراعة الأعضاء البشرية على أن للشخص كامل الأهلية قانوناً أن يتبرع أو يوصي بأحد أعضاء جسمه أو أكثر من عضو ، ويكون التبرع أو الوصية بإقرار كتابي يشهد عليه شاهدان كاملا الأهلية .
كما تجيز بعض القوانين إعطاء بعض الأنسجة أو الأعضاء على سبيل الهبة المجانية غير المشروطة ، ويجوز أخذ العضو من الميت بناءاً على وصيته ، ولا يستثنى من ذلك سوى الأعضاء التي أثبت العلم أن لها دخلاً في الأنساب .
بينما لا يجوز التبرع بأي عضو يتوقف عليه إستمرار الحياة لأنه إنتحار ، وهو من أعظم الكبائر ( ياسين ، 1998 : 61 ) .

مراحل عملية زرع الأعضاء :
تعرف عملية نقل العضو أو زرعة بأنها نقل عضو سليم أو مجموعة من الأنسجة من متبرع إلى مستقبل ليقوم مقام العضو أو النسيج التالف .
وعملية النقل أو الزرع تمر بعدة مراحل :
1- تشخيص حالة المريض وإجراء التحاليل والفحوصات الطبية لكل من الشخص المستقبل للعضو والمتبرع به أو المأخوذ منه للتأكد من خلوة من الموانع الطبية .
2- إستئصال العضو السليم من المتبرع أو جثة الميت ثم يتم حفظ العضو المأخوذ إلى حين إجراء العملية .
3- إستئصال العضو التالف من جسد المريض وبعدها يزرع العضو السليم مكان التالف.
4- يستمر الأطباء في متابعة حالة كل من المستقبل للعضو والفاقد له وبخاصة الشخص المستقبل للعضو فلا يترك حتى يتم التأكد من إستقرار حالته وقبول الجسم للعضو الغريب وتحسن حالته ( الباز ، 1988 : 94) .

تاريخ ونشأة زراعة الأعضاء
يفيد إستقراء الندوات العلمية حول نقل الأعضاء البشرية أنها تعتبر حديثة بالمقارنة مع نظام الرق والعبودية الذي يرجع إلى القوانين القديمة ، وهناك الكثير من الدول التي أصدرت قوانين وتشريعات خاصة بنقل الأعضاء وزراعتها بالإضافة إلى إنشاء بنوك للعيون وذلك للإستفادة منها في زراعة قرنية العين.
وتجدر الإشارة إلى أن زراعة القرنية بدأت قبل زراعة الكلى وأن زراعة القلب والكبد والبنكرياس تعد حديثة بالمقارنة بالقرنية والكلى ، وأول من زرع القلب البشري سنة 1968 ، ود . مايكل ديفي الذي ولد في لبنان سنة 1953 وهاجر مع عائلته عام 1908 إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث قام بإصلاح ثقب بالقلب سنة 1953 ، وزرع أول قلب صناعي سنة 1966 ، وأجرى حوالي ستون ألف عملية في القلب ، أما أول التجارب العلمية في مجال زراعة الأعضاء فقد بدأت منذ بداية القرن العشرين في عام 1902 عندما أثبت الدكتور أولمان من فيينا إمكانية زرع الكلية عندما إستأصل كلية كلب من مكانها الأصلي وأعاد زراعتها في الأوعية الدموية لرقبة الكلب ، وفي العام نفسه نقل كلية كلب وزرعها في ماعز ، وعملت الكلية لفترة قصيرة ، وفي الفترة نفسها تمكن كارل في فرنسا من إتقان توصيل الأوعية الدموية و إعادة زرع الكل في القطط والكلاب بنجاح ، وكان أستاذ كارل ، كابولي ، قام للمرة الأولى سنة 1906 بنقل كلية من خنزير إلى إنسان وأعاد التجربة بنقل كلية من ماعز إلى إنسان وفي كلتا التجربتين عملت الكلية نحو ساعة فقط ، وعلى الرغم من الإتقان الجراحي في التجارب السابقة إلا أنه كان من الطبيعي فشل هذه العمليات لعدم الدراية في تلك الفترة بدور جهاز المناعة في الجسم في رفض العضو المزروع ، وبعد ازدياد معرفة الأطباء بعلم المناعة برز الاهتمام بزراعة الكلى مرة أخرى في بداية الستينات ، تم اكتشاف الأدوية المثبطة للمناعة وفي عام 1967 أجرى "توم ستارزل" أول عملية زرع كبد في الولايات المتحدة ، وكريستيان برنارد أول عملية زرع قلب في جنوب أفريقا ، وفي عام 1971 أجرى برنارد زراعة قلب ورئة للمريض نفسه ، وفي عام 1967 جاء العقار المثبط للمناعة ليرفع نسبة نجاح عمليات النجاح لزراعة الأعضاء ، الأمر الذي أدى إلى تحسين النتائج في عمليات زراعة زرع الكلى والتوسع في زرع أعضاء أخرى ( ياسين ، مجلة الزمن ، 2002) .


الأسباب الفسيولوجية التي تبرز الحاجة إلى زرع أو الأعضاء
1- العيوب الخلقية : كأن يولد طفل مصاباً بعيب خلقي يستلزم تغيير العنصر التالف .
2- الأمراض والإصابات : كأن يتعرض العضو إلى مرض أو إصابة غير قابلة للشفاء مثل الفشل الكلوي المزمن أو الفشل الكبدي ،أو عدم قيام البنكرياس بوظائفه ، أو التعرض للإصابة ببعض الأمراض كالسرطان ، إضافة إلى تعرض الشخص لإصابة أو حادث ستلزم إستئصال العضو التالف وزرع عضو بديل .
وقد سجل الاتحاد الأوروبي للغسيل الكلوي وزراعته عام 1975 م (41232) حالة فشل كلوي تم إجراء غسيل كلوي لها وزراعة (11650) كلية وأعتمد في الزراعة على مصادر كلى من متوفين فيما يقرب 95% من الحالات ومن متطوعين أحياء 4% (الباز ، مرجع سابق : 137) .

أسباب ومواطن إنتشار الظاهرة :
1- كان للتطور العلمي أثره الواضح في الحد من النتائج السلبية التي تصاحب عملية التبرع بالأعضاء أو بيعها لزراعتها .
2- إصدار التشريعات المنظمة لنقل الأعضاء البشرية
3- تقنين وإشهار الجمعيات التي تهدف إلى تشجيع الجماهير على التبرع بالأعضاء والحصول على موافقتهم لتعويض إنسان في حاجة إليها سواء أثناء الحياة أو بعد الموات ، فكانت أول جمعية من نوعها في مصر والعالم لتشجيع التبرع وزراعة الأعضاء البشرية في 13/02/1994
4- زيادة الوعي والمعرفة بين الشعوب بعد إنتشار وسهولة الاتصال بشبكة المعلومات العالمية (الانترنت )
5- الضغوط النفسية والأدبية التي يتعرض لها المتبرع خصوصاً إذا كان المريض قريباً خاصة من الدرجة الأولى
6- الفتاوى الشرعية الصادرة عن أئمة الفقهاء وعلماء الدين حول مفهوم العمل الصالح والتضحية .
7- الدعاية الإعلامية وأثرها في ترتيب وتهيئة المناخ الاجتماعي حول أهمية تبرع المواطنين بأعضائهم خاصة تلك الأجهزة ذات الصلة بالتنشئة الاجتماعية
8- إجازة بعض التشريعات إمكانية نقل الأعضاء من المتوفين بدون موافقتهم أو موافقة ذويهم
9- المزايا الاجتماعية التي تمنح للمتبرع ( عبدالحميد ، 2005 : 356 – 357 ).

وبالنظر إلى التقدم المذهل الذي بلغته التكنولوجيا الطبية ، فقد أصبح إنقاذ بعض المرضى أمراً متاحاً وهنا من الضرورة العملية التمييز بين حالات ثلاث من هذا الإنقاذ :
1- حالة تلف عضو من أعضاء الجسم لدى المريض و إمكان معالجته ذاتياً عن طريق الاستعانة بأعضاء أخرى في الجسم ذاته كنقل شرايين الساق إلى شرايين القلب التالفة .
2- حالة تلف عضو في جسم الإنسان وإستعداد أحد أفراد الأسرة أو العائلة أو غيرهم للتبرع بهذا العضو كالتبرع بإحدى الكليتين .
3- حالة تلف عضو في الجسم وليس ثمة من يتبرع بهذا الشأن ، وهي حالة ترتبت عليها ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية وهي تجارة تمس الطبيعية الإنسانية شأنها شأن أدوات السيارة وغيرها من المكائن والآلات مما جعل هذه التجارة السوداء تزدهر .
ومن هنا يمكن الانطلاق في توضيح كيفية تجريم الاتجار في الأعضاء البشرية؟
حيث أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد وإنما نشأت عصابات تدير جرائم منظمة تقوم بأعمال تخالف الضمير الإنساني مثال ذلك :
1- إختطاف الأطفال وكذلك المشردين والمجانين والضعاف كي تقتلهم العصابات وتبيع أجسامهم بمبالغ طائلة .
2- سرقة الجثث سواء كانت جثث المحكوم عليهم بالإعدام و لا يوجد من يستلمها أو سرقة الجثث بعد دفنها في المقبرة .

وزبائن تجارة الأعضاء البشرية من الأغنياء في الأغلب الأعم ، لذلك انتبه المشرعون لهذه العمليات ، فقرروا تجريمها وحددوا عقوبات لها وابتدأت الجهات الأمنية بوضع أساليب وآليات لمكافحتها بشكل فعال .

الأعضاء البشرية بين التبرع والبيع والمتاجرة
ولكن وبعد التطرق للأسباب الايجابية التي تدفع للتبرع الذي يقوم به الإنسان من أجل الإنقاذ لحياة إنسان آخر لماذا تحولت هذه القضية الإنسانية إلى متاجرة وظاهرة إجرامية ؟؟؟
وللوقوف من أجل التصدي لظاهرة الاتجار بالأعضاء الجسدية خصصت دول العالم يوماً وطنياً للاحتفال باليوم العالمي للتبرع بالأعضاء وزراعتها الذي يصادف في 14/10 من كل عام حيث تخصص الكثير من الدول العديد من الجوائز التشجيعية للمتبرعين من خلال المراكز الرسمية وغير الرسمية والتي يطلق عليها مراكز زراعة الأعضاء أو بنوك الأعضاء كبنوك الدم وبنوك القرنيات والتي تحتوي على تقنيات علمية ومتقدمة لحفظ هذه الأعضاء ومنحها لمستحقيها عند الحاجة وفق أسس طبية وقانونية سليمة ، كما تساهم الدول من خلال العديد من الحملات الإعلامية في التركيز على أهمية التبرع بين جميع أعضاء المجتمع من أجل الحفاظ على المبادئ الاجتماعية الراقية التي تحض على التعاون والمساعدة بين جميع أعضاء المجتمع على المستوى المحلي والعالمي وهذا ما نراه في تنشره بعض الصحف المحلية في بعض دول العالم سواء من ناحية التوضيح لعمليات التبرع والزراعة لبعض الأعضاء من أجل المحافظة على أفراد المجتمع بأفضل صحة وأحسن حال نذكر هنا بعض المقتطفات الصحفية والإعلامية :
صحيفة إيلاف الإلكترونية في عددها الصادر بتاريخ 11/10/2005
"أكدت مصادر طبية مطلعة إقليميا أن زراعة الأعضاء في العالم الإسلامي شهدت تطورا ملحوظا خلال الأعوام الأخيرة لكنها لازالت تعاني من شح في توفر الأعضاء يفوق الطلب، الأمر الذي تحتاج معه تجارب دول المنطقة إلى توظيف طاقات أطراف أخرى لترسيخ وعي المجتمع بأهمية زراعة الأعضاء لإنقاذ حياة الملايين من المصابين بأمراض مستعصية. وأجمع أكثر من مائتين طبيب واستشاري دولي وإقليمي متخصص في زراعة الأعضاء التقوا في مؤتمر عقد حديثا في القاهرة تحت شعار"مقومات النجاح لفترة أطول" إن زراعة الأعضاء في المنطقة تحتاج إلى مساعدة الحكومات ومؤسسات الإرشاد الاجتماعي ورجال الدين، وتفعيل دور مراكز التنسيق وآليات عملها وجهات متابعة محلية وإقليمية لاستثمار مختلف الإمكانيات المتاحة لتطوير هذه التجربة بشكل أسرع وأكثر جدوى.
وكشف الدكتور فيصل شاهين مدير عام المركز السعودي لزراعة الأعضاء أن المؤتمر الذي شارك فيه متحدثون من دول المنطقة وأوروبا وأمريكا، أشار أن عدم استفادة تجارب زراعة الأعضاء في دول العالم الإسلامي، من أعضاء المتوفين تمثل ابرز المصاعب التي تواجهها هذه التجربة في المنطقة. وإن أوراق العمل التي قدمت خلال المؤتمر ركزت على تجارب زراعة الأعضاء في المملكة العربية السعودية وإيران وباكستان وتجارب زراعة الكلى في كل من مصر والكويت".
وذكر موقع صحة الإلكتروني في مجال التبرع بالأعضاء في عدده الصادر بتاريخ 10/10/2005 ما يلي :
"هل يجوز للمسلم أن يتبرع بعضو من جسمه وهو حي؟ بحيث يتصرف فيه بالتبرع أو غيره؟ أو هو وديعة عنده من الله تعالى، فلا يجوز له التصرف فيه إلا بإذنه؟ وكما لا يجوز له أن يتصرف في نفسه حياته بالإزهاق والقتل، فكذلك لا يجوز له أن يتصرف في جزء من بدنه بما يعود عليه بالضرر.

ويمكن النظر هنا بأن الجسم وإن كان وديعة من الله تعالى، فقد مكن الإنسان من الانتفاع به والتصرف فيه، كالمال، فهو مال الله تعالى حقيقة، كما أشار إلى ذلك القرآن بمثل قوله تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)، ولكنه ملك الإنسان هذا المال بتمكينه من الاختصاص به والتصرف فيه.

فكما يجوز للإنسان التبرع بجزء من ماله لمصلحة غيره ممن يحتاج إليه، فكذلك يجوز له التبرع بجزء من بدنه لمن يحتاج إليه.
والفرق بينهما أن الإنسان قد يجوز له التبرع أو التصدق بماله كله، ولكن في البدن لا يجوز التبرع ببدنه كله، بل لا يجوز أن يجود المسلم بنفسه لإنقاذ مريض من تهلكة أو ألم مبرح، أو حياة قاسية؟

وإذا كان يشرع للمسلم أن يلقى بنفسه في اليم لإنقاذ غريق، أو يدخل بين ألسنة النار، لإطفاء حريق، أو إنقاذ مشرف على الغرق، أو الحرق، فلماذا لا يجوز أن يخاطر المسلم بجزء من كيانه المادي لمصلحة الآخرين ممن يحتاجون إليه؟
وفى عصرنا رأينا التبرع بالدم، وهو جزء من جسم الإنسان، يتم في بلاد المسلمين، دون نكير من أحد من العلماء، بل هم يقرون الحث عليه أو يشاركون فيه، فدل هذا الإجماع السكوتي إلى جوار بعض الفتاوى الصادرة في ذلك على أنه مقبول شرعًا.
وفى القواعد الشرعية المقررة: أن الضرر يزال بقدر الإمكان، ومن أجل هذا شرع إغاثة المضطر، وإسعاف الجريح، وإطعام الجائع، وفك الأسير، ومداواة المريض، وإنقاذ كل مشرف على هلاك في النفس أو ما دونها.

ولا يجوز لمسلم أن يرى ضررًا ينزل بفرد أو جماعة، يقدر على إزالته ولا يزيله، أو يسعى في إزالته بحسب وسعه.
ومن هنا نقول: إن السعي في إزالة ضرر يعانيه مسلم من فشل الكلية مثلاً، بأن يتبرع له متبرع بإحدى كليتيه السليمتين، فهذا مشروع، بل محمود ويؤجر عليه من فعله، لأنه رحم من في الأرض، فاستحق رحمة من في السماء.

والإسلام لم يقصر الصدقة على المال، بل جعل كل معروف صدقة. فيدخل فيه التبرع ببعض البدن لنفع الغير، بل هو لا ريب من أعلى أنواع الصدقة وأفضلها، لأن البدن أفضل من المال، والمرء يجود بماله كله لإنقاذ جزء من بدنه، فبذله لله تعالى من أفضل القربات، وأعظم الصدقات.

وإذ قلنا بجواز التبرع من الحي، بعضو من بدنه، فهل هو جواز مطلق أو مقيد؟
والجواب: أنه جواز مقيد، فلا يجوز له أن يتبرع بما يعود عليه بالضرر أو على أحد له حق لازم عليه.من هنا لا يجوز أن يتبرع بعضو وحيد في الجسم كالقلب أو الكبد مثلاً، لأنه لا يعيش بدونه، ولا يجوز له أن يزيل ضرر غيره بضرر نفسه، فالقاعدة الشرعية التي تقول: الضرر يزال، تقيدها قاعدة أخرى تقول: الضرر لا يزال بالضرر، وفسروها بأنه لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه.
ولهذا لا يجوز التبرع بالأعضاء الظاهرة في الجسم مثل العين واليد والرجل، لأنه هنا يزيل ضرر غيره بإضرار مؤكد لنفسه، لما وراء ذلك من تعطيل للمنفعة وتشويه للصورة.ومثل ذلك إذا كان العضو من الأعضاء الباطنة المزدوجة، ولكن العضو الآخر عاطل أو مريض، يصبح كعضو وحيد.،
ومثل ذلك: أن يعود الضرر على أحد له حق لازم عليه، كحق الزوجة أو الأولاد، أو الزوج، أو الغرماء وقد سألتني إحدى الزوجات يوما: أنها أرادت أن تتبرع بإحدى كليتيها لأختها، ولكن زوجها أبى، فهل من حقه ذلك؟
وكان جوابي: أن للزوج حقًا في زوجته، وهى إذا تبرعت بإحدى كليتيها فستجرى لها عملية جراحية، وتدخل المستشفى، وتحتاج إلى رعاية خاصة، وكل ذلك يحرم الزوج من بعض الحقوق، ويضيف عليه بعض الأعباء، فينبغي أن يتم ذلك برضاه وإذنه.
والتبرع إنما يجوز من المكلف البالغ العاقل، فلا يجوز للصغير أن يتبرع بمثل ذلك، لأنه لا يعرف تمامًا مصلحة نفسه، وكذلك المجنون.

ولا يجوز أن يتبرع الولي عنهما، بأن يدفعهما للتبرع، وهما غير مدركين، لأنه لا يجوز له التبرع بمالهما، فمن باب أولى لا يجوز التبرع بما هو أعلى وأشرف من المال وهو البدن. بحيث يتصرف فيه بالتبرع أو غيره؟ أو هو وديعة عنده من الله تعالى، فلا يجوز له التصرف فيه إلا بإذنه؟ وكما لا يجوز له أن يتصرف في نفسه حياته بالإزهاق والقتل، فكذلك لا يجوز له أن يتصرف في جزء من بدنه بما يعود عليه بالضرر".

بيع الأعضاء البشرية
يكون بيع الأعضاء ، كبيع الدم ، الحيوان المنوي ، البويضة ، الكلى ، الخصية والرحم ، وقد تعددت الآراء الفقهية القانونية بشأن عملية بيع الأعضاء البشرية ويمكن تقسيمها إلى فريقين ، الأول يجيز عقد بيع الأعضاء البشرية ، والثاني يحرم بيع الأعضاء شرعاً وقانوناً :
الفريق الأول ويقدم الحجج التالية :
1- لا أثر لوجود الثمن على إنعقاد العقد صحيحاً لأن الثمن مقابل العضو ، وبيع العضو المزدوج كالعين والكلية لا يتنافى مع الكرامة الإنسانية ،وإنما هو حماية إنسان لآخر من خطر الموت .
2- إن بيع جزء من الجسد كالدم والجلد ممن هو من الأعضاء المتجددة لا يتنافى مع حرمته فهذا لا يقوده للهلاك.
3- يجب ألا يترتب عن بيع العضو أية عاهة جسدية دائمة كما يجب ألا يكون البيع بدافع الشهرة .
أما الفريق الثاني فقدم الحجج التالية :
1- يحرم عقد بيع الأعضاء البشرية شرعاً وقانوناً فهو عقد باطل وذلك لأن محله ليس المال وإنما النفس أو الجسد البشري .
2- جسد الإنسان ليس محلاً للتجارة ولا محلاً للبيع بالتجزئة ، فالقيم الإنسانية تسمو على المال وبما أن المحبة أسمى القيم فيمكن أن يتبرع إنسان لآخر عن جزء من جسده بدافع المحبة لا المال .

الاتجار بالأعضاء البشرية :

نشأة تجارة الأعضاء البشرية
ترجع نشأة تجارة الأعضاء البشرية إلى ما بعد النصف الثاني من القرن العشرين حيث تخطت زراعة الأعضاء مرحلة التجارب إلى مرحلة التطبيق الآمن خاصة بعد عام 1970 ، ويعد الرقم العالمي في زراعة الأعضاء وتحملة فتاة أمريكية زرع لها سبعة أعضاء في جسمها عام 1997 بينما زرع خمسة أعضاء ( الكبد ، البنكرياس ، المعدة ، الأمعاء الغليظة ، الأمعاء الدقيقة ) لشخص في العقد الرابع بولاية ميامي في الولايات المتحدة الأمريكية واستغرقت العملية 72 ساعة متصلة .
وعليه فإن ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية حديثة بالمقارنة مع الظواهر الإجرامية الأخرى حيث أدى التطور التقني والعلمي إلى الانتقال من مجال التجارب الصناعية واستخدام الهندسة الطبية إلى مجال التطبيق في زراعة الأعضاء البشرية البديلة .

يقصد بالاتجار بأنه مصدر يقصد به البيع والشراء بقصد الحصول على ربح وهو التجارة ، وإذا كان محل التجارة مشروعاً كانت مشروعة كالاتجار في السلع والبضائع ، أما إذا كان محل التجارة غير مشروع فهي تجارة غير مشروعة كالاتجار في المخدرات والاتجار في بني البشر ومثله عدم جواز نقل عضو من جسم بشري مقابل ثمن من أجل الاتجار ، ويحظر إنشاء مؤسسات تجارية تهدف إلى الاتجار في الأعضاء البشرية أو التوسط في معاملات تكون موضوعاً لهذه الأعضاء فهذه المعاملات باطلة بطلاناً مطلقاً .

ويقترح البعض بأن يكون التنازل عن بعض أعضاء الجسد بدون مقابل وأساس ذلك تعارض البيع والشراء مع كرامة الإنسان ومن ثم لا يجوز أن يكون هناك مقابل مادي أو نقدي أو على شكل هدية .
إن التصرف القانوني بالبيع في العضو البشري المكرر أو غيره في أثناء الحياة أو بعد الوفاة باطل لمخالفته قواعد النظام العام والآداب العامة وأن بيع الدم البشري أو الكلية أو القرنية مثلاً إنما هو عمل غير أخلاقي يرفضة الوجدان العام مهما كانت دوافعة ، كما أن إباحة تجارة الأعضاء البشرية يحول الإنسان من مخلوق كرمه الله إلى سلعه تجارية تخضع لسوق العرض والطلب وهذا ما لا يجوز ديناً وأخلاقاً وقانوناً .

وعليه فإن الاتجار بالأعضاء البشرية هي كل عملية تتم بغرض بيع أو شراء للأنسجة أو عضو أو أكثر من الأعضاء البشرية وهي تجارة حديثة بالمقارنة بتجارة الأشخاص ، أما التبرع بدون مقابل فلا يعد من أعمال التجارة في الأنسجة أو الأعضاء البشرية .
والأسباب التي تقف وراء زيادة الاتجار وبيع الأعضاء البشرية هي:
1- الحاجة إلى المقابل المالي أو إلى ثمن العضو الذي يتم يتبرع به نتيجة للأوضاع الاقتصادية السيئة لبعض المجتمعات مما جعل الناس تقوم ببيع بعض أعضاء جسدها بسبب الحاجة .
2- اتساع نشاط الجريمة المنظمة في تطور هذه التجارة ونموها حيث استغلت الجريمة المنظمة هذا المجال الجديد لتحقيق أرباح هائلة وجاء في تقرير البرلمانية السويسرية الموجه إلى الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي أنه في حين يدفع طالبو الأعضاء 100 إلى 200 ألف دولار أمريكي لعملية الزرع يقوم واهبوا الأعضاء ببيع الكلية بثمن 3000 دولار.
3- من المؤكد أن عملية النقل بين الأشخاص الذين لا تربطهم صلة قرابة تتم في سرية تامة ، كما لا توجد أرقام حقيقية أو تحريات يمكن الاستناد إليها لتطبيق القوانين على المخالفين ، وفي سبيل تخطي كافة المشاكل الأمنية يلجأ السماسرة إلى إجبار المتطوعين للتوجة إلى الدول مثل روسيا واكرانيا وتركيا لإجراء الجراحة يكون المتبرع قد لجأ وفقاً لأحكام القانون إلى المكان طواعية وإختياراً منه .
4- التقدم العلمي والتقني الطبي وما حققه من إنجازات علمية في نقل وزراعة الأعضاء البشرية.
5- تعدد الأمراض وتنوعها وانتشارها
6- زيادة أعداد المحتاجين للأعضاء من المرضى في أنحاء العالم
7- الزيادة في السكان مما أحدث إنفجار سكاني في العالم
8- عدم ارتباط المتاجرة بزمان أو مكان محدد
9- عدم وجود أنظمة أو قوانين كافية تنظم عملية زرع الأعضاء في بعض البلدان أو عدم تجريمها في بعض البلدان الأخرى وغياب الضبط الاجتماعي الرسمي الخاص بمكافحتها
10-عدم وجود رقابة صارمة على العاملين بمهنة الطب مما أدى إلى وجود التلاعب بهذه الأعضاء سواء بنزعها أو نقلها .
11- كثرة عدد أطفال ما يسمى بالأطفال غير الشرعيين بالإضافة إلى أطفال الشوارع مما جعلهم عرضة للخطف والسرقة وبالتالي سرقة أعضائهم .
12- عدم وجود بدائل صناعية لبعض أعضاء جسم الإنسان الأمر الذي جعل من إستمرار حياة بعض الناس من الصعوبة بمكان .
13- ضعف الوازع الاجتماعي والديني والأخلاقي لدى بعض فئات أفراد المجتمع .
14- وجود بعض الاكتشافات العلمية التي تسهل عملية المتاجرة كالثلج الجاف الذي يمكن أن يحفظ الأعضاء البشرية لفترة طويلة من الزمن .
وتعد هذه الأسباب هي موطن الخطورة في قضية الاتجار بالأعضاء البشرية حيث تحولت بعض المدن إلى أسواق لعرض وبيع الأعضاء البشرية ويؤكد ذلك تقرير جمعية الأخلاق الطبية الذي كشف عن أن الغالبية العظمى من عمليات نقل الكلى منذ بداية إجرائها في مصر وحتى اليوم تتم طريق البيع والشراء وقد إتسعت هذه التجارة حتى تحولت القاهرة إلى سوق دولي لبيع الكلى من الفقراء المصريين إلى الأثرياء العرب أو المصريين وأصبحت هذه الحقيقة معروفة وثابتة في جميع الأبحاث التي تناولت القضية بالإضافة إلى إرتفاع عدد بلاغات المتغيبين والمفقودين إضافة إلى المخالفات ذات الصلة بمراعاة الأصول الطبية.

بيانات الظاهرة ومواطنها :
بالرغم من الطلب الذي وجهة مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المعقود في ميلانو خلال الفترة من 26/08 إلى 06/9/1989 في قراره المعنون (تطوير المعلومات والنظم الإحصائية) الخاصة بالجريمة والقضاء الجنائي إلى الأمين العام لنشر وتعميم البيانات المجمعة من نتائج الاستقصاء بوصفها قاعدة بيانات بسيطة ، حيث تبين من نتائج الاستقصاء الثالث للأمم المتحدة حول التغيرات التي طرأت على اتجاهات الجريمة أنه قد حدث تغيير غير مسبوق في معدلات الجريمة في الفترة من 1975 – 1980 و 1980 – 1986 ، كما أثبتت أحد التقارير أن السنوات العشر الماضية ازدادت فيها معدل الجرائم بصفة عامة في معظم أنحاء العالم بمتوسط عالمي 5% ، وأن هذا المعدل يفوق الزيادة التي يمكن أن تعزا إلى النمو السكاني في أي مجتمع الأمر الذي يمكن القول بأن الجرائم تتجاوز وبسرعة قدرة وإمكانيات كثير من البلدان على الحد منها .

البيانات المسجلة حول الاتجار في الأعضاء البشرية :
نظراً لطبيعة وخصائص جريمة الاتجار والأعضاء البشرية وأثر ذلك على الإحصاءات الرسمية التي يمكن أن تتناول هذه الجريمة على مستوى دول العلم فقد شهدت شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) خلال العامين الماضيين سوقاً سوداء إلكترونية لعصابات مافيا الأعضاء البشرية حيث قدمت بعض الشركات مزادات على الانترنت للأعضاء البشرية السليمة يطرح فيها للبيع كل شيئ بدءاً من القلوب إلى الكلى والكبد ، الدم ، والنخاع حتى الجلد والشعر والسائل المنوي وذلك بأسعار تنافسية .
وقد أسهم في انتشار هذه الظاهرة التعديلات التشريعية التي صدرت في العديد من الدول سواء بجواز بيع الأعضاء أو إجراء عملية الزرع .
أولاُ : أسباب إضطراد عمليات نقل الأعضاء وعدم توافر معلومات عنها :
ومن المؤكد حالياً زيادة عدد حالات الاتجار في الأعضاء البشرية إلا أنه لا يمكن الوصول إلى المعلومات الحقيقية عن هذا العدد وذلك لمجموعة أسباب أهمها :
1- الطبيعة السرية التي تتم فيها عملية التوسط في النقل من خلال الشبكات الإجرامية المنظمة .
2- الافتقار إلى التحريات الكافية والتحقيقات ذات الصلة بالموضوع .
3- تدني الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة في كثير من الدول كما هو الحال في الهند ، مصر ومنطقة البلقان خاصة سكان البوسنة والبانيا وحديثاً العراق وأفغانستان .
4- الثغرات التشريعية في القوانين الوضعية حيث يتم تأمين وصول المتبرع إلى مكان إجراء الجراحة بإعتباره سائحاً فضلاً عن عدم وجود تشريعات تلزم المستشفيات بتقديم إحصائيات عن عمليات نقل الأعضاء البشرية التي تتم فيها سواء من حيث النوعية أو العدد .
5- حرص المتلقي على إتمام الصفقة بصفة سرية لإنقاذ حياته من الهلاك .
6- حرص بعض المؤسسات العلمية على إستكمال أبحاثها العلمية بما يحقق لها الريادة والسبق في مجال البحث العلمي .
7- الإيثار والرغبة في تقديم العون والتضحية من أجل الآخرين خاصة بين الأشخاص الذين تربطهم صلة قرابة .
8- حرص بعض الحكومات على حظر عمليات نقل الأعضاء أو التبرع بها حتى لا يكون للحظر نتائج عكسية على عمليات نقل الأعضاء التي قد تنقذ حياة المرضى أو تسهم في زيادة التقدم العلمي .
9- بيانات بشأن العصابات والأشخاص المتورطين في عملية الاتجار بالأعضاء البشرية .

ثانياً : أهم العصابات الإجرامية والأشخاص المتورطين في عملية الاتجار بالأعضاء البشرية
تفيد التقارير التي نشرتها بعض الصحف أن عصابات المافيا الدولية تلتقي فيما بينها لتحقيق أهدافها في مجال تجارة الأعضاء البشرية التي تمثل الدجاجة السحرية حيث تدر ما يقرب من تسعة مليارات دولار سنوياً ، وأنها تستخدم كافة السبل ، مع تحديد نقاط تسلسل لها شبه ثابتة بعد التأكد من ضمان كونها ستظل ساكنة ، وآمنة من خلال الرشاوى والتزوير ومن أخطر عصابات المافيا العالمية في تجارة الأعضاء البشرية :
1- المافيا الفيتنامية
وهي تعد بوابة التسلل إلى أوروبا الأوسع والأنشط وتتخذ من موسكو محطة ترانزيت في نقل الأعضاء البشرية عبر الحدود البولندية الألمانية ، وفي حال نجاح عمليات التهريب إلى داخل المانيا تعمد المافيا الفيتنامية بالتعاون مع المافيا البولندية والروسية لنقل الأعضاء لداخل المدن الألمانية بحيث تتم عمليات البيع هناك ، ومما يساعد المافيا الألمانية في تحقيق أهدافها وجود ألوف من عقود العمل المسبقة تم إبرامها لأسباب إنسانية، إضافة إلى الصعوبات التي تواجهها دوائر الشرطة الأوروبية عند التثبت من الفيتناميين نظراً لتشابة أشكالهم الخارجية عند مقارنتها بالصور الفوتوغرافية المثبتة بالأوراق الثبوتية ، فضلاً عن تشابه أسمائهم .
2- المافيا الروسية
ينتمي معظم قياداتها إلى أجهزة الاستخبارات الشرقية مستفيدين في ذلك من شبكة العلاقات الوثيقة التي كانت قائمة بينهم ، وتعد موسكو المحطة الرئيسية لتهريب الأعضاء البشرية وتمثل نقاط العبور البولندية – التشيكية أفضل السبل بسبب الرشاوى التي تدفع للعاملين في الأجهزة الرسمية .
3- المافيا المغربية
وهي تسيطر على شمال أفريقيا إلى أوروبا من خلال ممرها الرئيسي ( مضيق جبل طارق، وتقيم مراكز لها على حدود المغرب وتونس والجزائر متخذه من البحر سبيلاً للتهريب خاصة ليلاً ) فيصل البعض ويهلك البعض الآخر بسبب ثقل الحمولة على القوارب أو أمواج البحر العاتية .
4- المافيا اللبنانية
وتنشط في مناطق الجنوب والبقاع والشمال اللبناني حيث تغرر بالشباب العاطل والمعرض للموت بسبب النزاعات والحروب ويتم التهريب من خلال مدينة صور الجنوبية ، إلى دمشق ، حيث الطريق إلى تركيا أو رومانيا ، وبحسب الإحصائيات فإن عدد اللاجئين القادمين من لبنان إلى المانيا بلغ 550000 شخص ، فضلاً إلى شغف اللبنانيين في حب الهجرة والتنقل ، ومن أخطر ما يحيط المافيا اللبنانية هو إمكانية إستغلال جوازات السفر وتسهيل وصولها إلى الأجهزة الأمنية في إسرائيل .

ثالثاً : شخصيات ألقي القبض عليهم في تجارة البشر والأعضاء البشرية
نظراً للعائد الكبير الذي تدره عمليات الاتجار بالأعضاء البشرية ، وأمام ضعف بعض النفوس البشرية فإن المستوى العلمي أو الوظيفي أو الشهرة لم تمنع بعض الشخصيات من التورط في هذه المهنة الإجرامية سعياً وراء جمع المال بصرف النظر عن مصدره .
فقد ألقت الشرطة البلجيكية القبض على جان بيار أستاذ الرياضيات في جامعة لوفان الكاثوليكية بتهمة الاتجار بالبشر من أجل أعضائهم الجسدية ، وفي بريطانيا تم ضبط شخص بلغاري بتهريب العديد من الأشخاص من أجل بيع أعضائهم الجسدية ، وفي فرنسا تم توقيف مغني الروك بابا ويمبا بتهمة التهريب في إطار تحقيق شبكة مدعومة لهجرة الأفارقة غير الشرعيين بدأت عملها في عام 2000 ( عبدالحافظ ، مرجع سابق : 370 -373).

الآثار السلبية لظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية :
1- الآثار الاقتصادية :
من المسلم به أن العنصر البشري يعد أحد الدعامات الأساسية للاقتصاد في كل الدول وتحرص الدول المتقدمة على تنمية هذا العنصر بكافة الوسائل والأساليب بدءاً من التنشئة السليمة وإنتهاءاً بالتأهيل والتدريب ، إلا أنه مع الزمن ظهرت بعض الظواهر الإجرامية التي تركت أثاراً سلبية على الفرد والمجتمع ومنها ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية:
- استحداث دوراً جديداً لتكتلات وجماعات الجريمة المنظمة كان له أثراً على دفة الاقتصاد والساسة على المستوى الإقليمي والعالمي .
- تغلغل المحترفين في عصابات وتكتلات الجريمة المنظمة إلى المواقع الأكثر تأثيراً في قوة الدولة الاقتصادية بما يحقق أهدافهم .
- حرص الدول النامية على الاستفادة من رؤوس الأموال الأجنبية المتنقلة إليها بصرف النظر عن مصادرها ( تبييض أموال ، تجارة الأعضاء وغيرها ) بهدف تنفيذ خطط التنمية الطموحة فيها رغم الآثار السلبية التي تضر بالإقتصاد لاحقاً .
- تحول النظرة إلى الجريمة المنظمة باعتبارها ظاهرة دولية نتيجة لأتساع السوق العلمية لتجارة الأعضاء البشرية .
- التغيير السريع حول مفهوم عالمية النظم وأثره في التعديل الجذري لنطاق عمل المنظمات الإجرامية في مجال تجارة الأعضاء البشرية وحرصها على تطوير نظمها المحلية لتصبح منظمات إجرامية عابرة للجنسية.
- حرص منظمات تجارة الأعضاء البشرية على مد نشاطها من خلال مسؤولين وطنيين لتمكينها من مباشرة نشاطها عبر الحدود الوطنية خاصة في الدول الفقيرة .
- ظهور عادات اقتصادية غير سليمة أهمها تشجيع المعاملات المشبوهة ، الاستثمارات ، سريعة الربحية قصيرة الأجل ، السعي إلى التأثير أو الضغط على المتسولين ، شيوع سلوك التهرب الضريبي .
- خفض معدلات النمو الاقتصادي في المجتمع .
- زعزعة التنمية الاقتصادية والتشكيك في قدرات وشرعية النظام السياسي بم يؤثر على إستقرار الحالات الاقتصادية .
- المساس بخطط التنمية والحماية الاجتماعية
- نشأة إحساس لدى الجماهير بالخوف وعدم الثقة .
- تشجيع الشباب على الهجرة بالإيحاء أو العقود الوهمية مما يترتب عليه ضياع حياتهم .
- إنتشار الأمراض السرية بين أبناء المجتمع خاصة فئة الشباب بما ينعكس على قدراتهم الإنتاجية .
- زيادة الأعباء التي تتحملها الدولة في توفير الرعاية الطبية والاجتماعية للأشخاص ضحايا تجارة الأعضاء البشرية .
2- الآثار الاجتماعية
تكاد المكتبات تفتقر إلى البحوث العلمية الدقيقة ، والشاملة في هذا الموضوع ، وذلك لتشعب مكوناته ، وهلامية الحدود بين هذه المكونات ، وعناصر موضوعات أخرى ذات صلة به فضلاً عن كون هذه المكونات لا زالت تثير جدلا بين أهل الاختصاص خاصة فيما يتعلق بحق الإنسان في التصرف في أعضائه حياً أو أن يوصي بذلك بعد وفاته ، من ذلك الاختلاف حول تحديد مفهوم الموت وهل المقصود هو الموت الاكلينكي الذي يحدث بعد توقف القلب والرئتين ، أو الموت الحقيق ( توقف المخ) أو موت جذع المخ ، أو الموت الجزئي أي موت الخلايا وقد قررت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الدورة الثانية عام 1995 حول الموت الدماغي بأن الشخص يعتبر ميتاً في حالتين :
- عند التوقف الكامل الذي لا رجعة فيه لوظائف الجهاز التنفسي ، والجهاز القلبي الوعائي .
- عند التوقف الكامل الذي لا رجعة فيه لكل وظائف الدماغ بأجمعه بما في ذلك جذع المخ مع ضرورة التحقق من ذلك حسب المعايير الطبية المعمولة .
ومن الاختلافات أيضاً ، مشروعية نقل الأعضاء أو التصرف فيها حيث يؤيد معظم أهل الفقة أنه يجوز نقل الأعضاء من شخص حي أو ميت وزرعها في آخر وفق شروط هي :
- وجود حالة ضرورة عاجلة متوقفة على زرع العضو .
- عند نقل القلب لا بد من تأكد من وفاة صاحبة .
- لا بد من إذن المتبرع .
- أخذ الحيطه في هذه الواقعة حتى لا تكون ذريعة لقتل النفوس وفتح باب المتاجرة بأعضاء الإنسان .
- ألا يكون ذلك بمقابل مادي .
- لا يجوز نقل الأعضاء التي تصدم مع مقاصد الشريعة مثل نقل الخصيتين والمبيض .
- أن يؤمن الضرر على المتبرع ، وأن يغلب على الظن إنتفاع المتبرع به


• آثار الاتجار بالأعضاء بالنسبة للمجتمع
- انتهاك الأصول الشرعية ومخالفة القوانين الوضعية التي تحرم الاتجار ( كان الكونجرس الأمريكي قد منع بيع الأعضاء منذ عام 1984 إلا أن الهيئات الصحية تتجه إلى الترخيص ببيع الأعضاء ، والسماح للمتبرعين من قبض أموال مقابل بيع الأعضاء أو الخلايا للمرضى المحتاجين لمواجهة ما يقرب من 80 ألف مريض على قائمة زراعة الأعضاء يموت منهم 15 ألفاً قبل أن يصل العضو المطلوب نقله إليهم .
- ارتفاع معدلات جرائم الخطف وقضايا الاحتيال والنصب بما يقوض دوام الاستقرار الاجتماعي ، والأمني حيث تبين الدراسة الاستقصائية الثالثة للأمم المتحدة عن اتجاهات الجريمة ، وعمليات تنظيم العدالة بإرتفاع جرائم الخطف .
- إنتشار سوق سوداء لشراء وبيع الأعضاء .
- ظهور تحديات أخلاقية تهدد بانهيار النظم الصحية في المجتمع خاصة عندما يكتشف المريض سرقة أعضائه خصوصاً أثناء الجراحات البسيطة .
- إستحداث بدائل للخلايا الجينية (الاستنساخ ) خاصة بالنسبة للبتوليات التي قد تنمو بشكل غير صحيح أو تنتج أنسجة غير طبيعية بما يثيره إعتراضات أخلاقية .
- إهدار المبادئ الأساسية حول مفهوم الكرامة الإنسانية وحق الإنسان في التصرف في أعضائه .
- اختلاط الأنساب خاصة عندما يتعلق الأمر بنقل الأعضاء التناسلية للرجل أو المرأة .
- استغلال النتائج السلبية في عمليات الزراعة لإشاعة فشل عمليات الزراعة سواء بالنسبة للمعطي أو المتلقي بما ينعكس على استمرار التطور العلمي .
• أهم آثار الاتجار بالأعضاء بالنسبة للشخص الناقل
أقصد بالشخص الناقل هنا الإنسان الحي الذي يتم استقطاع أحد أعضائه ونقله إلى شخص آخر ، حيث يتعرض لمشاكل أهمها :
- فقد الثقة حيث أن الطبيب عندما يعطي النصيحة بالتبرع سواء بالنسبة للمعطي أو المستقبل فإنه ينصح من موقع السلطة العلمية ، وغالباً ما يكون بشكل ضمني ، ويكون استقبال المعطي دائماً حذراً لأنه إما أن يستسلم إستسلاماً إيحائياً أقرب للتنويم أو يعترض بإعتبار ذلك تدخلاً بإعتبار ذلك تدخلاً في إرادة الله .
- وضع العلاقات العائلية كوحدة دينامية واحدة في محل اختبار شديد من حيث امكانية الأخذ والعطاء بين الأعضاء ، وما ينتج عنه من مواجهة نفسية تمثل مشكلة عملية عندما لا يعرف المعطي ما يمكن أن يترتب على العطاء من آثار نفسية ، أو يكون المعطي ناضجاً ويستلزم الأمر إجراء مناقشة علمية صريحة حول دور الكلى ، ووظائفها الحالية والمستقبلية ، واحتمال تعرضها للفشل بما يؤثر على العلاقات العائلية .
- ما يمكن أن يتعرض إليه الشخص المعطي من مخاطر أو آلام نفسية أثناء الاختبارات أو أثناء العملية .
- الأثر النفسي لفشل العملية بعد النقل كما في حالة وفاة المتلقي أثناء الجراحة أو طرد جسمه للعضو المتقول .
- العجز النسبي الذي يصيب جسم المتبرع بعد إجراء العملية خاصة فيما يتعلق بإمكانية استمرار القيام بالعمل أو أداء الدور الاجتماعي المطلوب منه على النحو الذي كان يقوم به قبل إجراء العملية .
• أهم آثار الاتجار بالأعضاء بالنسبة للشخص المنقول إليه
الشخص المنقول إليه هو ذلك الشخص الذي تم نقل العضو المستقطع من الشخص المعطي أو الناقل وزراعته في المكان المخصص إليه طبياً أو بيولوجياً
- الشعور بالندم وعدم الثقة في حال فشلت العملية وطرد جسمه للعضو المنقول
- إعتلال النسيج العائلي نتيجة للرفض من قيام أحدهم في التبرع للشخص المحتاج من العائلة .
- الآثار الاقتصادية المترتبة نتيجة للتكاليف الباهضة في مثل هذه العمليات والتكاليف المترتبة نتيجة للعناية اللاحقة .
- الشعور بالقلق المصاحب عند رؤية الشخص المعطي نتيجة للخوف من اللوم .
- الشعور الدائم بأن هناك من سوف يقوم بالانتقام منه من أفراد عائلة المعطي أو الذي تم شراء العضو منه .
- عدم الشعور بالأمن نتيجة للمطاردة الأمنية من رجال التحقيقات في الكشف عن مافيا المتاجرة بالأعضاء البشرية .
- كثرة عمليات الابتزاز التي سيتعرض لها من قبل الأطباء أو الشخص الذي باع أو المافيا نفسها .
- فقدان الثقة بشخص الطبيب المعروف عنه بأنه أحد ملائكة الرحمة.

صعوبة تحديد حجم جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية
بادئ ذي بدء لا تشكل الجريمة المنظمة في مجال الاتجار بالأعضاء البشرية ظاهرة قائمة تعاني منها منطقتنا العربية ، حيث لا توجد دلائل أو مؤشرات على وجودها في الوقت الحالي ، بيد أنه لا بد من توخي الحذر والحيطه اتجاه الظاهرة التي تتعدى آثارها مجتمع الدولة الواحدة لتصيب بأضرارها العديد من الدول الأخرى.
ولقد بدت في الآونة الأخيرة تظهر مؤشرات تنبئ بخطورة ظهور تجارة جديدة مربحة في الأعضاء البشرية من خلال وسطاء وسماسرة ومتاجرين يضطلعون بأنشطة إجرامية غير مشروعة في هذا المجال ، وإن كانت قائمة في بدايتها ومحصورة في حالات محددة في بعض مناطق دول العالم ، حيث وجدت بها حالات لتصدير أعضاء الجسم البشري باستخدام مستندات ووثائق مزورة ، كما كشفت حالات لجثث موتى في مشارح لم يطالب بها أحد كانت محلاً لانتزاع أعضاء بشرية منها ، ووجدت بعض حالات لاتجار بالأطفال بغية استغلالهم في عمليات نقل وزراعة الأعضاء ( سليم ، 2005 : 3-4 ) .
والجدير بالذكر في هذا الصدد أنه من الصعوبة بمكان تحديد حجم ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية تحديداً وتدقيقاً ،نظراً لما يكتنف هذا الموضوع من مشقة في بيان محدداته بإعتباره من الموضوعات ذات الرقم المظلم والتي تحتاج إلى البيانات والإحصاءات الواضحة لتحديد حجم هذه الظاهرة وذلك للأسباب التالية :
- وجود قصور كبير في جمع البيانات والإحصاءات على المستوى الدولي حول ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية وذلك نتيجة للاختلافات الواضحة في تحديد الظاهرة من دولة لأخرى مما أظهر العديد من الصعوبات في الإجراء الإحصائي الدقيق لهذه الظاهرة .
- وفي حالة توافر بعض الإحصاءات والبيانات من جانب بعض الدول ، فإنها لا تشير إلا على دلائل بسيطة غير مؤكدة لحجم هذه الظاهرة ، حيث أن جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية تعد من الجرائم الخفية التي لا يتم الكشف عنها .
- عدم توافر معلومات عن ضحايا الاتجار بالأعضاء البشرية ، اللهم إلا في حالة إستعدادهم للإدلاء بأقوالهم طواعية ، فالضحية تواجه حالة من التردد الشديد للإبلاغ عما وقع لها خوفاً من تهديدات المتاجرين بهم أو الإهانات التي ستتعرض لها أو خشية إنقطاع المورد المالي عنهم ، ولهذه الأسباب مجتمعة يظل العدد الأكبر من قضايا الاتجار بالأعضاء البشرية.
خطر الاتجار بالأعضاء البشرية
شهدت العلوم الطبية تطوراً هائلاً عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية نتيجة للتقدم العلمي والاكتشافات البيولوجية والمستحدثات العلاجية واستخدام التقنيات الحديثة ، الأمر الذي كان له أثره الواضح في تغيير العديد من المفاهيم والقواعد الأصولية المستقر عليها علمياً وطبياً وقانونياً .
وإزاء هذا التطور ، فقد عكف شراح القانون والأخلاق بالاشتراك مع الأطباء والبيولوجين على وضع أطر قانونية وأخلاقية يمكن من خلالها التوفيق بين المتناقضات التي أفرزتها الثورة البيولوجية الحديثة ، بحيث يتاح للأطباء والعلماء المضي في طريقهم نحو البحث والتجريب دونما عراقيل تعوق عملهم وتحرم البشرية من تلك الفوائد للأبحاث والتجارب العلمية ، وفي ذات الوقت ينبغي احترام المبادئ القانونية والأخلاقية ذات الصلة بهذا الموضوع والتي من بينها مبدأ استقلالية الشخص والحفاظ على الكرامة الآدمية ومراعاة النظام والآداب العامة ، والتي تشكل جميعها نقط الارتكاز والدعامة التي تقوم عليها تلك الأطر القانونية والأخلاقية المراد استحداثها كي تحكم الممارسات الطبية والعلمية الحديثة .
ونتيجة لما تقدم فقد نشأ فرع جديد من العلوم الإنسانية يعرف بعلم أخلاقيات العلوم الإحيائية ، وهو ينظم الممارسات الطبية والعلمية الحديثة ، من حيث مدى مشروعيتها ، وطبيعة القيود والضوابط القانونية التي يجب أن تحكمها ، وحقيقة هذه الممارسات على نطاق الحماية القانونية والأخلاقية للجسم البشري ، وهذا العلم يتكون من قسمين رئيسين ، الأول : متخصص دقيق يتناول بالتحليل والدراسة المبادئ الأخلاقية والقانونية التي تحكم المساس بالجسم البشري من بينها استقلالية الشخص وحق الإنسان في الخصوصية والكرامة والحق في سلامة الجسد وتكاملة ، والثاني : ذو طابع عام وشامل يتناول كافة المسائل المتعلقة بالصحة والسلامة العامة داخل المجتمع .
وفي ضوء هذا العلم المتقدم ، ظهر مؤخراً العديد من التشريعات القانونية الخاصة بتنظيم الممارسات الطبية والعلمية الحديثة ، وقد أصطلح على تسمية أي تشريع في هذا المجال بقانون أخلاقيات العلوم الإحيائية ، ومن أبرز التشريعات التي ظهرت في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ومطلع القرن الحالي :
- قانونا أخلاقيات العلوم الإحيائية الفرنسيان رقم (653) و(654) لسنة 1994 ، اللذان اشتملا على تنظيم شبه متكامل للممارسات الطبية والعلمية الحديثة الواردة على الجسم البشري ، وأرسيا مبادئ قانونية وأخلاقية ، من بينها مبدأ عدم المساس بالكيان المادي للإنسان إلا بناءاً على رضائه الحر والمستنير ولمصلحة علاجية واضحة ، وكذلك مبدأ الحفاظ على الكرامة الآدمية وعدم جواز اعتبار الجسم البشري محلاً للحقوق المالية .
- قانون نقل و زراعة الأعضاء البريطاني لسنة 1989 ، والذي بدأ فيه واضحاً أثر مبادئ أخلاقيات العلوم الإحيائية ، وهو الأمر الذي تدل عليه كثرة النصوص التي تحظر عملية الاتجار بالأعضاء البشرية بما في ذلك حظر كافة أشكال الإعلانات التجارية في هذا الصدد ، وفرض عقوبات للإخلال بذلك .
- بعض التشريعات الفيدرالية في أمريكا والتي تعنى بتنظيم أنماط محددة من الممارسات الطبية والعلمية الحديثة الماسة بمادة الجسم البشري بوجه عام ، بيد أن هناك تشريعاً خاص بموضوع دراستنا وهو القانون القومي الخاص بتنظيم عمليات نقل وزراعة الأعضاء البشرية لسنة 1984 والذي تضمن مبدأ حق الشخص في تقرير مصير كيانه المادي ومبدأ استقلالية المريض في اتخاذ ما يراه مناسباً من قرارات إلى آخر ذلك من البادئ ذات الطابع الليبرالي الذي يمكن ملاحظته بمجرد إستقراء أحكام هذا القانون.

مبدأ مجانية التصرف وحظر الاتجار بالأعضاء البشرية
يبرز خلاف حول مدى وجوب أن يكون التبرع بالأعضاء البشرية مجانياً ، وهناك اتجاهان أساسيان في هذا الشأن : أولهما يرى في مبدأ مجانية التصرف في الأعضاء البشرية ، حصانة تضمن عدم انحراف هذا النوع من الممارسات الطبية الحديثة في مجال نقل وزراعة الأعضاء عن أهدافها وتبقي الجسم البشري داخل إطار متين من الحماية القانونية والأخلاقية والدينية ، ثانيهما : لا يرى في وجود مقابل مادي ذي سمات خاصة ما يهدد القيم والضمانات التي يحرص عليها أنصار الاتجاه الأول .
في واقع الأمر فإن جوهر المشكلة في هذا الموضوع ، لا يبدو متعلقاً بمدى التأثير بأي من الاتجاهين السابقين – سواء المؤيد لمبدأ مجانية التصرف بالأعضاء البشرية دون الاستثناءات ، أو المعارض لهذا المبدأ بقيود وشروط معينة ، بيد أن الأمر يبدو لنا متعلقاً ومرتبطأ بشكل أو بأخر بالتغيرات المتلاحقة التي يموج بها مجتمعنا الدولي الآن ووجود مؤشرات عن إضطلاع عصابات الإجرام المنظم بأنشطة إجرامية في مجال الاتجار بالأعضاء البشرية .
وإذا كان الأمر كذلك ، فإن وجهة نظرنا في هذا الموضوع سوف تتجاوز تلك الخلافات محاولة البحث عن إطار واق للبشرية من تلك الممارسات غير المشروعة التي بدأت تظهر في بعض مناطق العالم ، وذلك من خلال حماية إرساء حماية جنائية لسلامة الجسد البشري وإمتداد نطاق الحماية التي لا تنحسر عن ذوي الحاجة من الفقراء الذين يمثلون السواد الأعظم في مجال تجارة الأعضاء ( سليم ، مرجع سابق : 5-7 ) .
كما أن وجهة نظرنا في تطويق رواج عمليات الاتجار بالأعضاء البشرية من جانب فئة أخرى غير المانحين أو المتبرعين والفئة التي نعنيها سماسرة الاتجار بالأعضاء البشرية الذين تم رصد حالات لهم لتصدير أعضاء بشرية بإستخدام مستندات مزورة عبر الحدود وذلك من واقع تقارير ووثائق تم عرضها بالفعل في أعمال مؤتمر الأمم المتحدة التاسع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين الذي عقد بالقاهرة خلال الفترة من 29/04 – 08/05/1995 م ، وهو ما حث عليه أيضاً قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي رقم 1994/19 بمواصلة تطوير التدابير الرامية لمنع ومكافحة الاتجار المنظم في أجزاء البشري .

توافق مبدأ مجانية التصرف بالأعضاء البشرية مع المبادئ الأخلاقية والدينية
ولعل في مبدأ مجانية التصرف بالأعضاء البشرية – مع توافر الشروط الأخرى وبخاصة الرضا المستنير والمصلحة العلاجية – ما يشكل حصانة تضمن عدم انحراف عمليات نقل وزراعة الأعضاء عن أهدافها النبيلة ويحقق في ذات الوقت سياجاً متيناً لمنع رواج الاتجار بالأعضاء البشرية ، والقول بغير ذلك يعد أمراً منافياً للمبادئ الأخلاقية والدينية نظراً لما يلي :
- من ناحية أول يقتضي الحفاظ على كرامة الإنسان وحرمة كيانه الجسدي أن يظل ذلك الكيان بكافة اجزائة ومكوناته بمنأى عن أي تعامل مالي بحيث يجب إحاطته دائماً بحماية وقدسية تجعله غير قابل لأن يكون محلاً للحقوق والتصرفات المالية ، و إلا غدا جسم الإنسان سلعة مقدرة بمال يمكن تداولها لمن يدفع أكثر ، الأمر الذي يضيف من نطاق الحماية الواجب توافرها لضمان سلامة وتكامل جسم الإنسان .
- ومن ناحية ثانية فإن وجود مقابل مادي يخرج عمليات نقل وزراعة الأعضاء عن دائرة المنفعة العلاجية والتراحم وروح التضحية التي تتسم بها ، فيصبح هدف تحقيق الربح المادي هو الغالب في هذه الممارسة ، ومن ثم تصبح الصفقات التجارية هي الفيصل في قبول إجتزاء أي عضو من جسد الإنسان ، ولا سلطان على الشخص بعد ذلك في اتخاذ قراره بالتنازل عن أحد أعضائه سوى مدى إحتاجه المادي ، والذي سيشكل دائماً الباعث الدافع إلى قبوله بيع جزء من جسده لسد إحتياجاته ، الأمر الذي سيفضي حتماً إلى إنحسار نطاق الحماية القانونية عن طائفة الفقراء من الناس الذين هم تحت وطأة الحاجة ، وتصبح أجسادهم محلاً لاستثمار سماسرة تجارة الأعضاء والأثرياء من المرضى الذين يحتاجون إلى إجراء عمليات زراعة الأعضاء .
وفضلاً عن ذلك فإن بيع الأعضاء يتعارض والقيم والعادات والتقاليد الاجتماعية ، وأحكام وتعاليم الديانات السماوية التي أضفت على الجسم الآدمي هالة من القدسية لا يجوز ابتذاله بجعله مما يباع ويشترى لما في ذلك من إهدار كبير لكرامة الإنسان وانتهاك لحرمة كيانه الجسدي .

موقف المنظمات والجمعيات الدولية والإقليمية المعنية في مجال مواجهة الاتجار بالأعضاء البشرية :
لم تدخر المنظمات والجمعيات الدولية والإقليمية المعنية ، جهداً في إصدار القرارات والتوصيات التي تؤكد على ضرورة المحافظة على كرامة الإنسان وحرمة كيانه الجسدي إضفاء صبغة العمل الخيري على هذه الممارسات الطبية الحديثة في هذا المجال ، والمناداة بضرورة درء أي شبهة إتجار بالأعضاء .
هذا ولقد تواترت إدانة هذه المنظمات والجمعيات وحظرها لفكرة وجود مقابل مادي في عمليات نقل وزراعة الأعضاء ، وكذا التوصية بحظر أي إعلانات تنطوي على صبغة تجارية تدعو إلى التبرع بالأعضاء البشرية .
- في عام 1970 قررت لجنة الأخلاق التابعة لجمعية زراعة الأعضاء الدولية أنه" لا يجوز ومحظور على المانح تلقي أي تعويض مادي ، ولا يجوز بيع الأعضاء تحت أي ظرف ، ويسري ذلك على الأعضاء المنقولة من شخص حي ، أو تلك التي يتم الحصول عليها من الجثث".
- وفي عام 1985 أصدر مجلس جمعية زراعة الأعضاء توصياته بضرورة أن تكون عمليات نقل الأعضاء مبنية على أسس إنسانية محضه وعلى ذلك فلا يجوز أن يتلقى المانح أي مقابل مادي لقاء العضو المتبرع به وأوصى المجلس كذلك بضرورة حظر الإعلانات ذات الصبغة التجارية الخاصة على التبرع بالأعضاء مقابل مالي ، وفرضت الجمعية في قرارها الصادر في هذا الشأن نوعاً من الجزاء التأديبي على أعضائها من الأطباء الذين ثبت اشتراكهم في إجراء عملية نقل وزراعة عضو ذات صبغة تجارية ، ويتمثل هذا الجزاء في حرمان الطبيب المشارك في هذا النوع من العمليات من عضوية المنظمة .
- ومن ناحية أخرى أصدرت الجمعية الطبية العلمية توصياتها بحظر الاتجار بالأعضاء البشرية وذلك في اجتماعها السابع والثلاثين الذي عقد في 1985 في بروكسل ، وكذلك في إجتماعها التاسع والثلاثين عام 1987 في مدريد حيث جاءت التوصيات الصادرة عن الاجتماعين في مجملهما مؤكدة على مبدأ مجانية نقل الأعضاء فيما بين الأحياء ، وكذلك حماية شعوب الدول النامية والذين تشكل أجساد فقرائهم أحد الموارد الرئيسية للحصول على الأعضاء وبوجه خاص الكلى التي يتم نقلها إلى بعض دول العالم المتقدمة لزراعتها لطائفة الأثرياء من المرضى – وهذه التوصية تشكل اعترافاً بوجود اتجار منظم بالأعضاء البشرية عابر للحدود الوطنية .
- وفي عام 1986 م أصدرت الجمعية الأوروبية لزراعة الكلى قراراً تضمن في فقرته الأولى أنه من غير المقبول ومن المنافي للأخلاق ومبادئ مهنة الطب القيام بتشجيع الأشخاص على التبرع بالأعضاء عن طريق الضغط عليهم وإغوائهم بالوسائل المادية، وقد جاء في الفقرة الرابعة من هذا القرار أنه يجب على الأطباء المشاركين كافة في عمليات نقل وزراعة الأعضاء أن يستوثقوا من عدم وجود مقابل مادي لقاء قيام المانح بالموافقة على نقل عضو من جسمه ، حيث لا يجوز لهولاء الأطباء المشاركة في إجراء هذه العمليات طالما كانت تنطوي على بواعث مادية .

موقف لجنة منع الجريمة والعدالة الجنائية للأمم المتحدة في مجال مواجهة الاتجار بالأعضاء البشرية :
في حقيقة الأمر أن موضوع الاتجار بالأعضاء البشرية ، يعد من الموضوعات الحديثة والتي بدأت تفرض أهميتها خلال الآونة الأخيرة نظراً لوجود مؤشرات لظهور شكل جديد من أشكال الجريمة المنظمة تضطلع من خلال العصابات أو المنظمات الإجرامية بممارسة أنشطة إجرامية غير مشروعة في مجال الاتجار بالأعضاء البشرية .
وقد طرح هذا الموضوع على مستوى منظمة الأمم المتحدة خلال العقد الأخير من القرن العشرين ، حيث دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي في قراره 1994/19 المؤتمر التاسع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين إلى تحديد وبحث الأشكال الجديدة للجريمة المنظمة ، مع الأخذ في الاعتبار إمكانية أن ينشأ بمرور الزمن اتجار منظم غير مشروع في أجزاء الجسم البشري ودعا المؤتمر أيضاً إلى مواصلة تطوير التدابير الرامية على منع ومكافحة الأشكال الجديدة للجريمة المنظمة ومن بينها الاتجار المنظم بالأعضاء البشرية .
وعملاً بالقرار المتقدم للمجلس الاقتصادي والاجتماعي تقدمت الأمانة العامة للجنة منع الجريمة والعدالة الجنائية بتقرير حول أشكال الجريمة المنظمة طرح على أعمال مؤتمر الأمم المتحدة التاسع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين الذي عقد بالقاهرة عام 1995 بينت فيه أخطار الجريمة المنظمة الوطنية وعبر الحدود الوطنية وأجملت الاتجاهات والتطورات الرئيسية بشأنها ، واستعرضت المبادرات المتخذه على الصعيدين الوطني والدولي لمكافحة جميع أشكال الجرائم ، وأوضحت معلومات أساسية من أجل تحديد الاستراتيجيات ذات الصلة والرامية إلى منع الجريمة ومكافحتها والتي من شأنها تقديم مزيد من الدعم للتعاون الدولي ، وإذا إنتقلنا من التعميم السابق بشأن ما تضمنه التقرير عن الجريمة المنظمة بوجه عام إلى التخصيص الذي نحن بصدده عن الاتجار بالأعضاء البشرية ، فقد ورد في الفقرة (52) من هذا التقرير أنه توجد الآن تجارة مربحة في أعضاء الجسم البشري تنطوي في بعض مناطق من دول العالم .
كما ورد في الفقرة (53) من هذا التقرير ما يدل على خطورة هذه الظاهرة ، حيث جاء بها "وربما اتسمت مشكلة الاتجار بأعضاء الجسم البشري بخطورة أشد خاصة في ظل وجود جثث لموتى لم يطالب بها أحد يمكن أن تكون محلاً لانتزاع أعضاء بشرية منها ، ومن ثم فإن زراعة الأعضاء البشرية قد غدا أربح تجارة ويتوقع له استمرار النمو .
وأوردت الفقرة(54) من هذا التقرير أنه قد وجدت حالات لتصدير أعضاء الجسم البشري بإستخدام مستندات زائفة ، وحالات مؤكدة للاتجار في بعض مناطق دول العالم ، وكان معظم مشتريها من طبقة الأثرياء ، كما أن إحتمالات الارتشاء في الأوساط الطبية ( وثائق الأمم المتحدة ، بن4 ، : 11-17) .

.../ ...

منقول
 

karim

Administrator
طاقم الإدارة
إنضم
14 يونيو 2009
المشاركات
3,311
مستوى التفاعل
112
النقاط
63
الإقامة
الجزائر
رد: جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية ( الجزء الأول )

بارك الله فيك

شكرا على الموضوع القيم
 

youcef66dz

عضو متألق
إنضم
3 أكتوبر 2009
المشاركات
3,788
مستوى التفاعل
114
النقاط
63
رد: جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية ( الجزء الأول )

بارك الله فيك

شكرا على الموضوع القيم
و فيك بركة ..
العفو ... نورت الموضوع بمرورك الكريم .
 

المواضيع المتشابهة

أعلى