youcef66dz

عضو متألق
إنضم
3 أكتوبر 2009
المشاركات
3,788
مستوى التفاعل
114
النقاط
63
.../ تابع

الفصل الثاني :
الآليات الدّولية لحماية التّراث العالمي في فترات النّزاع المسلّح .

المبحث الأول : المسؤولية الدولية عن إنتهاك التراث العالمي في زمن النزاع المسلح .
لضمان حماية الممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح ، قررت اتفاقية لاهاي لعام 1954 احكام و قواعد المسؤولية الدولية في حال انتهكت الحماية المقررة لهذه الممتلكات ، و لما كانت انتهاكات قواعد الحماية للممتلكات الثقافية ، لا تقتصر ارتكابها على الدول ، و انما يمكن أن ترتكب أيضا من قبل الافراد . أتفق القائمون على صياغة احكام الحماية في اتفاقية لاهاي لعام 1954 و برتوكوليها الاضافيان ، من خلال العمل على تقرير احكام المسؤولية الجنائية الدولة للإفراد ، حال ثبوت انتهاكهم لقواعد الحماية المقررة للممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح ، و تتحمل الدول في حال مخالفتها للالتزامات الملقاة عل عاتقها في حماية الممتلكات الثقافية ، للمسؤولية الدولية التي تقررها احكام القانون الدولي ، و التي تشابه في احكامها قواعد المسؤولية المدنية التي تنظمها احكام و قواعد القانون الخاص و المتمثلة في رد الممتلكات الثقافية للدولة المالكة فور انتهاء الاعمال العدائية ، و دفع التعويض العيني أو المادي أو كليهما حال استحالة رد تلك الممتلكات ، و بالتالي نستعرض بيان مسؤولية الدولة في المطلب الأول ، بينما نتناول المسؤولية الجنائية الفردية في المطلب الثاني .
المطلب الأول : بيان مسؤولية الدولة .
ورد فى ديباجة اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية فى زمن النزاعات المسلحة من - أن الأضرار التي تلحق بممتلكات ثقافية يملكها أي شعب تمس التراث الثقافي الذي تملكه الإنسانية جمعاء , فكل شعب يساهم بنصيبه فى الثقافة العالمية - ، و ما تضمنته اتفاقية اليونسكو بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر و منع استيراد و تصدير و نقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة التي دخلت حيز النفاذ فى 24 ابريل 1972 ، و التي تقرر واجب كل دولة فى حماية التراث الذي تمثله الممتلكات الثقافية الموجودة فى أراضيها من أخطار النهب و أعمال التنقيب السرية ، و التصدير غير المشروع , كما تقرر التزاما بمكافحة هذه الممارسات بكل وسيلة ممكنة , و خاصة فيما يتعلق بإيقافها أثناء حدوثها , و القضاء على أسبابها و تقديم المساعدة اللازمة لكفالة إعادة الممتلكات المعنية 1.
الفرع الأول : أحكام و قواعد المسؤولية التي وردت بخصوص مسؤولية الدولة في الاتفاقيات الدولية .
إن المعاهدة النموذجية لمنع جرائم انتهاك التراث الثقافي للشعوب الموروث فى شكل ممتلكات منقولة من حيث كونها وسيلة لمنع هذا النوع من الجرائم وكفالة إعادة الممتلكات التي نقلت بطرق غير مشروعة ، و استعادة لما تضمنه إعلان اليونسكو العالمي لعام 2001 بشأن التنوع الثقافي , و الذي تضمن الاعتراف بالتنوع الثقافي باعتباره ( تراثا مشتركا للإنسانية ) تعد حمايته ضرورة أخلاقية ملموسة لا تنفصم عراها عن ضرورة احترام كرامة الكائن
البشري ذاته ، و بالتالي تتجلى من هذا المنطلق مسؤولية الدولية في الحفاظ على التراث العالمي .
1: إعلان القاهرة بشأن حماية الممتلكات الثقافية الصادر في السادس عشر من فبرابر / شباط 2004 .
أولا : قررت المادة (56) من لائحة لاهاي المتعلقة بقواعد و أعراف الحرب البرية لعام 1907 ، اتخاذ الاجراءات القضائية ضد من يقوم عمدا بتدمير او اتلاف المؤسسات المخصصة للعبادة او الممتلكات الفنية و الثقافية و العلمية و الاثار التاريخية ، دونما تحديد لطبيعة الاجراءات الملحقة القضائية هل هي جنائية أم مدنية ، وطنية أم دولية .
ثانيا : نصت اتفاقية لاهاي لعام 1954 في المادة (28) على تعهد الدول الاطراف باتخاذ الاجراءات في تشريعاتها الجنائية التي تكفل محاكمة الاشخاص الذين يخالفون احكام الاتفاقية أو يأمرون بمخالفتها ، و ايقاع جزاءات جنائية أو التأديبية على الاشخاص المخالفين لأحكام الاتفاقية . و حرصت الاتفاقية على الالتزام في اتخاذ اجراءات تشريعية وطنية لمنع و ملاحقة من يحاول المساس بحرمة الممتلكات الثقافية ، و التأكيد على المسؤولية الجنائية لمن يقوم بذلك .
ثالثا : جاء البروتوكول الاول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف ليقرر التكيف القانوني لانتهاك حماية الممتلكات الثقافية المحمية ، باعتبار شن الهجمات عمدا على الممتلكات التاريخية و الثقافية و اماكن العبادة و الاعمال الفنية التي يمكن التعرف عليها بوضوح جريمة حرب ما دامت تتمتع بالحماية الدولية .
رابعا : قرر البروتوكول الثاني لعام 1999 أحكاما مستقلة للولاية القضائية و المسؤولية الجنائية في المواد (15-21) ، و إلزام الدول الاطراف اعتبار الجرائم المنصوص عليها في المواد المذكورة ، جرائم بمقتضى القانون الداخلي و فرض العقوبات على مرتكبي هذه الانتهاكات أو المحرضين على ذلك في إطار مبادئ القانون العام و القانون الدولي ، و فصلت المواد المذكورة الانتهاكات المرتكبة على النحو التالي :
أ‌- يعتبر مرتكبا لجريمة انتهاك الممتلكات الثقافية الشخص الذي يقترف عمدا انتهاك احكام الحماية القانونية للممتلكات الثقافية ايا من قام بالأفعال التالية :
1- الاستهداف أو الهجوم على ممتلكات ثقافية مشمولة بالحماية المعززة .
2- استخدام ممتلكات ثقافية مشمولة بالحماية المعززة لإغراض عسكرية ، أو استخدام أهداف حيوية تقع في جوار هذه الممتلكات في الدعم العسكري .
3- الحاق دمار واسع النطاق او الاستيلاء على ممتلكات ثقافية محمية .
4- ارتكاب عمليا النهب و السرقة أو الاختلاس أو التخريب للممتلكات الثقافية المحمية .
ب‌- تتخذ كل دولة التدابير التشريعية اللازمة لإنشاء دولتها القضائية على الجرائم المذكورة اعلاه في الحالات الاتية :
1- عندما ترتكب الجريمة على اراضيها .
2- عندما يكون المتهم من مواطنيها .
3- عندما يكون المتهم بارتكاب الجريمة متواجدا على اراضيها .
و لا يوجد نص يحول دون تطبيق المسؤولية الفردية أو ممارسة الولاية القضائية بموجب القانون الوطني أو القانون الدولي ، و ينطبق ذلك على الدول الاطراف و غير الاطراف في الاتفاقية و التي تقبل الالتزام بأحكام البروتوكول في حال نزاع مسلح تكون طرف فيه . و لا تنطبق احكام المسؤولية الجنائية او الولاية القضائية على الدول غير الاطراف ، باستثناء مواطني هذه الدول اللذين يخدمون في قوات مسلحة لدولة طرف في هذا البروتوكول . و على الطرف الذي يوجد على أراضيه الشخص المهتم بارتكاب جريمة من الجرائم الثلاث المذكورة اعلاه ، و اذا لم يقم الطرف المعني بتسليم المتهم ، عليه أن يعرض القضية دون تأخير على قضائه الوطني وفقا للإجراءات المعمول بها في قانونه الداخلي ، و قواعد القانون الدولي ذات الصلة ، و يجب أن تكفل كافة الضمانات القضائية المقررة قانونا أثناء محاكمة المتهم 1. و تنطبق على هذه الجرائم قواعد تسليم المجرمين ، إلا أنها لا تعتبر من الجرائم السياسية ، و يجب على الدول الاطراف بذل أكبر قدر ممكن من التعاون فيما يتعلق بالتحقيقات و الإجراءات الجنائية و إجراءات التسليم. كما يجب على الدول الاطراف أن تضمن تشريعاتها الداخلية كل ما يلزم من التدابير والتشريعات ،لأي استخدام ينطوي عليه انتهاك احكام الحماية المخصصة للممتلكات الثقافية و يعتبر أي تصدير أو نقل غير مشروع للممتلكات الثقافية في الاراضي المحتلة انتهاكا لأحكام الحماية 2 .
خامسا : أكد النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية ، الذي دخل حيز النفاذ بموجب ميثاق روما في الاول من يوليو عام 2002 ، على اعتبار أن الهجمات التي تستهدف المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو الخيرية و الاثار التاريخية ، بشرط ألا تكون أهداف عسكرية ، جرائم حرب خطيرة تختص المحكمة بالنظر فيها ، دون المساس باختصاص المحاكم الوطنية وفقا لأحكام القانون الداخلي و القانون الدولي .

1: محمد سامح عمر ، أحكام حماية الممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح و الاحتلال ، ورقة عمل مدرجة في الجزء الأول من مجلد القانون الدولي الانساني - آفاق و تحديات - المؤتمرات العلمية لجامعة بيروت العربية ، منشورات الحلبي الحقوقية .
2: ابراهيم العناني ، الحماية القانونية للتراث الإنسان و البيئة وقت النزاعات المسلحة ، ورقة عمل مدرجة في الجزء الثاني من مجلد القانون الدولي الانساني - آفاق و تحديات - على هامش المؤتمرات العلمية لجامعة بيروت العربية ، المؤتمر السنوي العلمي لكلية الحقوق ، الصادر عن مطبعة الحلبي الحقوقية .
الفرع الثاني : التراث العالمي في الجزائر .
أولا : الجزائر و اليونسكو.
انضمت الجزائر الى اليونسكو في 15 تشرين الأول/أكتوبر 1962 ، و يغطّيها مكتب اليونسكو في الرّباط الذي يشمل أيضا ليبيا و موريتانيا و المغرب و تونس .
حيث أبقت الجزائر على تعاونها الوثيق مع اليونسكو منذ الثمانينيات . و قد أدرج على قائمة التراث العالمي عدد من المواقع مثل طاسيلي ناجر الواقعة في قلب الصحراء الكبرى . و يشكل التراث غير المادي أيضا مجالا هاما للتعاون بين الجزائر و المنظمة ، علما أن الجزائر كانت أولى الدول المصدّقة على اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي . و قد استضافت الجزائر العاصمة في كانون الثاني/يناير 2005 الاجتماع الاقليمي السادس لدعم الاتفاقية ، و تتمثل مجموعة المواقع المدرجة بقائمة التراث العالمي في الأتي 1 :
أ‌- قلعة بني حمّاد : ترتفع بقايا عاصمة إمارة بني حمّاد الأولى في موقع جبلي رائع الجمال ، و قد تأسست في العام 1007 ، و تفكّكت في العام 1152 ، و هي تعيد إلينا الصورة الأصيلة الخاصة ببلدة مسلمة محصّنة و يعتبر المسجد بقاعة الصلاة المؤلفة من 13 صحنا و ثماني فواصل من أكبر مساجد الجزائر.
المرجعية 102، عام التسجيل 1980 ، معايير ( iii ) ، منطقة وسطى .150.0000 Ha
ب‌- تيبازة : تقع على ضفاف البحر المتوسط ، و هي مركز تجاري بوني ( قرطاجي ) قديم . احتلها الرومان و جعلوها قاعدة استراتيجية لفتح الممالك الموريتانية . تشمل مجموعة فريدة من الآثار الفينيقية و الرومانية و المسيحية القديمة و البيزنطية التي تتجاور مع النصب المحلية مثل قبر الرومية ، و هو الضريح الموريتاني الملكي الكبير.
المرجعية 193 ، عام التسجيل 1982 ، معايير ( iii )( iv )، منطقة وسطى 52.1600 Ha .
ت‌- تيمقاد : على المنحدر الشمالي من جبال أوراس ، نشأت تيمقاد من لا شيء عام 100 بعد الميلاد على يد الأمبراطور تراجان كمستوطنة عسكرية . و تشكّل المدينة - بفنائها المربع و تصميمها القائم على الأعمدة الذي يشرف عليها الكاردو و الديكومانوس و هما الطريقان الرئيسيان اللذان يعبران المدينة - مثالا مكتملا للتنظيم المديني الروماني.
المرجعية 194 ، عام التسجيل 1982 ، معايير ( ii )( iii )( iv ) ، منطقة وسطى 90.5400 Ha .
ث‌- جميلة : جميلة أو سويكول بساحتها و هياكلها و كنائسها و أقواس نصرها و منازلها الواقعة كلها على ارتفاع 900 متر عن سطح البحر هي مثال مذهل للتنظيم المدني الروماني الذي يتكيّف مع المواقع الجبلية.
المرجعية 191، عام التسجيل 1982 ، معايير ( iii )( iv )، منطقة وسطى 30.6000 Ha .

1: الموقع الرسمي لليونسكو ، المرجع السابق .
ج‌- طاسيلي ناجّر :يأوي هذا المنظر القمري الغريب الذي يتمتّع بأهمية جيولوجية كبيرة إحدى أكبر المجّمعات الفنية الصخرية التي تعود إلى فترة ما قبل التاريخ في العالم . و يمكن المرء ، عبر 15000 رسم و منحوتة تعود إلى عام 6000 قبل الميلاد و تستمرّ حتى القرون الأولى من عصرنا ، متابعة التغييرات في الطقس و هجرة الثروة الحيوانية و تطوّر الحياة البشرية في غياهب الصحارى . و تشكّل بانوراما التكوينات الجيولوجية مصدر اهتمام استثنائي بفضل - الغابات الصخرية - التي تتشكّل من الصلصال الرملي المتآكل .
المرجعية 179 ، عام التسجيل 1982،معايير ( i )( iii )( vii )( viii )، منطقة وسطى.7200000.0000 Ha
ح‌- وادي مزاب : يبدو منظر وادي مزاب الذي تأسس في القرن العاشر على يد الأباظيين حول قصورهم الخمس أو قراهم المعزّزة ، و كأنه لا يزال على حاله . و قد صمّمت الهندسة المعمارية لمزاب ، و هي بسيطة و عملية و متكيّفة تماما مع البيئة من حولها ، للعيش في الجماعة مع احترام البنى العائلية . إنها مصدر وحي لعلماء التنظيم المدني اليوم .
المرجعية 188 ، عام التسجيل 1982 ، معايير ( ii )( iii )( v ) ، منطقة وسطى .665.0300 Ha
خ‌- قصبة الجزائر :في أحد أجمل المواقع البحرية الواقعة على المتوسط ، تشرف القصبة على الجزر الصغيرة حيث تمّ إنشاء مركز تجاري قرطاجي منذ القرن الرابع قبل الميلاد . و تشكّل القصبة مدينة فريدة من نوعها بين المدن الإسلامية . إنها مكان ذكريات بقدر ما هي مكان تاريخي ، فهي تضم بقايا قلعة و مساجد قديمة و قصورا عثمانية ، بالإضافة إلى بنية حضرية تقليدية تتميّز بروح العيش مع الجماعة .
المرجعية 565 ، عام التسجيل 1992 ، معايير ( ii )( v ) ، منطقة وسطى 60.0000 Ha.
ثانيا : التشريع الوطني الجزائري ذو الصلة .
صادَّقت الجزائر على اتفاقية اليونسكو بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة لعام 1970 ، و اتفاقية المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص المتعلقة بالممتلكات الثقافية المسروقة أو المصدرة بطرق غير مشروعة لعام 1995 ، و اتفاقية عام 1973 المتعلقة بحماية التراث العالمي الثقافي و الطبيعي ، و أنها اعتمدت تشريعات وطنية تمتثل لهذه الصكوك .
كما اعتمدت القانون رقم 98-4 المؤرّخ 15 حزيران/يونيه 1998 و المتعلق بحماية التراث الثقافي ، الذي يعاقَب بموجبه على الجرائم المرتكبة ضد الممتلكات الثقافية بالحبس لمدة تتراوح بين ستة أشهر و خمس سنوات و غرامة مالية كبيرة . و تشمل هذه الجرائم ما يلي : سرقة أو إخفاء الأشياء المكتشفة أثناء عمليات التنقيب أو الأبحاث التي تجرى تحت سطح البحر و الأشياء المسجلة في قوائم الجرد أو الأشياء المصنَّفة أو الأشياء المتأتّية من تفكيك أو تجزئة ممتلكات ثقافية غير منقولة . و يحظر هذا القانون أيضا التصدير غير المشروع للممتلكات الثقافية المنقولة سواء كانت أو لم تكن مصنّفة أو مسجّلة أو في قائمة جرد ، و كذلك الاستيراد غير القانوني للممتلكات الثقافية المنقولة التي يعترف بلدها الأصلي بقيمتها التاريخية أو الفنية أو الأثرية 1. و علاوة على ذلك ، اعتمدت الجزائر القانون رقم 05-06 المؤرّخ 23 آب/ أغسطس 2005 المتعلق بمكافحة التهريب .
1: القانون رقم 98-4 المؤرّخ 15 حزيران/يونيه 1998 و المتعلق بحماية التراث الثقافي .
و بموجب هذا القانون ، يعاقَب على تهريب التحف الفنية أو الممتلكات الأثرية بالحبس من سنة واحدة إلى خمس سنوات و بغرامة تساوي قيمة الممتلكات . و تشدَّد العقوبة ، على سبيل المثال ، عندما يرتكب تهريب الممتلكات الثقافية من قِبل ثلاثة أشخاص فأكثر ، أو عندما تكتشف البضائع المهرَّبة داخل تجويفات أو أيِّ أماكن أخرى مهيّأة خصيصا لغرض أنشطة التهريب ، أو عندما يرتكب تهريب الممتلكات الثقافية باستعمال وسائل النقل أو الأسلحة النارية . و يفرض القانون نفسه أيضا التزاما بالإبلاغ عن أفعال التهريب. و تشدَّد العقوبة إذا كان مرتكب التهريب مهنيا يتعامل مع الممتلكات الثقافية . و يسمح القانون بتخفيف العقوبة عندما يتعاون المجرم تعاونا فعّالا مع سلطات إنفاذ القانون و في حالة استخدام أساليب التحرّي الخاصة 1 .
المطلب الثاني : بيان المسؤولية الجنائية الفردية .
بإعتبار أن كل مظاهر التعدي على التراث العالمي بمختلف صوره ، هو فعل مجرم وفق الاتفاقيات الدولية التي تلزم الأطراف المتعاقدة بسن تشريعات وطنية تتصدى لها ، و تعاقب مرتكبيها بالجزاء الرادع . إلا أن نقص التشريعات الجنائية المتوائمة مع طبيعة الجرم المتمثل في الإعتداء على التراث العالمي ، يعتبر عقبة رئيسية في سبيل حماية الممتلكات الثقافية . حيث أن دول كثيرة إلى ليس لديها تشريعات جنائية محدَّدة لحماية الممتلكات الثقافية . و يحظر بعض البلدان سرقة الممتلكات الثقافية و يعاقب عليها بموجب القانون الجنائي العام ، بالطريقة نفسها التي يتصدّى بها لسرقة أيِّ شيء آخر ، دون إبلاء اعتبار لطابعها الخاص و قيمتها. و هناك بلدانا عديدة عرَّفت الجرائم على نحو صارم و دقيق فيما يتعلق بالاتّجار بالممتلكات الثقافية و ما يتصل به من جرائم 2 ، و أنها تفرض على مرتكبيها عقوبات قاسية.
الفرع الأول : المسؤولية الجنائية الفردية في القانون الدولي .
أولا : المسئولية الجنائية الفردية .
ورد بيان المسؤولية الجنائية الفردية بنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما في 17 تموز / يوليه 1998 ، و يتضمن التصويبات التي عممها الوديع في:25 أيلول/سبتمبر1998 و18أيار/مايو1999.في المادة 25ما يلي :
1- يكون للمحكمة اختصاص على الأشخاص الطبيعيين عملاً بهذا النظام الأساسي.
2- الشخص الذي يرتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة يكون مسئولاً عنها بصفته الفردية و عرضة للعقاب وفقاً لهذا النظام الأساسي.
3- وفقاً لهذا النظام الأساسي , يسأل الشخص جنائياً ويكون عرضة للعقاب عن أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة في حال قيام هذا الشخص بما يلي :
أ ) ارتكاب هذه الجريمة سواء بصفته الفردية أو بالاشتراك مع آخر أو عن طريق شخص آخر , بغض النظر
1: أنظر مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية ، وثيقة تطبيق الدول الأطراف اتفاقيةَ الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظَّمة عبر الوطنية على الجرائم المرتكبة ضد الممتلكات الثقافية ، CTOC/COP/WG.2/2012/3 و CTOC/COP/WG.3/2012/4 ، فيينا ، 15 و 16 و 18 تشرين الأول/أكتوبر 2012 .
2: أنظر ، نفس المرجع السابق .
عما إذا كان ذلك الآخر مسئولاً جنائياً.
ب‌) الأمر أو الإغراء بارتكاب , أو الحث على ارتكاب جريمة وقعت بالفعل أو شرع فيها.
ج ) تقديم العون أو التحريض أو المساعدة بأي شكل آخر لغرض تيسير ارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها , بما في ذلك توفير وسائل ارتكابها.
د ) المساهمة بأية طريقة أخرى في قيام جماعة من الأشخاص , يعملون بقصد مشترك , بارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها , على أن تكون هذه المساهمة متعمدة و أن تقدم :
1- إما بهدف تعزيز النشاط الإجرامي أو الغرض الإجرامي للجماعة , إذا كان هذا النشاط أو الغرض منطوياً على ارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة .
2- أو مع العلم بنية ارتكاب الجريمة لدى هذه الجماعة.
و ) الشروع في ارتكاب الجريمة عن طريق اتخاذ إجراء يبدأ به تنفيذ الجريمة بخطوة ملموسة , و لكن لم تقع الجريمة لظروف غير ذات صلة بنوايا الشخص , ومع ذلك , فالشخص الذي يكف عن بذل أي جهد لارتكاب الجريمة أو يحول بوسيلة أخرى دون إتمام الجريمة لا يكون عرضة للعقاب بموجب هذا النظام الأساسي على الشروع في ارتكاب الجريمة إذا هو تخلى تماماً و بمحض إرادته عن الغرض الإجرامي.
4- لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي يتعلق بالمسئولية الجنائية الفردية في مسئولية الدول بموجب القانون الدولي 1 .
ثانيا : أسباب امتناع المسئولية الجنائية .
و حددت المادة 31 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أسباب امتناع المسؤولية الجنائية بالتالي :
1- بالإضافة إلى الأسباب الأخرى لامتناع المسئولية الجنائية المنصوص عليها في هذا النظام الأساسي لا يسأل الشخص جنائياً إذا كان وقت ارتكابه السلوك :
أ ) يعاني مرضاً أو قصوراً عقلياً يعدم قدرته على إدراك عدم مشروعية أو طبيعة سلوكه , أو قدرته على التحكم في سلوكه بما يتمشى مع مقتضيات القانون.
ب‌) في حالة سكر مما يعدم قدرته على إدراك عدم مشروعية أو طبيعة سلوكه أو قدرته على التحكم في سلوكه بما يتمشى مع مقتضيات القانون , ما لم يكن الشخص قد سكر باختياره في ظل ظروف كان يعلم فيها أنه يحتمل أن يصدر عنه نتيجة للسكر سلوك يشكل جريمة تدخل في اختصاص المحكمة أو تجاهل فيها هذا الاحتمال.
ج ) يتصرف على نحو معقول للدفاع عن نفسه أو عن شخص آخر أو يدافع في حالة جرائم الحرب عن ممتلكات

1: نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما في 17 تموز / يوليه 1998 ، المادة 25 .
2: نفس المرجع السابق ، المادة 31 .
لا غنى عنها لبقاء الشخص أو شخص آخر أو عن ممتلكات لا غنى عنها لإنجاز مهام عسكرية ضد استخدام وشيك وغير مشروع للقوة , و ذلك بطريقة تتناسب مع درجة الخطر الذي يهدد هذا الشخص أو الشخص الآخر أو الممتلكات المقصود حمايتها , و اشتراك الشخص في عملية دفاعية تقوم بها قوات لا يشكل في حد ذاته سبباً لامتناع المسئولية الجنائية بموجب هذه الفقرة الفرعية.
د ) إذا كان السلوك المدعى أنه يشكل جريمة تدخل في اختصاص المحكمة قد حدث تحت تأثير إكراه ناتج عن تهديد بالموت الوشيك أو بحدوث ضرر بدني جسيم مستمر أو وشيك ضد ذلك الشخص أو شخص آخر , و تصرف الشخص تصرفاً لازماً و معقولاً لتجنب هذا التهديد , شريطة ألا يقصد الشخص أن يتسبب في ضرر أكبر من الضرر المراد تجنبه , و يكون ذلك التهديد :
- صادراً عن أشخاص آخرين.
- أو تشكل بفعل ظروف أخرى خارجة عن إرادة ذلك الشخص.
2- تبت المحكمة في مدى انطباق أسباب امتناع المسئولية الجنائية التي ينص عليها هذا النظام الأساسي على الدعوى المعروضة عليها.
3- للمحكمة أن تنظر أثناء المحاكمة في أي سبب لامتناع المسئولية الجنائية بخلاف الأسباب المشار إليها في الفقرة 1 في الحالات التي يستمد فيها هذا السبب من القانون الواجب التطبيق على النحو المنصوص عليه في المادة 21 , و ينص في القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات على الإجراءات المتعلقة بالنظر في هذا السبب.
الفرع الثاني : المسؤولية الجنائية الفردية في القانون الوطني الجزائري .
أولا : القانون رقم 98-4 المؤرّخ 15 حزيران/يونيه 1998 و المتعلق بحماية التراث الثقافي .
لقد أرست الجزائر مفهوم حماية التراث العالمي الذي جاءت به الاتفاقيات الدولية ، و القائم على الاحترام و الوقاية من خلال سن تشريعات في المنظومة التشريعية للدولة ، الهدف منها هو التعريف و الحماية و التثمين . ( يهدف هذا القانون إلى التعريف بالتراث الثقافي للأمة ، و سن القواعد العامة لحمايته و المحافظة عليه و تثمينه و يضبط شروط تطبيق ذلك ) 1 . حيث جسد القانون مجموعة من الجزاءات الرادعة لمخالفة مضمونه كالأتي2 :
1- المـــادة 95 : يعاقب بالحبس من سنتين (2) إلى خمس (5) سنوات ، و بغرامة مالية من 100.000 دج الى 200.000 دج أو بإحدى العقوبتين فقط ، دون المساس بأي تعويضات عن الأضرار و مصادرات ، عن المخالفات الآتية :

1: القانون رقم 98-4 المؤرّخ 15 حزيران/يونيه 1998 و المتعلق بحماية التراث الثقافي ، المادة 1 ، الصادر بالجريدة الرسمية ، العدد 44 للسنة الخامسة و الثلاثون ، بتاريخ 17 يونيو 1998 ، ص 04 .
2: نفس المرجع ، المواد 95 ، 96 ، 97 ، 98 ، 99 ، 100 ، 101 ، 102 ، 103 ، 104 .
-بيع أو إخفاء أشياء متأتية من عمليات حفر أو تنقيب،مكتشفة بالصدفة أو أثناء القيام بأبحاث أثرية مرخص بها،
-بيع أو إخفاء أشياء متأتية من أبحاث أجريت تحت مياه البحر،
-بيع أو إخفاء ممتلكات ثقافية مصنفة أو مسجلة في قائمة الجرد الإضافي و كذلك الممتلكات الثقافية المتأتية من تقطيعها أو تجزئتها،
-بيع أو إخفاء عناصر معمارية متأتية من تقطيع ممتلك ثقافي عقاري أو عقاري بالتخصيص أو تجزئته.
2- المـــادة 96 : يعاقب كل من يتلف أو يشوه عمدا أحد الممتلكات الثقافية المنقولة أو العقارية المقترحة للتصنيف او المصنفة أو المسجلة في قائمة الجرد الاضافى ، دون المساس بأي تعويض عن الضرر ، بالحبس مدة سنتين (2) إلى خمس (5) سنوات ، و بغرامة مالية من 20.000 دج إلى 200.000 دج و تطبق العقوبة نفسها على كل من يتلف أو يدمر أو يشوه عمدا أشياء مكتشفة أثناء أبحاث أثرية.
3- المـــادة 97 : يترتب على التصرف ، دون ترخيص مسبق ، في ممتلك ثقافي عقاري أو منقول مصنف أو مسجل في قائمة الجرد الإضافي إلغاء عقد التصرف دون المساس بالتعويضات عن الأضرار.
4- المـــادة 98 : يعاقب بغرامة مالية من 2.000 دج الى 10.000 دج ، دون المساس بالتعويضات عن الاضرار على المخالفات المتمثلة فى شغل ممتلك ثقافى عقارى مصنف أو استعماله استعمالا لا يطابق الارتفاقات المحددة و المذكورة فى الترخيص المسبق الذي سلمه الوزير المكلف بالثقافة.
5- المـــادة 99 : يعاقب كل من يباشر القيام بأعمال إصلاح لممتلكات ثقافية عقارية مقترحة للتصنيف أو مصنفة و للعقارات المشمولة فى المنطقة المحمية ، أو إعادة تأهيلها ، أو ترميمها أو اضافة اليها أو استصلاحها أو اعادة تشكيلها أو هدمها ، بما يخالف الاجراءات المنصوص عليها فى هذا القانون ، بغرامة مالية من 2.000 دج الى 10.000 دج دون المساس بالتعويضات عن الاضرار. تطبق العقوبة نفسها على كل من يباشر أشغالا مماثلة فى عقارات مصنفة أو غير مصنفة و مشمولة تقع فى محيط قطاعات محفوظة.
6- المـــادة 100 : يعاقب على كل مخالفة لأحكام هذا القانون تتعلق بالإشهار ، و تنظيم حفلات ، و أحد صور و مشاهد فوتوغرافية و سينمائية ، أو تتعلق بأشغال منشآت قاعدية ، و اقامة مصانع أو اشغال كبرى عمومية أو خاصة ، أو تشجير أو قطع اشجار بغرامة مالية من 2.000 دج الى 10.000 دج.
7- المادة 101 : يجب على كل حارس لممتلك ثقافى منقول مصنف أو مسجل فى قائمة الجرد الاضافى و على كل مؤتمن عليه أن يبلغ خلال الاربع و العشرين (24) ساعة عن اختفاء هذا الممتلك و فى حالة عدم قيامه بذلك يعاقب بالحبس من ستة (6) أشهر الى سنتين (2) و بغرامة مالية من 100.000 دج الى200.000 دج أو بإحدى العقوبتين فقط.تضاعف العقوبة فى حالة العود.
8- المـــادة 102 : يتعرض كل من يصدر بصورة غير قانونية ممتلكا ثقافيا منقولا مصنفا أو غير مصنف ،مسجلا أو غير مسجل فى قائمة الجرد الاضافى لغرامة مالية من 200.000 دج الى 500.000 دج ،
و بالحبس من ثلاث (3) سنوات الى خمس (5) سنوات. و فى حالة العود تضاعف العقوبة.
و يتعرض للعقوبة نفسها كل من يستورد بصورة غير قانونية ممتلكا ثقافيا منقولا يعترف بقيمة التاريخية أو الفنية أو الأثرية فى بلده الأصلي.
9- المــادة 103 : يعاقب بغرامة مالية من 50.000 دج الى 100.000 دج كل من ينشر فى التراب الوطنى أو خارجه أعمالا ذات صبغة علمية يكون موضوعها وثائق غير مطبوعة محفوظة فى الجزائر و تخص التراث الثقافى دون ترخيص من الوزير المكلف بالثقافة.
و يمكن الجهة القضائية ، فضلا عن ذلك ، أن تأمر بمصادرة العمل المنشور.
10- المـــادة 104 : يعاقب المالك أو المستأجر أو أي شاغل آخر حسن النية لممتلك ثقافى عقاري مصنف أو مسجل فى قائمة الجرد الاضافى ، يعترض على زيارة رجال الفن المؤهلين خصيصا للعقار بغرامة مالية من 1.000 دج الى 2.000 دج. و فى حالة العود تضاعف العقوبة.
و تكون معنية كذلك :
- العقارات المشمولة فى منطقة حماية الممتلك الثقافى المصنف،
- العقارات المشمولة فى محيط قطاع محفوظ.
ثانيا : القانون رقم 05-06 المؤرّخ 23 آب/ أغسطس 2005 المتعلق بمكافحة التهريب .
إن القانون رقم 05-06 المؤرّخ 23 آب/أغسطس 2005 ، بشأن تهريب البضائع يتضمن أحكاما بشأن المساعدة القانونية المتبادلة في حالات تهريب الممتلكات الثقافية من أجل منع تلك الجرائم و التحقيق فيها و مكافحتها بمزيد من الفعالية . وحدّدت أن المساعدة القانونية المتبادلة تمنح على أساس معاهدة أو مبدأ المعاملة بالمثل أو تشريع وطني و إذا طلبت كتابة عن طريق البريد أو بالطرق الإلكترونية و كانت مصحوبة بكل المعلومات ذات الصلة ، وفق ما تبينه المواد التالية :
1- المادة 10 : يعاقب على تهريب ( .... أو التحف الفنية أو الممتلكات الأثرية .... ) ، بالحبس من سنة (1) واحدة إلى خمس (5) سنوات و بغرامة تساوي خمس (5) مرات قيمة البضاعة المصادرة . عندما ترتكب أفعال التهريب من طرف ثلاثة (3) أشخاص فأكثر ، تكون العقوبة الحبس من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات و غرامة تساوي عشر (10) مرات قيمة البضاعة المصادرة . عندما تكتشف البضائع المهربة داخل مخابئ أو تجويفات أو أي أماكن أخرى مهيأة خصيصا لغرض التهريب تكون العقوبة الحبس من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات و غرامة تساوي عشر (10) مرات قيمة البضاعة المصادرة 1 .

1: القانون رقم 05-06 المؤرّخ 23 آب/ أغسطس 2005 المتعلق بمكافحة التهريب ، الصادر بالجريدة الرسمية ، العدد 59 للسنة الثانية و الأربعون ، بتاريخ 28 غشت 2005 ، ص 05 ، المادة 10.

المبحث الثاني : الأجهزة الدولية المعنية بحماية التراث العالمي .
ورثت البشرية حضارات و ثقافات عديدة و مختلفة ساهمت كل منها و بشكل عميق في تشكيل طبيعته الحالية. مما يفرض عليهم حماية هذه الحضارات و الثقافات و الحفاظ عليها ، بل و يعززوا تطورها. ونتيجة لهذا ، ظهرت منظمات دولية عالمية ، و أخرى دولية إقليمية تعمل على التصدي للتخريب المتعمد لأي جزء من التراث الإنساني . من منطلق أن التراث العالمي عامل أساسي في تشكيل الهوية الثقافية لشعب ما ، و موروث جامع . و بالتالي تمثلت الأجهزة الدولية المعنية بحماية التراث العالمي في منظمة اليونسكو ، و الشرطة الجنائية كآلية لتنفيذ الاتفاقيات ، و كذا المحكمة الجنائية الدولية كآلية لمحاكمة مرتكبي الجرائم في حق التراث العالمي .
المطلب الأول : دور المنظمات الدولية في حماية التراث العالمي .
إن ما يمثله التراث العالمي من عناصر فاعلة في حماية الهويات الحضارية و تحصين الذاتيات الثقافية للشعوب و الأمم ، ومَدِّها بمقومات الثبات و المناعة ، استلهاما من روح الاتفاقيات و القوانين الدولية و الأعراف الإنسانية الداعية إلى عمارة الكون و حماية التراث العالمي الإنساني و تنوّعه باعتباره رصيدا حضاريا للإنسانية ، و وعيا بما يتعرض له التراث الثقافي العالمي من مخاطر مدمرة من جراء الحروب و العداء ، و بمسؤولية الإنسان في عمارة الأرض و إصلاحها و عدم إفسادها 1 .
الفرع الأول : الوسائل الدولية .
أولا : التعاون الدولي .
حدد البرتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي 1954 في الفصل السادس المسائل المؤسسية لحماية التراث العالمي ، القائمة بالأساس على التعاون الدولي في مختلف صوره الممكنة ، بالأتي :
أ‌- التقاء الأطراف .
1- يدعى الأطراف إلى الاجتماع في نفس الوقت الذي ينعقد فيه المؤتمر العام لليونسكو و بالتنسيق مع اجتماع الأطراف السامية المتعاقدة إذا كان المدير العام هو الداعي إلى ذلك الاجتماع .
2- يعتمد اجتماع الأطراف نظامه الداخلي .
3- يضطلع اجتماع الأطراف بالمهام التالية :
أ ) انتخاب أعضاء اللجنة وفقاً للفقرة 1 من المادة 24 .
ب‌) التصديق على المبادئ التوجيهية التي تعدها اللجنة وفقا للفقرة الفرعية 1 ( أ ) من المادة 27 .
1: أنظر بيان الدوحة ، للندوة الدولية للعلماء ، حول الإسلام و التراث الثقافي الدوحة ، دولة قطر : 16-15 من شوال 1422 ه 30-31 كانون الأول / ديسمبر 2001 م ، ص 01 .
ج ) إعداد مبادئ توجيهية تسترشد بها اللجنة في استخدام أموال الصندوق و الإشراف على ذلك الاستخدام .
د ) النظر في التقرير الذي تقدمه اللجنة وفقاً للفقرة الفرعية 1 (د) من المادة 27 .
هـ) مناقشة أي مشكلات تنشأ بصدد تطبيق هذا البروتوكول وإصدار توصيات بشأنها حسب الاقتضاء .
4- يدعو المدير العام إلى انعقاد اجتماع استثنائي للأطراف بناءً على طلب خُمس عدد الأطراف على الأقل 1.
ثانيا : لجنة حمية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح .
1- تنشأ بموجب هذا لجنة لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح ، تتألف من اثنى عشر طرفاً ينتخبهم اجتماع الأطراف .
2- تجتمع اللجنة في دورة عادية مرة في السنة و في دورات استثنائية كلما ارتأت ضرورة ذلك .
3- عند البت في عضوية اللجنة ، يسعى الأطراف إلى ضمان تمثيل عادل لمختلف المناطق و الثقافات في العالم
4- تختار الأطراف الأعضاء في اللجنة ممثليها من بين أشخاص مؤهلين في ميادين التراث الثقافي أو الدفاع أو القانون الدولي و تسعى ، بالتشاور فيما بينها ، إلى ضمان أن اللجنة في مجموعها تضم قدرا كافيا من الخبرة المتخصصة في كل هذه الميادين 2 .
ثالثا : صندوق حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح .
1- ينشأ بموجب هذا صندوق للأغراض التالية :
أ ) تقديم مساعدة مالية أو غير مالية لدعم التدابير التحضيرية والتدابير الأخرى التي تتخذ في وقت السلم وفقاً لأحكام من بينها أحكام المادة 5 ، و الفقرة الفرعية (ب) من المادة 10 ، و المادة 30 .
ب) تقديم مساعدة مالية أو غير مالية بصدد تدابير الطوارئ أو التدابير المؤقتة أو غيرها من التدابير التي تتخذ من أجل حماية الممتلكات الثقافية أثناء فترات النزاع المسلح أو فترات العودة إلى الحياة الطبيعية فور انتهاء العمليات الحربية وفقاً لأحكام من بينها أحكام الفقرة الفرعية ( أ ) مـن المادة 8.
2- ينشئ الصندوق حساباً لأموال الودائع وفقاً لأحكام النظام المالي لليونسكو.
3- لا تستخدم المبالغ المدفوعة من الصندوق إلا للأغراض التي تقرها اللجنة وفقاً للمبادئ التوجيهية كما تحددها الفقرة الفرعية 3 ( ج ) من المادة 23. وللجنة أن تقبل مساهمات يقصر استخدامها على برنامج أو مشروع معين شريطة أن تكون اللجنة قد قررت تنفيذ ذلك البرنامج أو المشروع.
4- تتكون موارد الصندوق مما يلي :أ ) مساهمات طوعية يقدمها الأطراف / ب) مساهمات أو هبات أو وصايا تقدمها :1- دول أخرى / 2- اليونسكو أو منظمات أخرى تابعة للأمم المتحدة / 3- منظمات أخرى دولية حكومية

1: المادة 23 ، البروتوكول الثاني الملحق باتفاقية لاهاي ، نفس المرجع .
2: نفس المرجع ، المادة 24 .
أو غير حكومية / 4- هيئات عامة أو خاصة أو أفراد: ج ) أي فوائد تدرها أموال الصندوق / د ) الأموال المحصلة من عمليات جمع الأموال وإيرادات الأحداث التي تنظم لصالح الصندوق / هـ) سائر الموارد التي ترخص بها المبادئ التوجيهية المطبقة على الصندوق 1 .
بالإضافة للفصل السابع نشر المعلومات و المساعدة الدولية ، حيث وردت المــادة الثلاثون المحددة لنشر المعلومات و المــادة الحادية و الثلاثون التعاون الدولي : في حالات حدوث انتهاكات خطيرة لهذا البروتوكول ، تتعهد الأطراف بأن تعمل - جماعة عن طريق اللجنة أو فرادى - في تعاون مع اليونسكو و الأمم المتحدة ، و بما يتفق مع ميثاق الأمم المتحدة . و المــادة الثانية و الثلاثون المتضمنة آليات المساعدة الدولية ، و المــادة الثالثة و الثلاثون المتضمنة مساعدة اليونسكو.
و تطبيقا لقرار مجلس الأمن رقم 1483 - الذي طلب من منظمة اليونسكو و من المنظمة الدولية للشرطة الجنائية و المنظمات الأخرى المساعدة في تطبيق الفقرة السابعة من هذا القرار - قامت منظمة اليونسكو و المنظمة الدولية للشرطة الجنائية بتاريخ 07/07/2003 بالتوقيع على اتفاق التعديل لاتفاقية التعاون المبرمة بين المنظمتين منذ عام 1999 2 .
الفرع الثاني : الجهود الدولية .
أولا : عمل اليونسكو.
اليونسكو هي احدى الوكالات المتخصصة التابعة لمنظمة للأمم المتحدة ، نشأت عام 1945 أعقاب انعقاد مؤتمر وزراء التربية و التعليم ف لندن ، حيث اشترك فبه مندوبون من اربع و اربعين دولة و قد سميت منظمة الأمم المتحدة للتربية و الثقافة و العلوم . و عرفت فيما بعد بمجموع الحروف الأولى من تسميتها الانجليزية يونسكو و هي تتكون من ثلاث هيئات رئيسية : الجمعية العامة ، و المجلس التنفيذي ، و الأمانة العامة . و لها ميثاق تأسيسي تم اعتماده في لندن بتاريخ 16 تشرين الثاني 1945 ، يتألف من خمسة عشرة مادة . هدفها الرئيسي هو الاسهام في الامن والسلم الدوليين عن طريق تشجيع التعاون بين الأمم في مبادئ التربية و العلوم و الثقافة 3.
من أعمالها :
- اتفاقية حماية تنوّع أشكال التعبير الثقافي و تعزيزها لعام 2005 .
- اتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادي لعام 2003 .
- اتفاقيّة بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه 2001 .
1: المادة 39 ، من البروتوكول الثاني الملحق باتفاقية لاهاي ، المرجع السابق .
2: الموقع الرسمي لليونسكو ، المرجع السابق .
3: د.أحمد بدر ، الاعلام الدولي دراسات في الاتصال و الدعاية ، دار غريب للطباعة القاهرة ، 1977 ، ص 179 - 180 .
- اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي و الطبيعي لعام 1972 .
- اتفاقية بشأن التدابير الواجب اتخاذها لحظر و منع استيراد و تصدير و نقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة لعام 1970 .
- لاتفاقية الدولية لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح لاهاي 1954 1.
و غير من الاتفاقيات و الاعمال في صيغة برامج دولية تسعى من خلالها لتجسيد أهدافها في العالم .
ثانيا : عمل الامم المتحدة .
لقد لقيت حماية و اعادة التراث العالمي ، من اجل الحفاظ على القيم الثقافية و تنميتها بين الشعوب ، قدرا كبيرا من الاهتمام في الأمم المتحدة . و بيان ذلك نلخصه في مجموعة من الأعمال التالية :
- ادراج مسألة رد الممتلكات الثقافية لأول مرة في جدول اعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثامنة و العشرين ، المنعقدة عام 1973 ، بناء على طلب دولة زائير .
- و في دورتها الرابعة و الثلاثين صدقت 43 دولة على اتفاقية اليونسكو لعام 1970 ، و أصدرت القرار رقم 34/64 المؤرخ في 11 تشرين الثاني 1977 ، و فيه مناشدة للدول الاعضاء على تشجيع وسائل الاعلام الجماهيرية و العمل على نشر الوعي فيما يتعلق برد و اعادة الممتلكات الثقافية الى بلدانها الاصلية .
- اعربت الجمعية العامة في القرار رقم 35/128 المؤرخ في 11 كانون الاول 1980 ، تأييدها للنداء الذي وجهه المدير العام لليونسكو في 7 حزيران 1978 المتعلق بإعادة التراث الثقافي .
- القرار الذي اصدرته الجمعية العامة رقم 50/56 المؤرخ في كانون الاول 1995 المتعلق بالتأكيد على ضرورة اعادة الممتلكات الثقافية 2 .
بالإضافة الى جهود دولية أخرى ، تسعى في نفس الاتجاه مثل : المنظمة الإسلامية للتربية و العلوم و الثقافة ( إيسيسكو( ، و المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم ( أليكسو ( . و مدى التعاون بينهم تحقيقا للأهداف السامية في الحفاظ على التراث العالمي ، فقد جاء في بيان الدوحة ( إن منظمة الأمم المتحدة للتربية و العلم و الثقافة ( اليونسكو) و المنظمة الإسلامية للتربية و العلوم و الثقافة ( الإيسيسكو ) و المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم ( الأليكسو ) باعتبارها معبرة عن الضمير الثقافي الإنساني ، الدولي و الإسلامي و العربي :
1: الموقع الرسمي لليونسكو ، المرجع السابق .
2: د.علي خليل اسماعيل الحديثي ، حماية الممتلكات الثقافية في القانون الدولي ، دار الثقافة للنشر و التوزيع عمان ، الطبعة الأولى ، 1999 ، ص 132 إلى 136 .
ــ إيماناً بما يمثله التراث الثقافي من عناصر فاعلة في حماية الهويات الحضارية وتحصين الذاتيات الثقافية للشعوب و الأمم ، و مَدِّها بمقومات الثبات و المناعة ،
ــ و استلهاماً من التعاليم السماوية و القوانين الدولية و الأعراف الإنسانية الداعية إلى عمارة الكون و صلاح الإنسان وحماية التراث الإنساني و تنوّعه باعتباره رصيداً حضارياً للإنسانية ،
ــ و وعياً بما يتعرض له التراث الثقافي العالمي من مخاطر مدمرة من جراء الحروب و العداء و سوء فهم الدين ، و بمسؤولية الإنسان في عمارة الأرض و إصلاحها و عدم إفسادها ،
ــ و مراعاة لطبيعة الظروف و التحولات التي يمر بها العالم ،
عقدت الندوة الدولية للعلماء حول " الإسلام و التراث الثقافي " ، بدولة قطر في الدوحة بتاريخ 16-15 شوال 1422 هـ الموافق لـ 31-30 كانون الأول / ديسمبر 2001 م 1.
المطلب الثاني : اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بنظر الجرائم المرتكبة في حق التراث العالمي .
تعتبر الجرائم المرتكبة في حق التراث العالمي ، من الجرائم الدولية شديد الخطورة ، طبقا للنظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 . و بالتالي تخضع لاختصاص المحكم الجنائية الدولية .
الفرع الأول : التكييف القانوني .
كيفت جرائم التعدي على التراث العالمي ، كجرائم حرب طبقا للمادة الثامنة من النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية و هذا نصها :
المــادة 8 جرائم الحرب
1- يكون للمحكمة اختصاص فيما يتعلق بجرائم الحرب , و لاسيما عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم.
2- لغرض هذا النظام الأساسي تعني " جرائم الحرب " :
أ ) الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة 12 آب / أغسطس 1949 , أي أي فعل من الأفعال التالية ضد الأشخاص , أو الممتلكات الذين تحميهم أحكام اتفاقية جنيف ذات الصلة :
4 " إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات و الاستيلاء عليها دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك و بالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة.
ب‌) الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقوانين و الأعراف السارية على المنازعات الدولية المسلحة في النطاق الثابت
للقانون الدولي , أي فعل من الأفعال التالية :
1: أنظر بيان الدوحة ، المرجع السابق .
2 " تعمد توجيه هجمات ضد مواقع مدنية , أي المواقع التي لا تشكل أهدافاً عسكرية.
3 " تعمد شن هجمات ضد موظفين مستخدمين أو منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام عملاً بميثاق الأمم المتحدة ماداموا يستخدمون الحماية التي توفر للمدنيين أو للمواقع المدنية بموجب قانون المنازعات المسلحة.
4 " تعمد شن هجوم مع العلم بأن هذا الهجوم سيسفر عن خسائر تبعية في الأرواح أو عن إصابات بين المدنيين أو عن إلحاق أضرار مدنية أو إحداث ضرر واسع النطاق وطويل الأجل وشديد للبيئة الطبيعية يكون إفراطه واضحاً بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة الملموسة المباشرة.
5 " مهاجمة أو قصف المدن أو القرى أو المساكن أو المباني العزلاء التي لا تكون أهدافاً عسكرية بأية وسيلة كانت.
9 " تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية , والآثار التاريخية , والمستشفيات وأماكن تجمع المرضى والجرحى شريطة ألا تكون أهدافاً عسكرية.
13 " تدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها ما لم يكن هذا التدمير أو الاستيلاء مما تحتمه ضرورات الحرب.
16 " نهب أي بلدة أو مكان حتى وإن تم الاستيلاء عليه عنوة.
23 " استغلال وجود شخص مدني أو أشخاص آخرين متمتعين بحماية لإضفاء الحصانة من العمليات العسكرية على نقاط أو مناطق أو وحدات عسكرية معينة.
24 " تعمد توجيه هجمات ضد المباني والمواد والوحدات الطبية ووسائل النقل والأفراد من مستعملي الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف طبقاً للقانون الدولي.
و بالتالي بتأمل النصوص الجنائية الوارد بالمادة الثامنة ، تلحظ بأن التراث العالمي أخذ نصيب وافر باعتبارها ملك للبشرية كلها و ليس للدولة التي توجد بها فقط 1 . و عليه يجب ملاحقة و متابعة الأشخاص الذين ينتهكون نصوص الاتفاقية الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية ، قصد القضاء على تاريخ بعض الأمم ذات الحضارات العريقة و توقيع العقاب اللازم .
الفرع الثاني : الجرائم المرتكبة في حق القدس كتراث العالمي بين التأصيل و الواقع .
تعد مدينة القدس بكل ما فيها من آثارًا تاريخية للمسلمين و المسيحيين و الإنسانية ، و أهم آثارها هو المسجد الأقصى الذي بني قبل الميلاد بأكثر من ألفي سنة ، و هو ثاني مكان للعبادة بعد المسجد الحرام في مكة . و القدس هي أكثر الأماكن قدسية عند المسيحيين ، و لهم فيها كنيسة القيامة التي بنيت في القرن الرابع الميلادي .
حريق المسجد الأقصى .
1: د.عبد الفتاح بيومي حجازي ، المحكمة الجنائية الدولية ، دار الفكر مصر ، 2003 ، ص 794 و 795 .
و يأتي حريق المسجد الأقصى في إطار سلسلة من الإجراءات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية منذ عام 1948 لطمس الهوية الحضارية الإسلامية لمدينة القدس ، ففي يوم 21/8/1969 قطعت سلطات الاحتلال الإسرائيلية المياه عن منطقة الحرم ، و منعت المواطنين العرب من الاقتراب من ساحات الحرم القدسي ، في الوقت الذي حاول فيه أحد المتطرفين اليهود إحراق المسجد الأقصى 1 .
حيث اندلعت النيران بالفعل و كادت تأتي على قبة المسجد لولا استماتة المسلمين و المسيحيين في عمليات الإطفاء التي تمت رغما عن السلطات الإسرائيلية ، و لكن بعد أن أتى الحريق على منبر صلاح الدين و اشتعلت النيران في سطح المسجد الجنوبي و سقف ثلاثة أروقة . و ادعت إسرائيل أن الحريق بفعل تماس كهربائي ، و بعد أن أثبت المهندسون العرب أنه تم بفعل فاعل ، ذكرت أن شابا أستراليا هو المسؤول عن الحريق و أنها ستقدمه للمحاكمة ، و لم يمض وقت طويل حتى ادعت بأن هذا الشاب معتوه ثم أطلقت سراحه .
استنكرت معظم دول العالم هذا الحريق ، و اجتمع مجلس الأمن و أصدر قراره رقم 271 لسنة 1969 بأغلبية أحد عشر صوتا و امتناع أربع دول عن التصويت من بينها الولايات المتحدة الأميركية ، و الذي أدان إسرائيل و دعاها إلى إلغاء جميع التدابير التي من شأنها تغيير وضع القدس. وجاء في القرار أن "مجلس الأمن يعبر عن حزنه للضرر البالغ الذي ألحقه الحريق بالمسجد الأقصى يوم 21/8/1969 تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي ، و يدرك الخسارة التي لحقت بالثقافة الإنسانية نتيجة لهذا الضرر ". و ذكّر بيان مجلس الأمن الدولي بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاصة ببطلان إجراءات إسرائيل التي تؤثر في وضع مدينة القدس ، و بتأكيد مبدأ عدم قبول الاستيلاء على الأراضي بالغزو العسكري ، و نص على أن " أي تدمير أو تدنيس للأماكن المقدسة أو المباني أو المواقع الدينية في القدس ، أو أي تشجيع أو تواطؤ للقيام بعمل كهذا يمكن أن يهدد بشدة الأمن والسلام الدوليين 2 ".
و أضاف المجلس أن تدنيس المسجد الأقصى يؤكد الحاجة الملحة إلى منع إسرائيل من خرق القرارات التي كان المجلس و الجمعية العامة قد أصدراها بخصوص القدس ، و إلى إبطال جميع الأعمال و الإجراءات التي اتخذها لتغيير وضع المدينة المقدسة . و دعا إسرائيل إلى عدم إعاقة المجلس الإسلامي الأعلى في القدس عن أداء مهامه ، بما في ذلك طلب المجلس مساعدات من الدول ذات الأغلبية المسلمة للقيام بعمليات ترميم و إصلاح الأماكن الإسلامية في القدس .
1: د. خالد عزت ، التهويد الثقافي و الإعلامي لمدينة القدس ، بحث مقدم لندوة القدس العالمية ، ص 05.
2: نفس المرجع ، ص 07 .
أولا : ردود فعل إسلامية .
عم الغضب الدول العربية و الإسلامية ، و اجتمع قادة هذه الدول في الرباط يوم 25/9/1969 و قرروا إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي التي ضمت في حينها 30 دولة عربية و إسلامية ، و أنشأت صندوق القدس عام 1976 ثم في العام التالي أنشأت لجنة القدس للمحافظة على مدينة القدس و مقدساتها الإسلامية ضد عمليات التهويد التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلية 1 .
ثانيا : حفريات إسرائيلية تحت الحرم.
تعد الحفريات التي تقوم بها جماعة أمناء الهيكل تحت المسجد الأقصى من أهم الأخطار التي تحيق به ، و قد بدأت هذه الحفريات منذ عام 1967 تحت البيوت و المدارس و المساجد العربية بحجة البحث عن هيكل سليمان ، ثم امتدت في عام 1968 تحت المسجد الأقصى نفسه ، فحفرت نفقا عميقا و طويلا تحت الحرم و أنشأت بداخله كنيسا يهوديا. و لقيت هذه الحفريات استنكارا دوليا واسع النطاق ، فعلى سبيل المثال أصدر المؤتمر العام الثامن عشر لليونسكو قراره رقم 427/3 الذي يدين فيه إسرائيل لاستمرارها في حفرياتها و عبثها بالطابع الحضاري لمدينة القدس عموما و للمسجد الأقصى على وجه الخصوص 2 .
و أخيرا ...، نضع مجموعة من الحقائق الجديرة بالبحث حول القدس الشريف كتراث عالمي ، كان من الأولى أن يعنى بحقه مما جاء بالاتفاقيات الدولية ، و لكن مع الأسف كانت ازدواجية المعايير تقف حائلا دون ذلك ..!!
 ففي الإسلام كان أبو بكر الصديق يخاطب جنوده قائلاً : ( كلما تقدمتم ستجدون أناسا تفرغوا للعبادة في أديرتهم ، اتركوهم و شأنهم ، لا تقتلوهم و لا تدمروا أديرتهم ) .
 و مسيحيو نجران فكان لهم العهد : ( إن حماية الله سبحانه و تعالى و ضمانة نبيه محمد صلى الله عليه و سلم تشمل نجران و ما حولها ، كما تشمل ممتلكاتهم و أشخاصهم و عبادتهم غائبهم و حاضرهم و معابدهم و ما من صغيرة و كبيرة توجد بحوزتهم ) .
 قال إيمير دي فاتيل في القرن 18 : ( - مهما كان السبب في تخريب بلد ما يجب عدم الاعتداء على معالم العمارة التي هي شرف الإنسانية . - يغدو عدواً للبشرية ذلك الشخص الذي يحرمها من هذه الآثار الفنية و هذه النماذج من الذوق ) .

1: د. خالد عزت ، التهويد الثقافي و الإعلامي لمدينة القدس ، المرجع السابق ص 09.
2: نفس المرجع ، ص 11 .
 أما القانون الدولي الحديث ففيه : إعلان بروكسل 1874 ، و اتفاقية لاهاي 1899 ، و اتفاقية لاهاي 1907 ، و لجنة الحرب الجوية 1922 – 1923 ، و اتفاقيات جنيف 1949 ، و اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حال النزاع المسلح 1954 ، و البرتوكول الاول التابع لها 1954 ، و المؤتمر الدبلوماسي حول إعادة تأكيد و تطوير القانون الدولي الإنساني الذي يطبق على النزاعات المسلحة - جنيف 1974 إلى 1977 ، و البرتوكول الثاني التابع لاتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حال النزاع المسلح 1999 ..... أقرت كلها ما يلي : ( الممتلكات الثقافية بصفتها ممتلكات مدنية هي محمية بموجب جميع هذه الأحكام . و يحظر استخدامها لأغراض عسكرية كما يحظر مهاجمتها عن قصد . و ينبغي توخي الحيطة أثناء الهجوم و الدفاع لتفادي تعريضها للخطر كما يحظر نهبها ) .
 النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما في يوليو/تموز 1998 يقرر أن من جرائم الحرب : ( تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية والآثار التاريخية ) .
 إن حماية الممتلكات الثقافية جزء من القانون الدولي الإنساني .
 إن تدمير الممتلكات الثقافية لا يستهدف فقط الممتلكات المقصودة . إن تدمير الممتلكات الثقافية يهدف دائما إلى تدمير السكان في تلك الاماكن .
 حماية الممتلكات الثقافية ليس المقصود منها هو حماية الآثار فحسب و إنما حماية ذاكرة الشعوب و ضميرها الجماعي وهويتها.
 هل يمكن التصور في الأذهان فقط ... ( الجيزة في مصر دون الأهرام ، و أثينا دون بارثينون ، و باريس دون كنيسة نوتر دام ، و الهند دون تاج محل ، و القدس دون قبة الصخرة و المسجد الأقصى و كنيسة القيامة ...) .
 أليس هذا بمثابة انتزاع جزء من هوية كل واحد منا ؟
 إن الثقافة التي من المفروض أن توحد بين البشر رغم اختلافهم و تساهم بالتالي في تعزيز و سائل الدفاع عن السلم هي أيضاً ما يفرق بينهم.
 و في هذه الظروف ليس من الغريب أن تفضي الحرب إلى تدمير الآثار و أماكن العبادة و الأعمال الفنية التي تعد من بين أكبر إبداعات العقل الإنساني.
 إن ما يحدث في فلسطين ، منذ اكثر من ستين عاما و الممتلكات الثقافية تتعرض لتدمير مقصود و ممنهج يهدف الى الغاء كل ما هو فلسطيني على هذه الارض من بشر و شجر و حجر ، تدمير المدن و الممتلكات و نهبها ، حيث تم تدمير البنية العمرانية في معظم المدن التي احتلت عام 1948 ، كما تم تدمير المئات من القرى و الحقول و المزارع و القلاع و الحصون ، أما المساجد فلم يتم الاكتفاء بتدمير المئات منها بل حول الكثير منها الى استعمالات اخرى غير لائقة و غير اخلاقية .
 تتعرض الاماكن و المقدسات الاسلامية و المسيحية باستمرار لكل انواع الاستهداف الثقافي و التاريخي و المادي بواسطة المصادرة و منع الترميم و الصيانة و اعمال التخريب المباشرة و التي اخطرها الحفريات تحت المسجد الاقصى .
 فأين مسؤولية اليونسكو .. !! ؟؟
 فاتفاقية عام 1954 تسند مسؤولية تنفيذ أحكامها إلى عدة جهات من أهمها منظمة اليونسكو ..
- ان الحرب المستمرة على الملكيات الثقافية للشعب الفلسطيني و التي كان اخرها الحرب المدمرة على قطاع غزة اثبتت ان المؤسسات الدولية تقف عاجزة امام تعجرف دولة الاحتلال و جبروتها ...
- و لكن ان كانت هذه المؤسسات عاجزة عن الفعل فلا اقل من ان تقول كلمة الحق ...
- اننا اذ نقدر الدور الكبير الذي تقوم به اليونسكو تجاه القضية الفلسطينية و الشعب الفلسطيني نطالبها بمزيد من الجرأة في تبيان جرائم الاحتلال ضد تراث الشعب الفلسطيني و هويته الثقافية ... حيث لماذا تذكر نشرة اليونسكو رقم CLT/CIH/MCO/2008/PI/69/REV !! ؟؟ نماذج من الاعتداءات على التراث الثقافي للشعوب إلا الشعب الفلسطيني فلا تشير اليه ابدا . و لماذا يصدر قانون دولي لمحكمة جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة ...؟ . و لا يصدر مثل هذا القانون و تشكل هذه المحكمة في فلسطين ...؟ .
- اننا نطالب اليونسكو و هي الراعي الرئيسي اليوم للتراث العالمي حول العالم ان تعمل على تطبيق اتفاقية لاهاي 1954 بشان حماية الملكيات الثقافية اثناء النزاعات المسلحة ، كما نطالبها بمزيد من الجهد من اجل فضح ممارسات الاحتلال ضد التراث الثقافي الفلسطيني ، و نذكرها بأن هذا الواجب علمي ثقافي انساني لا دخل له بالسياسة ، و نذكرها بما قاله البروفسور زئيف هيرتسوغ من اسرائيل : ( ما يحصل لنا في إسرائيل هو أننا لا نريد علم الآثار علما مستقلا , نريد للآثار أن تثبت الرواية التاريخية التوراتية ، و هذا معاكس ليس للعلم فقط بل للحقيقة التاريخية أيضا . و إذا أردنا أن يكون لنا مكان محترم في الأكاديمية الدولية فعلينا أن نلتزم بأحكام العلم لا بأحكام السياسة و الايدولوجيا ) 1 .


1: تقرير عن انتهاكات إسرائيل للتراث العالمي في فلسطين ، مقدم بمناسبة اليوم العالمي للتراث 18 أبريـــل 2009 ، عن الجامعة الاسلامية في غزة ، كلية الهندسة ، مركز عمارة التراث قسم الهندسة المعمارية .

الخاتمة .
مما تقدم بحثه في هذه المحاولة ، تبين أن التراث العالمي كمسمى حديث لمفهوم قديم نوعا ما ، و المتمثل في الممتلكات الثقافية لشعوب العالم . حيث فرضه الواقع المدّمر الناتج عن الحروب و النّزاعات المسلحة ، التي مرّ بها الانسان في التاريخ القديم و المعاصر . مما أدى بتطور إطار القانون الدولي الانساني ، فلم يعد يهتم بالفرد البشري كإنسان يؤسس التشريعات لحمايته ، بل أصبح يهتم بالتشريع لحماية التراث العالمي ، بإعتبارة موروث بشري إنساني له علاقة جوهرية بوجود البشرية و تواصل الاجيال ، و من ثمّ أصبح التراث العالمي مسألة حيوية في وقتا الحاضر ، يتجلى من خلال توسع مفهومه ليشمل كل ما هو مادي و غير مادي ، بل يتعداه لما في البحار و المحيطات ، و كذلك ظهور فكرة التنوع الثقافي للشعوب و أحقيتها بالحماية و الصون . و الآن الدراسات جارية في البحث عن التراث العالمي الرقمي الذي يعتبر من مستجدات العصر الحديث بدخول العالم و البشرية زمن الرقمية و الحاسوب . و بالتالي نخلص للنتائج التالية :
• للتراث العالمي في القانون الدولي قواعد قانونية ، استنبطت من الاتفاقيات الدولية ذات الطابع العالمي و الاقليمي ، و المتمثلة في اتفاقية لاهاي لعامي 1899 و 1907 ، و اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح لعام 1954 ، و اتفاقية اليونسكو لعام 1970 ، تقر بالحق في الحماية و الصون من الاندثار و الزوال في زمن النزاعات المسلحة ، و بمفهوم المخالفة ندرك أن حمايتها في زمن السّلم أولى و واجب على المجموعة الدولية .
• إن التراث العالمي إذا كان يهدده خطر الاندثار و الزوال في زمن الحرب عن الطرق التعدي بالقصف و التفجير إلى غيره من الوسائل الحربية ، فإنه يواجه الخطر نفسه بل أشد بوسائل التعدي مثل السرقة و المتاجرة الغير شرعية و التداول الغير مشروع بصفة عامة ، في اطار الجرائم المنظمة العابرة للحدود الوطنية ، مما رسخ مبدأ استرداد التراث العالمي لبلده الاصلي كمبدأ من مبادئ القانون الدولي ، و حق مقرر لصالح الدولة التي انتزع من اقليها تحت أي مسمى .
• إن الجهود الدولية الحثيثة المسخرة لحماية التراث العالمي في صورها العديدة ، ضمن إطار منظمات دولية عالمية مثل منظمة الامم المتحدة أو منظمة اليونسكو ، و منظمات دولية اقليمية مثل المنظمة الإسلامية للتربية و العلوم و الثقافة ( الإيسيسكو ) و المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم ( الأليكسو ) دلالة كافية لمكانة التراث العالمي لدى شعوب العالم و من خلاله هذه المنظمات التي تمثل ضميره الناطق .
• اعتبار التعدي على التراث العالمي من الافعال المكيفة ضمن جرائم حرب وفق الاتفاقيات الدولية و تحديد المادة الثامنة من نظام روما الاساسي للمحكم الجنائية الدولية .
على ضوء هذه النتائج نخلص لمجموعة من الاقتراحات و التوصيات التالية :
1- ضرورة الأخذ وحدة المعايير في تعامل المجتمع الدولي بمسألة من مسائل التراث العالمي .
2- تطوير آليات العلاقة في إطار منظمة اليونسكو ، فلا يكفي إصدار التوصيات فقط دون عدم وجود آلية ملزمة لتنفيذ قراراتها المنبثقة عن مؤتمراتها .
3- تجنب التفسيرات المغرضة و التي في الغالب تكون لصالح اتجاهات سياسية و ايديولوجية ، لقرارات مجلس الامن و تطبيقاتها على ميادين الثقافة و التربية بشكل شامل .
4- ضرورة تطوير القانون العربي للآثار ، بما يساير الاتفاقيات الدولية . و اجادة آلية قانونية فاعلة تجاه ما يحدث للتراث العالمي بفلسطين .
5- تطوير الاجهزة الفنية و الأمنية المتخصصة لمواجهة جريمة التعدي على التراث العالمي على مستوى الدول ، ضمن أجهزتها التنفيذية .
6- تطوير المنظومة التشريعية الداخلية للدول ، و الخاصة بحماية التراث العالمي ، تجريما و جزاءا .
7- ضرورة ربط الاجيال القادمة بالتراث العالمي من خلال تطوير المنظومة التربوية و التعليمية بإبراز أهميته و تدريسه في مختلف أطورا الدراسة ، بما يناسب كل مرحلة .

( ... و أخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين ) 1

1: سورة يونس الآية 10 .
 
التعديل الأخير:

halafleur

عضو متألق
إنضم
18 مارس 2013
المشاركات
730
مستوى التفاعل
38
النقاط
28
رد: مذكرة تخرج ليسانس ل م د تخصص قانون دولي 2012/2013 الفصل الثاني.

جزاك الله خير الجزاء
ايها الفارس المعطاء
دمت نبراسا للمنتدى
يضيء اينما حل
شكرا لك على هذا الموضوع القيم
 
المواضيع المتشابهة المنتدى التاريخ
karim كتب و مذكرات وأبحاث القانونية 4 9K
O قسم الماستر و الدكتوراه 2 1K
ا كتب و مذكرات وأبحاث القانونية 1 2K
zino2132 قسم الماستر و الدكتوراه 0 806
امير المنتدى قسم الماستر و الدكتوراه 1 1K
Y كتب و مذكرات وأبحاث القانونية 4 11K
Y كتب و مذكرات وأبحاث القانونية 2 6K
Y كتب و مذكرات وأبحاث القانونية 1 10K

المواضيع المتشابهة

أعلى