benamrane

عضو
إنضم
21 نوفمبر 2011
المشاركات
32
مستوى التفاعل
6
النقاط
8
الإقامة
متليلي غرداية
سحب القرار الاداري
تمهيد:

إن القرارات الاداريه وبصفه عامه, تعتبر أكثر مرونـة واقل استقرارا من الأعمال القانونية في مجال القانون الخاص , ومـن المسلم به في فقه القانون العام الحديث أن القرارات الاداريه تخضع لقواعـد مغايره تماما عــن تلك التي يعرفها القانون الخاص, وان هذه القواعد تستجيب بمرونـة لمقتضيات حسن سير المرافق العامة ذلك أن المرفق العام الذي ترجعه إليه غالبيه قواعد القانون الإداري الحديثة , يخضع لثلاث أسس عامه هى:

دوام سيره بانتظام واطراد , وقابليته للتغير والتبديل في كـل وقت , ومساواة المنتفعين أمامه. ومـن هذه الأسس الثلاثة اشتقت معظم أسس وقواعد القانون الإداري الحـديث, ومنها القواعد المتعلقة بامتيازات السلطة الاداريه (1).

وتعد القرارات الاداريه من أهم مظاهر ألامتيازات التي تتمتع بها الســلطة الإدارية والتي تستمدها من القانون العام وأيضا وسيلتها المفضلة فـي القيام بوظائفهـا المتعددة والمتجددة في الوقت الحاضر لما تحققه مـن سرعه وفاعليه في العمل الإداري, وامكانيه البت من جانبها وحدها في أمر مـن الأمور, دون حاجه إلى الحصول على رضــا ذوي الشأن,أو حتى معاونتهم وذلك بإنشاء حقوق للإفراد أو التزامات عليهم, هذا بالاضــافه إلى قدره الاداره على تنفيذها تنفيذا مباشرا وبالقوة الجبرية (2).

يمكن تعريف القرار الإداري بأنه (( إفصاح الإدارة في الشكل الذي يتطلبه القانـون عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطه عامــه, بمقتضي القوانين واللوائح وذلك بقصد إحداث مركز قانوني متى كان جائزا وممكنا قانونا ابتغاء تحقيق مصلحه عامه)).

أن القانون الإداري يعترف للاداره العــامة, بســلطة تقديريه أو بقدر مـن حرية

التصرف في مباشره معظم اختصاصاتها ومسئوليتها القانونية - باعتبارها الامينه على المصلحة العامة - مثل هذه السلطة أو هـذا القدر من حرية التصرف يعد بمثابة الشرط الأول لحياة وبقاء كـل أداره, خاصة بعد تعاظم الـدور الذي أصبحت تضطلع به الاداريه العامة في الوقت الراهن, نتيجة تشعب وتداخل مجالات ومسئوليات الدولة الحديثة (3).

وتطبيقا من المشرع لهذه السلطة التقديرية التي منحها للاداره , فقد أعطاها الحق في سحب بعض ما تصدره مـن القرارات , إذا كانت هذه القرارات غـير مشروعه قانونا أو كانت قرارات غـير ملائمة ابتغاء للصالح العام وحسن سير المرافق العامـة , وللتخفيف من على عاتق القضاء ,الذي يسهر على رقابه مشروعيه القـرارات الاداريه بالإلغاء والتعويض , فمنح الاداره سلطه سحب قراراتها ليقلل بذلك من حالات اللجوء للقضاء من اجل الطعن في هذه القرارات. ويمكن التظلم من القرارات الاداريه المعيبة, ويكون المتظلم هنا بالخيار سواء بالتظلم إلى من اصدر القرار المعيب أو إلى رئيسه الاعلي. ويسـمي التظلم الأول بالتظلم الولائي أما التظلم الثاني بالتظلم الرئاسي, ويمتاز هـذا الطريق بالسهولة واليسر كما انـه يحقق مبدأ المشروعية بالاضافه إلى انه يحسم المراكز القانونية وهي في مهدها تفاديا للوصول بـها إلى القضاء , ويعتبر القرار الصادر في التظلم قرارا إداريا تفصح به الجهة الإدارية عن إرادتها الملزمة, والدليل على ذلك انه يجوز للمضرور من هذا القرار اللجوء للقضاء للطعن فيه بالإلغاء , كما يجوز للجهة مصدره القرار(الجهة الاداري) سحب هذا القرار.

ومما لا خلاف , عليه انه يجوز للجهة الاداريه سحب القرارات الاداريه المعيبة بعيب عدم المشروعية, وذلك مثل القرارات الاداريه التي لا تولد حقوقا أو لاعتبارات عـــدم الملائمة,أما بالنسبة للقرارات الاداريه المشروعة هل يجوز للجهة الاداريه مصدره القرار إن تســحب هذا القرار المشروع,استقر قضاء مجلس الدولة الفرنسي ونظيره المصري على انه لا يجوز سحب القرار الإداري السليم , إلا وفقا للحدود المقررة في القانون في هذا الشأن, وهذه القاعدة مبنية على أسـاس عدم رجعيه القرارات الإدارية. ونظرا لأهمية موضوع سحب القرارات الإدارية غير المشـروعة , فقد صيغت فـي صوره نظريه متكاملة ذات قواعـد وشـروط , صاغها مجلس الدولة الفرنسي , ونقلها عنه مجلس الدولة المصري (4). ويري الدكتور احمد حافظ نجم أن سـحب القرار الإداري غيـر المشروع يعتبر نوعا من الجزاء الذي توقعه الإدارة على نفســها بنفسها نتيجة إصدار قرار غير مشروع، توفر بــه على نفسها تلقي ذلك العقاب مـن القاضي الإداري, فيما لو طعن احد الإفراد إمامه بعدم مشروعيه ذلك القرار , بما يجعله قاضيا بإلغائه لا محالة (5). وإذا كان كل من سحب القرار الإداري وإلغائه, يؤديان إلى نتيجة واحده وهي التخلص من القرار المعيـب, إلا أن أسباب سحب القرار الإداري أوسع من أسباب الطعن بالإلغاء, فهي علاوة على احتوائها على الأسباب التقليدية للطعن بالإلغاء , فإنها تتضمن السحب لاعتبارات الملائمة ووفقا لمقتضيات المصلحة العامة, بالاضافه إلى أن اللجوء إلى طريق التظلم من القرار الإداري المعيب توصلا إلى سحبه, هـو طري سـهل وميســور على المضرور من هذا القرار , لأنه يوفر عليه مؤنـه اللجوء للقضاء (6). وتتمثل الحكمة الاساسيه من منح المشرع للجهة الاداريه مصدره القرار الحق فــي سحب هذا القرار , هي الوصول إلى احترام القانون وذلك من خلال التوفيق بين اعتبارين متناقضين.

الأول: تمكين الجهة الاداريه مـن إصلاح ما ينطوي عليه قراراها مــن مخالفه قانونيه.

الثاني: ويتمثل فـي وجوب اسـتقرار الأوضاع القانونية المترتبة على القرار الإداري, والسحب بهـذه الصورة يحفظ لمبدأ المشروعية قوته وفاعليته بإذلالـه القرارات الـتي تصدر بالمخالفة له وتدفع الأفراد إلى احترامه (7). ومن هذا المنطلق سوف نقسم هذا البحث إلى ثلاث فصول, نتحدث فـي الفصل الأول منـها عن ماهية سـحب القرار الإداري وذلك مـن حيث تعريفه وبيان طبيعته القانونية والأسـاس القانوني لحق الجهة الاداريه في سحب قراراتها ثم نعقد مقارنة سـريعة بين كلا من السحب والإلغاء، وفي الفصل الثاني نتعرض بالحديث عن أنواع القرارات الاداريه مـن حيث مـدي جواز سحبها ونفرق في هذا الشأن بـين القرارات الاداريه المشروعة ومدي جواز سـحبها والاستثناءات التي ترد عليهـا والقرارات الاداريه غير المشروعة، أما في الفصل الثالث فنتعرض فيه للآثار التي تترتب على سحب القرار الإداري.

تعريف سحب القرار الإداري

اختلف الفقه الفرنسي والمصري, حول تعريف سحب القرار الإداري, وذلك الاختلاف يرجع إلى اختلاف الزاوية التي ينظر كل منهم إلى موضوع سحب القرار الإداري منها , فمنهم مــن ينظر إلى السحب مـن زاوية السلطة التي أصدره القرار بغض النظر عن طبيعة القرار نفسه, في حين ينظر جانب أخـر عند تعريفه لسحب القرار الإداري إلى الطبيعة القانونية للسحب بجانب السلطة مصدره القرار.

يعرف الأستاذ دلوبادير سحب القرار الإداري: بأنه محو القرارات المعيبة بأثر رجعي عن طريق مصدرها. يعيب هذا التعريف انه ينكر ما للسلطة الرئاسية من حق سحب القرارات المعيبة التي تصدر مـن السلطة الادني , فهو يقصر الحق في السـحب على السلطة مصدره القرار أي ما يعرف بالتظلم ألولائي فقط, وهذا هو الاتجاه الغالب فــي الفقه والقضاء الفرنسي, ويري الأستاذ حسني درويش عبد الحميد, تعليقا من سـيادته انه يمكن تحليل هذا الموقف إلى أن الفقهاء يعتبرون إن السـحب , أذا صدر من جانب السلطة الرئاسية يعتبر إبطالا وليس سحبا. في حين يتجه الفقه الفرنسي المعاصر إلى تعريف السـحب بأنه إعدام للقرار ومحو آثاره بأثر رجعي عن طريق مصدره أو من السلطة الرئاسية أما بالنسبة لتعريف سـحب القرار الإداري في الفقه المصري, ذهـب الفقيه الكبير سليمان الطماوي إلى أن السحب هو إلغاء بأثر رجعي. ويمتاز هذا التعريف بالسهولة واليسر , فهو يبين إن السـحب ينطوي على شقين, الأول هو الإلغاء أي إنهاء الوجود المادي والقانوني للقرار المسحوب , والشق الثاني يبين أن القرار المســحوب ينتهي وتنتهي كل أثاره سواء بالنسبة للمستقبل وكذلك الماضي, فيعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل صدور القرار . يعرف الدكتور عبد القادر خليل سحب القرار الإداري بأنه هو عمليه قانونيه تمكن السـلطة الاداريه من أعاده النظر في القرار الذي أصدرته بالنسبة للماضي والمستقبل بأثر رجعي. ويعرف الدكتور حسني درويش عبد الحميد السحب بأنه رجوع الاداره سواء مصدره القرار الإداري آو السلطة الرئاسـية في قرار أصدرته بالمخالفة للقانون ويكون السحب بأثر رجعي



ويتضح لنا إن كل التعريفات السابقة, تتفق فـي مضمونها على مجموعة من النقاط, وان اختلفت أحيانا في ألفاظها فالعبرة كما تقول المحكمة الاداريه العليا بالمعاني وليست بالألفاظ والمباني وهذه النقاط هي:

1- إن السحب هو محو للقرار الإداري.

2- انه لابد وان يترتب على السحب إلغاء الآثار المترتبة على القرار فيما يتعلق بالماضي, وكذلك التي يمكن أن تترتب في المستقبل.

3- إن السحب يعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه.


طبيعة قرار السحب

من الأمور المسلم بها قانونا, أن المشرع قـد أعطي الجهة الاداريه مصدره القرار الحق في ســحب هذا القرار طبقا للإجراءات والقواعد التي يحددها القانون فـي هذا الشأن, إذا رأت أن هــذا القرار مخالف للقانون أو انه غير ملائم للظروف التي صدر فـي ظلها, وذلك يعتبر تطبيقا لمبدأ الســلطة التقديرية التي منحها المشـرع للإدارة وتحقيقا لمبدأ المشروعية . وإمعانا من المشرع في السـمو بمبدأ المشروعية , والحفاظ على حقوق الأفراد والوقوف أمام طغيان الاداره وجموحها الذي يتزايد , فقد أعطي لكل ذي شأن الحق في الطعن في القرارات الاداريه المعيبة , وحدد المشرع طرق هذا الطعن في طريقتين هما التظلم الإداري والطعن القضائي.

أولا: التظلم الإداري:

كما ذكرنا فيما سبق أن هذا الطريق طريق سـهل وميسور على المضرور , ويكون لذوي الشأن في هذا النوع من التظلم, أن يتقدم بتظلمه للجهة مصدرة القرار أو للسلطة الرئاسية, ويسمي النوع الأول بالتظلم ألولائي, والنوع الثاني بالتظلم الرئاسي.



ثانيا: الطعن القضائي:

هذا هو الطريق الثاني إمام ذوي الشــأن, وهو اللجوء للقضاء طالبا الحكم بإهدار القرار وأثاره القانونية من وقت نشأته وزوال أثاره بأثر رجعي , ويـعيب هذا الطريق انه وعر المسك شدد الوطأة, ويتميز باجراته المعقدة وأطاله أمد التقاضي (14). ويتضح مما تقدم أن لصاحب الشــأن, الحق في الاختيار فيما بين الطريق القضائي والطريق الإداري(وذلك فيما عدا حالات التظلم الإجباري) كما أن صاحب الشأن لا يحرم من حقه في التظلم الإداري أذا هـو ولج الطريق القضائي, فإذا اختار صاحب الشـأن طريق التظلم ولم يفلح في الحصول على حقه وطرحت الاداره وجهة نظره واعتبرت أن قرارها متسق مع صحيح القانون, فان له الحق في ولوج الطريق القضائي طالبا الحكم له في مسألته (15). ويعتبر القرار الصادر في التظلم, قرارا إداريا تفصح به الجهة الاداريه عـن إرادتها الملزمة في رفض تظلم ذوي الشأن, ويترتب على ذلك أن لذوي الشأن الحق في الطعن في هذا القرار أمام القضاء, كما يحق للجهة مصدره القرار أو للسـلطة الرئاسية حـق سحبه.

وتأكيدا للطابع الإداري للقرار الساحب , قد استقر القضاء الإداري المصري في شأن القرار التأديبي انه ليس حكما قضائيا بل هو قرار إداري يخضع لما تخضع له القرارات الاداريه من أحكام , وذلك على الرغم مـن أن الإجراءات التأديبية تسـير على غرار الإجراءات المتبعة أمام المحاكم القضائية. ويتضح لنا مما سبق أن طبيعة القرار الساحب هي طبيعة إداريه , فقرار السحب ما هو إلا قرار إداري يخضع وبصفة عامه إلى ما تخضع له القرارات الاداريه مـن أحكام وهذا ما استقر عليه الفقه في كلا من فرنسا ومصر, وذلك على خلاف الأحكام القضائية فهى تتمتع بحجية الشيء المقضي فيه , والتي لا يجوز الطعن فيها إلا وفقا للطرق التي حددها القانون للطعن في الأحكام القضائية. وفـي هذا المعني يقول العميد سليمان الطماوي (( إن السحب الإداري يتم بقـرار إداري يخضع لكافه القواعد والأحكام المنظمة للقرارات الاداريه . فالقرار المسحوب إذا كان سليما لا يجوز الرجوع فيه إلا وفقا للحدود المقررة في هذا الخصوص, فإذا كـان غير مشروع فانه لا يمكن الرجوع فيه إلا في جلال مدد الطعن )) (16). وفي هذا المعني يقول احد أحكام القضاء الإداري ( الحكم القضائي هو الذي تصدره المحكمة بمقتضي وظيفتها القضائية ويحسم على أساس قاعدة قانونيه خصومه قضائية تقوم بين خصمين وتتعلق بمركز قانوني خاص أو عام, ولا ينشئ الحكم مركزا قانونيـا جديدا, وإنما يقرر فـي قوه الحقيقة القانونية وجـود حق لأي من الخصمين أو عـدم وجوده, فيعتبر عنوان الحقيقة فيما قضي به متى حاز قوه الشئ المقضي به (17).

وكما هو ظاهر فالحكم القضائي هو الذي يكتسـب حجية الشئ المقضي به , وهذه صفه جوهريه تتصل بالإحكام القضائية وحدها أما قرارات السحب الصادرة مـن الاداره فهي قرارات إداريه وليست قرارات قضائية ويرجع ذلك إلى التباين في وظيفة كل مـن القرار الإداري والحكم القضائي (18). ونخلص من ذلك كله إلى أن قرارات السحب, سواء كانت صادره من السلطة مصدره القرار أو من السلطة الرئاسية لها, ما هـي إلا قرارات إداريه يجوز الرجوع فيها جلال المدة المقررة للسحب قانونا, وانه يلزم لصحتها الأركان المقررة قانونا لصحة القرارات الاداريه, من حيث الاختصاص والسبب والشكل والغاية والمحل.

الأساس القانوني لحق الاداره في السحب

من المسلم بــه إن المشرع لم يمنح الجهة الاداريه الحق فــي سحب ما تصدره مــن قرارات, إلا من اجل منحها فرصه لتصحيح الأوضاع المخالفة للقانون ورد تصرفاتها إلى نطاق المشروعية وتحقيق الصالح العام. ولكن ما هو ذلك الأساس القانوني, الذي يعطي الحق للجهة الاداريه في ســـحب بعض ما تصدره من قرارات, هل هـــو تحقيق مبدأ المشروعية أم تحقيق الصالح العام أم الرغبة فـــي ضرورة استقرار الأوضاع والمراكز القانونية للإفراد, اختلف الآراء الفقهية التي قيل بها لتبرير حــق الاداره في سحب قراراتها المعيبة فردوها إلى عــــده نظريات وذلك على النحو التالي:

النظرية الأولى : نظرية المصلحة الاجتماعية

إن المستقر في القضاء الإداري أن سحب القرارات, قــد شــرع لتمكين الجهة الإدارية مـــن تصحيح خطاء وقعت فيه, ويقتضي ذلك أن يكون القرار المراد سحبه قد صدر مخالفا للقانون , أما إذا قام القرار الإداري على أسس صحيحة مستوفيا شروطه القانونية فانه يمتنع على جهة الاداره سحبه, لانتفاء العلة التي مـــــن اجلها شرعه قواعد السحب وذلك احتراما للقرار واستقرارا للأوضاع وتحقيقا للصالح العـــــام , وقــــد اجمع الفقه المصري والفرنسي على أن القرار المعيب يتحصن من السحب والإلغاء, بمرور مدد الطعن القضائي دون الطعن عليه بالإلغاء حيث يصبح القرار في هذه الحالة مشروعا. ويــري الدكتور عبد القادر خليل, أن المصــلحة العامة هـــــي الأســاس القانوني لحق الاداره فــــــي سحب قراراتها الاداريه, فالمصلحة العامة هدف عام يجب أن تسعي الاداره إلى تحقيقه أثناء مباشره ســـــلطتها وإدارتها للمرافق العامـــة, فان تجاوزته فان تصرفها يـوصم بـــعيب بالانحراف . فأصحاب هذه النظرية, يذهبون إلى أن الأساس الذي من اجله منحت الاداره الحق فــي سحب قراراتها, هو ضرورة استقرار المراكز والأوضاع القانونية للإفراد لان في ذلك وبلا شك تحقيقا للصالح العـــام (أو المصلحة الاجتماعية للإفراد) فهم يغلبون مبــــدأ اســتقرار الحقوق والمراكز القانونية على, مبدأ المشروعية واحترام القانون لان فـــــــي مراعاتها ضمان حسن سير المرافق العامة بانتظام واطراد.



النظرية الثانية : نظريه احترام مبدأ المشروعية

يتزعم هذا الاتجاه العميد ديجي فيذهب سيادته إلى أن الأساس القانوني لحق الاداره في سحب قراراتها المعيبة هـــو مبدأ المشروعية . وعلي هـذا المبدأ يجب على الاداره أن تلتزم فـــي إصدار قراراتها باحترام مبدأ المشروعية , وان يكون هــــذا المبدأ هو المهيمن على كافه تصرفاتها, فإذا هـــي خالفته بالخروج عليه وجب عليها الرجوع فـــــي قراراتها المخالفة للقانون , ولا تثريب عليها إن هي عادت إلى حظيرة القانون في أي وقت. ويقول العميد ديجي أن هذا المبدأ ليس له , ولا يمكن أن يكون له , ولا يجب أن يكون له , أي استثناء وانطلاقا مــن هذا المبدأ , فلجهة الاداره حـــق الرجوع فــــي قراراتها أو تصحيح الأخطاء القانونية التي تقع فيها في كل وقت وانه ليس لأحد أن يشكو مـن سحبها لقراراتها الاداريه لان هذه السلطة إذا تقررت فـهي مقرره لمصلحه الأفراد , وانه إذا اضر هذا السحب بأحد فيكفي أن يقرر له الحق في التعويض. وانتهي العميد ديجي إلى أن مبدأ المشروعية يجب أن يكون هـو الاعلي ومـن ثم له الاولويه والغلبة دائما, على مبدأ المساس بالمراكز الفردية المكتسبة كلما حدث تعارض بينهما وحجته فـــــي ذلك , إن القرار الباطل لا يولد حقوقا , وبناء على ذلك يري إمكان سحب القرار الباطل فـــــي كل وقت, تحقيقا لمبدأ المشروعية والقول بغير ذلك يعرض مبدأ المشروعية للخطر, وهو ما لا يمكن التسليم به. وفي رأيي, إن ما نادي به العميد ديجي لا يمكن التسليم بـه في كافه جوانبه, لأنه يغالي في الدفاع عن مبدأ المشروعية ويجعله على مـــــن اعتبارات ضرورة استقرار الأوضاع والمراكز القانونية للإفراد, فهو يري أن مــــن حق الجهة الاداريه الحق في السحب في أي وقت وغير مقيده بمده معينه مدام أن القرار معيب. فهذا أن كان من شانه أن يودي إلى احترام مبدأ المشروعية, إلا انـــــه سوف يودي إلى زعزعه استقرار المراكز والأوضاع القانونية للإفراد, ويؤدي إلى الإضرار بالصالح العام في النهاية.



الأساس المقترح

في رأيي انه لا يمكن التسليم بأي نظريه مــــن هذه النظريات السابقة منفردة, لان كل منها يدافع عن جانب دون الوضع في الاعتبار الجانب الأخر, فالرأي الأول يدافع عــن مبدأ ضرورة اســتقرار الأوضاع والمراكز القانونية, وتغليبه على مبدأ المشــــروعية واحتـرام القانون أما الرأي الثاني فيدافع بقوه عــــن مبدأ المشروعية واحترام القانون, وإهدار مبدأ استقرار الأوضاع إذا تعارض مع المشروعية. وانـــه يكون من الأفضل الجمع بين المعيارين السابقين, ومحاولة التوفيق فيما بينهم كأســـــاس قانوني سليم لحق الجهة الاداريه فــــي سحب قراراتها المعيبة, فيكون الأساس كالأتي (( ضرورة استقرار المراكز والحقوق القانونية للإفراد مــع الوضع فــــي الاعتبار ضرورة العمل على احترام مبدأ المشروعية)).

ومن أحكام قضائنا الإداري والذي يؤيد هذه الوجهة من النظر (( من المقرر في قضاء هـــذه المحكمة بان سحب القرارات الاداريه لا يجوز حصوله بعد انقضاء ستين يوما على صدورها , ولا اعتبار لما تدفع بـــــه الحكومة من أن المسالة لا تعدو أن تكون خطا وقعت فيه عند حساب مدة خدمه المدعي بسبب عدم دقه الموظفين المختصين , فلما استبان لها هذا الخطأ أصلحته ورده الأمر إلى نصابه الصحيح أخذا بالقاعدة الاصليه , إن الخطاء لا يجوز إغفاله والإبقاء عليه وهــــو لا يكسب احـــــد حقا ويضفي عليه مركزا قانونيا جدير بالاحترام , لأنه يقابل هذه القاعدة قاعدة أصليه أخري , هي أحق بالرعاية وأولي بالتقديم ومـــــن مقتضاها كفاله الاستقرار وتوفير الطمانينه لحفظ المراكز القانونية وجعلها بمناي عــــن الزعزعة والاضطراب ولو كانت مشوبة بعد فوات الوقت الذي عينه القانون للطعن عليها من جانب ذي الشأن عن طريق دعوا الإلغاء........)).

وفـــــي حكم آخر لقضائنا الإداري "إذا تحقق بناء على القرار مــــراكز قانونية فردية تستلزم صالح العمل واستقرار انتظام العاملين وحســن ســير المرافق العامة التي تتولاها الإدارة , إن تستقر تلك المراكز القانونية وتتحصن مـــا دامت قد فاتت على الاداره فرصه تصحيحها خلال مده الطعن القضائي".

وفـــي حكم أخر " مـــــن المبادئ المقررة انه لا يجوز لجهة الاداره سحب قرار إداري أصدرته فـــي حدود اختصاصها أو العدول عنه متي ترتب على هذا القرار حق للغير إذا مضـــت المواعيد المقررة للطعن فيــه بالإلغاء إذا بمضي هـــــذه المواعيد يكتســب القرار الإداري حصانه لا يجوز بعدها سحبة أو إلغاؤه لأي سبب كان ولـــــــو كان خطا أو مخالفا للقانون.

ومن استقراء الإحكام السابقة, يتبين لنا بوضوح إن القضاء مستقر على مبدأ ضرورة اســتقرار الأوضاع والمركز القانونية للإفراد, مع الوضع في الاعتبار ضرورة عدم إهمال مبدأ المشروعية واحترام القانون , فوضع ميعاد للطعن فـــــي القرار المعيب أو التظلم منة يعتبر بلا شك توفيق بين الاعتبارات المختلفة.

التفرقة بين السحب والإلغاء

سوف نتناول التفرقة فيما بين دعوي الإلغاء, والقرار الســـاحب وذلك في النقاط التالية :

أولا : من حيث التعريف:

*سحب القرار الإداري ((هـو قيام الجهة الاداريه بمحو القرار الإداري وإلغاء كافه آثاره, بالنسبة للمستقبل والماضي )) ومــن التعريف يتبين لنا أن الجهة التي تملك سحب القرار الإداري, هي الجهة الاداريه سواء مصدره القرار أو السلطة الرئاسية لها . أما دعوي الإلغاء (( هـي الدعوي التي يرفعها صاحب الشأن أمام القضاء الإداري المختص, للمطالبة بإلغاء قرار إداري نهائي صـدر مخلفا للقانون))
ومـن التعريف يتبين لنا إن الإلغاء هي دعوي قضائية, يرفعها ذوي الشأن للإلغاء القرار الإداري.



ثانيا: من حيث الطبيعة القانونية:

*بالنسبة لقرار السحب فتعرفنا فيما سبق على انه قرار إداري, يخضع لما تخضع لـــه تلك القرارات من أحكام, فيجوز للجهة الاداريه سحبه ونحيل إلى ما سبق.

*إما دعوي الإلغاء, فـــهي دعوي قضائية موضوعية تنصب على القرار الإداري ذاته للمطالبة بإلغائه لعدم مشروعيته , والحكم الصادر فيها حكما قضائيا يتمتع بمـــا تتمتع بــه الإحكام من حجية الشيء المقضي فيه, فلا يجوز الرجوع فيه.



ثالثا: من حيث شروط قبول التظلم أو الطعن:

*بالنسبة لقرار السحب , فيشترط لقبول التظلم المقدم مــن ذوي الشأن أن يكون القرار المراد سحبه مشوبا بعيب عــــــدم المشروعية, وان يتم إجراء السحب في الميعاد المقرر لذلك قانونا .

*أما دعوي الإلغاء , فيشترط لقبولها أن يكون محل الإلغاء قرارا إداريا نهائيا وان يتـم رفع الدعوي فــــي الميعاد المحدد لذلك قانونا وان تتوافر مصلحه مباشره يقرهـا القانون لرافع الدعوى.



رابعا: من حيث أسباب التظلم أو الطعن:

*بالنسبة لقرار السحب, فأسباب سحب القرار الإداري, أوسع من أسباب الطعن بالإلغاء فهي علاوة على احتوائها على الأســـباب التقليدية للطعن بالإلغاء, فإنها تتضمن السـحب لاعتبارات الملائمة, ووفقا لمقتضيات المصلحة العامة .

*أما أســباب الطعن بالإلغاء, فهي مقصورة على عيوب الاختصاص والشــكل والمحل وعيب الانحراف بالسلطة .



خامسا: من حيث المواعيد:

*بالنسبة لقرار السحب , للاداره إن تسحب القرار المعيب جلال ستين يوما مـن تاريخ صدوره , وفـــي حالة رفع دعوي الإلغاء فيكون للاداره الحق فــي أن تسحب القرار ما لم يصدر حكم في الدعوي ,ولكن حق الاداره في هذه الحالة الاخيره يتقيد بطلبات الخصم في الدعوي أي بالقدر الذي تملكه المحكمة "أي مجلس الدولة".

*أما دعوي الإلغاء , تنص المادة 24 مــن قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنه 1972 في فقرتها الأولي على إن " ميعاد رفع الدعوي إمـــام المحكمة فيما يتعلق بطلبات الإلغاء ستون يوما مــــن تاريخ نشر القرار الإداري المطعون فيـه في الجريدة الرسمية أو فـــــي النشرات التي تصدرها المصالح العامة أو إعلان صاحب الشأن به".



سادسا: من حيث طريقة رفع التظلم:

*بالنسبة لقرار السحب , وهنا يكون ذوي الشأن بالخيار بين إن يقدم تظلمه إلى الجهة مصدره القرار ويسمي التظلم فــــي هذه الحالة بالتظلم ألولائي, وإما أن يتقدم بتظلمه إلى الجــــهة الرئاسية للجهة مصدره القرار ويســمي التظلم هنا بالتظلم الرئاسي, ويمتاز هـذا الطريق بالسهولة واليسر, كما انه يحقق مبدأ المشروعية بالاضافه إلى انه يحسم المراكز القانونية وهي في مهدها تفاديا, للوصول بها إلى القضاء .

* أما دعوي الإلغاء , حددت المادة 25 مــــن قانون مجلس الدولة طريقة رفع الدعوي وهـــي "يقدم الطالب إلى قلم كتاب المحكمة المختصة بعريضة موقعة مـــــن محامي مقيد بجدول المحامين المقبولين أما تلك المحكمة, وتتضمن العريضة عـــــــــدا البيانات العامة المتعلقة باسم الطالب ومـــــن يوجه إليهم الطلب وصفاتهم ومحال إقامتهم موضوع الطلب وتاريخ التظلم مـــــن القرار إن كان مما يجب التظلم منة ونتيجة التظلم وبيان بالمستندات المؤيدة للطلب ويرفق بالعريضة صوره أو ملخص من القرار المطعون فيه, ويعيب هـذا الطريق انه وعر المسك شدد الوطأة ويتميز باجراته المعقدة وأطاله أمد التقاضي.
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
اسم الموضوع : سحب القرار الاداري | المصدر : القانون الاداري

youcef66dz

عضو متألق
إنضم
3 أكتوبر 2009
المشاركات
3,788
مستوى التفاعل
113
النقاط
63
رد: سحب القرار الاداري

إضافة مميزة ... بارك الله فيك .
مزيدا من التألق .
 

7anouna

عضو متألق
إنضم
27 سبتمبر 2011
المشاركات
1,105
مستوى التفاعل
23
النقاط
38
الإقامة
ح ـيث ترى الـ ج ـسور
رد: سحب القرار الاداري

شــــكرا لك على الموضوع القيم و المفيد

وبــارك الله فيك ع ـلى هذا المـ ج ـهود

تــ ح ـياتي
 

djamila04

عضو متألق
إنضم
5 أبريل 2011
المشاركات
607
مستوى التفاعل
6
النقاط
18
رد: سحب القرار الاداري

مشكــــــــور على المجهــــــــــود

وبـــــــــــــــارك الله فيــــــــــه
 

المواضيع المتشابهة

أعلى